قديم 07-01-2006, 12:35 PM   #1
محمد صادق
المشرف العام
 
تاريخ التّسجيل: Sep 2005
الإقامة: مملكة البحرين
المشاركات: 459
إرسال رسالة عبر MSN إلى محمد صادق إرسال رسالة عبر بريد الياهو إلى محمد صادق
شرح مفصل لقصيدة وصف إيوان كسرى للبحتري

المقطع ( أ ) : وصف حالة الشاعر وذكرياته المؤلمة .
امتطى البحتري مطيته حاملاً همومه إلى بلاد الفرس البالية ، لعله يجد في مصيبتها بفقد أهلها ما يخفف من مصيبته وفجيعته بفقد المتوكل وشعوره بالجفوة من قبل المنتصر
( ابن المتوكل ) ، تذكر أولئك الذين كانوا يعيشون مطمئنين في ظل الملك العظيم ( القصر الأبيض ) العالي الشاهق الذي من شدة ارتفاعه يتعب العيون ويضعفها ، وهكذا هي الحياة فالمصائب تذكر وتنسى ، فالمصيبة الكبيرة تنسينا الصغيرة ، أو الصغيرة تذكر بالكبيرة ....
لكن كل شيء قد تغير فأصبح هذا القصر خالياً من الناس ، فتصدع البيان ، ينطق بفجيعة من كانوا فيه ، فالليالي بمصائبها وكوارثها قد صيرته بعد أن كان سكن للملوك الحافل بأعراس الزمان مكاناً مأتمياً ، هو والقبر سواء ، ولكنه رغم ما كان عليه من بؤس وتداعي وتهدم – شأن نفسية الشاعر – صبر متماسك ينطق بعظمة القوم وأصالتهم تاريخياً ورقيهم فناً وعمراناً .

مواطن الجمال :
( حضرت رحلي الهموم ) استعارة مكنية ، صور فيها الشاعر الهموم شيئاً مادياً يُحمل ، وسر جمالها تجسيم المعنوي في صورة حسية .
( أبيض المدائن ) كناية عن موصوف هو قصر كسرى أنوشروان الأبيض .

( أتسلى عند الحظوظ ) استعارة مكنية ، صور الحظوظ بإنسان يتسلى عنده ، وسر جمالها التشخيص .

( ذكرتنيهم الخطوب ) استعارة مكنية ، صور الخطوب .....

( وهم خافضون ) كناية عن رفاهية العيش والاطمئنان .
( ظال عالٍ مشرف ) كناية عن صفة علو القصر والارتفاع .

( الليالي جعلت فيه مأتماً بعد عرس ) استعارة مكنية ، صور الليالي شيئاً مخيف فهي كالإنسان يحول الفرح إلى حزن . القيمة الفنية للصورة التجسيم .
( مأتماً بعد عرس ) كناية عن الحزن والألم . .
( مأتماً ) استعارة تصريحية صور الحزن كالمأتم . شبه الحال التي كان فيها بالعرس وصرح بالمشبه به . وفيه طباق بين حالتين متضادتين .

( وهو ينبيك ) استعارة مكنية ، صور القصر بالإنسان المخبر . وسر جمالها التشخيص .
( عجائب قوم ) كناية عن عظمة الفرس تأريخياً وعراقتهم فناً وعمراناً .

تلك الصور جزئية ، إلا أن البيتين ( 4 ، 5 ) يمثلان صورة كلية للقصر تتمثل فيها براعة البحتري في وصف وإحياء الجماد ، ففيها الحركة " خافضون ، مشرف ، يحسر ، يخسي
اللون : الظل ، الصوت " المأتم والعرس " .

المحسنات البديعية :
( تذكر وتنسي ) طباق لتقوية المعنى وتوكيده .
( مأتماً وعرساً ) طباق لتقوية المعنى وتوكيده .
وكما يقال وبضدها تتميز الأشياء .
( يحسر ويخسي ) لتقوية المعنى وإبرازه .
( آسى ، ساسان ) لإعطاء الجرس الموسيقي وإبراز المعنى .

الموسيقى :
البحتري متألق في إحياء الموسيقى الخارجية في شعره عن طريق المشاكلة بين الألفاظ والمعاني والتوافق الصوتي بين الحروف والكلمات " آسى وساسان ، يحسر ويخسي "
إضافة إلى الموسيقى الخارجية الوزن ( البحر الخفيف ) والقافية ( السين ) .

الأساليب :
خبرية لإظهار الأسى والحسرة ( 1 ، 2 ، 3 ، 4 ، 5 ) وتعظيم الفرس ( 4 ، 6 )

الألفاظ :
استخدم الشاعر الألفاظ المناسبة للتعبير عن حالته النفسية من الحزن والأسى " حضرت رحلي الهموم ، أتسلى عند الحظوظ ، ذكرتنيهم الخطوب ، مأتماً بعد عرس " . ويلاحظ أن الشاعر في هذه الفقرة يستخدم ألفاظ بدوية مثل " رحلي ، عنسي " .

