PDA

View Full Version : فقه التعامل التجاري عند الفقيه الشيخ حسين آل عصفور


رد المدرسة
30-03-2010, 12:28 AM
فقه التعامل التجاري عند الفقيه الشيخ حسين آل عصفور

تمهيد في دراسة المنهج



القاضي الدكتور
محمد جواد الطريحي


بسم الله الرحمن الرحيم
وله الحمد والمجد
والصلاة والسلام على نبيه المصطفى محمد وآله الأئمة الهداة


خطة البحث
المقدمة
المبحث الأول
فقه التعامل التجاري
الفرع الاول مدلول التجارة و اهميتها
الفرع الثاني منهج دراسات الشريعة للفقه التجاري
المبحث الثاني
المدرسة الفقهية في البحرين
ومنهج الشيخ آل عصفور
الفرع الاول مدرسة الفقه الامامي
تمهيد
الفرع الثاني المنهج الفقهي.. البحرين نموذجا
الفرع الثالث التعريف بكتاب المكاسب
الخاتمة

المقدمة
تتجلى القيمة الحضارية للتشريع الإسلامي في المزايا والخصائص التي تكمن بما تحكيه أحكام الشريعة الاسلاميةمن خلال المنظومة الفقهية التي يطرحها الفقهاء بدراساتهم وبحوثهم المعروضة بمستويات تتباين من حيث التبسيط والعمق العلمي باختلاف أفهام طلاب المعرفة الشرعية.
وحيث أن حركة التشريع الإسلامي عبر تاريخها الخالد قد تلونت برؤى واتجاهات المدارس الفقهية واصطبغت بألوان التطور الفكري الذي تولد من معطيات الزمان والمكان وتأثيراتهما مع الحفاظ على الثوابت التشريعية, لذا فان تحقيق مايصبو إليه الباحث المعاصر اليوم –على مستوى الدراسات الحديثة –لايتحقق الا من نافذة اكتشاف المنهج الذي يرسم صورة الإبداع الذهني بما توصل إليه الفقيه بمعرفته الاجتهادية الدالة على عمق الملكة الاستنباطية.
وفي هذه المحاولة الجادة نستطيع ان نقدم ثمرة الفكر الفقهي من خلال وعي مفردات المنهج وانعكاساته على الواقع المعاش بحيث تنطلق الدراسات المنهجية في اطار عمقها وتدرجها وآلياتها إلى كشوف جديدة حيثُما يعانيه الإنسان في المشكلة الاجتماعية والتاريخية.
ولا أدل في هذا الباب من عناية الفقه الإسلامي واهتماماته الجديرة بالدرس والتمحيص مايتعلق بفقه التعامل التجاري الذي يكتسب منزلته في تاريخ الإنسانية عموما والمجتمع الإسلامي الناهض لما تسمو إليه هموم البشرية في محاولاتها اليائسة بترشيد السبل وتمهيدها والسعي لإحكام مسألة التنظيم الاجتماعي في كافة صوره وفي طليعتها القضية التجارية حيث تتوقف على نجاح مسيرتها الحركة الاقتصادية التي هي محور تقدم الإنسان بانجازاته النوعية.
ومن النظر عند هذه المسألة إلى إخفاق الإنسانية في ركام التجربة الضائعة كان لابد أن تنتبه لأخطائها وتبحث عن البديل في تراث الاقتصاد الإسلامي وتعميق دراساتها فيه بعين البصيرة والثقة والاطمئنان وتغلق الصفحة الاستشراقية المحدودة الأبعاد بحكم تبدل الحال بطغيان العولمة والتطلع إلى فكر التعايش والوسطية وتحكمه بعالم اليوم .
أما مايتعلق بالمسلمين –خاصة – فهو مضمارهم الذي يتسابقون فيه , ومن البديهي القول: أن نهضة الواعين من رواد الفكر الإسلامي قد سبقت في التنبيه وبدأت خطواتها بوضع اللبنات الأساسية وبلغت في طموحها أشواطا في تأسيس منظمات, وتنظيم مؤتمرات , وحلقات دراسية إلى غير ذلك وقد تحققت نتائج هامة على مستوى المذاهب الإسلامية إلا أن الكيل لم يزل يحمل صاعا واحدا لايسعه الإفاضة والإحاطة الموضوعية بتراث الاقتصاد الإسلامي بمدياته الواسعة وفق خطة إستراتيجية تحكي أسلوب العرض والمقارنة ولغة التقنين المعاصر.
ومن الجدير بالذكر أن في الفقه الإمامي ذخائر رصينة من بنات الأفكار التي تمثل معالم ا لمدرسة المعصومة لأهل البيت عليهم السلام ومواكبتها لحاجة الإنسان في حاضره ومستقبله وما يرسم لمفاصل حياته بأبعادها كافة.
والمهم فيما نصبو إليه هنا تركيز الاتجاه إلى وحدة النظرة التشريعية والابتعاد عن اختلاف الآراء الذي يجب أن نعدّه باباً يتسع لتأصيل أفق الإبداع الفقهي.
وأما بصدد ماتميزت به هذه المدرسة في توجهها الإسلامي العام واختصاصها بمذهب آل الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم) فإنها قد عالجت أحكام التعامل التجاري بما تستجيب له النفس الإنسانية لما فيه من صلاحها بتوجيه الرغائب والاحتياجات وكفاءتها بتنظيم هدف الخير العام، حيث أيقظت الأحكام الشرعية الحوافز الذاتية الكامنة في الإنسان من اجل خوض غمار الحياة فيما شجع عليه من التكسب بالحلال وبما جاءت به الشريعة بمبادئها التنظيمية للتجارة باعتبارها باباً من أبواب الكسب والمعاش وفق ماخططه القرآن الكريم والأحاديث الشريفة عن النبي وأهل بيته.
وبمواكبة أعلام المجتهدين متابعة الخطى وتجديد الرؤى لاستيعاب مستجدات المسائل ومستحدثات الأمور بالتزام توجيهات الأئمة الأطهار تم رسم الصياغة الشرعية المبتناة على قاعدتي الكتاب والسنة وسيرة الأئمة عليهم السلام .
و في ضوء ماتقدم تبرز أهمية المبادرة الرائعة لأحياء ذكرى العالم المقدس الفقيه المجدد الجليل الشيخ حسين آل عصفور – رحمه الله –في إطار ماتطمح إليه قلوب أهل الفضل وطلاب المعرفة مما يتجلى به من الوفاء و العبرة لتجديد العهد بأداء مسؤولية علماء الحواضر العلمية بما يقتضيه الإنصاف من رعاية حق السلف الصالح لما قدموه من روائع نتاجات الفكر الخلاق في التسديد والتعضيد لمسيرة المؤمنين بما يصلح الحال في الدارين , و تشييد بنى جديدة في صرح الفكر الإسلامي.
وحين ننطلق في ضوء إحياء الإمام آل عصفور بآثاره العلمية فلابد أن نعرف واجبنا في بناء قاعدة ثابتة لتخطي الصعاب وبدء المشوار – والتغاضي عن موجات غبار السنين الخوالي- لإقامة الكيان الشيعي على أسس قويمة من وحدة الكلمة ونبل الهدف تنبع من تقديس التراث إلى إثارته بما يستفيده المعنيون من خاصة مريديه اوعشاقه في الضفة الإسلامية الأخرى وتقديمه زاد شهيا للناشئة في زمن قحط الثقافة الأصيلة وتفشي هزالة المعرفة الصحيحة عبر أدوات التكنولوجيا الحديثة وثقافة الفضائيات وانعكاساتها على تربية الجيل المسلم .
وإذ نبارك إقامة هذا المؤتمر السامي فلابد من التنويه إلى أمرين:
الأول – التأكيد على إدامة معطياته الايجابية للخطوة التالية بجدوى العمل على ترسيخ المبادئ التي جسدها علمائنا في تراثهم الفكري الخالد بتأسيس بنك المعلومات للطائفة الجعفرية بإدارة مستشارين اختصاصيين في أبواب المعرفة الدينية.
الثاني – التوصية على تشكيل مؤسسة للتحقيق والنشر والتوزيع للتراث المنسي وتجديد النظر بما صدر بعيدا عن أصول التحقيق الموضوعي.
والسعي لتكليف فريق من الأفاضل لتأسيس هيئة بحوث في الدراسات الشيعية المقارنة لأننا لازلنا نتحاور على نقطة الصفر ولم نتجاوزها.
و لااستطيع الدعوى – أخيرا سوى أن هذه هي الخطوة ا لتمهيدية لدراسة معالم الاتجاهات الفكرية التي تجسدت لهذه الأسرة الجليلة فيما أسعى إليه من استطلاع الصورة المثلى لمدرسة الاجتهاد الفقهي عند الامامية.
وعلى العجالة في إعداد البحث لم يتوفر لدي سوى ماسطره العلامة آل عصفور (تغمده تعالى برحمته) في كتاب المكاسب حيث تناولت البحث في منهجه للتعامل التجاري آملاً أن أوفق مستقبلا لاغناء الموضوع بما يفي بالهدف المنشود .
وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت فهو حسبي ونعم الوكيل.

