PDA

View Full Version : مقتطفات من الفوائد المدنية


على
29-05-2004, 06:18 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين
قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه :
" يا معشر شيعتنا والمنتحلين مودتنا إياكم وأصحاب الرأي "

سماحة الشيخ محسن , السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
اود ان انقل بعض كلام الفاضل الأسترابادي ـ فى الفوائد المدنية ـ الذى وصفه الشيخ يوسف البحراني فى لؤلؤة البحرين : ( المحقق المدقق المحدث ) . وهو كالأتي :

( وسمعت من بعض المشايخ أنه لما عيرت جماعة من العامة أصحابنا بأنه ليس لكم " فن كلام مدون " , " ولا أصول فقه " , " ولا فقه مستنبط " , وليس عندكم الا الروايات المنقولة عن ائمتكم .. تصدى جماعة من متأخرى أصحابنا لرفع ذلك فصنفوا الفنون الثلاثة على الوجه المشاهد , وغفلوا عن نهيهم عليهم السلام أصحابهم عن تعلم فن الكلام المبنى على الأفكار العقلية , وأمرهم بتعلم فن الكلام المسموع منهم عليهم السلام , وكذلك عن القواعد الأصولية الفقهية غير المسموعة منهم عليهم السلام , وصرحوا عليهم السلام بأنه " علموا أولادكم أحاديثنا قبل الفة أذهانهم بما فى الكتب غير المأخوذه عنا ) ,

( وأول من غفل عن طريقة أصحاب الأئمة عليهم السلام واعتمد على فن الكلام وعلى أصول الفقه المبنيين على الأفكار العقلية المتداولين بين العامة فيما اعلم محمد بن أحمد بن الجنيد العامل بالقياس , والحسن بن على بن أبى عقيل العماني المتكلم ولما اظهر الشيخ المفيد حسن الظن بتصانيفهما بين يدي أصحابه ومنهم السيد الأجل المرتضى رئيس الطائفة شاعت طريقتهما بين متأخري أصحابنا قرناً فقرناً , حتى وصلت النوبة إلى العلامة الحلي فالتزم فى تصانيفه اكثر القواعد الأصولية للعامة )

سماحة الشيخ محسن برجاء من سماحتكم الرد على هذه الأسئلة الهامة وهى كالأتى:

1ـ ما تعليق سماحتكم على كلام المحدث الأسترابادى ره .؟

2 ـ لماذا ألف الشيخ المفيد فى علم الأصول كتاب ( التذكرة في أصول الفقه )؟

3 ـ ما معنى ما قاله الشيخ يوسف البحراني ره فى لؤلؤة البحرين ص 319 ـ فى ترجمة السيد المرتضى :
.. أقول ـ والرجل كما ذكروا وفوق ما ذكر من الفضل وعلو الشأن وجلالة المنزلة دنيا ودين ورفعة المكان , إلا انه ـ قدس سره ـ كان مجتهداً صرفاً واصولياً بحتاً قليل التعلق فى الاستدلال بالأخبار وإنما يتعلق بالأدلة العقلية كما لا يخفى على من راجع كتبه الفقهية , والظاهر أن ذلك بناء على ما أشتهر نقله عنه من حكمه بأن هذه الأخبار اخبار آحاد لا توجب علما ولا عملا كما هى طريقة ابن أدريس ـ قدس سره . ؟!!!

برجاء ردكم دام فضلكم .

رد المدرسة
30-05-2004, 11:56 PM
بسمه تعالى
قولكم
1ـ ما تعليق سماحتكم على كلام المحدث الأسترابادى ره .؟
التعليق :
ما ذكره المحدث الإسترابادي صحيح لكن يحتاج الى مزيد بسط يطول به المقام نكتفي بالإشارة اليه على نحو الإختصار
من المعلوم أن الفترة التي أعقبت زمن الغيبة الصغرى وعند بداية الغيبة الكبرى كان علماء الشيعة في غاية الحذر من خصومهم وفي غاية التخفي والتستر عن بيان مذهبهم وما يختلفون فيه مع خصومهم ونظراً لوقوف سلطان تلك الأزمنة مع علماء العامة وشدة تأكيد خلفاء بني العباس في قضيتهم المعروفة في حصر المذاهب في الأربعة المشهورة فقد اضطر علماء الشيعة بما فيهم المعروفين منهم الى مماشاة علماء العامة في نمط تفكيرهم وعدم المباينة معهم في أفكارهم ومناهج العلوم الشرعية التي نشأت وترعرعت ودرجت لديهم وهذا هو الذي أوقع أمثال الشيخ محمد بن أحمد بن الجنيد في العمل بالقياس ولسبب آخر هو شح مصادر الحديث وأصول الحديث للرواة المعروفين المروية عن أئمة أهل البيت عليهم السلام لصعوبة العثور عليها وتداولها في بداية الغيبة الكبرى لكل طالب ,
وكذلك الحال للشيخ الحسن بن على بن أبى عقيل العماني المتكلم الذي قطن عمان وأصبح مرجعاً يرجع اليه من الأقطار النائية وقد حتمت عليه الظروف التي عاشها التصدي للمخالفين باللغة العلمية التي شاعت على ألسنة علماء الخصوم المنتشرين في الدول المجاورة .
والشيخ المفيد معلم الطائفة في الوقت الذي أظهر فيه حسن الظن بتصانيفهما بين يدي أصحابه لمحاكاة المنحى العلمي الذي شاع في عصره ومنهم السيد الأجل المرتضى رئيس الطائفة لم يعمل بشيء من أفكارهما في استنباط الأحكام ومخالفة الأصول المروية عن أئمة أهل البيت عليهم السلام وكتاب المقنعة في الفقه خير دليل على ذلك إذ يعتبر من أوائل كتب الفقه المصنفة في تاريخ الفقه الشيعي وكثيراً ما يلجأ اليه علماء الشيعة إذا أعوزتهم النصوص للأخذ من عباراته على أنها متون روايات حذف عنها الأسناد واقتصر منها على متونها حيث عرف عنه أنه صاغها في أول أهم كتاب فتوائي موسع .
وقد شرحه الشيخ الطوسي في كتابه المعروف بتهذيب الأخبار الذي يعتبر أحد أصول الحديث الأربعة عند الشيعة الإمامية واستدل فيه على كل ما أورده الشيخ المفيد من فتاوى بما يدل عليها من نصوص مروية ثم أردفه بكتاب الإستبصار في حل مشكلات الأخبار اللذان انضما الى كتابي الكافي لثقة الإسلام الكليني وفقيه من لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق بما يعرف اليوم أصول الحديث الأربعة عند الشيعة الإمامية.
وأما قوله : ( شاعت طريقتهما بين متأخري أصحابنا قرناً فقرناً ) الشياع المومأ اليه إنما هو شياع ذكر طريقتهما وتداولها إما بالحكاية أو تناولها بالنقض والإبرام وإنما كان أول من أدخلها في حيز التطبيق مظافاً للمنحى النظري التي درجت عليه هو العلامة الحلي ولذا قال : ( حتى وصلت النوبة إلى العلامة الحلي فالتزم فى تصانيفه اكثر القواعد الأصولية للعامة (

ــــــــــــــــــــــــ
2 ـ لماذا ألف الشيخ المفيد فى علم الأصول كتاب ( التذكرة في أصول الفقه )؟
التعليق :
التذكرة في أصول الفقه كتاب لا يعرف حجمه بالضبط ولا يوجد الآن سوى كراس صغير الحجم اختصره عنه الكراجكي في كنز الفوائد و يتناول بعض المسائل الأصولية قال في مقدمة طبعة مختصرها السيدمحمد رضا الحسيني الجلالي ما لفظه :
أما قدماء الفقهاء فكانوا يحررون مبانيهم الاصولية ضمن الكتب الفقهية وفي خلال المسائل التي تناسب تلك البحوث ، وخاصة عند التعرض للخلاف ونثار المناقشات بالنقض والابرام ، فيعدون ما يصلح للاستدلال ويرفضون ما لا يصلح ، كما هو الحال بالنسبة إلى أدلة القياس والرأي والاستحسان والمصالح المرسلة ، الباطلة عند الشيعة . ومع أن المؤلفات الشيعية القديمة في هذا الفن عرضت للتلف والإبادة ، فإن التاريخ احتفظ لنا بهذا المختصر من كتاب ألفه الشيخ المفيد ، في مرحلة متقدمة مما يدل على نضج هذا الفن وتكامله في عصره .
وبالرغم من التوسع والتقدم والازدهار الذي امتاز به هذا العلم في العصور الأخيرة ، وضخامة مباحثه ومؤلفاته إلى حد الاعجاب والفخر ، إلا أن وجود مثل هذا الكتاب - على اختصاره وايجازه - في عهد المفيد يدل على اصالة قواعده ، وأن ما تحتويه من آراء ونظريات متطورة لم تحصل فجأة ، ولم تكن وليدة ساعتها ، وإنما هي استمرار وامتداد لجهود اصولية متعاقبة ، كما أنها تعتبر أساسا قويما للجهود المتتالية التي حمل رايتها تلامذة المفيد ومن بعدهم أعلام الشيعة الكرام . ومهما يكن ، فإن مؤرخ علم الاصول يمكنه أن يحدد معالم هذا العلم في عصر المفيد وما حوله ، من خلال هذه الرسالة على اختصارها . كما أنا نقف فيها على عناصر من فكر الشيخ المفيد الاصولي ، نشير إلى أهمها :
1 - الأدلة : جعل الشيخ المفيد مصادر الحكم الشرعي : العقل ثم اللسان ( أي اللغة ) و هو مصدر معرفة المفردات والمعاني اللغوية ، ثم النصوص الشرعية من الكتاب و السنة ، والملاحظ أنه عطف على السنة أقوال المعصومين الائمة الاثني عشر عليهم السلام ، مما يوحي أن مصطلح ( السنة ) عنده يختص بالمروي عن الرسول صلى الله عليه وآله . ويلاحظ - أيضا - أنه لم يذكر ( الإجماع ) في أدلة الاحكام الشرعية ، و السبب أنه لا يقول بحجية الاجماع في نفسه ، وإنما يلتزم بالاجماع الدخولي ، الذي تكون العبرة فيه بقول المعصوم الداخل فيه ، فلذالم يعد الاجماع وحده دليلا مستقلا .
2 - الخبر الواحد : حكم بحجية الخبر الواحد بشرط الاقتران بقرينة تؤيد صدقه ، أو بدليل عقلي ، أو بشاهد من عرف أو بالإجماع غير المخالف ، وإلا لم يكن حجة ، بل صرح بأنه : ( لا يوجب علما ولا عملا ) .
3 - المراسيل : وحكم بحجية الخبر المرسل - غير المعارض بأقوى منه - وقال : ( يعمل به أهل الحق على الاتفاق ) .
4 - الظواهر : يقول بحجية ظواهر الكتاب ، بعد إثبات أن للكتاب ظاهرا مرادا منه و استنكر القول بنفي الظاهر منه . كما اعتمد على أسباب نزول الآيات للتوصل إلى المراد القرآني .
5 - دلالة الأمر على النهي عن ضده : يقول بعدم دلالة الأمر بالشئ على النهي عن ضده بالدلالة اللفظية الوضعية ، وانما يقول بدلالة العقل على ذلك وحكمه به ، وعلى أساس استحالة اجتماع الفعل وتركه عقلا ، فإذا كان الفعل مطلوبا فالضد غير مطلوب . وهذا يدل على استخدام الاصوليين لحجة العقل في فترة متقدمة من تاريخ علم الاصول .
6 - اشترط العلم بالحقيقة والمجاز ، ولم يكتف فيهما بالظن ، وجعل الطريق إلى ذلك أحد أمرين :
1 - الإجماع من أهل اللغة .
2 - الدليل المثمر للبيان . ولم يعتمد على كلام بعض أهل اللغة ، أو بعض أهل الاسلام ممن ليس بحجة في المقال والفعال ، فانه لا يعتمد في إثبات حقيقة الكلام .
وأوجب التوقف إذا لم يقم دليل علمي على تعيين المعنى الحقيقي أو المجازي .
7 - في التخصيص : ادعى أن السنة الفعلية لا تكون مخصصا لعام لفظي ، إلا إذا كان أصل العام لا يصح إلا بفرد خاص ، وقد مثل لذلك بقوله : إذا روى أن النبي صلى الله عليه وآله أحرم ، لم يجب الحكم بذلك أنه أحرم بكل انواع الحج من إفراد وفران وتمتع ، بل إنما يصح الإحرام بنوع واحد ، فوجب القضاء بالتخصيص بواحد منها فقط .
8 - المجمل والمبين : عبر عنهما بالكنية والظاهر ، وهي تسمية غير معروفة في المصادر الاصولية المعاصرة .
9 - يقول بنسخ الكتاب بالكتاب ، لكن لا بالسنة ، ويقول بمجئ النسخ في أخبار الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عند تعارضها ، لكن لا يقول بالنسخ في أحاديث الأئمة عليهم السلام . إن احتواء هذه الرسالة على صغرها على هذه الآراء من الشيخ المفيد تزيد من أهميتها ، مع أن الذي يبدو من النسخ أنها مختصرة من أصلها الكامل ، المسمى في الفهارس ب‍ ( التذكرة باصول الفقه ) . ولو قدر أن حصلت لنا النسخة الكاملة من كتاب الشيخ لافادتنا أكثر من ذلك ، ولوقفنا على جوانب أهم من معالم الفكر الاصولي في مدرسة الشيخ المفيد رحمة الله عليه . وبالله التوفيق .
ـــــــــــــــــــــــــ
3 ـ ما معنى ما قاله الشيخ يوسف البحراني ره فى لؤلؤة البحرين ص 319 ـ فى ترجمة السيد المرتضى :
.. أقول ـ والرجل كما ذكروا وفوق ما ذكر من الفضل وعلو الشأن وجلالة المنزلة دنيا ودين ورفعة المكان , إلا انه ـ قدس سره ـ كان مجتهداً صرفاً واصولياً بحتاً قليل التعلق فى الاستدلال بالأخبار وإنما يتعلق بالأدلة العقلية كما لا يخفى على من راجع كتبه الفقهية , والظاهر أن ذلك بناء على ما أشتهر نقله عنه من حكمه بأن هذه الأخبار اخبار آحاد لا توجب علما ولا عملا كما هى طريقة ابن أدريس ـ قدس سره . ؟!!!