المقطع ( ب ) : وصف صورة لمعركة انطاكية .
يقترب الشاعر من إحدى لوحات القصر ، وهي تمثل مشهداً لمعركة دارت قرب انطاكية ما بين الجيشين الفارسي والرومي فيهتف :
إذا نظرت إلى صورة معركة أنطاكية التي دارت بين الروم والفرس أصابك الفزع فهي صورة ناطقة تتمثل فيها كل مظاهر القتال ، ففيها ترى المنايا متحفزة لخطف الأرواح وكسرى أنوشروان يقود الجيش تحت الراية الكبرى المطرزة وهي راية الفرس المقدسة ترمز للانتصار ، وقد لبس ملابساً خضراء وركب جواداً أسوداً يتحرك مزهواً بكسوته الصفراء المصبوغة بالورس . ويدور العراك أمام كسرى في جديدة فالكلام همس ؛ لأن الصورة لا تظهر الصوت ، ولكنها تظهر الحركة فهذا فارس يقظ ينقض برمحه على عدوه وهو ينظر من طرف خفي وراءه حتى لا يؤخذ على غرة وذلك فارس آخر حريص على توقي الطعن والضرب بترسه ، إذا رأتهم العين في الصورة حسبتهم أحياءً يتحركون ولكنهم خرس لا ينطقون بل يتفاهمون بالإشارة ، وحينما وقفت أمام هذه الصورة توهمتهم أحياء وزاد في شكي فلم أعرف الحقيقة إلا بعد أن لمستهم بيدي .

العاطفة المسيطرة على الشاعر وأثرها على الألفاظ :
الإعجاب بتلك المعركة وقوة وشجاعة الفرس ، لذلك نجده ينقلنا إلى جو المعركة وإن كانت رسماً لذلك يستعمل "إذا" الشرطية الدالية على التحقيق ليؤكد ذلك ، ويجعل جوابها
"ارتعت" ليوحي بعنفها ، ويذكر الألفاظ الملائمة لها مثل "المنايا ، الدرفس ، عراك ، رمح ، السنان ، ترس" ويشير إلى الإنهاك والجد في المعركة بقوله : "في خفوت منهم وإغماض جرس " كما نجد "درفس" الفارسية ، "ورس" بدوية .

الصور :
رسم البحتري في هذا الجزء صورة كلية للمعركة كما تمثلها الرسوم على الجدران ، فأنت تحس الحركة في "المنايا هوائل ، يزجي الصفوف ، يختال ، عراك الرجال ، مشيح ، يهوي، مليح بترس ،جد أحياء " وتسمع الصوت في " خفوت ، جرس" وترى اللون في
" اخضرار ، اصفرار، صبيغة ورس " والتصوير الكلي يعتمد على نظرة شاملة للموضوع.
والصوت والحركة وفي خلال هذه اللوحة الفنية جاءت صور بيانية جزئية . ففي البيت السابع "أنطاكية" مجاز مرسل عن المعركة علاقته المحلية فالصورة للمعركة وانطاكية محلها . و"ارتعت" كناية عن قوة التعبير في الرسم حتى إنك تفزع وتظن الأمر حقيقة .
وفي البيت الثامن "المنايا مواثل" استعارة مكنية شبه المنايا بأشخاص مستعدين لتنفيذ الأوامر وحذف المشبه به ودل عليه بشيء من خصائصه وهو " مواثل" وسر جمالها التشخيص والتجسيم وفيها إيحاء بكثرة القتلى وشدة المعركة . وفي البيت العاشر
"بين يديه" كناية عن أمامه . وفي البيت الثاني عشر " تصف العين أنهم جد أحياء لهم بينهم إشارة خرس "تشبيه تمثيل ، فقد شبه هيئة الجنود وحركاتهم وإشاراتهم في الرسم في الرسم بهيئة أشخاص أحياء يتفاهمون بالإشارة لأنهم خرس . وفيه إيحاء ببراعة الرسم وقوة التعبير .

المحسنات البديعية :
المقابلة بين شطري البيت 11 .
( مواثل – يزجي ) طباق لتقوية المعنى وإبرازه . ( روم وفرس )
( مشيح – مليح ) الجناس الناقص لإضافة الجرس الموسيقى .

الأساليب :
خبرية الوصف وإظهار الإعجاب بروعة الرسم .