محمد جواد الطر يحي
دار الهجرة هولندا
1431 -2010









المبحث الاول
فقه التعامل التجاري

الفرع الاول مدلول التجارة واهميتها
تزخر الثروة التشريعية في احكام الشرع الاسلامي بمعطيات ومبادىء تقف في مقدمة مايطمح اليه الركب الحضاري للانسانية في مواكبتها الحاجات والمتطلبات التي تسمولها حياة الناس في معاشهم ودنياهم.
فمن الطبيعي ان الانسان يندفع فطريا لرغباته التي تفتقر الى تلبية هذه الحاجة الملحة ,ولايصلح حاله الا من خلال الكسب والتجارة , الا انه وبحكم تبعيته لخالقه فقد اتجه الفقه الاسلامي الى تنظيم هذه الحاجةواحتوائها بالضوابط وتنظيمها بالاحكام انصياعا لامر الله تعالى ودرءاً للمفاسد والاضرارالناتجة من الفوضى في التعامل ودفعا ً للمظالم ووقوع المحذور , واستغلال الانسان لاخيه.
ويتطرق أحد الفقهاء الى اسلوب التشريع الاسلامي حول تقعيد القواعد الخاصة بالتجارة فبعد ان يؤكد بان المعاملات امور ضرورية للتعيش و ما يتولد عند المكلفين من العقود ثم يقول " ولايخفى على كل من له دراية ان هذا كله من الامور المتداولة بين الناس على اختلاف الانواع بل والاشخاص وقد تداول بينهم ما ليس داخلا تحت هذه العقود المعنونة في الفقه بانهم يستعملونها على حسب حاجتهم وبعضها يمكن تخريجها بحيث يدخل تحت احد المذكورات وبعضها مما لم يكن فيعلم من ذلك تداول هذه الامور في زمن الشارع ايضا فلو كان المشكوك فيه حراما وفاسدا لم يقرر الشارع لهم على ذلك مع ان الظاهر اتصال هذا التداول الى زمن الشارع كون الشارع قد قررهم عاى ذلك وتقريره دال على صحته وامضاء الشارع له ايضا وهو معنى ترتب الاثر "
وقد كان للفكر الاقتصادي في الاسلام بمنا هجه وتطلعاته ريادة في التفكيرلتنظيم وتطوير تداول الثروة على مستوى الفردوالجماعة حيث يعدّ المال قواماً للحياة باعتباره العنصر الاساس الذي يسعى اليه المجتمع مالكا ومستثمرا ليحقق احسن مستويات سعادته كما توحي اليه هواجس نفسه الطامحة قال تعالى ( وتحبون المال حبا جما ) .
وكان لابد للوحي السماوي ان يرفد الارض ببركات الرب وتسديده في هذه المسيرة بالتوجيه والتقويم لتقف على بينة من امرها بالرضا والطمأنينة بمعرفة الحلال والحرام فيما تسعى اليه من نشاطها التجاري بناء على الاسس الاسلامية التي أفرزت نموا ثقافيا في المجتمعات التي كان للاسلام بها تاثيرا فاعلا في القيم التجارية وبناء شخصية التاجر وأحكام السوق وكل مايدخل في باب التعامل التجاري في أدق تنظيم واروع صورة مما يتجلى فيما اكد عليه الذكر الحكيم ونصت عليه الروايات في السنة المطهرة في ابعاد التجارة عن الربا , والتشجيع على تكوين راس المال الحلال والدعوة للقرض الحسن وترتيب حالات الدائن والمدين في الاعسار واليسار ومنع الضرر والضرار والترغيب على الهجرة من اجل العمل التجاري وغير ذلك .
وبناء على ذلك ازدهرت التجارة وتسابق المسلمون لاستثمار هذا الجانب الحيوي وظهرت في المجتمع الاسلامي عناصر القوة ومقومات التقدم والنجاح وتنادت الاقوام والامم لتتمازج مع المسلمين وتطورت الحال الى الاهتمام بالطرق وقنوات التصدير والاستيراد .
وعلى اثر التوسع في النطاق التجاري تولدت المؤسسات المصرفية حتى رجح المستشرق لويس ماسينيون بان اصل نظام المصارف في اوربا انما يرجع الى المسلمين حيث كان لهم وكلاء معتمدون في العالم ..وكان التجار نادرا مايدفعون المبلغ نقدا كما شاعت هذه الطريقة في البصرة و بناء عليه فقد كان يوقع على الصك شاهدان فاكثر ثم تختم بالشمع اوبنوع من الطين يثبت على الصك نفسه وكثيرا مااصبح التجار يلجؤون الى تصفية الديون بطريقةالتحويل من شخص الى آخر في المدينة نفسها اوبين مدينتين مختلفتين .
ومما عرفته حياة المسلمين شركات المفاوضة وشركات الضمان وشركات المعاوضة وقد حرصت الشريعة على التماس الاساليب المؤثرة في النفوس والمنتجة لاثارها في العملية التجارية ولذا فقد دعت الشريعة الى حرية التملك بمختلف الوسائل المشروعة سواء تعلقت بوسائل الانتاج ام غيرها ولكنها حسبت للمفارقات الناتجة عن ذلك حسابها الجاص وتكفلت بوضع الطرق الوقائية والعلاجية كما هو الحال في الحكمة من تشريع الربا والقضاء على اسباب التضخم المالي من خلال العنصر الاخلاقي فليس من الخلق ان يستغل صاحب المال حاجة اخيه ليثرى على حسابها وذلك لان الاسلام لايستهدف من تشريعاته غير ايجاد توازن اقتصادي في مجتمع تتوفر فيه الحرية من جانب والعنصر الخلقي من جانب آخر .
ويجد الباحث دقة مقاصد الشريعة في توجهاتها من خلال قراءة النصوص الشريفة ووعي حكمتها وهي مسالة في غاية الاهمية عند تقصي مفرداتها للوقوف بها على اهمية الدراسات الفقهية وما تمتلكه من جوانب مشرقة في الفكر الاسلامي على تنوع مدياته وآفاقه لما يوصف به الفقه الاسلامي بانه فقه حي متطور اجتمعت فيه عناصر الحيوية ومقومات الاستمرار وقد امتاز بالنضج والعمق والشمول .
وللفقيه الاسلامي تعمقه في رؤاه التي ينطلق منها فيحدد النطاق اللغوي والاصطلاحي الذي تعنيه لفظة( التجارة ) بما يؤطرها من الحدود الشرعية لعلمه ان هذا التحديد الدقيق سيكون محلا للعمل واساسا للسعي والنشاط التجاري الذي لابد من حياطته وتحصينه لئلا تدخل عليه الشبهة او يشوبه الحرام .
ولنقف قليلا على مثال يجده الباحثون في مطلع كل دراسة تتحدث عن العمل التجاري حيث يبدأ الكلام بالمراد من لفظة ( التجارة )- بالكسر - وأصل اشتقاقها من(تجر يتجر وتاجر وتجر واتجر) وهي: عملية التعاطي في البيع والشراء لغرض الربح), أو ( تجر يتجر تجرا فهو تاجر والجمع تجر وتجار – بالضم والتشديد وبكسرهما مع التخفيف - قوله تعالى ( لاتلهيهم تجارة ) التجارة بالكسر هي : انتقال شئ مملوك من شخص إلى آخر بعوض مقدر على جهة التراضي والمتاجر جمع متجر من التجارة ومنه قول الفقهاء بمعنى التجارة وهي: الاعيان يكتسب بها وفي كلام الفقهاء ايضا في بحث الشراء: ولاباس (بالمتاجر ) وفسر بجواز مافيه الخمس ممن لايخمس ولايجب اخراج خمسه وكذا من يشتري من الغنائم حال الغيبة وان كان كله اوبعضه للامام عليه السلام ويعبر احد اللغويين بأنها تطلق على (عامة التصرف في راس المال) ويجعل الضابط في إضفاء صفة التجارية عليها (بان تكون طلباً للربح) ويستشهد بقوله تعالى ((هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب اليم)) فقد فسر هذه التجارة بقوله ((تؤمنون بالله)) وقد يقصد بإطلاق كلمة التجارة الإشارة الى ((الأعيان التي يكتسب بها)) .
ويمكننا باستعراض هذه المعاني اللغوية ان نخلص الى ما يدل عليه العمل التجاري: من تحريك القوى العاملة في السوق سواء أكان ذلك في صور التصرف برأس المال او الأداة التي تتم بواسطتها العملية التجارية، او ما يجمع شتات ما تعني به المسائل التجارية بما يدخل بعمليات البيع والشراء التي تعتبر الأساس في العمل التجاري ويلاحظ في كل ذلك التأكيد على القصد الذي من اجله تقوم التجارة ألا وهو غاية الربح.. وللربح هذا في مفهوم الشريعة الإسلامية مدلول آخر يتحدد بمقاييس أخلاقية تبتعد به عن دناءة الغاية لوجوب ان يكون نابعاً من أخلاقية القانون الإسلامي .