التعليق :
المعروف عن السيد المرتضى علم الهدى أنه تلميذ مدرسة الشيخ المفيد وليست له أراء شاذة ومخالفات صريحة لما شاع عنها بل لعب دوراً عظيماً في الذوذ عنها والدفاع عن أصالتها وارغام أنف خصوم المذهب بالإذعان لمدرستها وعمقها وأصالتها لكن المنحى الذي عرف عنه في الإستدلال من التركيز على الأدلة العقلية وقلة الإستدلال بالأخبار والذي كان على خلاف منحى شيخ الطائفة الشيخ الطوسي الذي كان أول من تحرر من تلك الظروف القاهرة عندما انتقل الى النجف وتوطن فيها وقام بتأسيس الحوزة العلميد الدينية فيها .
و الذي دعاه لما صار اليه إنما كان بسبب رفض المخالفين في المذهب لما ترويه الإمامية من أدلة الأحكام من الأخبار في الحلال والحرام جملة وتفصيلاً كما سبق من أمر الفقيه العماني لقرب العهد وتشابه الظروف التي أحاطت به واختلاط الحاضرة العلمية الدينية في بغداد بكل المذاهب الإسلامية فاضطر هو الآخر لما كان عليه من تبحر في المعقول الى انتهاج منهج تستقربه أذهانهم وتأنس به طباعهم ويكون ألزم في الحجة وأبلغ في التفهيم والإقناع بعمق المدرسة الفقهية عند الشيعة الإمامية .
كما أن قلة التعلق بالأخبار منه إنما لإشتهارها بين الخاصة وتناولهم وتداولهم لمصنفاتها الأمر الذي ليس بحاجة الى مزيد عناية والى ذلك يشير أيضاً مقدم طبعة كتاب الإنتصار الذي ألفه للإنتصار لمذهب الإمامية على مخالفيهم من فقهاء المذاهب الأخرى حيث قال ما لفظه : علم الهدى السيد أبو القاسم علي بن الحسين المعروف ب‍ " الشريف المرتضى " طيب الله رمسه من أعلام القرنين الرابع والخامس الهجري . وفضله أشهر من أن يذكر فهو الفقيه المحقق والأصولي المجدد والكلامي المتضلع والأديب الماهر والمفسر المتبحر ، صاحب التآليف الكثيرة والتصانيف العديدة في أنواع الفنون ومختلف العلوم .
والكتاب الماثل بين يديك - عزيزنا القارئ - هو واحد من تلكم الآثار الشريفة التي سطرتها براعة هذا السيد الجليل ، وقد سماه ب‍ " الانتصار " إنتصارا لفقه الإمامية وآرائهم وفتاواهم التي انفردوا بها وصارت سببا لتشنيع المخالفين في كونها مخالفة للاجماع وفاقد للدليل والبرهان ، فانبرى لهم السيد قدس الله سره وذكر جميع الموارد التي انفردت بها الإمامية في الأحكام الشرعية وأوضح في ذلك حجة الإمامية وأدلتهم التي اعتمدوها في مذاهبهم الصائبة وأنظارهم الصحيحة فجزاه الله عن الاسلام وأهله أفضل الجزاء وأدومه . ولأهمية هذا الكتاب قررت مؤسستنا طبع الكتاب بتحقيق دقيق وتصحيح للمتن متين بعد مقابلته مع النسخ الخطية المتوفر وتخريج أقواله بما توفر لديها من مصادرها وإلحاقه بفهارس عامة تسهل على القارئ الوصول إلى ضالته في هذا الكتاب القيم . ولا يفوتنا أخيرا أن نتقدم بالشكر الجزيل والثناء الجميل لفضيلة المحقق الشيخ علي الدباغ أيده الله وجميع الأخوة الذين ساهموا في تحقيق الكتاب . سائلين الله لهم ولنا المزيد من التوفيق في خدمة تراث الإمامية الخالد إنه خير موفق ومعين انتهى كلامه .
لكن يمكن الإستئناس بعمق التمسك بالأخبار من خلال كتاب الأمالي المشهور الذي شرح فيه جملة من غوامض متون الروايات المأثورة والأحاديث المروية .

على
01-06-2004, 01:45 PM
بسمه تعالى

سماحة الشيخ / وما رايكم فى قول الوحيد البهبهاني ـ وكيف ادعى ما قاله على المحدث الأسترابادي رضوان الله عليه( توهم متوهم ..) ـ :

( لما بعد العهد عن زمان الأئمة عليهم السلام وخفيت امارات الفقه والأدلة على ما كان المقرر عند الفقهاء , والمعهود بينهم بلا خفاء , بانقراضهم , وخلوا الديار عنهم إلى أن طمس اكثر آثارهم كما كانت طريقة الأمم السابقة والعادة الجارية فى الشرائع الماضية , انه كلما يبعد العهد عن صاحب الشريعة تخفى امارات قديمة , وتحدث خيالات جديدة إلى أن تضمحل تلك الشريعة , توهم متوهم أن شيخنا المفيد ومن بعده من فقهائنا إلى الآن كانوا على الضلالة مبدعين بدعاً كثيرة .. مخالفين لطريقة الأئمة , مع غاية قربهم لعهد الأئمة ونهاية جلالتهم , وعدالتهم ومعارفهم فى الفقه والحديث , وتبحرهم وزهدهم وورعهم )
ـ الفوائد الحائرية (مصادر الاستنباط ص47 ) ـ

رد المدرسة
02-06-2004, 04:38 AM
بسمه تعالى
هذا الكلام ليس فيه سوى الظلمات والجهالات التي لا تليق بأقل طلبة العلم فضلاً عمن يدعي الفضل والفضيلة ونصب نفسه زعيماً من الزعماء الدينيين وزمرة الفقهاء والمجتهدين
لقد ابتلى الشيعة بظلم عظيم من جهتين :
الجهة الأولى: بظلم من ظلمهم من حكام الجور وأصحاب البدع وأئمة الضلال وأتباعهم وأشياعهم
والثانية بظلم الجهال والمفترين ممن يزعم انتسابه اليهم ,و أنه من علمائهم ويسعى جاهداً لتحريف معالم مذهبهم وطمس حقائقه والطعن في أصوله ومبانيه وثوابته التي قام عليها و ودعائم اصالته التي يتميز بها , ويركب مراكب مخالفيهم وسفن غير سفينة أئمة أهل البيت عليهم السلام فضلوا وأضلوا من ركب معهم وتاهوا في بحار الجهل والضلال والزيغ والأهواء .
وأما من كان فقهائنا وأجلة علمائنا وصفوة محققينا قد عاش بين ظهراني من خالفنا في المذهب وبايننا في المشرب فلا يمكن الاستناد الى الأوضاع الإستثنائية التي عاشوا فيها والإحتجاج بها كمسلك علمي عرفوا به لأنها لا تعبر إلا عن حالة اضطرارية طارئة ومنهجية دفاعية بحكم متطلبات تلك الظروف ومقتضياتها .
ومن يسبر تاريخ علمائنا وأجلة فقهائنا وما كتب عنهم في كتب التراجم يقف بجلاء على تكرر ذلك وعلى امتداد قرون متعاقبة .
فهذا الشيخ البهائي قدس سره الذي سافر في عصره الى الكثير من الأقطار قبل أن يستقر به الأمر في اصفهان ويتسلم مشيخة الاسلام فيها نجده لشدة توقيه في التكتم على مذهبه وسعة دائرة علمه وتبحره وفضله واظهاره الموافقة مع كل مذهب يعيش بين اتباعه ومعاشرته لهم بما لا يتميز به عنهم في مخالفة مذاهبهم دفع بالكثير من أصحاب تلك المذاهب الى اعتباره أنه واحد من علماء مذهبهم وأجلة فضلاء فرقتهم ومما صنفه مما يثبت ذلك كتابه المسمى بالمخلاة المطبوع في مصر قبل سنوات ظناً منهم أنه على مشربهم لما ذكره فيه من الموافقة مع أفكار مذاهبهم وسرده فيه مما يشعر باتفاقه معهم خصوصاً ما يتعلق بأمر الخلافة ومدح الخلفاء والثناء عليهم .
و كذلك ما جرى للشهيد الأول والشهيد الثاني من التنكيل والبطش بهما والظروف التي عاشاها في بلاد الشام وانتهت بقتلهما وسفك دمهما بأبشع صورة وغيرهم الكثير لا يسعنا في هذه العجالة سرد أسماء جميعهم وما جرى عليهم بسبب بطش أعداء المذهب وما صدر منهم للتماشي مع من عاشوا معهم من المخالفين وفرق المسلمين .
وقد يعثر من يدقق في مصنفاتهم وكتبهم على ما لايرتضيه من أقوال وبعض المفارقات والإستسلاقات من كتب مخافيهم ومتون أحاديثهم وأمور أخرى لا ينبغي أن تصدر منهم لكن العذر الوحيد لهم في مثلها هي الظروف الرهيبة التي عاشوا فيها وفرضت عليهم بعض آثارها السلبية في الوقت الذي استماتوا فيه لنصرة مذهبهم بما وسعتهم الحيلة واستنفاذ الوسع باستخدام العلوم العقلية كسلاح وحيد يمكن شهره في هذا السبيل .
ومثل هذا النتاج العلمي وفي مثل تلك الظروف لا يؤسس مسلكاً جديداً عند الشيعة يمكن تصنيفه بين مسالكهم التي انتهجوها ليقتدى بها ويحذى حذوها أو احتسابها عليهم وإنما يمثل نتاج حالة صراع من أجل بقاء المذهب الحق و نصرة اهله في معركة تم اقحامهم فيها عنوة وارغامهم على خوضها قسراً ومثل ما نحن فيه فيما يتعلق بالشخ المفيد رضوان الله تعالى عليه يمكننا أن نستعرض نفس العامل الذي دفع الشيخ المفيد ومن بعده السيد المرتضى قدس سرهما الى المصير الى ما صارا اليه
قال المحقق البحراني الشيخ يوسف في كشكوله ج1 ص 274
فس سنة 398 هـ ثارت فتنة عظيمة بين السنة والشيعة في بغداد فقصد رجل سني الشيخ المفيد وأسمعه ما يكره , فثار تلامذته واستفزوا الشيعة واتوا قاضي القضاة أبا محمد الأكفائي وأبا حامد الاسفرائيني فسبوهما فثارت الفتنة ووقع القتال بين الشيعة والسنة , فبعث القادر خيلاً لمعاونة السنة فانهزمت الشيعة واحرق بعض دورهم , وامر عيد الجيوش بإخراج ابن المعلم الشيخ المفيد فأخرج وحبس جماعة من الشيعة
وقال قدس سره في ج 1 ص275:
في سنة 413 هـ توفي الشيخ المفيد ( ره) المعروف بابن المعلم , وكان يناظر أهل كل عقيدة مع الجلالة والعظمة في الدولة البويهية .....
وفي سنة 443 حصلت فتنة عظيمة بين الشيعة والسنة , وعمد الشيعة الى سور الكرخ واحكموه وكتبوا على الابراج ( محمد وعلي خير البشر فمن رضي فقد شكر ومن أبى فقد كفر ) واضطرمت نار الفتنة واغلقت ابواب الاسواق , واجتمع للسنة جمع لم ير مثله وهجموا على دار الخليفة واحرقوه وقتلوا مدرسهم ابا سعيد انتهى
فهل يمكن توجيه العتاب والملام الى الشيخ المفيد الملقب بمعلم الطائفة بسبب ميله الى العلوم العقلية والتسلح بها للدفاع عن مذهب الحق وكذلك السيد المرتضى الملقب بعلم الهدى
ونظير ذلك موارد التقية التي ابتلى بها الأئمة عليهم السلام في ازمنتهم كما هو معروف ومثبت في مصادر الفقه الاستدلالي بما لا مزيد عليه.
وأما الزعم الذي تضمنته تلك المقولة المفتراة على مذهب الشيعة الإمامية ومحاولة تنزيلهم منازل خصومهم وما دفعهم للإستعانة بعقولهم لسد النقص الذي طرأ على مذاهبهم لشحة النصوص لديهم وعدم وفائها بتلبية حاجاتهم من تشريعات وأحكام فننقل ما سرده المحقق الحكيم المتأله المحدث البارع الفيض الكاشاني في كتابه الأصول الأصيلة
حيث ذكر في الفصل الأول الذي عقده في بيان أنه ما قبض الله نبيه حتى أكمل دينه وأتم نعمته .
ما لفظه :
الاصل الاول
أنه ما قبض الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله حتى أكمل دينه واتم نعمته كما قال تعالى في اواخر عمر النبي صلى الله عليه وآله : اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا ، ولم يدع شيئا مما يحتاج إليه الناس الا أنزله في كتابه وبينه نبيه ( ص ) في سنته فلم يبق شئ من العلوم الاعتقادية والعملية الا ورد في كتاب أو سنة حتى ارش الخدش والجلدة ونصف الجلدة ، وما كان منها يحتاج الى بيان وحجة اتى معه بهما في اتم وجه وأبلغه من بينة وبرهان وخطابة وجدال بالتي هي أحسن ، الى غير ذلك ،