المقطع ( ج ) وصف صورة الإيوان .
هذا الإيوان العظيم المستقر في قلب الجبل يثير الإعجاب والدهشة في صمته كأنه ترس ، وفي حزنه كأنه يتهالك على فراق أحبته كمن أكره على تطليق عروسه وشقيقة روحه ، وحتى الحظ عندما صار إليه العكس وانقلب نحساً ، ثم تلتمع في مخيلته برؤى الأخيلة السعيدة ، فيراه مجالاً رافلاً بحلل النعيم والحرير ، مغرقاً بمظاهر السعادة ، عالٍ بشرفاته المرتفعة كأنها فوق جبل رضوى أو القدس ، بل يخيل إليه على أجنحة هذا الحلم أن القصر عامر كما كان بمراتب القوم ، وأبناء الطبقات المختلفة ، غاصاً بالوفود التي تقف خلف بعضها صفوفاً حاسرة كليلة ، فهذا الجو المثير المبهج للنظر كأنه يوحي بأن انقضاءه كان من يوم أو اثنين لا غير ، لم يتحسر على تلك الديار البائدة التي امتلأت بالفرح مدة طويلة ، لكنها الآن أصبحت موطناً للحزن والأسى .

العاطفة المسيطرة على الشاعر :
الإعجاب بالإيوان وعظمة بنائه ، والأسى والحسرة على ما آل إليه حاله ، وهو إنما يتحسر على حاله هو فما الإيوان كما قلنا ... إلا أن الصورة لنفس الشاعر المتهدمة المليئة بالأسى والحسرة .

الصور :
14( كأن الإيوان من عجب الصنعة جرب ) شبه الإيوان في صمته وعظمته بالترس وهي توحي بالقوة أو بالفتحة الواسعة في وسط الجبل لاتساعه .

15البيت كناية عن الحزن والمعاناة وتوحي بالاستمرار لاستخدام الشاعر لفظي ( مصبح ممسي ) .
( يتظنى من الكآبة ) استعارة مكنية صور الإيوان إنساناً كئيباً ، وسر جماله التشخيص .

16 البيت ( استعارة مكنية ) صور الإيوان إنساناً حزيناً على فراق أحبته ( تشخيص ) فهو إما منزعج لفراق وليفه أو تعب لفراق عروسه و في المعنى ترادف للتوكيد .

17 ( عكست حظه الليالي ) استعارة مكنية ، صور الليالي إنساناً قادراً على تغيير الوضع أو الحال .
( بات المشتري فيه ) كناية عن صفة ، وهو كوكب نحس ، كناية عن صفة النحس .

19 ( مشمخر ) كناية عن صفة العلو والارتفاع والصمود .

( 20 – 22 ) تشبيهات تصورها الشاعر . وفيها صورة كلية بما فيها من صوت
صوت الزحام – صوت العزاء والسرور
الحركة وقوف القوم وتزاحمهم ، اللقاء والفراق
اللون : ألوان الوفود بملابسهم المختلفة .

23 ( غمرت للسرور دهراً ) كناية عن صفة السعادة والطمأنينة ، فصارت للتعزي رباعهم والتأسي : كناية عن صفة الحزن وضياع السعادة والطمأنينة .

المحسنان البديعية :
- الطباق ( مصبح – ممسي )
( منزعجاً وآنس )
المقابلة بين شطري البيت ( 22 و23 )
( جوب – جنب ) جناس ناقص ، لإضفاء النغم الموسيقي .

الموسيقى :
خارجية ناتجة عن الوزن والقافية والجناس وأيضاً ناتج عن المشاركة بين الألفاظ والحروف والكلمات فقد كرر حرف السين ثماني عشرة مرة ومعروف أنه حرف صفيري فيه همس وذلك يناسب موقف الخوف والتوجس لدى الشاعر .

الألفاظ استخدم البحتري الألفاظ عن إعجابه بالإيوان وبراعة صنعه " كأنه من عجب الصنعة جوب ، بسط الديباج ، ستور الدمقس ، مشمخر " وعن أساه وحسرته : " الكآبة،
مزعجاً بالفراق ، مرهقاً بتطليق عرس ، عكست حظ الليالي ، نحس ، التعزي والتأسي . كما يستخدم ألفاظاً فارسية " الديباج ، الدمقس ، وأخرى بدوية " أرعن ، جلس "

الأساليب :
خبرية لإظهار الأسى والحسرة والحزن ( 23 ، 22 ، 16 ، 15 ) وتعظيم البناء
( 21 ، 20 ، 19 ، 18 ، 14 )

خامساً / التعليق :
هذا النص من شعر الوصف ال1ي تطور في العصر العباسي فتناول مظاهر جديدة ، وموضوع هذه القصيدة جديد في الشعر الوصفي ، فهي أول قصيدة تتناول الآثار بهذه الطريقة الشاملة لبيان النقوش وارتفاع البناء وتشخيص الجوامد وبعث الحياة فيها ، ومزج النفس بها واستقراء التاريخ وأخذ العظة من أحداثه . وإذا كان الشعراء القدامى وقفوا على الأطلال ووصفوا الديار وسألوها عن الأحبة فإن الفرق واضح بين الموضوعين والاتجاهين.