ومن هنا نكتشف ان الشرع الاسلامي في تشجيعه على الكسب والتجارة قد احاط ذلك باطار اخلاقي شرعي , فلو استنطقنا القرآن الكريم لوجدنا مثلا ان مادة ( تجر ) تتسع لآيات تذكر التجارة وترفع من شانها في الوقت الذي توجب على من يمارس التجارة الاحاطة بمعرفة احكام المكاسب وطريقة التعامل بها بما يتعين به تعلم الاحكام الظاهرة الغالبة دون الخوض في الفروع النادرة والمسائل الدقيقة التي هي من شأن علماء الفقه , وهكذا بالنسبة لما يشهده التطور في ساحة التجارة الدولية وظهور انواع من التجارة بحكم التقدم التقني كما في التجارة الالكترونية والتعاقد عبر الانترنيت وما الى ذلك فيما يظهر اهتمام الفقهاء ممن لهم السبق على بذل الهمة.ليستخرجوا المباحث الفقهية بادواتهم المعرفية وفق المنهج الشرعي ومن ذلك مثلا: قوله تعالى: (ما تَعبُدُونَ مِنْ دُونِه إلاّ اَسْمَآءً سَمَّيْتُمُوهَآ أنْتُم وَآبَاؤكُمْ مآ أنْزَلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلطَان انِ الحُكْمُ إلاَّ للهِ أمَرَ الاَّ تَعْبُدُوا إلاَّ إيَّاهُ ذلكَ الدّينُ القيِّم وَلِكنَّ أكثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَموُنَ ) (يوسف 12 : 40) .
فقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) حينما سُئل عن معنى الآية.قال: «أما والله ما دعوهم إلى عبادة أنفسهم ولو دعوهم إلى عبادة أنفسهم ما أجابوهم ولكن احلّوا لهم حراماً ، وحرمّوا عليهم حلالاً فعبدوهم من حيثُ لا يشعرون» ( )
ومن الاهمية بمكان الاشارة الى ماندبت اليه الشريعة من الآداب والسنن , وأكدت على ممارستها لمن يتخذ التجارة له عملا , وفيها من المعاني التربوية الرائعة التي تدخل في باب التربية الروحية في تهذيب سلوك النفس وتسخيرها في مصاف الطمأنينة والرضا وحسن التوكل والايمان بان الارزاق مكفولة من الله تعالى يعطي من يشاء ويمنع من يشاء وهو اللطيف الخبير .
ومما اورده الفقهاء في مصنفاتهم عن التجارة في البحث بآدابها وسننها:
أولا - التفقه في التجارة ومعرفة أحكام البيع والشراء، وما يصح الاكتساب به مما لا يصح، وان يكون على علم من شرائط المعاملات وموانعها ويكفي التفقه ولو بالتقليد ومنه يعلم عدد المعارضة، وقد ورد في المأثور عن أئمة أهل البيت عليهم السلام ( يا معشر التجار: الفقه ثم المتجر فان للربا في هذه الأمة دبيباً أخفى من دبيب النملة على الصفا، التاجر فاجر، الا من اخذ الحق واعطى الحق الى ان يقول: ومن اتجر بغير علم ارتطم في الربا ثم ارتطم).
ثانيا - ان تكون نية التاجر بكسبه التجاري الاستعفاف عن الناس والتوسعة على العيال واعانة المحتاجين وصرف المال في أعمال الخير ففي الحديث ( من طلب الدنيا استعفافاً عن الناس وتوسيعاً على أهله، وتعطفاً على جاره، لقى الله عز وجل يوم القيامة ووجهه مثل ليلة تمامه) وفي الحديث من النكات التي تشير الى مايجب على التاجر في كسبه بترك الاجتهاد البليغ ففي الخبر ((ليكن طلبك المعيشة فوق كسب الحريص الراضي بدنياه المطمئن اليها، لكن انزل نفسك من ذلك بمنزلة المنصف المتعفف، ترفع نفسك عن منزلة الواهن الضعيف وتكسب مالابد للمؤمن منه)) وفي الحديث عنه عليه السلام ((لن يزداد امرؤ بخدمة نقيراً وليس ينقص امرؤ نقيراً بحمقه والعالم بهذا العامل به اعظم الناس راحة في منفعته، والعالم بهذا التارك له اعظم الناس شغلاً في مضرته)) .
ثالثا - التسوية في الثمن بين المسلمين وكذلك في حسن المبيع وغيرهما، ولا بأس بترجيح أهل الدين واقالة المستقيل والإقالة: فسخ العقد ,والموافقة على نقض البيع, والاستحطاط بعد الصفقة وهو ان يطلب المشتري من البائع ان يحط عنه من ثمن المبيع ,واعطاء الراجح, وأخذ الناقص, وذكر العيب, وترك الربح على الموعود بالاحسان ان قال له : هلم أحسن اليك , بل على مطلق المؤمنين الا اليسير مع الحاجة والتسامح في البيع والشراء , فقد ورد في الحديث الشريف عنه صلى الله عليه وآله وسلم: ان الله يحب المؤمن سهل البيع سهل الشراء, ومن ذلك ماروي عن الامام الصادق عليه السلام ((ربح المؤمن على المؤمن حرام الا ان يشتري باكثر من مائة درهم فاربح عليه قوت قومك او ليشير به فاربحوا عليهم وارفقوا به ) .
رابعا - وهناك آداب نصت عليها الأخبار الواردة عن النبي واهل بيته عليهم ازكى التحية والسلام وقداوردها الفقهاء ومنها: الدعاء عند دخول السوق بالمأثور وسؤال الله ان يبارك له فيما يشتريه ويخيَر له فيما يبيعه, واستحباب التكبير. ذكر الشيخ الحر العاملي في الوسائل: ((ومن الآداب انه اذا جلس مجلسه شهد الشهادتين والأولى ان يقول: اشهد ان لا اله الا الله وحده لاشريك له، واشهد ان محمد عبده ورسوله اللهم اني اسئلك من فضلك حلالاً طيباً واعوذ بك من ان اظلم او أُظلم واعوذ بك من صفقه خاسرة، ويمين كاذبة)) 0
ولا يخفى ما للدعاء هنا من اثر بليغ في توجيه الممارسة التجارية التي يقوم بها التاجر في السوق وهي جهة تفرض على التاجر التزام طبيعة الصدق والأمانة والنصح , وتحفز به الروادع الذاتية التي تجعل منه رقيباً على نفسه وتصرفاته وذلك بالالتزام فيما تتحقق به مرضاة الله واتباع منهج الشرع المقدس .
واما الهدف من التفقه باحكام التجارة فالمطلوب منها المعرفة بقضايا التجارة والإحاطة بفنونها وعلومها باعتبارها من المسائل التي تحتاج الى حذق وذكاء وخبرة وقوة بصيرة.كما ينظر الى هذا المبدء الشرعي بما يتجسد اليوم في صورة التخطيط للعمل قبل البدء به , والاهتمام باقرار قواعد ونظريات تخص المشروعات الاقتصادية كما يجري في الدول الحديثة لما تشهده من التوسع الكبير في عالم التقنية والتصنيع , وتوثيق العلاقات مع الدول التي تحتاج الى خبراتها الفنية فيما نراها تبرم التعاقدات في عمليات والتصدير الى سوق العرض والطلب الذي يحكم السوق التجارية وما يتطلب هذه المسائل من الحاجة الى دراية رجال اختصاصين وما تشهده الساحة الدولية من انعقاد المؤتمرات وتاسيس المنظمات في الشأن التجاري ,اما اذا أخذنا ببعض التوجهات الحديثة التي تسعى لئن تجعل من الاقتصاد الوطني اقتصاداً موجهاً بيد الدولة فان ذلك يتطلب وبلاشك قيام وزارة خاصة بهذا الشان هي ما تسمى بوزارة التخطيط او الاقتصاد .
وقد بادرالرسول الكريم (ص) في اطار اهتمامه بالتنظيم الاقتصادي للدولة التي اسسها بانشاء السوق الاسلامية التي رتب اوضاعها بنفسه البعيدة تماما عن سلطان اليهود الذين كانت لهم سوق بني قنيقاع من قبل أوضاعها وظل يرعاها بتعاليمه وتوجيهاته فلا غش ولا تطفيف ولا احتكار ولاتناجش .
ومما تقدم عرضه بايجاز تبين مدى عناية التشريع الاسلامي في المساهمة على ازدهار التقدم الاجتماعي بتشجيع الانسان لممارسة العمل والتكسب والقضاء على مايساوره من هاجس التواكل والبطر وارتكاب الخطيئة من اجل تحصيل المال الذي اكدت النصوص على تحصيله بالحلال , بالاضافة الى التوجيه العبادي باحياء الثقة بالامداد الغيبي من الله جل وعلا الذي يملك مفاتح الغيب .
واتضح لنا معالجة التشريع الإسلامي ة مختلف جوانب حياتنا الاقتصادية بما يضمن العدالة وحسن استثمار وتوزيع وانتقال الثروة بين مختلف أفراد وطبقات المجتمع لما فيه خير ومصلحة وسعادة الجميع.
ولابد من اضطلاع المشرّع الإسلامي في مبادرته للتاسيس ان يتميز بالدعوة الى تطبيق مبادئه واختياراته من خلال اقراره عدة ضوابط تجيز أو تحظر بعض الأنشطة الاقتصادية أحياناً، أو تضيق أو توسع قنوات بعض منها أحياناً أخرى.
.

الفرع الثاني..منهج دراسات الشريعة للفقه التجاري
أفاض أعلام الفقه الإسلامي في بحث موضوعة ( التجارة ) واوسعوا دقائق مسائلها شرحا وتفصيلا, واتقنوها درسا وتدويناً بما لايتصوره رجال البحث في هذا الباب – سوى اهل الاختصاص - الى الدرجة التي اثارت طلاب العلم وخاصة من غير المسلمين المهتمين بتطور الدراسات الحديثة والمقارنة في نطاق الاقتصاد العالمي الى التوجه لفتح نوافذ واسعة في استشرافهم للفكر الاقتصادي في الإسلام لما يمثله من قيمة حضارية على المستوى الإنساني المعاصر.
ومن الجديربا لذكر انهم اتخذوا تعلم اللغة العربية اساسا ووسيلة للاطلاع على المصادر الاسلامية واولها القرآن الكريم باعتباره المدونة الاساس لمنظومة المعرفة الاسلامية, والسنة الشريفةفيما فصلته شرحاو تبيانا, بالاضافة الى ما دونه الفقهاء في الكتب والموسوعات الفقهية اعتمادا لمصادر التشريع المعتبرة, واتباعا للقاعدة الشرعية الدالة بان (( مجاري الأمور والأحكام بأيدي العلماء)) من كل فقيه توفرت فيه الشرائط وتمت اهليته للتقيد باستلهام روح الشريعة ومبادئها وامتلك ناصية الملكةالقدسية ومجال اعمالها في ضوء قواعد الاستنباط المقررة .
ولقد اختار فقهاء الاسلام في دراستهم للبحث التجاري في مفهوم الشريعة الاسلامية اسلوبا متميزا اختاروه واتبع فيه الخلف السلف من العلماء حين اعتادوا ان يضعوا عنواناً رئيساً للموضوع محل الدراسة بالكامل اسموه ب( كتاب ) وعندما نتطلب معرفة مايتعلق بالتجارة في اية موسوعة اورسالة فقهية فلابد ان نبحث عن ( كتاب التجارة ) وقد يعبر عنه ( المتاجر ) او ( المكاسب ) او ( البيوع والمعايش ) .
و يقتضي البحث احيانا عن ذلك في عنوان رئيسي آخر وهو كتاب ( المعاملات ) فنجد فيه الغاية. ولكل عنوان استعمله الفقهاء في تعابيرهم مدلول يختص به حيث
درج الفقهاء المسلمون على محاكاة بعضهم البعض في طريقة البحث والتفكير عند تطرقهم للكلام عن مفهوم الأبحاث التي يتناولونها بالدراسة .

و نكتشف في هذا السياق ما للفقهاء المسلمين من طرائق ومناهج في البحث اختصت بصياغة معينة، وأسلوب خاص بالشكل الذي تتضح به مقومات الوحدة التشريعية ومزاياها بما يعبر عن سمات تمازج عناصر التكوين للتقنين الإسلامي في دلالة الترابط بين القانونين (المدني والتجاري) المؤشرة على وحدة التشريع الإسلامي بهيكله العام اذ ان هذه الظاهرة تعد من خصائص المشرع الإسلامي في هذا الباب , بينما نجد ان كثيراً من الفقه القانوني الحديث لم يشهد هذا الارتباط بين التقنينات المدنية والتجارية كما هو عليه في إنكلترا وألمانيا وأمريكا وغيرها بل وفي غالب دول العالم.
واذا ماقدر لبحث هذه المسألة وسواها في مجال الدراسات المقارنة تبرزحينها قضيةالتباين والافتراق ونقطة هامة أخرى هي ان التشريع الإسلامي بما فيه من نظام المعاملات يرمي الى النزعة التي تتميز بتحقيق مصلحة الفرد والمجتمع وصالحهما المشترك وهو اتجاه معلوم معروف يضاف الى ذلك ما جاء به الإسلام من الجانب الروحي , واما ما تشير اليه ضوابط الحياة العملية التي يراها الإسلام فهي بحق خير دليل وشاهد صدق لما يختص به النظام الاسلامي من العنصر الاخلاقي في التعامل.
ومن معرفة المبادىء والسنن والآداب الشرعية المندوب اليها في التجارة نتوصل الى مستوى ماأيقظه التشريع الإسلامي من الحوافز الذاتية الكامنة في الإنسان من اجل خوض غمار الحياة فيما شجع عليه من التكسب بالحلال وبما صدعت به الشريعة لتنظيم التجارة باعتبارها بابا من أبواب الكسب والمعاش فالأحاديث الشريفة كثيرة في تشجيع الناس وحثهم على التجارة. قال الأمام علي بن أبي طالب (ع): اتجروا بارك الله لكم فاني سمعت رسول الله (ص) يقول: ان الرزق عشرة أجزاء تسعة في التجارة وواحد في غيرها وقال عليه السلام : التجارة تزيد في العقل , غير ان الشريعة وان نادت بحرية التجارة الا انها نهت ان تكون قائمة على الاستغلال والباطل كقوله سبحانه (( يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل الا ان تكون تجارة عن تراض منكم))
وبالتالي فان الحقيقة التي لامناص من اثباتها الفرق الواسع المدى بين كل من الفقه الإسلامي والقانون الحديث لان الخلاف بين النظام الإسلامي وغيره يرجع الى الخلاف الأصيل بين حياة وحياة. الخلاف في الأسس النفسية والاجتماعية التي يرتكز عليها كل منهما.
كما ان من نتائج الاختلاف بين طبيعة كل منهما هو: ان الأحكام الفقهية لها من الاحترام مالا يكون للأحكام التي يصوغها القانون لاختلاف مصدريهما: الوحي الإلهي من ناحية , وما وضعه الإنسان من ناحية أخرى، ولهذا نلاحظ ان الأحكام الفقهية تكتسب من الاستقرار و طمأنينة العمل بها انفتاحاً داخليأً ورضاً نفسيأ أكثر مما يتلقاه التشريع الوضعي.
ونقطة هامة أخرى هي ان التشريع الإسلامي بما فيه من نظام المعاملات يرمي الى النزعة التي تتميز بتحقيق مصلحة الفرد والمجتمع وصالحهما المشترك وهو اتجاه معلوم معروف يضاف الى ذلك ما جاء به الإسلام من الجانب الروحي , واما ما تشير اليه ضوابط الحياة العملية التي يراها الإسلام فهي بحق خير دليل وشاهد صدق لما يختص به النظام الاسلامي من العنصر الاخلاقي في التعامل.