• ( هامش ) * 1 - قال المؤلف ( ره ) في آخر رسالته الصغيرة الموسومة بمقالة ضياء القلب وقد طبعت ضمن رسائله الست ما نصه ( ص 185 ) : " وروى عن الحسن البصري انه قال : ليس العجب ممن نجا كيف نجا ، انما العجب ممن هلك كيف هلك مع كثرة الدلالات ووفور البينات ، وفي امالي الصدوق رحمه الله باسناده قال : كان الصادق عليه السلام كثيرا ما يقول : علم المحجة ( الى آخر البيتين ) " وقال المجلسي ( ره ) بعد نقل البيتين عن امالي الصدوق مسندا في المجلد الاول من البحار ص 117 ) : " بيان - العجب من الهلاك لكثرة بواعث الهداية ووضوح المحجة ، والعجب من النجاة لندورها وكثرة الهالكين ، وكل امر نادر مما يتعجب منه " واوردهما ايضا في المجلد الحادي عشر من البحار في ترجمة الصادق ( ع ) نقلا عن مناقب ابن شهر آشوب ( انظر 111 من طبعة امين الضرب ) فليعلم ان في المتن بدل " وارى " : " واذ " .
• ( * ) / صفحة 3 /

• وبالجملة لكل طائفة ما يناسب أفهامهم ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حى عن بينة ، ولئلا تحتاج أمته الى السالفين في شئ مما يهمهم من علم الدين ، ومن لم يعتقد ذلك كذلك فهو الظان بالله وبرسوله ظن السوء ، قال الله سبحانه : ما فرطنا في الكتاب من شئ ( 1 ) وقال : ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ ( 2 ) وقال : ولا رطب ولا يابس الا في كتاب مبين ( 3 ) ، وفي نهج البلاغة عن أمير المؤمنين عليه السلام في كلام له : أ انزل الله سبحانه دينا ناقصا فاستعان بهم على اتمامه ؟ ام كانوا شركاء له فلهم أن يقولوا وعليه ان يرضى ؟ أم أنزل الله سبحانه دينا تاما فقصر الرسول صلى الله عليه وآله عن تبليغه وادائه ؟ ! والله سبحانه يقول : ما فرطنا في الكتاب من شئ ، الحديث ويأتي تمامه ( 4 ) ، وفي بصائر الدرجات لمحمد بن الحسن الصفار والكافي لثقة الاسلام محمد بن يعقوب باسنادهما عن ابي جعفر عليه السلام قال : ان الله تبارك وتعالى لم يدع شيئا يحتاج إليه الامة الا أنزله في كتابه وبينه لرسوله ( ص ) ، وجعل لكل شئ حدا ، وجعل عليه دليلا يدل عليه ، وجعل على من تعدى ذلك الحد حدا ( 5 ) وباسنادهما عن ابي عبد الله عليه السلام قال : ما من شئ الا وفيه كتاب أو سنة ( 6 ) وباسنادهما عنه عليه السلام قال : ما من أمر يختلف فيه اثنان الا وله أصل في كتاب الله ولكن لا تبلغه عقول الرجال ( 7 ) . وباسنادهما عن سماعة عن أبي الحسن موسى عليه السلام قال : قلت له : أكل شئ في كتاب الله وسنة نبيه ؟ أو تقولون فيه ؟ قال : بلى ، كل شئ في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله ( 8 ) . وفي بصائر الدرجات باسناده عنه عن ابي الحسن عليه السلام قال قلت له : اصلحك الله اتى رسول الله ( ص ) الناس بما يكتفون به ؟ - فقال : نعم ، وما يحتاجون إليه الى يوم القيامة ، فقلت : وضاع من ذلك شئ ؟ - فقال : لا ، هو عند أهله ( 9 ) .
• * ( هامش ) *
• 1 - من آية 38 سورة الانعام .
• 2 - من آية 89 سورة النحل .
• 3 - ذيل آية 59 سورة الانعام .
• 4 - نذكر موضعه عند نقل تمامه .
• 5 - انظر بصائر الدرجات ، الباب الثالث من الجزء الاول وروى فيه بسندين الا انه ليس فيه " وجعل على من تعدى ذلك الحد حدا " وفي اصول الكافي مع هذه الزيادة في باب الرد الى الكتاب والسنة ( انظر مرآة العقول ج 1 ، ص 42 ) .
• 6 و 7 - هما في باب الرد الى الكتاب والسنة من اصول الكافي ، انظر مرآة العقول ( ج 1 ، ص 42 ) واما البصائر فلم اظفر بهما فيه بهذه العبارة .
• 8 - بصائر الدرجات ، الجزء السادس ، باب في ان الائمة عندهم جميع ما في الكتاب والسنة ، وفي اصول الكافي ، في باب الرد الى الكتاب والسنة ( انظر مرآة العقول ، ج 1 ، ص 43 ) .
• 9 - بصائر الدرجات ، الجزء السادس ، في باب ان الائمة عندهم جميع ما في الكتاب والسنة . ( * )
• / صفحة 4 /

• وفي الكافي باسناده عن أبي الجارود قال قال أبو جعفر عليه السلام : إذا حدثتكم بشئ فاسئلوني من كتاب الله ثم قال في بعض حديثه : ان رسول الله ( ص ) نهى عن القيل والقال وفساد - المال وكثرة السؤال فقيل له : يا بن رسول الله اين هذا من كتاب الله ؟ - قال : ان الله تعالى يقول : لا خير في كثير من نجواهم الا من أمر بصدقة أو معروف أو اصلاح بين الناس ، وقال : ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما ، وقال : لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ( 1 ) .
• وباسناده عن ابي عبد الله عليه السلام قال : ان الله أنزل في القرآن تبيان كل شئ حتى والله ما ترك الله شيئا يحتاج إليه العباد حتى لا يستطيع عبد يقول : لو كان هذا نزل في القرآن ، الا وقد انزل الله فيه ( 2 ) .
• وباسناده الصحيح عنه عليه السلام قال : كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم ، وخبر ما بعدكم ، وفصل ما بينكم ، ونحن نعلمه ( 3 ) .
• وباسناده عنه عليه السلام عن أمير المؤمنين عليه السلام في كلام له طويل : فجاءهم بنسخة ما في الصحف الاولى ، وتصديق الذي بين يديه ، وتفصيل الحلال من ريب الحرام ، ذلك القرآن فاستنطقوه ولن ينطق لكم ، أخبركم عنه : ان فيه علم ما مضى وعلم ما يأتي الى يوم القيامة - الصدوق باسناده الى الرضا عليه السلام انه قال في كلام له : ان الله لم يقبض نبيه صلى الله عليه وآله حتى أكمل الدين وأنزل عليه القرآن ، فيه تفصيل كل شئ وبين فيه الحلال والحرام والحدود والاحكام وجميع ما يحتاج إليه الناس كملا فقال عز وجل : ما فرطنا في الكتاب من شئ وأنزل في حجة الوداع وهو في آخر عمره صلى الله عليه وآله : اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا ، وأمر الامامة من تمام - الدين ، ولم يمض صلى الله عليه وآله حتى بين لامته معالم دينهم وأوضح لهم سبيله ، و تركهم على قصد الحق ، وأقام لهم عليا عليه السلام علما واماما ، وما ترك شيئا يحتاج إليه الامة الا بينه ، فمن زعم أن الله عز وجل لم يكمل دينه فقد رد كتاب الله عز وجل فهو كافر ، الحديث ( 5 ) ، الى غير ذلك من الاخبار في هذا المعنى وهي كثيرة جدا تكاد تبلغ حد التواتر

• . * ( هامش ) *
• 1 و 2 و 3 و 4 - هذه الاحاديث في باب الرد الى الكتاب والسنة من اصول الكافي ( انظر مرآة العقول ، ج 1 : ص 43 - 42 ) .
• 5 - انظر المجلس السابع والتسعين من مجالس الصدوق وهو المجلس الاخر ، والكلام المذكور اول الحديث ، فراجع ان شئت . ( * )

• / صفحة 5 /

• وصل قال أبو محمد الفضل بن شاذان النيسابوري الذي كان من قدماء أصحابنا الفقهاء وكان ممن روى عن أبي جعفر الثاني ( ع ) وقيل عن الرضا عليه السلام أيضا وكان ثقة جليلا فقيها متكلما له عظيم شأن في هذه الطائفة ، قيل : انه صنف مائة وثمانين كتابا وترحم عليه أبو محمد عليه السلام مرتين ، وروى ثلاثا ولاء ، وروى الكشي عن الملقب بتوزا ( 1 ) من اهل البوزجان من نيسابور ان ابا محمد الفضل بن شاذان كان وجهه الى العراق فذكر انه دخل على أبي محمد عليه السلام فلما اراد ان يخرج سقط عنه كتاب وكان من تصنيف الفضل فتناوله أبو محمد ( ع ) ونظر فيه فترحم عليه وذكر أنه قال : أغبط أهل خراسان بمكان الفضل بن شاذان وكونه بين أظهرهم . قال في كتابه المسمى بالايضاح في القوم المتسمين بالجماعة المنسوبين الى السنة انا وجدناهم يقولون : ان الله تبارك وتعالى لم يبعث نبيه الى خلقه بجميع ما يحتاجون إليه من أمر دينهم وحلالهم وحرامهم ودمائهم ومواريثهم ورقهم وسائر احكامهم وان رسول الله صلى الله عليه وآله لم يكن يعرف ذلك أو عرفه ولم يبينه لهم وان اصحابه من بعده وغيرهم من التابعين استنبطوا ذلك برأيهم وأقاموا أحكاما سموها سنة أمروا الناس عليها ومنعوهم ان يجاوزوها الى غيرها ، وهم فيها مختلفون يحل فيها بعضهم ما يحرمه بعض ، ويحرم بعضهم ما يحله بعض ، وقال في حق الشيعة : انهم يقولون ان الله جل ثناؤه تعبد خلقه بالعمل بطاعته واجتناب معصيته على لسان نبيه ( ص ) فبين لهم جميع ما يحتاجون إليه من أمر دينهم صغيرا وكبيرا ، فبلغهم اياه خاصا وعاما ، ولم يكلهم فيه الى آرائهم ولم يتركهم في عمى ولا شبهة ، علم ذلك من علمه وجهله من جهله ، فاما ما أبلغهم عاما فهو ما الامة عليه من الوضوء والصلوة والخمس والزكوة والصيام والحج والغسل من الجنابة واجتناب ما نهى الله عنه في كتابه من ترك الزنا والسرقة والاعتداء والظلم والرياء وأكل مال اليتيم وما اشبه ذلك مما يطول تفسيره وهو معروف عند الخاصة والعامة ، واما ما أبلغه خاصا فهو ما وكلنا إليه من قوله : أطيعوا الله وأطيعوا الرسول واولى الامر منكم ( 2 ) وقوله : فاسئلوا أهل الذكر ان كنتم

• * ( هامش ) *
• 1 - كذا : ويأتي تحقيقه في التعليقات .
• 2 - صدر آية 59 سورة النساء . ( * )

• / صفحة 6 /

• لا تعلمون ( 1 ) فهذا خاص لا يجوز ان يكون من جعل الله له الطاعة على الناس ان يدخل في مثل ما هم فيه من المعاصي وذلك لقول الله جل ثناؤه : واذ ابتلى ابراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال : انى جاعلك للناس اماما ، قال : ومن ذريتي ، قال : لا ينال عهدي الظالمين ( 2 ) ليسوا بائمة يعهد إليهم في العدل على الناس وقد أبى الله ان يجعلهم ائمة وعلمنا أن قوله تبارك وتعالى : ان الله يأمركم ان تؤدوا الامانات الى أهلها وإذا حكمتم بين الناس ان تحكموا بالعدل ( 3 ) عهد عهده إليهم لم يعهد هذا العهد الا الى ائمة يحسنون ان يحكموا بالعدل ولا يجوز ان يأمر ان يحكم بالعدل من لا يعرف العدل ولا يحسنه ، وانماامر ان يحكم بالعدل من يحسن ان يحكم بالعدل .
• ثم قال بعد كلام طويل : ثم رجعنا الى مخاطبة الصنف الاول فقلنا لهم : ما دعاكم الى ان قلتم : ان الله لم يبعث الى خلقه بجميع ما يحتاجون إليه من الحلال والحرام والفرائض والاحكام ؟ وان رسول الله صلى الله عليه وآله لم يعلم ذلك اوعلمه ولم يبينه للناس ؟ وما الذي اضطركم الى ذلك ؟ - قالوا : لم نجد الفقهاء يروون جميع ما يحتاج الناس إليه من امر الدين والحلال والحرام عن النبي ( ص ) وان جميع ما أتانا عنه أربعة آلاف حديث في التفسير والحلال والحرام والفرض من الصلوة وغيرها فلابد من النظر فيما لم يأتنا من الرواية عنه فاستعمال الرأى فيه ويجوز ذلك لنا قول رسول الله صلى الله عليه وآله لمعاذ بن جبل حين وجهه الى اليمن بم تقضى ؟ - قال : بالكتاب ، قال : فما لم يكن في الكتاب ؟ - قال : فبالسنة ، قال : فما لم يكن في السنة ؟ قال : اجتهد رأيي ، قال : الحمد لله الذي وفق رسول رسوله ، فعلمنا أنه قد أوجب ان من الحكم ما لم يأت به في كتاب ولا سنة وانه لابد من استعمال الرأي ، وقوله ( ص ) : انما مثل أصحابي فيكم مثل النجوم بأيها اقتديتم اهتديتم ، واختلاف أصحابي لكم رحمة ، فعلمنا انه لم يكلنا الى رأيهم الا فيما لم يأتنا به ولم - يبينه لنا وتقدم في ذلك الصحابة الاولون فيما قالوا فيه برأيهم من الاحكام والمواريث