وقد تأثر بهذه القصيدة أمسر الشعراء – أحمد شوقي – في العصر الحديث حين نفي إلى الأندلس ورأى آثار المسلمين هناك فقال قصيدة طويلة تعبر عن خواطره وحنينه إلى مصر وتسير على وزن قصيدة البحتري وقافيتها السينية ( ويسمى هذا الشعر بشعر المعارضات ) ومطلعها :
اختلاف الليل والليل ينسي اذكر لي الصبا وأيــــــام أنسي
وسلا مصر هل سلا القلــب أو أسا جرحه الزمان المؤسي

خصائص أسلوب البحتري :
1) الأفكار : فيها تأمل وتسلسل لكنها بعيدة عن التعقيد والغموض فهي واضحة تكشف عن صفاء الذهن وحسن التفكير .
2) الصور : تعتمد على التصوير الكلي والتصوير الخيالي والجزئي وتدل على قوة العاطفة وصدقها ودقة الحس وبراعة التكوين ، والجمع بين اللون والصوت والحركة والهيئة ، وتعبر عن إعجاب بالحضارة الفارسية في البناء والرسم كما توحي بما يعتلج في نفس الشاعر من هموم وآلام .
3) التعبير : يقوم على مبدأ انتقاء الألفاظ وحسن تنسيقها وإحكام صياغتها والبعد عن الغرابة والتنافر ، ولا عجب في ذلك فالبحتري إمام الشعراء في فن الصياغة حتى وصف شعره ( بالسلاسل الذهبية ) فهو الشاعر المطبوع الزاهد في المحسنات البديعية . وفد استعمل ألفاظاً فارسية تدل على تأثره بلغتهم مثل "درفس" .
4) الموسيقى الخارجية : من البحر الخفيف وحرف السين الذي يتميز بالهمس ؛ لأنه خائف متوجس .

تبدو بعض ملامح شخصية البحتري من خلال النص : فهو مخلص لصديقه المتوكل ، وحزين لما أصابه من غدر وخيانة على يد ابنه المنتصر وقد نوّه بذلك في شعره مما كان له الأثر في جفاء ابن المتوكل له ، وقيامه بهذه الرحلة للمدائن ، وهو فنان يتذوق الرسم ويتأثر به ، وهو منصف غير متعصب فلم يمنعه إخلاصه لقوميته العربية من إعجابه بحضارة الفرس وثنائه عليهم .

أثر البيئة في النص :
1) يدل النص على ما بلغته حضارة الفرس من تقدم في العمارة والنقش .
2) يشير إلى انتصارهم في معركة انطاكية على الروم في عهد "أنوشروان" ويدل على ذلك تسجيلهم لهذه المعركة ورسمها على جدران كسرى .
3) نلمح في النص عنف الصراع بين دولتي الفرس والروم مما كان سبباً في إضعافها وتمهيداً لدخولها في حكم المسلمين .
4) كان ملك الفرس يقود الجيش ويشترك في المعركة بنفسه .
5) من أدوات الحرب وأسلحتها : الخيل والرمح والترس والرايات المرفوعة .
6) ومن عاداتهم : "الورس" في صبغ الثياب وكسوة حصان القائد بثوب يميزه ويزيد مهابة .
7) يدل النص على اتخاذ السياحة ومشاهدة الآثار وسيلة للترفيه عن النفس وتفريج الهموم ، فقد ضاق البحتري بما جرى في بغداد من تسلط الأتراك على الخليفة وسيطرتهم على ذكر بعض المواضع مثل "المدائن،رضوى، القدس" .

ملامح التقديم ( المحافظة على القديم ) :
1) ذكر الراحلة "عنس" .
2) المحافظة على وحدة الوزن والقافية .

ملامح التجديد :
1) وحدة الموضوع والجو النفسي .
2) المطلع الوجداني الذي حلّ محل المطلع الطلي.
3) وصف الإيوان وجعله مرتبطاً بنفس الشاعر وهو من مظاهر التجديد في الوصف.
4) استخدام ألفاظ فارسية .
محمد صادق غير متصل   الرد مع إقتباس
المشاركة في الموضوع

خيارات الموضوع
طريقة العرض قيّم هذا الموضوع
قيّم هذا الموضوع:

قوانين المشاركة
You may not post new threads
You may not post replies
You may not post attachments
You may not edit your posts

BB code is متاح
كود [IMG] متاح
كود HTML غير متاح

الإنتقال السريع


جميع الأوقات بتوقيت السعودية. الساعة الآن » 06:19 PM.


Powered by: vBulletin Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.