ودأب الفقهاء في بداية بحوثهم على طرح المعنى اللغوي باستعراضهم ماذكرته معاجم اللغة العربية حول كلمة ( التجارة ) واشتقاقها والمعاني التي تفيد ها وهو باب تسعه مفاهيم عديدة الا ان الفقيه يتصرف بادواته المعرفية وخبرته الشرعية التي ألم بها فتراه يبدع في هذا المخاض بقدر واسع ليصل بالنتيجة الى مؤدى مايهدف اليه الشرع فهو لاينفي ولايرجح ولايتوقف الابدليل التمسه في معنى مقصود استفاده من فهم لنص مقدس او.رواية شريفة ثم ليتوصل بعد.ذلك الى المعنى الاصطلاحي حيث تتراءى له صياغة التعبير السليم الذي يحدد بالدقة الموضوعية مصداق الكلمة المستعملة في التعبير.
ويعقب ذلك ايضاح الموقف الشرعي من الاحكام الخمسة: الوجوب والاستحباب والحرمة والاباحة والكراهة مقسما كلا منها الى ما تتفرع به المسالة وفي الاثناء ترى للفقيه رأيا ًيثبته وقد يذهب لترجيحه أو يتردد فيه أو يحتاط
ان طريقة عرض الاحكام الشرعية بالصورة المذكورة يستدعي الاشارة الى الآلية المتبعة ودواعيها وهنا نجد ان السبب بذلك هو مااعتمده الفقيه في سياق تحرير المسألة من الاعتماد اساسا على الرواية الموثقة لديه ولذلك تراه يخط تعبيره فيها بمستوى ماتحكيه الرواية فيفرغها في المسالة قلبا وقالبا.











المبحث الثاني
المدرسة الفقهية في البحرين
و منهج الشيخ آل عصفور

الفرع الأول المدرسة الفقه الامامي
• تمهيد
لقد نشات الدراسات الفقهية في زمن مبكر من عصر الرسالة لحاجة المجتمع الاسلامي اليها ولحرص النبي صلى الله عليه وآله على تبليغ الجانب التشريعي للمسلمين كافةلتحقيق الغاية الاسمى من الرسالة الخاتمة في بناء الجماعة الصالحة وترسيخ قواعد التاسيس للدولة التي كان الرسول الكريم يسعى الى تكوينها.
وامتازت تعاليم الاسلام ونظمه في عصر الوحي بما يلائم الوضع الاجتماعي للناس ويتناسب مع ظروف الدعوة حتى اذا ماتوسع الحال بهجرة النبي الى المدينة اتخذت حركة التشريع اتجاها آخر اتصفت به الحركة الفقهية بالحيوية والتطور من حيث الهيكل العام وطابع الاساليب وتنظيم آلية التشريع وتجسيد الاحكام الشرعية على الواقع العملي في الحياة بالتطبيق والتفصيل والتوضيح من لدن النبي الاكرم عملا بقوله تعالى ( وأنزلنا اليك الذكر لتبين للناس مانزل اليهم ولعلهم يتفكرون) .
وبعد ان ظهرت الحاجة للاحكام العملية تميز التشريع في العهد المدني بمنهج التدرج التشريعي بمواصفات يحكمها الزمان وطبيعة التكليف,ثم ان اسلوب الاداء كان يتصف برفع الحرج وبالتيسير وتخفيف المشقة مع رعاية المصلحة الشرعية وفي كل هذه الفترة المباركة بالوجود النبوي تمخض التشريع الاسلامي عن تغطية ابعاده كلها في العبادات والمعاملات ومسائل الحلال والحرام فضلا عن شمول ذلك كله بالتعاليم الاخلاقية الداعية لاصلاح بنية المجتمع وتغيير ه بتثبيت قواعد المثل العليا والاسقامة في السلوك والقضاء على الفساد والانحطاط.
ويمثل هذا الدورالاساس للتشريع الاسلامي فيما بعده حين تولى رعايته وتحصينه الامام علي عليه السلام وصي رسول الله وربيب مدرسة الوحي والنبوة حيث مارس دوره بكل امانة وتفاني واخلاص وتضحية تحوطه صفوة من الصحا بة الاجلاء الذين واجهوا المواقف الصعبة فيما نجحوا بمهمتهم الكريمة لارساء قواعد الشريعة الغراء وتكوين الصرح الفقهي الذي بدأ نشاطه بتوسع الرقعة الاسلامية وكثرة الخلاف وظهور اتجاهات ومدارس متعددة الرؤى والافكار كان للسلطة الزمنية في بعضها التاثير والتنظير.
وفي خضم هذا الواقع نهضت مدرسة أهل البيت عليهم السلام لاغناء الساحة الفقهية عطاء ثرا وبلسما تلتئم به جراحات الفكر الاسلامي وملاذا آمنا تهفو اليه قلوب المسلمين ومرجعا يصدرفي سلسلة اطروحاته الذهبية عن الحضرة النبوية.
وقد احتل الأئمة من أهل البيت موضع احترام وتجلة وتقدير الأمة في المرجعية الفقهيةودواعي نظرة التقديس والمهابة باعتبارهم اولا ذرية رسول الله وعترته الذين ورثوه بعلمه وفضائله والأمر الآخر المهم هو إدراك الناس عمليا لما قدمه أهل البيت من عطاء فكري واسع على المستوى النظر ي والتطبيقي في واقع الحياة الإسلامية ومما لمسته الأمة من رجوع الفقهاء وتزاحم العلماء على أبوابهم وافتخارهم بالتلمذة عليهم.
وقد بلغ مقامهم الجليل هذا دينا وعلما وعملا الى مايعتقده الشيعة الامامية في إمامة الأئمة الاثنى عشر من بعد النبي وأنهم نفسه وعلمهم علمه لذا كانت سنتهم عليهم السلام امتداد لسنة رسول الله (وحجية أقوالهم لاتتوقف فقط على كونها من السنة ،ولذلك فهم ليسوا مجتهدين على مستوى مايقصد من مفهوم الاجتهاد بل يكفي في إثبات الحجية لها كونها مروية من طريقهم عن النبي وصدورها عنهم باعتبارهم من الرواة الموثوقين ) .
وحسبنا من ثقتهم مانزل من القرآن في حقهم مثل آية التطهير وما في السنة من حديث الثقلين و يعتقد الامامية في أئمتهم إثبات العصمة الملازمة لحقيقة الإحاطة في شؤون الشريعة جميعها ، بل الاعلمية لهم في جميع الشؤون، وقد صرح الائمة أنفسهم بذلك قال الإمام علي: نحن شجرة النبوة ومحط الرسالة ومختلف الملائكة ومعادن العلم وينابيع الحكمة.
(ولم يحدث التاريخ في رواية صحيحة عن احتياج احد منهم إلى الاستفسار عن أية مسألة او أخذها من غيرهم مهما كان شانه عدا المعصوم الذي سبقه ولو وجد لحفلت بذكره أحاديث المؤرخين كما الشأن في نظائره من الأهمية وبخاصة أن الشيعة يفترضون لهم ذلك)
ولا يعدّالأئمة من أهل البيت من المجتهدين -بالمدلول المعروف -بل هم مصادر للتشريع يرجع إليهم لاستقاء الأحكام من منابعها الأصلية, وما يأتي عنهم فهو من السنّة, وهم كالنبي والفارق أن النبي يتلقى الوحي من السماء والأئمة يتلقون مايوحى به إلى النبي من طريقه (ص)وهم منفردون بمعرفة جميع الأحكام و مجتهدون في حجيتها كسائر المصادر والأصول ،ولا اقل من اعتبار أولئك الأئمة الأطهار من قبيل الذين لايتطرق إليهم الريب في الرواية وما أكثر تصريحاتهم في ذلك .
إن أدلة الشيعة ومصادر الحجية للأحكام القرآن الكريم فهو المصدر الاول ثم السنة النبوية الشريفة وأحاديث أهل البيت والإجماع والعقل.
وأما مجتهدو الشيعة فلا يسوغون نسبة أي رأي يكون وليد الاجتهاد إلى المذهب ككل سواء كان في الفقه أم الأصول أم الحديث بل يتحمل كل مجتهد مسؤولية رأيه الخاص.
و بصددالاجتهاد فانه كاصطلاح يعدّ دليلاً متحفظاً عليه قدم تاريخ الإمامية نظرا لمؤدى التعبير في مفهومه بأنه خروج عن النص أو ظاهر النصوص, ثم اختلف الأمر حين تطور المدلول وأصبح مفهوم الاجتهاد يتفق مع مناهج الاستنباط, إذ بينما كان الاجتهاد مصدراً للفقيه يصدر عنه ودليلا يستدل به كما يصدر عن آية أو رواية أصبح في المصطلح الجديد يعبّر عن الجهد الذي يبذله الفقيه في استخراج الحكم الشرعي من أدلته ومصادره فلم يعدّ مصدراً من مصادر الاستنباط بل هو عملية استنباط الحكم من مصادره التي يمارسها الفقيه والفرق بينهما جوهري للغاية إذ كان للفقيه على المصطلح الأول الاستنباط بناء على تفكيره الشخصي وذوقه الخاص حالة عدم توفر النص وأما في ضوء المصطلح الجديد فلا يسمح للفقيه أن يسوّغ أي حكم من الأحكام بالاجتهاد لان الاجتهاد ليس مصدراً للحكم بل هو عملية استنباط الأحكام من مصادرها ثم اتسع نطاقه فأصبح يشمل استنباط الحكم من ظاهر النص لان الأصوليين لاحظوا أن عملية الاستنباط تستبطن كثيرا من الجهد العلمي في سبيل معرفة الظهور وتحديده واثبات حجية الظهور العرفي ثم شمل التطور عملية الاستنباط بكل صورها فأصبح الاجتهاد كل عملية يمارسها الفقيه لتحديد الموقف العملي تجاه الشريعة عن طريق إقامة الدليل على الحكم الشرعي .
ونصل بالتالي الى اهمية مرجعية أهل البيت في إقرار حقيقة الدور التأسيسي في الخطاب التنظيري لتأصيل الفقه الإسلامي على الوجه الأتم قياساً على الجهود الأخرى التي بذلها فقهاء آخرون والسبب واضح لمن ادرك الوقوف على المعرفة الصحيحة لمنزلة أهل البيت باعتبارهم يمثلون الامتداد الرسالي للنبوة الخاتمة التي حرص النبي الكريم أيما حرص على مايستمد منهم المسلمون الحجة والمحجة البيضاء في أحكام دينهم ومعالم شريعتهم لانهم حملة أسرار أسرار البعثة المحمدية في التشريع الاسلامي وإلا عدما قام به النبي مرحليا يتعلق بزمان ومكان محدود ومن ثم يمكن ولوج باب البحث في الإمامة الكبرى بعد رسول الله التي وقع في أمرها اختلاف كبير لم يقع مثيله في تاريخ الإسلام بل كانت انعكاساته على بنية المجتمع الإسلامي كبيرة واسعة إلى يومنا الحاضر.