• * ( هامش ) *
• 1 - ذيل آية 49 سورة النحل .
• 2 - آية 124 سورة البقرة .
• 3 - صدر آية 58 سورة النساء . ( * )

• / صفحة 7 /ــــــــــــــــ

• والحلال والحرام فعلمنا أنهم لم يخرجوا من الحق ، ولم يكونوا ليجتمعوا على باطل فما لنا ان نضللهم فيما فعلوا فاقتدينا بهم فانهم الجماعة والكثرة ، ويد الله على الجماعة ، ولم يكن الله ليجمع الامة على ضلال . قيل لهم : إن أكذب الروايات وأبطلها ما نسب الله فيه الى الجور ونسب نبيه صلى الله عليه وآله الى الجهل ، وفي قولكم : ان الله لم يبعث نبيه الى خلقه بجميع ما يحتاجون إليه تجوير له في حكمه ، وتكذيب بكتابه لقوله : اليوم أكملت لكم دينكم ، ولا يخلو الاحكام تكون من الدين اوليست من الدين ، فان كانت من الدين فقد أكملها وبينها لنبيه ( ص ) ، وان كانت عندكم ليست من الدين فلا حاجة بالناس إليها ولا بحث في قولكم عليهم بما ليس في الدين ، وهذه شنعة لو دخلت على اليهود والنصارى في دينهم لتركوا ما يدخل عليهم به هذه الشنعة وهي متصلة بمثلها من تجهيلكم النبي ( ص ) وادعائكم استنباط ما لم يكن يعرفه من فروع الدين ، وحق الشيعة الهرب مما اقررتم به من هاتين الشنعتين اللتين فيهما الكفر بالله وبرسوله .
• قال : وفيما ادعيتم من قول النبي صلى الله عليه وآله لمعاذ تكذيب بما أنزله الله وطعن على رسوله فاما ما كذبتم به من كتاب الله فما قدمناه في صدر كتابنا من قوله تعالى : وان احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع اهواءهم واحذرهم ان يفتنوك عن بعض ما أنزل الله اليك ( 1 ) ، وقوله : انا انزلنا اليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما اراك الله ( 2 ) ، وقوله : وما اختلفتم فيه من شئ فحكمه الى الله ( 3 ) ، وقوله : لا يشرك في حكمه أحدا ( 4 ) ، وقوله : الا له الحكم وهو أسرع الحاسبين ( 5 ) ، وقوله : له الحكم واليه ترجعون ( 6 ) ، وقوله : واصبر لحكم ربك ( 7 ) ، وما أشبهه مما في الكتاب يدل على ان الحكم لله وحده فزعمتم انه ليس في الكتاب ولا فيما أنزل الله على نبيه ( ص ) ما يحكم به بين الناس فيما اختلفوا فيه ، وان معاذا يهتدى الى ما

• * ( هامش ) *

• 1 - صدر آية 49 سورة المائدة . 2 - صدر آية 105 سورة النساء . 3 - صدر آية 10 سورة الشورى . 4 - ذيل آية 26 سورة الكهف . 5 - ذيل آية 62 سورة الانعام . 6 - ذيل آية 88 سورة القصص . 7 - صدر آية 48 سورة الطور . ( * )

• / صفحة 8 / ـــــــــــــ

• لم يوح الله الى نبيه ( ص ) وانه يهتدى بغير ما اهتدى به النبي ( ص ) ، واوجبتم لمعاذ ان رأيه في الهدى كالذي أوحى الله الى نبيه ( ص ) فرفعتم مرتبته فوق مرتبة النبوة إذ كانت النبوة بوحى ينتظر ومعاذ لا يحتاج الى وحى بل يأتي برأيه من قبل نفسه ، فمثلكم كما قال الله تعالى : فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ، أو قال : اوحى الى ولم يوح إليه شئ ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ( 1 ) ، فصار معاذ عندكم يهتدى برأيه ولا يحتاج في الهدى الى وحي والنبي يحتاج إلى وحى ، ولو جهد الملحدون على ابطال نبوته ( ص ) ما تجاوزوا ما وصفتموه به من الجهل . ثم أخبرنا الله تعالى ان أصل الاختلاف في الامم كان بعد أنبيائهم فقال : كان الناس امة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين - الناس اختلفوا فيه وما اختلف فيه الا الذين اوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق باذنه والله يهدى من يشاء الى صراط مستقيم ( 2 ) فحمدتم اهل البغي وقلتم : اختلافهم رحمة واقتديتم بالخلاف واهل الخلاف وصرفت قلوبكم عمن هداه الله لما اختلفوا فيه من الحق باذنه ، ويحقق لنا عليكم قول الله : ولا يزالون مختلفين الا من رحم ربك ولذلك خلقهم ( 3 ) فاتبعتم اهل الاختلاف واتبعنا من استثناه الله بالرحمة ، فلماضاق عليكم باطلكم ان يقوم لكم بالحجة أحلتم على الله بالتجوير في الحكم من تكليفه كما زعمتم اياكم ما لم يبينه لكم ، وعلى نبينا ( ص ) بالتجهيل في قولكم انه لم يبين لكم الطاعة من المعصية ، وعلى أهل الحق والمصدقين لله ولرسوله بالعداوة والبغضاء ، وعلى الحق من احكام الكتاب بالعبث والالحاد ، وفي كل باب من كتابنا هذا عليكم شنعة ولا مخرج لكم منها فتفهموها . من ذلكم : انكم نحلتم رسول الله صلى الله عليه وآله والرضا بان يحكم معاذ بغير ما أنزل الله وان معاذا إذا حكم حكما باليمن برأيه حقا ، وكان على النبي ( ص ) في قولكم

• * ( هامش ) *
• 1 - صدر آية : 93 سورة الانعام .
• 2 - آية 213 سورة البقرة .
• 3 - ذيل آية 118 وصدر آية 119 سورة هود . ( * )

• / صفحة 9 / ـــــــــــ

• ان يتبع حكم معاذ لانه لا يجوز للنبي ( ص ) ان يحكم بخلاف الحق فصيرتم معاذا اماما للنبي ( ص ) لا يسعه في قولكم الا الاقتداء به ، والله يقول : ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ( 1 ) فصيرتم حكم معاذ حكما لا يحتاج معه الى حكم الله ولا الى ما أنزل فكنتم في ذلك كما قال الله : ذلكم بأنه إذا دعى الله وحده كفرتم وان يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير ( 2 ) فأبيتم على الله ان تجعلوا الحكم له كما قال وجعلتموه لمعاذ ولكل الصحابة والتابعين ، وان حرم بعضهم ما أحله بعض ثم لمن بعد التابعين الى يوم القيامة رضى منكم ان يكون الحكم لغير الله وكفى بقول الله : ومن لم يحكم بما أنزل الله فاولئك هم الكافرون ( 3 ) ومن لم يحكم بما أنزل الله فاولئك هم الظالمون ( 4 ) ومن لم يحكم بما أنزل الله فاولئك هم الفاسقون ( 5 ) فلئن رضيتم بكتاب الله اوسخطتوه لقد ( 6 ) لزم الكفر والظلم والفسق لمن لم يحكم بما أنزل الله ، ولقد زعمتم أن معاذا والصحابة والتابعين حكموا بغير ما أنزل الله فبلغتم غاية الوقيعة فيه والتنقص له ، ثم تجاوزتموه الى أن نحلتم النبي ( ص ) انه امر به ورضيه وما يبلغ الملحدون الى ما أنتم عليه من نقيصة النبي ( ص ) مع وقيعتكم في الصحابة ، أو ما يبطل ما نحلتموه النبي ( ص ) من الرضا بالحكم بغير ما أنزل الله قوله تعالى : قل انما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والاثم والبغي بغير الحق وان تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وان تقولوا على الله ما لا تعلمون ؟ ! ( 7 ) وقال جل ثناؤه : ولا تقولوا لما تصف السنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب ان الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون ( 8 ) وقال : أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل الله اذن لكم ام على الله تفترون ( 9 ) فزعمتم ان النبي ( ص ) جوز لمعاذ الحكم برأيه فيما حظره الله على خلقه ولم يجعل الحكم فيه الا ما أراه نبيه وأنزله عليه وقبل ذلك بما حظره على نبيه داود فقال : وداود وسليمان

• * ( هامش ) *
• 1 - ذيل آية 50 سورة المائدة .
• 2 - آية 12 سورة المؤمن .
• 3 - ذيل آية 44 سورة المائدة .
• 4 - ذيل آية 45 سورة المائدة .
• 5 - ذيل آية 47 سورة المائدة .
• 6 - خ ل : " ولقد " فعلم : " فلقد " .
• 7 - آية 32 سورة الاعراف .
• 8 - آية 116 سورة النحل .
• 9 - آية 59 سورة يونس . ( * )

• / صفحة 10 / ــــــــــــ

• إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلا آتيناه حكما وعلما ( 1 ) وقال : يا داود انا جعلنا خليفة في الارض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله ان الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب ( 2 ) فحظر عليه القول الا بالحق وقال : فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الادنى ويقولون سيغفر لنا وان يأتهم عرض مثله يأخذوه الم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ان لا يقولوا على الله الا الحق ودرسوا ما فيه ولدار الاخرة خير للذين يتقون افلا تعقلون * والذين يمسكون بالكتاب واقاموا الصلوة انا لا نضيع أجر - المصلحين ( 3 ) فانظروا كيف أخذ الله عليهم ميثاق الكتاب ان لا يقولوا على الله الا الحق ، وكيف زعمتم ان النبي ( ص ) جوز لمعاذ القول على الله برأيه ولجميع الصحابة ، ثم انظروا من الذين يمسكون بالكتاب ؟ الذين يقولون : ان الحكم فيه وبه أو الذين لا يزعمون ان الحكم فيه ولا به ؟ ! وقد قال الله لنبيه ( ص ) : قل - ان اتبع الاما يوحى الى ( 4 ) وقال : ان ضللت انما اضل على نفسي وان اهتديت فبما يوحى الى ربى انه سميع قريب ( 5 ) فزعمتم ان الصحابة ومن بعدهم استغنوا ( 6 ) برأيهم فهداهم بغير ما هدى الله به نبيه ( ص ) ، وان المؤمنين قد هدوا لما لم يهد الله له النبي ( ص ) ، والله يقول : فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق باذنه والله يهدي من يشاء الى صراط مستقيم ( 7 ) فزعمتم ان النبي ( ص ) لم يهتد لما اختلف فيه من الحق وقد هدى الله له المؤمنين فقد صيرتموهم في حد الربوبية وذلك ان الله انما تعبد خلقه بان أمرهم ونهاهم وأحل لهم وحرم عليهم وأجرى عليهم

• * ( هامش ) *
• 1 - آية 78 وصدر آية 79 سورة الانبياء .
• 2 - آية 26 سورة ص .
• 3 - آية 169 و 170 سورة الاعراف .
• 4 - من آية 8 سورة الاحقاف وتمام الاية هكذا : " قل ما كنت بدعا من الرسل وما ادري ما يفعل بي وبكم ان اتبع الا ما يوحى الى وما انا الا نذير مبين " . 5 - آية 50 سورة سبأ .
• 6 - في بعض نسخ الايضاح : " استعنوا " ( بالعين المهملة ) .
• 7 - ذيل آية 213 سورة البقرة . ( * )

• / صفحة 11 / ــــــــــــــــــ

• الاحكام بذلك فوعد الثواب من أطاعه وأوعد العقاب من عصاه ، وكذلك جعلتم لهم الاحكام على الناس ، فمن عصاهم بها عاقبتموه واوجبتم عليه معصية الله وعقوبة الدنيا والاخرة ، ومن اطاعهم نسبتموه الى السنة والجماعة وصار عندكم من أهل الثواب في الدنيا والاخرة ، فهل زاد الله فيما تعبدهم به وأمرهم ونهاهم على ما صنعتم بهم ؟ ! ولقد نسبتموهم الى انهم يعرفون الطاعة والمعصية والحكم فيهما برأيهم ، ودفعتم النبي ( ص ) عن ذلك والوحي يأتيه لئن كانوا كما زعمتم يحسنون الحكم فيما ورد عليهم وان ذلك ليس فيما أنزل الله من كتاب ولا سنة من رسول الله ( ص ) فلقد حكمتم بالاستغناء عن بعثة النبي ( ص ) وعن تنزيل الكتاب إذا كانوا يعرفون كما زعمتم الحكم بما ليس فيهما وان ذلك في معنى قولكم ان الله بعث النبي ( ص ) ولا حاجة بهم إليه ، وأنزل الكتاب وهم مستغنون عنه ، وذلك ان الكتاب والسنة دليلان على ما يحتاج الناس إليه من امر دينهم فإذا كان هؤلاء يحسنون ما ليس في الكتاب ولا في السنة مما بالناس إليه الحاجة فما حاجتهم الى حجج الكتاب والسنة فلئن كانت الاحكام من الدين فقد اكملها في قوله : اليوم أكملت لكم دينكم ( 1 ) ولئن لم تكن من الدين فما بالعباد إليه حاجة ، ولقد الزمتكم ان كانت عندكم من الدين ان تقولوا ان الله تعبد خلقه من الدين بما ليس في الكتاب ولا السنة وكفى بها شنعة . ولقد أوجبتم في قولكم على الله انه كان يأمر بالصغير من الامر ويتوكد فيه ويقول بالقول فيه تأكيدا وتشديدا ويهمل الكبير العظيم الخطير في الدين وذلك انه يقول جل ثناؤه : يا ايها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين الى اجل مسمى فاكتبوه ( 2 ) وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب ان يكتب كما علمه الله وليكتب وليملل الذي عليه الحق

• * ( هامش ) *
• 1 - من آية 3 سورة المائدة .
• 2 - ما احسن ما قيل : انلني بالذي استقرضت خطا * واشهد معشرا قد شاهدوه فان الله خلاق البرايا * عنت لجلال هيبته الوجوه يقول : إذا تداينتم بدين * الى اجل مسمى فاكتبوه ( * )

• / صفحة 12 / ــــــــــــــ

• وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا فان كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل ، واستشهدوا شهيدين من رجالكم فان لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء ان تضل احديهما فتذكر إحديهما الاخرى ولا - يأب الشهداء إذا ما دعوا ولا تسأموا ان تكبتوه صغيرا أو كبيرا الى اجله ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وادنى الا ترتابوا الا ان تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح الا تكتبوها ، واشهدوا إذا تبايعتم ولا يضار كاتب ولا شهيد وان تفعلوا فانه فسوق بكم واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شئ عليم * وان كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة فان امن بعضكم بعضا فليؤد الذي ائتمن امانته وليتق الله ربه ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فانه آثم قلبه والله بما تعملون عليم ( 1 ) افيأمر جل ثناؤه بالكتابة للمال صغيرا وكبيرا الى أجله ويكل الحكم في رقبة المال الى غيره ؟ ! ويأمر بقبض الرهان ويكل الحكم في رقبة المال الى اراء الرجال ؟ ! ويقول تبارك وتعالى : قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك ازكى لهم والله خبير بما يصنعون ( 2 ) أفيأمر بغض الابصار ويكل الحكم في الفروج الى آراء الرجال ؟ ! ويقول : قل للمؤمنات يغضضن من ابصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن الا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن الا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو ابنائهن أو ابناء بعولتهن أو اخوانهن أو بنى اخوانهن أو بنى اخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت ايمانهن أو التابعين غير اولى الاربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن بارجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا الى الله جميعا ايها المؤمنون لعلكم تفلحون ( 3 ) وقال : يا ايها الذين آمنوا ليستاذنكم الذين ملكت ايمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات ، من قبل صلوة الفجر ، وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ، ومن بعد صلوة العشاء ثلاث

* ( هامش ) *

1 - آية 282 و 283 سورة البقرة . 2 - آية 30 سورة النور . 3 - آية 31 سورة النور . ( * )

/ صفحة 13 /

عورات لكم ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم بعضكم على بعض كذلك يبين الله لكم الايات والله عليم حكيم ( 1 ) أفيبين لهم هذا الصغير ليفعلوه ويغار عليهن ان يضربن بارجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن فيعرف عليهن ( 2 ) خلاخل أو جلاجل وان يرى احد حليهن ونحورهن أو شعورهن ومحاسنهن ويكل الحكم في فروجهن الى المأمورين بغض الابصار والمنهيين عن النظر من ذلك الى ما نهى عنه ؟ ! والله لو اردتم ان تعيبوا رجلا فتبلغوا الغاية في تجهيله وقلة معرفته فيما يأتي ويذر فقلتم : انه يأمر بالصغير ويهمل الكبير ويتولى الامر في صغار الامور ويكل كبيرها الى عبيده ، لكنتم قد بلغتم الغاية في تجهيله ولقد نحلتم الله جل ثناؤه ذلك فكيف تأنفون من هذه الخصلة وتنفونها عن انفسكم ( 3 ) وقد نحلتموها ربكم ثم كذلك ما أمر الله به جل ثناؤه من المواريث في كتابه وأموال اليتامى والفروج ورق الرقاب والدماء والطلاق وكل الحكم فانظروا الى طعنكم على الله وعلى رسوله والى انتسابكم الى الجماعة والسنة والله ما قال المشركون : ليس في السماء إله ، ولقد اقروا بربويته الا انهم قالوا لالهتهم : ما نعبدهم الا ليقربونا الى الله زلفى ( 4 ) وكذلك قلتم ما أطعنا هؤلاء الا ليقربنا طاعتهم الى الله فيما أمرونا به ونهونا عنه فيما لم يأمر الله به ولا نهى عنه هو ولا رسوله ، فزعمتم ان طاعتكم تقربكم الى الله زلفى وانتم تقرؤن كتاب الله وهو يقول : فاصبر لحكم ربك فلا تكن كصاحب الحوت ( 5 ) واصبر لحكم ربك فانك بأعيننا ( 6 ) فوالله ما صبرتم لحكم الله ولقد صيرتم الحكم لغيره والله يقول : ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ( 7 ) والله يقول : ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى

* ( هامش ) *
1 - آية 59 سورة النور .
2 - في الاصل : " عليهم " .
3 - في الاصل : " لتنفوا هذه الخصلة عن انفسكم وتأنفوا منها " والتصحيح من نسخ الايضاح لكن في نسخة منها : " اتنفونها عن انفسكم وتأنفون منها " .
4 - من آية 3 سورة الزمر .
5 - صدر آية 48 سورة القلم .
6 - صدر آية 48 سورة الطور .
7 - ذيل آية 50 سورة المائدة . ( * )

/ صفحة 14 /

فريق منهم بعد ذلك وما اولئك بالمؤمنين ( 1 ) انما كان قول المؤمنين إذا دعوا الى الله ورسوله ليحكم بينهم ان يقولوا سمعنا واطعنا واولئك هم المفلحون ( 2 ) ومن يطع الله ورسوله ويخشى الله ويتقه فاولئك هم الفائزون ( 3 ) فكيف يدعى الناس الى الله الا ان يدعوا الى كتابه ، وكيف يدعون الى رسوله الا ان يدعوا الى سنته ، فإذا زعمتم ان من الحكم ما ليس في الكتاب ولا في السنة اليس قد أبطلتم دعاء الناس الى الله والى رسوله ، ولو اقتصصنا كل ما فيه الاحتجاج عليكم من الكتاب لكتبنا أضعاف ما كتبنا ، وفيما اقتصصنا ما يكتفى به من يعقل . انتهى كلام الفضل . اقول : لما كان اهل الخلاف المتسمين بالسنة جاهلين بالكتاب والسنة منكرين لفضل ائمة الحق عليهم السلام اضطروا الى القول بالرأي والاجتهاد وانكار كون أحكام الشرع كلها مبينة في الكتاب والسنة فانهم انفوا ان لا يعلموها ، وأيضا فان ائمتهم كانوا مجتهدين في الاحكام لانهم كانوا اصحاب اغراض واهواء فكانوا يتبعونهم في ذلك واما الشيعة فلعلم ائمتهم عليهم السلام بجميع احكام الشرع وتبليغهم اكثر الاحكام إليهم لم يحتاجوا الى ذلك ولم يأنفوا من رد بعض الاحكام الى ائمتهم عليهم السلام . ومما يدل على ان ائمة اهل الخلاف سنوا لهم الاجتهاد والقول بالرأى ما قاله ابن ابى الحديد من علمائهم في شرحه لنهج البلاغة فانه قال عند رده على من زعم ان عمر كان احسن سياسة واصح تدبيرا في الحروب وغيرها من امير المؤمنين عليه السلام ما محصله : ان امير المؤمنين ( ع ) كان مقيدا بقيود الشريعة ملتزما لاتباعها وان عمر كان مجتهدا يعمل بالقياس والاستحسان والمصالح المرسلة ، ويرى تخصيص عمومات النصوص بالاراء والاستنباط من اصول تقتضي خلاف ما يقتضيه عموم النصوص ، ويكيد خصمه ويأمر امراءه بالكيد والحيلة ، ويؤدب بالدرة والسوط من يغلب على ظنه أنه يستوجب

* ( هامش ) *
1 - آية 47 سورة النور .
2 و 3 - آية 51 و 52 سورة النور . ( * )

/ صفحة 15 / ــــــــــــــــ

ذلك ويصفح عن آخرين قد اجترموا ما يستوجبون به التأديب ، كل ذلك بقوة اجتهاده وما يؤديه إليه نظره ولم يكن امير المؤمنين ( ع ) يرى ذلك ، وكان يقف مع النصوص والظواهر ولا يتعداها الى الاجتهاد والاقيسة ، ويطبق امور الدنيا على امور الدين ، ويسوق الكل مسوقا واحدا ، ولا يضع ولا يرفع الا بالكتاب والنص فاختلف طريقاهما في الخلافة والسياسة ، الى آخر ما قاله في ذلك أخذنا منه موضع الحاجة . فصل قال الواقدي : ما فرطنا في الكتاب من شئ أي ما تركنا شيئا لم نبينه لان معنى التفريط يعود الى التقصير عن التقويم فيما يحتاج الى التقويم فيه وما خفى على الناس فلم يعرفوا فيه دلالة فذلك لقصور علمهم . قال : وقد استنبط ابن مسعود بدرجتين في قوله لامرأة : مالي لا العن من لعنه الله في كتابه ؟ ! فقالت : يا بن ام عبد تلوت البارحة ما بين الدفتين فلم أجد فيه لعن الواشمة فقال : لو تلوتيه وجدتيه قال الله تعالى : ما اتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا فان رسول الله صلى الله عليه وآله لعن الواشمة والمستوشمة والواصلة والمستوصلة .
اقول : كون وجوب الاخذ بأوامر النبي ( ص ) ونواهيه في القرآن لا يستلزم ان يكون جميع اوامره ونواهيه فيه وليس هذا من معنى " ما فرطنا في الكتاب من شئ " في شئ بل لابد ولا اقل من ان يكون في القرآن احكام كلية يترتب عليها فروع جزئية من غير واسطة محتاجة الى الثبوت بل مطلقا حتى يصح ان يقال : ان تلك الفروع في القرآن كما مر في حديث القيل والقال وكثرة السؤال وفساد المال ( 1 ) ، وكما يؤثر ان مولانا الحسن عليه السلام تلا قوله عز وجل : ولا رطب ولا يابس ألا في كتاب مبين ، فقال له معاوية : اين قصة لحيتك ولحيتي في الكتاب ؟ - وقد كان الحسن ( ع ) حسن اللحية وكان معاوية قبيحها ، فقال ( ع ) : قوله عز وجل : والبلد الطيب يخرج نباته بأذن ربه والذي خبث لا يخرج الا نكدا ( 2 ) ، ولو استنبط لعن الواشمة واخواتها من قوله عز وجل حكاية عن ابليس اللعين :

* ( هامش ) *
1 - انظر ص 3 ، س 19 .
2 - صدر آية 58 سورة الاعراف . ( * )

/ صفحة 16 /ـــــــــــــــ

ولامرنهم فليغيرن خلق الله ، لكان اقرب . قال بعض المحققين ما ملخصه ( 1 ) : ان العلم بالشئ اما يستفاد من الحس برؤية أو تجربة أو سماع خبر أو شهادة أو اجتهاد أو نحو ذلك ومثل هذا العلم لا يكون الا متغيرا فاسدا محصورا متناهيا غير محيط لانه انما يتعلق بالشئ في زمان وجوده علم ، وقبل وجوده علم آخر ، وبعد وجوده علم ثالث وهكذا كعلوم اكثر الناس ، واما ما يستفاد من مباديه واسبابه وغاياته علما واحدا كليا بسيطا محيطا على وجه عقلي غير متغير فانه ما من شئ الا وله سبب ولسببه سبب وهكذا الى ان ينتهي الى مسبب الاسباب وكل ما عرف سببه من حيث يقتضيه ويوجبه فلابد وان يعرف ذلك الشئ علما ضروريا دائما فمن عرف الله تعالى بأوصافه الكمالية ونعوته الجلالية وعرف أنه مبدء كل وجود وفاعل كل فيض وجود وعرف ملائكته المقربين ثم ملائكته المدبرين المسخرين للاغراض الكلية العقلية بالعبادات الدائمة والنسك المستمرة من غير فتور ولغوب الموجبة لان يترشح عنها صور الكائنات كل ذلك على الترتيب السببي والمسببي فيحيط علمه بكل الامور واحوالها ولو احقها علما بريئا من التغيير والشك