الفرع الثاني منهج الفقه الامامي..البحرين نموذجا
اتضح لنا مما تقدم الاسس التي يعتمد عليها اتباع مدرسة أهل البيت في معرفة أحكام الشريعة الاسلامية حيث يستقونها من كتاب الله والسنة المعصومة للنبي والائمة الاطهار الا ان عملية استخراج الحكم الشرعي من الكتاب والسنةليست بالدرجة الميسورة لكثير من الناس (ولكنها لم تعط بهذه الصورة المحددة المتميزة الصريحة وانما اعطيت منثورة في المجموع الكلي للكتاب والسنة وبصورة تفترض الحاجة الى جهد علمي في دراستها والمقارنة بينها واستخراج النتائج النهائية منها. ولاسباب منها الفاصل الزمني , وضياع جملة من الاحاديث ولزوم تمحيصها, وتغير اساليب التعبير وقرائن التفهيم الى غير ذلك مما جعل التعرف على الحكم عملا علميا بحاجة الى جهد وعناء ) .
وفيما عرضناه تبرز الغاية من علم الاجتهاد الفقهي واهميته ,و درجة المقام الرفيع والمنزلة السامية التي تستحق التجلة والتقدير لاعلام الفقه الاسلامي من المجتهدين الذين انصرفوا باخلاصهم وزهدوا بغالي العمر للجهد والجهد ليصلواالى مرفأ الحقيقة الشرعية بالملكة الشريفة التي لاينالها الاذو حظ عظيم ( ومن يؤت الحكمة فقد اوتي خيرا كثيرا ) .
ولابد من عرض مسألة جواز الاجتهاد والتقليد كما اوجزها الميرزا القمي بالقول : (انها من المسائل الكلامية المتعلقة باصول الدين والمذهب لامن اصول الفقه ولا من فروعه فهو يجري مجرى اطاعة الامام وتعيينه لانه لامناص عن لزرم معرفة الحجة بعد غيبة الامام من هو ؟ ولا دخل لذلك في مسألة الفروع , فان المراد بالفروع هو الاحكام المتعلقة بكيفية العمل بلا واسطة وتسمى الاحكام العملية أيضا ).
ومن أجل تحقيق هذه المهمة تأسست الحوزات العلمية لترفد من خلال حلقات الدرس والتحصيل للعلوم الشرعية بالنوابغ من اعلام المجتهدين الذين كانوا ولايزالون غرة في جبين الزمن مصداقا لقوله تعالى (وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقوا في الدين ولينذروا قومهم اذا رجعوا اليهم ) .
ونتعرف باستعراض تاريخ الدرس الشرعي مدى امتداد المدارس وحوزات العلم منذ عصر الائمة المعصومين عليهم السلام بتوجيههم اصحابهم لينقلوا بواسطتهم الاحكام الشرعية والفتاوى الى الاتباع المنتشرون عبر الاصقاع الاسلامية في الكوفة والمدينة المنورة بغداد والنجف والري وقم وخراسان والحلة وحلب وجبل عامل والشام وغير ذلك ممن ازدهرت بها مجالس العلم وتحصيله.
و نستذكرمن هذه الحواضر العلمية العريقة مدرسة البحرين التي( تميزت بنشاط الحركة العلميةالاسلامية في كثرة الطلبة والعلماء أمثال : آل عصفور , وآل الماحوزي , وآل البلادي , وآل المقابي , وغيرهم ولذلك فهي تحتضن الثقافة الاسلامية والعربية القديمة كالفقه واصوله والفلسفة والكلام والمنطق والنحو والبلاغة والصرف وما شاكلها وتتبنى المناهج الدراسية القديمة ) .
وفيها طائفة الشيعة الامامية الاخبارية وهي القائلة بالاجتهاد والتقليد
والبحرين من قديم تاريخها معروفة ( بنهضةدينية على مر العصور , وقد عرف التشيع بها منذ عصور الاسلام الاولى والملاحظ ان العلماء البحرانيين كان لهم حضور في كل الادوار التي مرت على المؤسسة الدينية منذ أيام بغداد في القرن الخامس الهجري حتى عصرنا الحاضر .
وعرف من اعلامها الفقيه ابن اكمل البحراني المتوفى سنة ( 443 للهجرة – 1051 م ) ومنهم من تتلمذ على يد فقهاء الحلة امثال الشيخ ابراهيم بن الحسين بن ابراهيم البحراني ومنهم الفيلسوف المتوفى بعد سنة ( 669 للهجرة – 1271 م ) تلميذ المحقق الحلي.
ومنهم الفيلسوف كمال الدين احمد بن علي بن سعادة الستراوي المعاصر لنصير الدين الطوسي والمتوفي قبله .
ومنهم الشيخ كمال الدين ميثم بن علي البحراني الفيلسوف المحقق المتكلم والمشتهر بكتابه في شرح نهج البلاغة.
وكذلك ابن المتوج البحراني والشيخ حسين بن الشيخ علي بن سليمان الستراوي المتوفى اواخر المائة السابعة وهو من مشايخ العلامة الحلي.
وفي فترة ازدهار الدولة الصفوية في ايران تولى الشيخ سليمان الماحوزي ( ت 1135 -1709 ) منصب شيخ الاسلام وامثاله كذلك الشيخ عبد الله السماهيجي والشيخ يوسف البحراني.
ومن مزايا المدرسة البحرانية ان فقهائها استمدوا تخصصاتهم عن فقهاء العراق . ).
وعلى ذكر المحدث البحراني فهو من كبار علماء الاماميةالذين كانت لهم المكانة المرموقة في عالم الفقاهة ومن رواد النظريات العميقة التي طرحها في موسوعته الحدائق الناضرة وغيرها من مصنفاته التي افاد فيها آراء في غاية الدقة والاهمية الدالة على مساهمته الكبيرة في تطوير الفكر الفقهي بالمدرسة الامامية ( وعند الاستقراء السريع لجملة ما صنف، ننتهي إلى انه لا يوجد كتاب قبل الحدائق تناول الفقه الاستدلالي بهذه الطريقة وهذه السعة مضافاً لعرض معاني الروايات ودلالتها على ما يستدل عليه من أحكام ويستفاد منها من وجوه بغض النظر عن كونها أصولية أو إخبارية، بل ومحاكمة الطرفين الأخباريين والأصوليين إن تبين أن أحداً منهم خالف الدليل وتنكب عن الصراط وانحرف عن الجادة. (
ومن بعده تسنم المرجعية الدينية ابن اخيه العالم الرباني الفقيه المجدد صاحب الذكرى الشيخ حسين آل عصفور ( 1147 – 1216 ) وله من المصنفات الرائعة وقد اجتمعت في شخصيته معالم الذكاء والنباهة منذ نعومة اظفاره ثم تدرج في مراقي الكمال والفضيلة حتى نال في جده واجتهاده الدرجة السامية اماما مطاع الامر , نافذ البصيرة , مجددا المجد العلمي لاسرته الجليلة ولمدرسة عمه صاحب الحدائق مقتفيا اثره وسماته في القدسية والعدالة والاعتدال والورع والتصنيف يشهد له بذلك القاصي والداني .
ولانستطيع ان نستقصي بالعد والاحصاء مايتعلق بصفحة التاريخ العلمي لبلاد البحرين العزيزة فذلك مبلغ مايدركه المؤرخون في مصنفاتهم الواسعة المشهورة عند مقتنيها .
وبحدود مايخص الاجتهاد وبواعثه التي ادت الى ظهوره ثم تطوره بالمعنى المنهجي لتحقيق اتجاه لتاسيس قراءة شرعية للنص من داخله وتاصيل نتائج ثمرته ,وبما مرّ به من ابعاد طالته بالوصف السلبي وابعدته عن دائرة المشروعية زمنا ليس بالقليل , وبقدر ماكانت الساحة الاسلامية تتمخض عن اطروحات تبعد عن الواقع الشرعي حيناً , وتحاول ان تجسد الانفتاح على الفهم المقلوب في تسويق الاجتهاد الشخصي مما دعا للنظر اليه بواقع مصطلح التعبير عنه وانعكاس ذلك الى مثار الحديث حول جواز ممارسته من عدمها وبوقوع الجدل حول صلاحية هذا المنهج تولدت المعارضة ضد هذا المبدأ الحر في تحصيل الحكم الشرعي وبدأ البحث عن حجية الاجتهاد .
وبعد الحديث عما جرى عليه حال الترقب من سيادة الاجتهاد باعتباره نافذة تمكنت برصانتها الهيمنة على جدل البحث الفقهي وانتصاره مصدرا من المصادر الثانوية لتوليد الحكم الشرعي واستيفائه التوافق مع مقومات النصوص الشرعية ظهرت لساحة الحوار الفقهي قضية عدم مشروعية الاجتهاد مقابل النصوص والمرويات وتوجهت التهم والطعون وجرت محاولات الى توسيع الشقة بين الشيعة انفسهم وتحولهم الى فريقين: الاخبارية والاصولية بعد نفاذ مبررات واسباب عديدة وتقمص كل منهم للاخر رداء الحوار أولا ثم ما تلونت به الأجواء إلى المقاطعة والإقصاء.
ومحصلة المسالة تتلخص بما ( دأب عليه الامامية جميعا من اتباع اهل البيت الى العمل بالكتاب والسنة الشريفة المشتملة عندهم على قول المعصوم وفعله وتقريره الصادر عنه سواء في ذلك النبي واهل بيته على السواء فهما مصدر السنة الشريفة والآخذ بالكتاب والسنة يكشف الحكم الالهي الثابت في فروع الشريعة الغراء وهذا مايشترك فيه الاماميون الاخباريون والاصوليون ويفترقون علميا في حجتي العقل والاجماع وذلك ان ادلة الاستنباط لاستخراج الحكم الشرعي عند الاصوليين اربعة: الكتاب و السنة , الاجماع و العقل.