* ( هامش ) *
1 - قال المصنف ( ره ) في المقدمة السابعة من مقدمات تفسيره المسمى بالصافي ما نصه : " قال بعض اهل المعرفة ما ملخصه : ان العلم بالشئ ( وساق الكلام الى آخره وقال ) انتهى كلامه اعلى الله مقامه " وقال في الجزء الاول من الوافي في باب " انه ليس شئ مما يحتاج إليه الناس الا وقد جاء فيه كتاب أو سنة " في بيان له يتعلق بمعنى الحديث الاول ما نصه : " قال استادنا قدس سره ما ملخصه : ان العلم بالشئ ( فساق الكلام الى آخره قائلا بعده : انتهى كلامه اعلى الله تعالى مقامه ، ص 49 من المجلدة الاولى من الطبعة الثانية ) فعلم ان المراد به صدر المتألهين ومأخذ المصنف ( ره ) كلام استاده في شرح اصول الكافي في شرح الحديث العاشر من باب الرد الى الكتاب والسنة وكذا كلامه في شرح الحديث السادس من ذلك الباب فهو ملفق من تلخيص كلامين لاستاده فمن اراد المراجعة فليراجع ص 202 وص 206 . ( * )

/ صفحة 17 /ـــــــــــــــ

والغلط ، فيعلم من الاوائل الثواني ومن الكليات الجزئيات المترتبة عليها ، ومن البسائط - المركبات ، ويعلم حقيقة الانسان وأحواله وما يكملها ويزكيها ويسعدها ويصعدها الى عالم - القدس ، وما يدنسها ويرديها ويشقيها ويهويها الى اسفل السافلين علما ثابتا غير قابل للتغير ولا محتملا لتطرق الريب فيعلم الامور الجزئية من حيث هي دائمة كلية ومن حيث لا كثرة فيه ولا تغير وان كانت هي كثيرة متغيرة في أنفسنا وبقياس بعضها الى بعض وهكذا كعلم الله سبحانه بالاشياء وعلم ملائكته المقربين وعلوم الانبياء عليهم السلام بأحوال الموجودات الماضية والمستقبلية ، وعلم ما كان وعلم ما سيكون الى يوم القيامة من هذا القبيل ، فانه علم كلي ثابت غير متجدد بتجدد المعلومات ولا متكثر بتكثرها ، ومن عرف كيفية هذا العلم عرف معنى قوله عز وجل : وفيه تبيان كل شئ ، ويصدق بأن جميع العلوم والمعاني في القرآن كريم عرفانا حقيقيا وتصديقا يقينيا على بصيرة لا على وجه التقليد والسماع ونحوهما إذ ما من امر من الامور الا وهو مذكور في القرآن اما بنفسه أو بمقوماته واسبابه ومباديه وغاياته ولا يتمكن من فهم آيات القرآن وعجائب اسراره وما يلزمها من الاحكام والعلوم التي لا تناهي الا من كان علمه بالاشياء من هذا القبيل . فصل قال بعض الفضلاء ( 1 ) : من المعلوم عند اولي الالباب ان الاحاديث الشريفة ناطقة بأن كل واقعة تحتاج إليها الامة الى يوم القيامة ورد فيها خطاب قطعي عن الله تعالى فلم يبق شئ على مجرد اباحته الاصلية فالتمسك بالبراءة الاصلية لا يجوز في نفس ( 2 ) أحكامه تعالى . اقول : هذا انما يصح بالنسبة الى من خصه الله بفهم جميع الاحكام من القرآن

* ( هامش ) *
1 - المراد من هذا البعض هو العالم الجليل المولى محمد امين الاسترابادي قدس الله تربته الزكية ، والكلام مذكور في فوائده المدنية ( 106 من النسخة المطبوعة ) .
2 - في الفوائد المدنية : " نفى " . ( * )

/ صفحة 18 / ــــــــــــــــــ

كالائمة المعصومين عليهم السلام ومن تمكن من الاخذ عنهم مشافهة دون جمهور الناس ولهذا قال امير المؤمنين عليه السلام في الحديث السابق : " فاستنطقوه " مشيرا الى انه لا يفهم لسانه الا اهل الله خاصة ثم قال : ولن ينطق لكم ، لعدم السمع الباطني والاذن القلبية ( 1 ) فيكم ، ثم بين انه ( ع ) لسان الله الناطق عن كتبه للخلق ، المخبر عن اسرار القرآن ومكنوناته فقال : اخبركم عنه ، وقال : لو سألتموني لعلمتكم ، الى غير ذلك مما يدل على هذا المعنى كما يأتي في الاصل الثاني فلا سبيل الى فهم معاني القرآن والقطع باحكامه لجمهور الناس الا من جهتهم عليه السلام ، اما في مثل هذا الزمان فلا خطاب قطعي في حكم من الاحكام المختلف فيها الا بالنسبة الى من آتاه الله الحكمة وفصل الخطاب والاذن القلبية ( 2 ) والسمع الباطني لسماع القرآن وفهمه دون غيره من الناس لان اخبار الاحاد لا تفيد الا ظنا مع أنها لا تفي بجميع الاحكام كما هو ظاهر . وايضا : فان اكثرها كالقرآن في الدلالة الاجمالية وعدم التنصيص وقبولها لتخالف الافهام فيها ، واما التمسك بالبراءة الاصلية ففيه تحقيق ذكره المحقق الحلي رحمه الله في اوائل كتاب المعتبر فانه قال ( 3 ) : ويقال : عدم الدليل على كذا فيجب انتفاؤه وهذا يصح فيما يعلم انه لو كان هناك دليل لظفر به اما لا مع ذلك فانه يجب التوقف ولا يكون ذلك الاستدلال حجة ومنه القول بالاباحة لعدم الوجوب والحظر ، انتهى كلامه رحمه الله .

* ( هامش ) *
1 و 2 - في الاصل : " القلبي " في كلا الموردين .
3 - هو مذكور في اوائل المعتبر في اواخر الفصل الثالث من المقدمة ضمن ما ذكر تحت عنوان " واما الاستصحاب فاقسامه ثلاثة ( الى ان قال ) : الثاني ان يقال : عدم الدليل على كذا ( الى آخر الكلام ) " انظر ص 8 من النسخة المطبوعة بايران سنة 1315 ، ونقله الامين الاسترابادي ( ره ) في الفوائد المدنية ( انظر 140 من النسخة المطبوعة ) . ( * )

/ صفحة 19 / ــــــــــــــ

وقال في كتابه في الاصول ( 1 ) : اعلم ان الاصل خلو الذمة عن الشواغل الشرعية فإذا ادعى مدع حكما شرعيا جاز لخصمه ان يتمسك في انتفائه بالبراءة الاصلية فيقول : لو كان ذلك الحكم ثابتا لكان عليه دلالة شرعية لكن ليست كذلك فيجب نفيه ، ولا يتم هذا الدليل الا ببيان مقدمتين : احداهما انه لا دليل عليه شرعا بان يضبط طرق الاستدلالات الشرعية ويبين عدم دلالتها عليه ، والثانية ان يبين انه لو كان هذا الحكم ثابتا لدلت عليه احدى تلك الدلائل لانه لو لم يكن عليه دلالة لزم التكليف بما لا طريق للمكلف الى العلم به وهو تكليف بما لا يطاق ، ولو كان عليه دلالة غير تلك الادلة لما كانت ادلة الشرع منحصرة فيها لكن بينا انحصار الاحكام في تلك الطرق ، وعند هذا يتم كون ذلك دليلا على نفي الحكم ، انتهى كلامه ( 2 ) . واقول : هذا انما يصح إذا اريد بنفي الحكم نفيه بالنسبة الينا اي عدم كوننا مكلفين به مع عدم العلم لامتناع تكليف ما لا يطاق ، واما إذا اريد به نفيه في الواقع فهو غير صحيح لجواز ان يكون الحكم ثابتا في الواقع وان لم يصل الينا ولا نكون مكلفين به حتى يصل الينا كما ورد في الاخبار : ان الناس في سعة مما لا يعلمون حتى يعلموا ، فالتحقيق ان التمسك باصالة البراءة انما يصح في العمليات المحضة دون العلميات اعني لا يجوز لنا الافتاء

* ( هامش ) *
1 - يريد به كتابه المعروف بمعارج الاصول والكلام مذكور فيه ( ص 151 من النسخة المطبوعة بطهران سنة 1310 ) وهو مذكور في الفوائد المدنية نقلا عن الكتاب المذكور ( انظر ص 140 ) .
2 - اورد الامين الاسترابادي الكلامين كليهما في الفوائد المدنية وقال بعدهما : " وانا اقول : لقد احسن واجاد المحقق الحلي فيما نقلناه عنه ، وما رأيت فقيها يكون حكيما بعد السيد المرتضى ورئيس الطائفة قدس الله سرهما الا اياه ، يشهد بذلك من تتبع كلامه في الاصول وفي كتاب المعتبر وكلام غيره من المتأخرين وتحقيق كلامه ( الى آخر ما قال ) ومن اراده فليراجع الفوائد المدينة ( ص 140 ) . ( * )

/ صفحة 20 / ـــــــــــــــــــ

والحكم بالبراءة وان جاز ان يقال : انه لا يجب علينا الاخذ به لانه غير ثابت لنا ، أو نحن في سعة منه حتى يتبين ، أو نحو ذلك ، وكأنه الى هذا اشار الفاضل المذكور بقوله : ولا - يجوز التمسك بها في نفس أحكامه تعالى ، يعني يجوز في متعلقات أحكامه تعالى كما صرح به في موضع آخر ، ويؤيد هذا اختلاف مراتب الناس في مقدار تتبع الادلة في الوصول إليها وعدمه مع ان ما ورد عن اهل البيت عليهم السلام من ان حكم الله سبحانه واحد في كل قضية وان من اصابه فقد اصاب الحق ومن أخطأه فقد أخطأ الحق وعليه الوزر في فتياه لا ينفى الحكم في الواقع بمجرد أصالة البراءة ، كما يأتي في الاصل السابع تحقيقه ، وعلى هذا المعنى يحمل ما رواه الصدوق رحمه الله في الفقيه عن الصادق عليه السلام : ان كل شئ مطلق حتى يرد فيه نهى ، أي مطلق لكم وموسع عليكم حتى يصل اليكم نهى لا ان الاطلاق حكم الله في الواقع ، وبهذا التحقيق يتحقق الجمع بين كثير من الايات والاخبار المختلفة بحسب الظاهر في الاصول الاتية كما ستطلع عليه ان شاء الله بل يتحقق محاكمة دقيقة بين المخطئة والمصوبة كما يظهر عند التأمل الصادق ، ويمكن استنباط هذا الحكم اي جواز التمسك باصالة البراءة في العمليات من القرآن من قوله عز وجل : وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون ( 1 ) ونحوها من الايات مما يؤدى مؤداها . الاصل الثاني في انه لا يعلم علم الكتاب والسنة كله الا من يعلم الناسخ من المنسوخ ، والمحكم من المتشابه ، والتأويل من الظاهر ، والمقيد من المطلق ، والعام من الخاص ، الى غير ذلك من الاحكام كلها
.