وعند الاخباريين النصوص في الكتاب والسنة ليس غير . فهما متفقان على الاصلين الاوليين وهما مفترقان في حجية الاجماع والعقل , فعند الاصوليين ان الاجماع كاشف عن قول المعصوم اوتقريره لانه لوتخلى عن ذلك فلا حجة به ولاحجية له فلواجتمعت الدنيا على راي لايكشف عن قول المعصوم اوتقريره فلا قيمة له , ولو اتفق اثنان وكان بينهما قول المعصوم وتقريره لكان حجة, لهذا فالاجماع حجة بانضمام قول المعصوم وفيما عدا ذلك فلا حجية له ولاحجة به هذا هو راي الاصوليين ملخصا.
وعند الاخباريين ان الاجماع إن اشتمل على قول المعصوم اوتقريره فهو سنة و وان لم يشتمل على ذلك فلا اعتبار به . ولى ملاحظة الموضوع يتضح التقارب الفقلي بين الاصوليين والاخباريين في الفكر الواحد وان اتلفوا في الاصطلاح فالمدار دخول قول المعصوم في النص.
وقد صرح المحقق الحلي بهذا الملحظ فاعتبر الاجماع حجة بانضمام المعصوم اليه لابحد ذاته .. وقد ذهب الى امتناع انعقاد الاجماع زمن الغيبة صاحب المعالم.
واما دليل العقل فقد حقق القول فيه الشيخ يوسف البحراني ورائده التحقيق العلمي المحض قال قدس سره الشريف ( قد اشتهر بين اكثر اصحابنا رضوان الله عليهم الاعتماد على الادلة العقلية في الاصول والفروع وترجيحها على الادلة النقلية ... وعندهم متى تعارض الدليل العقلي والسمعي قدموا الاول واعتمدوا عليه وتاولوا الثاني بما يرجع اليه والاطرحوه بالكلية ).
وذهب الشيخ الانصاري ان ( ماورد من النقل المتواتر على حجية العقل وانه حجة باطنة وانه مما يعبد به الرحمن وتكتسب به الجنان ونحوهما مما يستفاد منه كون العقل السليم ايضا حجة من الحجج فالحكم المستكشف به حكم بلّغه الرسول الباطني الذي هو شرع من داخل كما ان الشرع عقل من خارج ) .
ويبدو مما تقدم وجهة النظر في دليل العقل لكل من الاصوليين والاخباريين : ان الخلاف لفظي مع حفظ الاصول شأنه شأن دليل الاجماع .
ومن المهم ان نثبت بالتجلة والتقدير ما افاده المرجع الكبير فقيه اهل البيت سماحة السيد محمد سعيد الحكيم في بدعوته الى: ( تناسي هذا الخلاف أو تمييعه، والرجوع لما كان عليه وضع الطائفة الحقة قبل ظهور هذه الفتنة من اهتمام مشترك بتحقيق الحقائق الدينية واستنباط الأحكام الشرعية بقلوب منفتحة وموضوعية كاملة ونية خالصة، من دون أن يؤثر اختلاف القناعات وتباين وجهات النظر على وحدة الكلمة، أو يوجب تحيزاً وانقساماً، أو تشنيعاً وتشهيراً.
فإن الوصول للحقيقة في هذه المسألة يفرض على الباحث أن ينظر في أعماق المشكلة بموضوعية وانفتاح وتحرر وتجرد عن التراكمات والمضاعفات التي أفرزتها الخلافات والمنافرات في هذه المدة الطويلة.
ونحن ـ في الوقت الذي كان يحزّ في نفوسنا ـ ككثير من المخلصين ـ هذا الانقسام والتحزب بين أبناء هذه الطائفة ـ قد حاولنا جاهدين معرفة الحقيقة، والبحث عن واقع هذا الخلاف
منذ أمد بعيد، يزيد عن أربعين عاماً، سواءً كان ذلك بالرجوع للبحوث التي حامت حول الخلاف المذكور، أم للبحوث الأُصولية والفقهية التي قام بها من يحسب على كل من الطرفين، أم بالاستماع إلى وجهات النظر المختلفة مِمَّن هم معنيون بالأمر، أم بالحوار الصريح مع مَن لهم إلمام بالمشكلة وإحاطة بها من ذوي المقام الرفيع في العلم والتقوى والعمق والحكمة. ونخص منهم بالذكر المرحوم المقدس المرجع الديني الكبير آية الله العظمى الشيخ محمد أمين زين الدين(قدس سره) 1333 ـ 1319 هـ. ق)،
وقد حصلت لنا من جميع ذلك قناعة ذاتية حول الموضوع نرجو أن نكون قد وفقنا فيها، من أجل الوصول للحقيقة.
ونتيجة لهذه القناعة لا يهمنا الدفاع عن منهجية خاصة نسميها بالمنهجية الأُصولية أو منهجية المجتهدين، ولا عن منهجية خاصة نسميها بالمنهجية الأخبارية أو منهجيةالمحدِّثين، ولا التفنيد لإحدى المنهجيتين بخصوصيتها، ولا إرجاع إحدى المنهجيتين للأُخرى في محاولة للتوفيق بينهما.
كل ذلك لعدم وضوح معيار كلٍّ من المنهجيتين، وعدم تحديد ركائز كل منهما وفوارقهما.
فإن ما يذكر من وجه الفرق بينهما لا يصلح فارقاً، فضلاً عن أن يوجب الانقسام وامتياز كل من الطرفين عن الآخر، وما استتبع ذلك من فُرقة وتنافرلأنها بين خلافات لفظية لا حقيقة لها، وخلافات فقهية أو أُصولية بين جميع العلماء على اختلاف مناهجهم، من دون أن تمتاز به إحدى الفئتين عن الأُخرى، كما أوضح ذلك غير واحد.
وقد استوفى الكلام فيه المحقق البحراني(قدس سره) في المقدمة الثانية عشرة من مقدمة كتابه الجليل (الحدائق الناضرة) وفي الدرة الثامنة والأربعين من كتابه (الدرر النجفية).
بل إن التباس معالم الخلاف وركائزه يمنعنا من نسبة كثير من علمائنا الأعلام(قدس سرهم) إلى إحدى المنهجيتين بعد عدم تصريحه بالانتماء لواحدة منها.
كما ربما يوجب ذلك التباس الحال في بعضهم، فتختلف نسبته باختلاف الناسبين له، كشيخ الطائفة الطوسي(قدس سره) ، حيث عدّه في المقدمة الثانية عشرة من مقدمات كتاب الحدائق من أساطين المجتهدين ، وعدّه بعضهم من الأخباريين.
وكالمجلسي(قدس سره،(1027 هـ/ 1110 هـ حيث عرف عنه أنه من الأخباريين، وعدّه في الفائدة الثانية من كتاب (الحدائق) من متأخري المجتهدين .
وكصاحب الحدائق نفسه الذي اشتهر عنه أنه من الأخباريين، مع أن كلامه في الكتابين المتقدمين صريح في عدم الفرق بين الفئتين... إلى غير ذلك مّما يجعلنا على قناعة تامَّة بعدم وضوح معالم الخلاف وركائزه أولاً، ثم بعدم الجدوى في تحديد كلٍّ من المنهجيتين وتمييزها عن الأُخرى، لننظر بعد ذلك في ما هو الحقيق بالقبول أو الرفض منهما، أو نحاول التقريب بينهما.
وإذا كانت المواقف الانفعالية وردود الفعل المتشنجة ـ عن حسن نية ـ من بعض أطراف الخلاف في بعض المسائل التي تبتني عليها الملامح العامة للمنهجيتين قد عمّقت الخلاف في يوم مّا، حتى انتهى الأمر في حينه إلى الانشقاق والفرقة والجفوة والنفرة والتشنيع والتهريج، بنحو يحزّ في نفوس المؤمنين وتدمى له قلوب المخلصين مما زاد هذه الطائفة محنة على محنتها، وبلية فوق بليتها.
إذا كان ذلك كله قد حصل لملابسات لم نملك السيطرة عليها والتحكم فيها والحدّ منها، فاللازم على ذوي الاخلاص والمعرفة والتعقل والحكمة بعد خمود الفتنة وسكون الفورة تدارك الأمر ورأب الصدع وجمع الشمل، رفقاً بهذه الطائفة المتعبة على طول الخط، وتخفيفاً من معاناتها ومشاكلها، وخدمة للحقيقة الضائعة في خضم المنافرات والمشاحنات.
وعلى ذلك فالاختلاف في مسائل أُصول الفقه وتباين المناهج والمسالك فيها لا يكون منشأ للفرقة بين علماء الطائفة الحقة، ولا بين أبنائها، بحيث ترى كل جماعة فرض المنهج الذي التزمت به، وعدم براءة الذمة بتقليد من هو على خلافه إذا تمت ضوابط التقليد العامة، بعد كون الجميع من فقهاء أهل البيت(عليهم السلام) ويحملون شرف الانتماء لهم والائتمام بهم.
كيف ؟! وليس الأثر المهم لاختلاف المنهج في المسائل الأُصولية إلا ما قد يترتب عليه من الاختلاف في المسائل الفقهية التي هي مورد العمل، ولا ريب في أن الاختلاف في المسائل الفقهية لا يوجب تفرقاً في الطائفة، ولا تحزباً فيها، ويبقى المكلف مطلقاً في تطبيق قواعد التقليد العامة على جميع الأطراف.
وإلا فما أكثر اختلاف الأخباريين فيما بينهم، واختلاف الأُصوليين مع بعضهم.
بل قد يبلغ الخلاف حدّ الغرابة بل الشذوذ حتى من الأعيان والأكابر، سواءً كان في مقدمات الاستنباط وفي فهم الأدلة، أم في نفس الحكم المستنبط، كما يتضح للممارس الناظر في كلام الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) وغيرهم من أهل البحث والنظر.
لكنه لا يوجب تجريحاً ولا فرقة بعد كون الوجهة العامة فقه أهل البيت (عليهم السلام)، مشفوعة بحسن النية، والواقعية، والاهتمام بالوصول للحقيقة. فان الباحث مهما عظم شأنه معرض للخطأ، والتسديد من الله تعالى والعصمة لأهلها.