ـــــــــــــــــــ
وأضاف ايضاً في الفصل الرابع الذي عقده في بيان أن اخبار الائمة المعصومين المضبوطة في كتب أئمة الحديث من أصحابنا ورواتها الناظرين فيها قائمة مقامهم - عليهم السلام - في زمان الغيبة الكبرى .
بقوله :
ان اخبار الائمة المعصومين عليهم السلام المضبوطة في كتب ائمة الحديث من اصحابنا ورواتها الناظرين فيها قائمة مقامهم عليهم السلام في زمان الغيبة الكبرى وان نسبتها إليهم قريبة من نسبة تصانيف العلماء الى مصنفيهم يعرف بها مذهبهم وعلمهم وحكمهم وهي الحجة علينا اليوم بعد كتاب الله والسنة الثابتة ، ويدل على ذلك ما استفاض عنهم ( ع ) في هذا المعنى وهو ما رواه الصدوق في ( اكمال الدين عن محمد بن عصام قال : حدثنا محمد بن يعقوب الكليني عن اسحاق بن يعقوب ، ورواه الطبرسي ايضا في الاحتجاج والكشي في الرجال والشيخ الطوسي في اختياره عن اسحاق بن يعقوب قال : سألت محمد بن عثمان العمري ، ان يوصل لي كتابا قد سألت فيه عن مسائل اشكلت على فورد في التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان عليه الصلوة والسلام : اما ما سألت عنه أرشدك الله ووفقك ( الى ان قال ) : واما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى رواة حديثا فانهم حجتي عليكم وانا حجة الله عليهم ( 3 ) .
وفي رجال الكشي والاختيار بالاسناد عن

* ( هامش ) *
1 - فليعلم ان اساس هذا الاصل مبني على ما ذكره الامين الاسترابادي قدس الله تربته في الفوائد المدنية ونص عبارته فيه " الفصل السابع في بيان من يجب رجوع الناس إليه في القضاء والافتاء " ( انظر ص 150 ) حتى ان المصنف ( ره ) اخذ غالب الروايات عن هذا الفصل من هذا الكتاب من دون مراجعة الى مآخذها الاصلية ونحن لا نشير الى موارد النقل في كل رواية بل نكتفي بهذا الكلي الذي صرحنا به هنا فمن اراد تحقيق المطلب وتطبيقهما فليراجع الكتابين .
2 - نقله صاحب الوسائل في الباب الحادي عشر من ابواب كتاب القضاء ( انظر ج 3 ص 385 من طبعة امير بهادر ) ونقله الامين الاسترابادي ( ره ) في الفوائد كما اشرنا إليه بطريق كلي .
3 - لفظة " عليهم " ليست في كثير من موارد نقل الرواية ، نعم هي موجودة في بعضها ( * )

/ صفحة 51 /ــــــــــــ

أحمد بن حاتم بن ماهويه قال ( 1 ) : كتبت إليه يعني ابا الحسن الثالث ( ع ) أسأله : عمن آخذ معالم ديني ؟ - وكتب اخوه ايضا فكتب اليهما : فهمت ما ذكرتما فاصمدا في دينكما على كل مسن في حبنا وكل كثير القدم في امرنا فانهم كافوكما ان شاء الله .
وروى ثقة الاسلام محمد بن يعقوب الكليني عن محمد بن عبد الله ومحمد بن يحيى جميعا عن عبد الله بن جعفر الحميري قال : اجتمعت انا والشيخ أبو عمرو عند احمد بن اسحاق ( الى ان قال ) : اخبرني أبو علي احمد بن اسحاق عن عن ابي الحسن ( ع ) قال : سألته وقلت : ومن أعامل ؟ أو عمن آخذ ؟ أو : قول من اقبل ؟ - فقال له : العمري ثقتي فما ادى اليك عني ، فمعنى يؤدى ، وما قال لك عني ، فعني يقول ، فاسمع له وأطع فانه الثقة المأمون ( 2 ) .
اخبرني أبو علي انه سأل ابا محمد عن مثل ذلك فقال له : العمري وابنه ثقتان ، فما أديا اليك عني فعني يؤديان ، وما قالا لك فعني يقولان فاسمع لهما وأطعهما فانهما الثقتان المأمونان ، الحديث ( 3 ) وفي الاحتجاج عن ابي محمد العسكري ( ع ) وفي تفسيره ( ع ) ايضا قال : قال الحسين بن علي عليهما السلام ( 4 ) : من كفل لنا يتيما قطعته عنا محنتنا باستتارنا ، فواساه من علومنا التي سقطت إليه حتى ارشده وهداه قال الله عز وجل : يايها العبد الكريم المواسي انا اولى

* ( هامش ) *
1 - مأخوذ من الفوائد المدنية ( ص 150 ) وهو في مسائل الشيعة في كتاب القضاء في باب وجوب الرجوع في القضاء والفتوى الى رواة الحديث من الشيعة ( انظر الحديث الرابع والاربعين من الباب ، ج 3 من طبعة امير بهادر ص 387 ) .
2 و 3 - نقلهما صاحب الوسائل في كتاب القضاء في باب 11 ( ج 3 ، ص 385 طبعة امير بهادر ) . 4
- نقله المجلسي ( ره ) عن الكتابين المشار اليهما في هذا الكتاب في المجلد الاول من البحار في باب ثواب الهداية والتعليم ( ص 72 من طبعة امين الضرب ) قائلا بعده " بيان - قطعته عنا محبتنا باستتارنا اي كان سبب قطعه عنا انا احببنا الاستتار عنه لحكمة ، وفي بعض النسخ محنتنا بالنون وهو اظهر " . ( * )

/ صفحة 52 /ــــــــــــــ

بالكرم منك فاجعلوا يا ملائكتي في الجنان بعدد كل حرف علمه الف الف قصر ، وضموا إليها ما يليق بهامن سائر النعم . وفي الكافي عن معاوية بن عمار ( 1 ) قال : قلت لابي عبد الله ( ع ) : رجل راوية لحديثكم يبث ذلك في الناس ويشدده في قلوبهم وقلوب شيعتكم ، ورجل عابد من شيعتكم ليست له هذه الرواية ايهما افضل ؟ - قال : الراوية لحديثنا يشدده في قلوب شيعتنا افضل من الف عابد ، وعن ابي خديجة قال : بعثني أبو عبد الله ( ع ) ( 2 ) الى اصحابنا فقال : قل لهم : اياكم إذا وقعت بينكم خصومة أو تدارؤ بينكم في شئ من الاخذ والاعطاء ان تحاكموا الى احد من هؤلاء الفساق ، اجعلوا رجلا ممن عرف حلالنا وحرامنا فاني قد جعلته عليكم قاضيا واياكم ان يحاكم بعضكم بعضا الى السلطان الجائر . وفي مقبولة عمر بن نظلة ( 3 ) المروية فيه وفي غيره قال : سألت أبا عبد الله ( ع ) عن رجلين من أصحابنا ، تكون بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما الى السلطان أو الى القضاة ايحل ذلك ؟ - فقال : من تحاكم الى الطاغوت فحكم له فانما يأخذ سحتا وان كان حقه ثابتا لانه اخذ بحكم –
* ( هامش ) *
1 و 2 - انظر الحديث الثاني والسابع من احاديث باب وجوب الرجوع في القضاء والفتوى الى رواة الحديث من الشيعة من كتاب الوسائل الا انه نقل الحديث الثاني عن تهذيب الشيخ ، ( ج 3 ، ص 385 من طبعة امير بهادر ) وهما مع الحديث السابق ايضا في الفوائد المدنية ( ص 151 ) .
3 - في الفوائد المدنية ص 151 ، وفي الوسائل في كتاب القضاء ، في الباب الحادي عشر ( ج 3 ص 385 ) الا انه ملخص والحديث مفصل . فليعلم ان المصنف ( ره ) نقل الرواية في الوافي في " باب انه ليس شئ مما يحتاج إليه الناس الا وقد جاء فيه كتاب أو سنة " واورد له بيانا مفصلا ومبسوطا قائلا في اواسطه : " وهذه الرواية رواها محمد بن علي بن ابراهيم بن ابي جمهور اللحسائي في كتاب عوالي اللئالي عن العلامة الحلي مرفوعا الى زرارة ، والاخبار في هذا المعنى كثيرة وقد اوردنا شطرا منها في كتابنا المسمى بسفينة - النجاة وفي كتابنا الموسوم بالاصول الاصيلة ( الى آخر ما قال ) فمن اراد مراجعة - الكتاب فليراجع الطبعة الثانية من الوافي ( ج 1 : ص 54 - 53 ) . ثم ليعلم ان الامين = ( * )

/ صفحة 53 / ـــــــــــــــــــ

الطاغوت وقد امر الله عز وجل ان يكفر بها ، قلت : كيف يصنعان ؟ - قال : فانظروا الى من كان منكم روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف احكامنا فليرضوا به حكما فاني قد جعلته عليكم حاكما فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فانما بحكم الله استخف وعلينا رد والراد علينا الراد على الله وهو على حد الشرك بالله . وباسناده الحسن عن محمد بن حكيم قال قلت لابي الحسن موسى ( ع ) ( 1 ) : جعلت فداك فقهنا في الدين واغنانا الله بكم عن الناس حتى ان الجماعة منا لتكون في المجلس ما يسأل رجل صاحبه الا تحضره المسألة ويحضره جوابها فيما من الله علينا بكم الحديث . وباسناده عن سماعة عن ابي الحسن موسى ( ع ) قال ( 2 ) قلت : اصلحك الله انا نجتمع فنذاكر ما عندنا فما يرد علينا شئ الا وعندنا فيه مستطر وذلك مما انعم الله به علينا بكم . وباسناده عن أبي بصير قال : سمعت أبا - عبد الله ( ع ) يقول : اكتبوا فانكم لا تحفظون حتى تكتبوا ( 3 ) .
وفيه : باسناده الموثق عن عبيد بن زرارة قال : قال أبو عبد الله ( ع ) : احتفظوا بكتبكم فانكم سوف تحتاجون إليها ( 4 ) . وفيه عن الاحمسي عن ابي عبد الله ( ع ) قال : القلب يتكل على الكتابة ( 5 ) . وفيه عن المفضل بن عمر قال : قال أبو عبد الله ( ع ) : اكتب وبث علمك في اخوانك فان مت فأورثت كتبك بنيك فانه يأتي على الناس زمان هرج لا يأنسون فيه الا بكتبهم ( 6 ) . وفيه باسناده الصحيح عنه ( ع )

•( هامش ) *
•= الاسترابادي ( ره ) قال في الفوائد المدنية ضمن ما ذكره في اثبات صحة الاحاديث المودعة في الكتب المعتبرة بعد الاشارة الى هذا الحديث ما نصه ( ص 192 ) : " الفائدة الخامسة - ان هذه الرواية الشريفة مشهورة بين متأخري اصحابنا بمقبولة عمر بن حنظلة بناء على ان علماء الرجال لم يوثقوه لكن الشهيد الثاني ( ره ) وثقه في شرح - رسالته في فن دراية الحديث واعترض عليه ولده الشيخ حسن قدس سرهما في كتاب المنتقى حيث قال : من عجيب ما اتفق لوالده ( ره ) انه قال في شرح بادية الدراية ( الى آخر ما قال ) " . اقول : من اراد تحقيقه النفيس المفيد جدا فليراجع الفوائد فانه طويل لا يسع المقام ذكره . وقال ايضا في ص 151 : " وفي مقبولة عمر بن حنظلة ومن وافقه والا فهي صحيحة لما حققناه سابقا . 2 - اخذه المصنف ( ره ) عن الفوائد المدنية ( انظر ص 151 من النسخة المطبوعة ) .
•3 - الفوائد المدنية ص 152 . 3 و 4 و 5 و 6 - كلها في الوافي في باب فضل الكتابة = ( * )

/ صفحة 54 /ــــــــــــــــ

•قال : أعربوا حديثنا فانا قوم فصحاء ( 1 ) ، اي لا تلحنوا فيه . وباسناده عنه ( ع ) قال : تزاوروا فان في زيارتكم احياء لقلوبكم ، وذكرا لاحاديثنا ، واحاديثنا تعطف بعضكم على بعض ، فان اخذتم بها رشدتم ونجوتم ، وان تركتموها ضللتم وهلكتم ، فخذوا بهاوانا بنجاتكم زعيم ( 2 ) وعن محمد بن ابي خالد شنبولة قال : قلت لابي جعفر الثاني ( ع ) : جعلت فداك ان مشايخنا رووا عن ابي جعفر وابي عبد الله - عليهما السلام - وكانت التقية شديدة فكتموا كتبهم فلم يرووا عنهم فلما ماتوا صارت الكتب الينا ؟ - فقال : حدثوا بها فانها حق ( 3 ) وفيه دلالة واضحة على صحة الاعتماد على الكتب والعمل بما فيها من الاحكام إذا كانت صحيحة . وقال أبو جعفر ( ع ) لابان بن تغلب ( 4 ) : اجلس في مسجد النبي ( ص ) وأفت الناس فانى احب ان

* ( هامش ) * = والتمسك بالكتب ( انظر ج 1 من الطبعة الثانية ص 44 ) قائلا بعد حديث المفضل : " بيان - البث النشر اي انشر علمك فيهم بواسطة الكتاب ، ويحتمل ان يكون مطلوبا برأسه ، والهرج الفتنة والاختلاط ، والمراد به ههنا فقد اهل العلم ومن يؤنس به منهم ، أو فقد تمييزهم عن غيرهم لتسلط امراء الجور ، وتشبه الجهلة والارذال بصورة العلماء والاكياس في الزي والمنطق واللباس " واورد لحديث الاحمسي ايضا بيانا فمن اراده فليطلبه من هناك .
1 - قال المصنف ( ره ) بعد نقله في الوافي في آخر باب رواية الحديث ( ج 1 ص 44 ) : " بيان - أي لا تلحنوا في اعراب الكلمات بل اعطوا حقها من الاعراب والتبيين حين التكلم به فان كلامنا فصيح فإذا لحنتم فيه اختلت فصاحته ، ويحتمل ان يراد اعرابه حين الكتابة بان يكتب الحروف بحيث لا يشتبه بعضها ببعض ، أو يجعل عليها ما يسمى اليوم اعرابا عند الناس الا ان الاول اظهر واقرب الى طريقة السلف " وقال المجلسي ( ره ) بعد نقله في البحار ( ج 1 ص 109 ) : " اي أظهروه وبينوه ، أو لا تتركوا فيه قوانين الاعراب ، أو أعربوا لفظه عند الكتابة " .
2 - هو الحديث السابع والثلاثون من الباب الثامن من ابواب كتاب القضاء في الوسائل ( ج 3 ، ص 378 من طبعة امير بهادر ) .
3 - قال المصنف ( ره ) بعد نقله في الوافي ( ج 1 ص 44 من الطبعة الثانية ) : " بيان - في بعض النسخ بدل " لم يرووا " : " على صيغة المجهول والتأنيث " فذكر مثل ما ذكر هنا . 4 - اعلم ان المصنف ( ره ) اخذ هذا الحديث وما يتبعه من الاحاديث الى " وصل " = ( * )