الفرع الثالث
اولا - التعريف بالشخصية العلمية للشيخ
من الملاحظ أن دراسة حياة أعلام الريادةالفكرية في تاريخ الشيعة الامامية لم تحظ –الا نادرا -بالقدر الذي يستوجب اتباع المنهج العلمي الذي نستطيع من خلاله حسن الاداء والوفاء في دراسة الشخصية بما يغني المتلقي معرفة واطلاعا على المعالم التي تفسر السلوك الخاص والعام , ومفردات الحياة الشخصية بابعادها واستجلاء ملامح الابداع والوقوف على مقومات التكوين الذاتي والكسبي , ومدى الامتياز في قوة النفس وعمق التفكير ,والتزام الموضوعيةفي الطرح فضلا عن تخطي التقريرية وتجاوز الاسلوب الاستعراضي الامر الذي ترقى فيه مسؤولية اجيالنا الحاضرة الى مستوى الواجب .
وبعد ان اطلعنا بقدر موجز على آفاق مايخص الهيكل العام لمدرسة الفقه الاسلامي في اطار دراسات الحوزة العلمية للطائفة الامامية وبشكل خاص مدرسة البحرين العتيدة وابعاد طرق البحث والمنهجية المتبعة فيها وهي الطريقة التي مافتأت تحاكي طريقة السلف الصالح بما قدمته من الالمعية والنبوغ الفطري تاثرا بالمجتمع المؤمن في البحرين الذي تحتفظ له ذاكرة الزمن بثمرات العلم المقتطفة من مجالس الدرس والوعظ والتعليم الديني الذي تتوارثه الابناء من الآباء في الاسر العلمية العريقة وفي طليعتها آل عصفور التي انتجت اجيالا من الفقهاء والعلماء والخطباء والقضاة والادباء ولم يزل العلم فيهم الى اليوم يانعا تتفرع اغصانه.
ومن مفاخر هذه الدوحة الكريمة صاحب الذكرى العلّامة المحقق الآية الشيخ حسين آل عصفور – قدس سره – وقد امتازت حياته العلمية بجملة من المعالم الرئيسة التالية :
1- تتصف نشأته الدراسية بحضوره على اعلام العصر من الفقهاء الاجلاء وقد حظي برعايتهم واهتمامهم الابوية لاسباب منها انحداره العائلي الكريم فان هذا الامر له التأثير البالغ في زمانه من حيث اعتباره قد اعد مؤهلا من الاسرة ليرتقي مكانة مرموقة ..وحسبك التربية الاسرية ومجالسها الخاصة التي تنصرف غالبا في الحوار والمناقشة الى تحرير المسائل العلمية والادبية والثقافية والفتى النابه المتلقي الذكي باقتناص النكات الدقيقة التي تفتح امامه ذهنية متفتقة على مايزينها من الادب الجم والخلق المرضي والعقل الراجح .
2- عادة ماكانت تنعقد في بيوت العلماء مجالس يتطارح فيها الضيوف قضايا تتعلق في الجوانب العلمية او الاجتماعية اوالتربوية فيستفيد الحاضرون من ذلك مايحقق على مستوى التربية الشخصية ثوابت تنفعهم في حياتهم العملية ويدخرون في انفسهم خبرة مضافة على تجاربهم في الحياة ومن المحتم اان الشيخ رحمه الله استفاد من مجالس الاسرة المتعددة في حياته ومجلس والده العالم الجليل .
3- هناك ظاهرة تستدعي الدراسة والاهتمام للوقوف على مقومات شخصية الشيخ والتي رسمت لها طريق التقدم في اقرار المنهج العلمي الذي اتبعه في دراساته وبحوثه , والظاهرة هي التنوع التعليمي فانتقاله الى الحوزة العلمية في العتبات المقدسة في سن مبكر له الاثر الفاعل في بناء الشخصية العلمية الوقادة بسبب المحيط المفروض عليه في مواطن الحوزات العلمية التي توفر معتكفا وانكبابا على التحصيل وانصرافا عما يشغل البال عن مهمة طالب العلم بالاضافة الى قدسية المكان وروحانيته والجوار المبارك لاضرحة الائمة المعصومين عليهم السلام ومافيه من توفر الاجواء العبادية للتبتل والدعاء والزيارة والتوسل باهل البيت الطاهر للتولف الى الله بالتوفيق وتسديدالخطى .
4- ان توفر الجو الخاص في تلمذته على عمه الامام المحدث البحراني له وقع خاص ظهرت آثاره العميقة حيث وجدنا شيخنا آل عصفور يقتفي سيرة استاذه وعمه من معرفته القريبة الى روحه ويلتزم منهجه الحياتي والدراسي والفكري لتتطلع نفسه الى دلالات تلك الصحبة فتنعكس على هواجسه وخواطره وحركاته مصداقا للقول الماثور : لولا المربي ماعرفت ربي , وهذه الطريقة النادرة التي لاتتوفر لكل احد لها مصاديق تنفذ في الاعماق وعادة ماتكون متبعة في بلاد الغرب وفي الجامعات العريقة حيث يتخذ الاستاذ تلميذه صديقا له يصحبه وربما يساكنه ليتعلم منه في خطوة يرسمها مثالا يعلمه ويرسم له معالم الطريق الى نجاحه في مهمته العلمية بكتابة اطروحته للدراسات العليا ولعلها مستعارة من الاساليب التربوية التي استفادها الغربيون من بلادنا الاسلامية .
5- امتاز الشيخ آل عصفور بالموسوعية في التصنيف والتأليف في ابواب متعددة من العلوم الشرعية التي كانت معروفة في زمانه حسبنا قائمة مؤلفاته الواسعة في علوم وموارد كثيرة كما ان مما يدخل في هذا الافق المعرفي كثرة تلامذته وممن استجاز وفي طليعتهم العلامة البحراني في لالاجاوة المشهورة باللؤلؤة واما من اجازهم فهم من كان لهم القدح المعلى في الصيت والشهرة العلمية .
6- وعلى مصاف المدرسة الاخبارية فقدكان بحق شيخ الاخبارية الذي ثنيت له الوسادة واستقام له الامر وكان الزعيم الذي قاد مسيرة الاتباع الى شاطىء الامن والايمان بالورع والتقوى وكان على ماحكى مترجموه صاحب المنهج المعتدل والمدرسة التوفيقية
التي حاولت ان تضع النقاط على الحروف في كثير من المسائل العويصة التي اتعبت الزمن الكؤود من صفحات الانغلاق على الذات .
وغير ذلك من الرؤى والصفات الكريمة التي تحتاج الى محطات تامل هادئة لعلنا نوفق الى اغنائها بالشواهد والامثلة والدراسة المتأنية الوافية في مستقبل الايام .
ثانيا كتاب المكاسب وتبويبه
اتجهت عناية اعلام الفقه الامامي بالبحث والدراسة لموضوع التعامل التجاري نظرا لاهميته في حياة الناس وضرورته لادامة عيش الانسان , والى تقييم العمل التجاري و تشجيعه والثناء عليه وفق ماورد في آيات الذكر الحكيم والروايات الشريفة ولو تصفحنا مؤلفات الفقه الاسلامي لوجدنا انها قد خصصت اجزاء تعني بهذا الجانب الحيوي من التشريع وجعلت له عناوين محددة في فصول او ابواب اوكتب اواجزاء ويمكن بنظرة عامة ان تصنف هذه البحوث والدراسات قديمها وحديثها بحسب المناهج المتبعة في صياغتها الى قسمين :
الاول: ما حرره المجتهدون على مستوى الطرح الفقهي باسلوب الرسائل محل العمل لمقلديهم , او باطار البحث العالي مايسمى ( الخارج ) بشكل تقريرات الافاضل من تلاميذهم بالاضافة الى الفقه الاستدلالي , ومجمل مايقال عن هذه البحوث انها تصلح بالافادة منها في دراسات الحوزات العلمية وطلاب المعارف الدينية بمختلف مراحلهم في الدراسة , وهي غنية بالالمام في جوانب ما تتطرق اليه في من الاحكام الشرعية للتجارة الاان فهمها قد يعسر على البعض ممن ليست لديه مقدمات دراسية ميسرة لما تتصف به اللغة الفقهية من المصطلحات والعبارات المتداولة واختصاصها بصياغة لتركيبة الجملة واسلوب عرض الحكم الشرعي الا ان الطالب النابه يتمكن ان يستلهم من فهمهامايعينه على استخلاص مبادىء ومعطيات ونكات في غاية الاهمية . بل يجد الباحث مبتغاه المطلوب في التحري الدقيق بتنقيبه اذا استوعب هذه اللغة العلمية وغاص في فلسفة مفرداتها, ووقف على الغاية من المسائل المختلف عليها بين الفقهاء بروية وامعان .
الثاني : الدراسات الحديثة المبنية على اساس النظر للتجارة باعتبارها تمثل الدعامة الاساس لعلم الاقتصادوتوسع ابوابه وتعدد اتجاهاته الى الدرجة التي يشهدها العالم المعاصر في تاسيس كليات مختصة ومنظمات ومؤسسات الى غير ذلك في عالم المتغيرات اليوم وعلى العموم يكتشف الانسان بين الفينة والاخرى مجالات جديدة تصب في جانب معرفي آخر , وتستجد تساؤلات واشكالات خاصة في المجتمع المؤمن الذي يرقى مستواه الايماني الى معرفة أحكام الحلال والحرام في المعاملات التجارية التي يمارسها على المستوى الشخصي او بالمؤسسة التي ينتمي اليها او يعمل بها او يعتد بها فكرة او مبدءأ يتبناه في بحوثه او اطروحاته الاكاديمية والذي نلمسه في هذا المضمار هو الحاجة للاستشارة باهل الخبرة والاختصاص وهم لاشك الفقهاء المجتهدون في مؤهلاتهم العالية .
ومن هنا نلمس قيمة العطاء في فكر الاقتصاد الاسلامي المطروح في الساحة العالميةواهميته حيث نلحظ جوانب الابداع المبكر في حسابات علمائنا الافاضل الذين يرفدون هذا الجانب بارائهم وفتاواهم لمعالجة ما يهم حياة المسلم ودفع عجلة الحياة الاقتصادية بمنهج يتفق مع المصلحة الاسلامية ولا يتعارض مع الاحكام الشرعية .
ولابد من التنويه الى الحاجة نحو الاهتمام بالدراسات المقارنة للاقتصاد الاسلامي من جهتي آراء الامامية في ناحية , ومن المقارنة مع القوانين الوضعية بناحية أخرى التي أخال ندرة وجود موسوعة تفي بالغرض ليتعرف المعنيون مدى حيوية الاقتصاد الاسلامي وديمومته .
ومما ينبغي اثباته حرص الفقهاء على صيانة المجتمع من انعكاسات المسارات الخاطئة وتدني اساليب الكسب الحرام والحفاظ على ما يسمو اليه التشريع التجاري في الاسلام من أخلاقية تبدأ من اطار اعطاء العمل التجاري صفة الواجب ومفهوم العبادة , فتتحول تلك النظرة الغيبية لدى الانسان الى طاقة محركة وقوة دفع نحو المساهمة باكبر قدر ممكن . لان الفهم المعنوي للحياة والاحساس الخلقي بها هما الركيزتان اللتان يقوم على اساسهما المقياس الخلقي الجديد الذي يضعه الاسلام للانسانية وهو : رضا الله تعالى ، ورضا الله هذا الذي يقيّمهُ الإسلام مقياساً عاماً في الحياة .
وبعد هذه المقدمة الوجيزة ندلف في اطار دراستنا لكتاب المكاسب الذي صنفه صاحب الذكرى العطرة الشيخ آل عصفور ليكون بمثابة الرسالة العملية محل التطبيق لمقلديه واتباعه .وسوف نقسم البحث الى :
1- وصف الكتاب
عدّ المؤلف كتابه تتمة لكتابه الفقهي ( سداد العباد ) بقوله : ( إني لما فرغت من الجزء الأول الموسوم بـ(سداد العباد، ورشاد العباد) وقد جمع للعبادات، شرعت في الجزء الثاني المشتمل على بقيّة الفقه، من المتاجر والمعاملات، والعقود، والإيقاعات، إلى أحكام القصاص والديات ) .
ويستطيع قارىء الكتاب ان يصفه بانه رسالة عملية في موضوع المكاسب لما يمتاز به من العبارة الواضحة المعنى والتبسيط الذي يستفيد منه المتلقي فهو بهذا العرض يشبه التذكرة التي يجعلها طالب العلم اساسا لابتداء دراسته لفقه التعامل التجاري . كما انها تعد دليلا يستجلي بها المؤمن احكام العمل التجاري في نشاطه اليومي .
و من المهم ان الشيخ رحمه الله قداردف الاحكام فيها بمستند من الروايات التي اختارها دعما للاحكام ليشيع روح الطمأنينة ويوقف القارىء على ملامح الغاية المثلى للمدرسة الاسلامية في ضوء خط اهل البيت عليهم السلام , وليكون حافزاللتطلع على مزية الحكم الشرعي والمعهود في مدرسة البحرين زمن المصنف ان الطبقة العامة من الناس- فضلاعن الافاضل في دراساتهم- يتلقون دروسا مبسطة يوميا اما في المساجد اثناء اداء الصلاة , اوفي المجاس المنعقدة في بيوت العلماء .
والكتاب بلغته المبسطة لايخلو من مصطلحات وعبارات تحتاج الى شرح وتفسير من أهل العلم وهذاما يدعو الى الترابط والتلاحم قويا في العلاقة بين الناس والعلماء , ويعتبر عاملا مهمافي خلق اجواء ايجابية للقاعدة الشعبية وقربها لفهم الاسس الدينية للمصالح التجارية.
كما اورد في اكثر من مرة عبارة الشيخ والظاهر انه يقصد استاذه وعمه الشيخ يوسف البحراني قدس سره .ومما يشاراليه كذلك توسعه في التفصيلات التي يتميز باثباتها مما لانجدها في امثال الكتب المصنفة في باب التجارة لغيره من الاعلام وهذا على عمق سعة الافق والاطلاع .
2- منهج تبويب الكتاب
سعى المؤلف المحقق الى تقسيم كتابه وفق منهجيته الموضوعية التي اعتمدها في ضوء تقصي ما ورد في آيات الكتاب الحكيم والروايات الشريفة وقد وزعها على فصول عنونها ( في ما يكتسب به ) مماتبحثه موارد الأحكام الشرعية في بحث المكاسب وهي :
الفصل الاول – المكاسب المحرّمة شرعاً, وحدد فروعها كالآتي :
1– الاعيان النجسة والمتنجسة .
2- مايحرم بتحريم ماقصد به .
3- ما يفضي إلى مساعدة على محرم.
4- مالا نفع فيه مقصود للعقلاء.
5- ما حرّم لغايته أيضاً .
6- ماحرم بعينه .
7- التصوير بالصور المجسمة .
8- الكهانه والسحر.
9- نوح النائحة وندبها بالباطل.
10- الرشاء في الحكم وأجر الزانية والربا المحرم .
11- تعلّم علم النجوم والعمل به .
12- ماتعلق حق غير البائع به .
13- ما يجب على المكلف فعله .
14- يحرم التكسب بالدخول في أعمال الظالمين .
15- من المحرمات المكتسب بها .
16- المعاملة بما اشتمل على الغش .
17- يحرم بيع الحر .
18- من دفع إليه مال يفرقه .
الفصل الثاني - المكاسب المكروهة, وهي انواع:
(منها) كسب الحجام مع الشرط .
م( منها) أجرة فحل الضراب.
و(منها) أجر النائحة بالحق مع المشارطة .
و(منها) كسب الماشطة مع المشاطة .
و(منها) الصرف.
و(منها) القصابة والذبح.
و(منها) الصياغة.
و(منها) بيع الطعام لأنه لا يسلم من الاحتكار.
و(منها) السباءة، وهي بيع الأكفان.
و(منها) النخاسة وهي بيع العبيد.
و(منها)الحياكة .
و(منها) كسب الصبيان الذين لا يحسنون صناعة.
و(منها) ما مرّ من كراهة الأجرة على تعليم القرآن مع الشرط.
و(منها) الاكتساب ليلاً، بحيث لا يعطي العين حقها.
و(منها) ركوب البحر للتجارة مع التمكن من البر.
و(منها) التجارة في البر حيث يستلزم الصلاة في الثلوج.
و(منها) إجارة الإنسان نفسه، بحيث تكون أعماله للغير.
و(منها) مباشرته للأمور الدنيّة في الإكتساب بل يحملها غيره ويباشر الأمور الكبار .
ومنها) طلب الحوائج من مستحدثي النعمة .

الفصل الثالث -المكاسب المستحبة, فانواعها:
(منها) الزراعة والغرس.
و(منها)النجارة فإنها صناعة نوح عليه السلام.
و(منها) الخياطة فإن ادريس عليه السلام.
و(منها) الصقالة.
و(منها) رعي الأغنام.
و(منها) المضاربة.
و(منها) عمل الدروع وهي صناعة داود عليه السلام.
(منها) التجارة وهي أكثر الأعمال رزقاً.
و(منها) الغزل للمرأة.
و(منها) شراء العقار.
و(منها) قني الشياه وهي أحب ما يقنى، لما فيها من الرزق الكثير الدار.

الفصل الرابع – المكاسب المباحة, فهي:
المباحات المكتسب بها:
وقد عبر عنها بقوله انها (المستوية الطرفين، وهي أنواع لا تنضبط حتى لو كانت ذات وجهين فيتبع منها وجه الحلال، وينتهى عن وجه الحرام .
ثم طرح نظرية الشريعة في توزيعها وان الحكمة الالهية للتوزيع في هذه المعاملات (الدخول في جهات الحلال والعمل بذلك الحلال منها، واجتناب جهات الحرام منها )
وانها تتوزع الى: أربع جهات ، كل منها فيه حلال من جهة وحرام من جهة وهي:
أولا – الولاية: فإحدى الجهتين من الولاية ولاية ولاة العدل الذين أمر الله بولايتهم على الناس، والجهة الأخرى ولاية ولاة الجورعلى مااشاراليه.

ثانيا – التجارة : في جميع البيوع، ووجوه الحلال من وجه التجارات التي يجوز للبائع أن يبيع مما لا يجوز له، كذلك المشتري الذي يجوز له شراؤه مما لا يجوز له

ثالثا – الصناعات : فكل ما يتعلم العباد أو يعلّمون غيرهم من أصناف الصناعات، مثل الكتابة، والحساب، والتجارة، والصياغة، والسراجة، والبناء، وغيرها .
رابعا - الإجارات. فإجارة الإنسان نفسه أو ما يملك أو يلي أمره .
ثم ذكرما ما يجوز من الملك والخدمة وافاد انها ستة وجوه:
الاول - ملك الغنيمة.
الثاني - ملك الشراء.
الثالث - ملك الميراث.
الرابع - ملك الهبة.
الخامس - ملك العارية.
السادس - ملك الأجر.
وخلص في النهاية الى انه اطنب فيما اورده سلفا (لكثرة فوائده ومحصوله، وإغنائه عن تتبع جزئيات المباحات، ولكشفه عن أفراد المحرمات على جهة التعميم، وبيان ذي الجهتين.
والفائدة التي اختتم بها كتابه القيم ماعنونه ب(التتمة) متحدثا عل موضوع وجوب الاكتساب مبينا:
1- ان هذا الوجوب عينيا لما يتوقف على تحقيقه من واجب الانفاق وما يعود به عاى نفسه وعياله وع ترتب الحرمة بالترك
2- التزم حسب منهجيته ان يورد مستشهدا بروايات عن النبي واهل بيته الائمة الابرارفي تاكيد التشريع الاسلامي على الاخلاقية التي امتاز بها في ايقاظ الجانب النفسي والروحي الملازم لطبيعة الاحكام في طلب الرزق بالتوكل على الله والتورع في المعاملة وترك الاستكانة والتكاسل واللامبالاة ومسك الختام بحكمة آل داود عليه وعلى نبينا التحية والسلام السلام بالقول : ينبغي للمسلم العاقل أن لا يرى ظاعناً إلا في ثلاث: مرمّة لمعاش، أو تزوّد لمعاد، أو لذة في غير ذات محرم .
3- مراجع الكتاب ومصادره
استعان المؤلف في تاليفه الفقهي بمراجع عدة موزعة حسب موضوعاتها وفي الدرجة الاولى القرآن وتفاسيره العسكري والنعماني والقمي والعياشي. وكتب الحديث والرجال كصحيح البزنطي واخبار الجعفريات والتهذيب للشيخ الطوسي والاستبصار ومن لايحضره الفقيه والكافي للكليني ورجال الكشي وكتبا فقهية وغيرها مثل تحف العقول ونوادر الراوندي ودعائم الاسلام
والمسالك والمسائل لعلي بن جعفر وكفاية السبزواري والتذكرة للعلامة والخلاف للشيخ الطوسي والمبسوط للشيخ الطوسي وعيون اخبار الرضا وكتاب ورام ومستطرفات السرائر والمحاسن والخرائج والجرائح والخصال والمحاسن وقرب الاسناد والدروس وفتاوى المرتضى شرح نهج البلاغة لميثم البحراني.

الخاتمة

بعد هذه الرحلة السريعةالتي قضيناها في رحاب صاحب الذكرى الكريمةالعالم الجليل الفقيه البارع الشيخ حسين آل عصفور تغمده الله برحمته في اطار جانب من جوانب آفاق فقاهته وهوموضوع ( فقه التعامل التجاري ) الذي له اهمية كبيرة في عالم الانسان المسلم بالخصوص والانساني عموما وقد نقلتنا انفاسه القدسية الى التطرق حول الموضوع من وجهات نظر متعددة في محطات ينبغي ان يقف منها الكاتب الحصيف موقف السعة والاستيعاب وايفاءالبحث حقه الاان العجالة في هذا النتاج المتواضع يمثل في الحقيقة جهد المقل من اجل المساهمة والاثارة العلمية للاستفادة من ملاحظات اهل العلم والاختصاص.
كما لا انسى ان اعرض قبول العذرعما يشوب الدراسة من الهنات فالكمال لله وحده متمنيا العودة لاتمام ماشذبه القلم وخطل عنه الخاطر.مع يقيني بان من الواجب منهجيا التأمل والوقوف عند بعض المباحث وايفائها حقها .
ثم لايسعني الا ان اثمن دور القائمين بهذا المؤتمر الرائع والناهضين باعبائه داعيا المولى القدير ان يرفدهم بلطفه وتوفيقه وان يتقبل الاعمال بنيل الرضا عند الله فهو الغاية واليه يصعد الكلم الطيب .
وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين
وازكى الصلاة على عبده المصطفى محمد وعلى آله ائمة الهدى.


محمد جواد الطريحي
Email: altouraihi@yahoo.com