/ صفحة 55 /ــــــــــــــــــــــــ

يرى في شيعتي مثلك : وقال الصادق ( ع ) للفيض بن المختار : إذا أردت بحديثنا فعليك بهذا الجالس ، وأومأ بيده الى رجل من اصحابه ، فسألت عنه فقالوا : زرارة بن اعين . وقال ( ع ) : رحم الله زرارة بن أعين ، لولا زرارة ونظراؤه لاندرست أحاديث ابي . وقال ( ع ) : ما أجد أحدا احيا ذكرنا وأحاديث أبي الا زرارة وابو بصير ليث المرادي ومحمد بن مسلم وبريد بن معاوية العجلي هؤلاء حفاظ دين الله ، وأمناء أبي على حلال الله وحرامه . وقال ( ع ) : اقوام كان أبي يأتمنهم على حلال الله وحرامه وكانوا عيبة علمه ، وكذلك اليوم هم عندي ، هم مستودع سري وأصحاب أبي حقا إذا اراد بأهل الارض سوء صرف بهم عنهم السوء ، هم نجوم شيعتي احياء وامواتا يحيون ذكر أبي ، بهم يكشف الله كل بدعة ينفون عن هذا الدين انتحال المبطلين وتأويل الغالين ثم بكى قال الراوي : فقلت : من هم ؟ - فقال : من عليهم صلوات الله وعليهم رحمته أحياء وأمواتا ، بريد العجلي ، وزرارة ، وابو - بصير ، ومحمد بن مسلم . وقال ( ع ) : بشر المخبتين بالجنة ، بريد بن معاوية العجلي وابو –

* ( هامش ) *

•= الاتي من الفوائد المدنية ( انظر ص 150 من النسخة المطبوعة الى ص 152 ) . وقال الامين الاسترابادي ( ره ) بعد نقلها : " واقول : الاحاديث الناطقة بأمرهم عليهم السلام بالرجوع في الفتوى والقضاء الى رواة احاديثهم واحكامهم متواترة معنى ، وتلك الاحاديث صريحة في وجوب اتباع الرواة فيما يروونه عنهم عليهم السلام من الاحكام النظرية وليست فيها دلالة الا على جواز اتباع ظنونهم الحاصلة من ظواهر كتاب الله أو اصل أو استصحاب أو غيرها ، ولا دلالة فيها على اشتراط ان يكون الرواة المتبعون اصحاب الملكة المعتبرة في المجتهدين ، ومن المعلوم ان المقام مقام - البيان والتفصيل فيعلم بقرينة المقام علما عاديا قطعيا ان تلك الظنون وكذلك تلك الملكة غير معتبرين عندهم " . وان شئت المراجعة الى المآخذ والنظر في اسانيد الاحاديث فراجع " باب وجوب الرجوع في القضاء والفتوى الى رواة الحديث من الشيعة فيما رووه عن الائمة من احكام الشريعة " من كتاب وسائل الشيعة ( انظر ج 3 من طبعة امير بهادر ص 385 - 387 ) .

• / صفحة 56 /ـــــــــــــــــــــ

• بصير ليث بن البختري المرادي ، ومحمد بن مسلم ، وزرارة بن اعين ، اربعة نجباء أمناء - الله على حلاله وحرامه ، لولا هؤلاء انقطعت آثار النبوة واندرست . وقال ( ع ) لعبد الله بن - أبي يعفور حيث قال له ( ع ) : انه ليس كل ساعة القاك ولا يمكن القدوم ، ويجيئ الرجل من أصحابنا فيسألني وليس عندي كل ما يسألني عنه فقال : فما يمنعك من محمد بن مسلم الثقفي فانه قد سمع من أبي وكان عنده وجيها . وقال ( ع ) لشعيب العقرقو في حيث قال له : ربما احتجنا ان نسأل عن الشئ فممن نسأل ؟ - قال : عليك بالاسدي يعني ابا بصير . وقال ( ع ) : اعرفوا منازل الرجال منا على قدر رواياتهم عنا . وقال ( ع ) : اعرفوا منازل شيعتنا بقدر ما يحسنون من رواياتهم عنا ، فانا لا نعد الفقيه منهم فقيها حتى يكون محدثا ، فقيل له : أو يكون المؤمن محدثا ؟ - قال : يكون مفهما والمفهم المحدث . وصل نقل عن الكشي انه قال : ( 1 ) اجمعت العصابة على تصديق هؤلاء الاولين من أصحاب ابي جعفر واصحاب ابي عبد الله عليهما السلام وانقادوا لهم بالفقه وقالوا : أفقه الاولين


* ( هامش ) *
• 1 - قال الشيخ الحر العاملي ( ره ) في خاتمة الوسائل ( ج 3 ص 528 من طبعة امير بهادر ) : " الفائدة السابعة في ذكر اصحاب الاجماع ( الى ان قال ) قال الشيخ الثقة الجليل أبو عمرو الكشي في كتاب الرجال ماهذا لفظه : قال الكشي : اجمعت العصابة ( الى آخر العبارة ) " . اقول : هذه العبارة متلقاة بالقبول عند علمائنا ( ره ) ومذكورة في اغلب الكتب الرجالية والاصولية ونظمها العلامة الطباطبائي " السيد مهدي بحر العلوم " ( ره ) في قطعة وهي : " قد اجمع الكل على تصحيح ما * يصح عن جماعة فليعلما " " وهم اولوا نجابة ورفعة * اربعة وخمسة وتسعة " " فالستة الاولى من الامجاد * اربعة منهم من الاوتاد " " زرارة كذا بريد قد اتى * ثم محمد وليث يافتى " = ( * )

•/ صفحة 57 / ـــــــــــــــــ

•ستة ، زرارة ، ومعروف بن خربوذ ، وبريد العجلي ، وابو بصير الاسدي ، والفضيل بن - يسار ، ومحمد بن مسلم الطائفي ، قالوا : وأفقه الستة زرارة ، وقال بعضهم : مكان أبو بصير الاسدي أبو بصير المرادي وهو ليث البختري . وروى باسناده عن الصادق ( ع ) : اوتاد - الارض واعلام الدين اربعة ، محمد بن مسلم ، وبريد بن معاوية ، وليث بن البختري المرادي ، وزرارة بن أعين . وقال في تسمية الفقهاء من أصحاب أبي عبد الله ( ع ) : أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح من هؤلاء وتصديقهم لما يقولون وأقروا لهم بالفقه من دون هؤلاء الستة الذين عددناهم وكتبناهم ستة نفر : جميل بن دراج ، وعبد الله بن مسكان ، وعبد الله بن بكير ، وحماد بن عيسى ، وحماد بن عثمان ، وابان بن عثمان . قال : وزعم أبو - اسحاق الفقيه يعني ثعلبة بن ميمون ان أفقه هؤلاء جميل بن دراج وهم احداث اصحاب أبي - عبد الله ( ع ) وقال في تسمية الفقهاء من اصحاب ابي ابراهيم وابي الحسن الرضا عليهما السلام : أجمع الاصحاب على تصحيح ما يصح عن هؤلاء وتصديقهم فأقروا لهم بالفقه والعلم وهي ستة نفر اخر دون الستة النفر الذين ذكرناهم في اصحاب أبي عبد الله ( ع ) منهم يونس بن عبد الرحمن ، وصفوان بن يحيى بياع السابري ، ومحمد بن أبي عمير ، وعبد الله بن المغيرة ، والحسن بن محبوب ، واحمد بن محمد بن ابي نصر . وقال بعضهم مكان الحسن بن محبوب :

•* ( هامش ) *

• = " كذا الفضل بعده معروف * وهو الذي ما بيننا معروف " " والستة الوسطى اولوا الفضائل * رتبتهم ادنى من الاوائل " " جميل الجميل مع ابان * والعبد لان ثم حمادان " " والستة الاخرى هم صفوان * ويونس عليهما الرضوان " " ثم ابن محبوب كذا محمد * كذاك عبد الله ثم أحمد " " وما ذكرناه الاصح عندنا * وشذ قول من به خالفنا " وشرح هذه القطعة نظما العالم الجليل الحاج ميرزا أبو الفضل الكلانتري الطهراني ( ره ) في رسالة وسماها " نقاوة الاصابة فيمن اجمعت عليه العصابة " فان شئت التفصيل فراجعها وطبعت الرسالة بتصحيحي واهتمامي منذ سنين ولله الحمد على ذلك وله الشكر . ( * )

•/ صفحة 58 / ــــــــــــــ

•الحسن بن علي بن فضال ، وفضالة بن ايوب . وقال بعضهم مكان ابن فضال : عثمان بن عيسى ، وأفقه هؤلاء يونس بن عبد الرحمن وصفوان بن يحيى . قيل ( 1 ) : مستند الاجماع الروايات الناطقة بانهم معتمدون في كل ما يروون ، وكذا ما ذكره الشيخ في العدة من انه : اجمعت العصابة على حجية مراسيل جمع من الرواة كما أجمعوا على حجية مسانيدهم مبنى على ورود الروايات الناطقة بانهم يعتمدون في كل ما يروون . فصل قال بعض الفضلاء ما حاصله ( 2 ) : انا نقطع قطعا عاديا بان جمعا كثيرا من ثقات اصحاب ائمتنا ومنهم الجماعة الذين اجمعت العصابة على انهم لم ينقلوا الا الصحيح باصطلاح القدماء صرفوا اعمارهم في مدة تزيد على ثلاثمائة سنة في اخذ الاحكام عنهم عليهم السلام وتأليف ما يسمعونه منهم ( ع ) وعرض المؤلفات عليهم ( ع ) ، ثم التابعون لهم تبعوهم في طريقتهم واستمر هذا المعنى الى زمن أئمة الحديث الثلاثة وكانوا يعتمدون عليها في عقائدهم واعمالهم ، ونعلم علما عاديا انهم كانوا متمكنين من اخذ الاحكام عنهم مشافهة ومع ذلك يعتمدون على الاخبار المضبوطة من زمن امير المؤمنين ( ع ) كما ورد في الروايات الكثيرة وكان ائمتنا يأمرونهم بتأليفها ونشرها وضبطها ليعمل بها شيعتهم في زمن الغيبة

•* ( هامش ) *

•1 - قال الامين الاسترابادي ( ره ) في الفوائد ( ص 183 ) : " مستند الاجماع ( الى آخره ) " . 2 - يريد بقوله : " بعض الفضلاء " الامين الاسترابادي ( ره ) والمنقولات مذكورة في فوائده المدنية ( انظر ص 181 من النسخة المطبوعة ) ونص عبارته فيه : " الفصل التاسع في تصحيح احاديث كتبنا بوجوه تفطنت بها بتوفيق الله الملك العلام ودلالة اهل الذكر عليهم السلام ( الى ان قال ) الوجه الاول من الوجوه الدالة على صحة احاديث الكتب الاربعة مثلا باصطلاح قدمائنا انا نقطع قطعا عاديا بان جمعا كثيرا من ثقات اصحاب ائمتنا ومنهم الجماعة ( الى آخر ما قال ) فمن اراد ان يراجع الوجوه الاثني عشر فليراجع ( ص 181 ) . اقول : في موارد اخر من الكتاب المذكور ما يؤيد مطلوبه فمنها ص 153 و 89 و 53 وغيرها بل الكتاب باسره في اثبات هذا الموضوع فمن اراد البسط فليراجعه . ( * )

•/ صفحة 59 /

• واخبروا بوقوعها ، وايضا الشفقة الربانية والمعصومية تقتضي ان لا يضيع من كان في اصلاب الرجال منهم فيجب ان تمهد لهم اصول معتمدة يعملون بها وايضا فان اكثر احاديثنا موجودة في اصول الجماعة التي أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنهم لانا نقطع بالقرائن ان طرقها انما هي طرق الى الاصول المأخوذة هي منها كما يشعر به التهذيب والفقيه وايضا فان كثيرا ما يعتمد الشيخ الطوسي على طرق ضعيفة مع تمكنه من طرق اخرى صحيحة وكثيرا ما يطرح الاخبار الصحيحة باصطلاح المتأخرين ويعمل بالضعيفة بهذا الاصطلاح وهذا ايضا يقتضي ما ذكرناه اي النقل من الاصل ، وايضا انه صرح في كتاب العدة وفي اول الاستبصار بان كل حديث عمل به في كتبه مأخوذ من الاصول المجمع على صحة نقلها ولم يعمل بغيره وانما طرح بعضها لان معارضه اقوى منه لاعتضاده باخبار اخر وباجماع الطائفة على العمل بمضمونه أو غير ذلك ، والصدوق ذكر مثل ذلك بل اقوى منه في اول الفقيه ، وكذا ثقة الاسلام في اول الكافي مع انهم كثيرا ما يذكرون في اول الاسانيد من ليس بثقة ، وايضا فان بعض الروايات يتعاضد ببعض ، وبعض اجزاء الحديث يناسب بعضا ، وقرينة الجواب أو السؤال تدل على صدق المضمون ، الى غير ذلك ، وايضا فانا نقطع قطعا عاديا في حق اكثر رواة أحاديثنا بقرينة ما بلغنا من احوالهم انهم لم يرضوا بالافتراء في رواية الحديث والذي لم نقطع في حقه بذلك كثيرا ما نقطع بان للناقل ( 1 ) عنه طريقا الى اصل الثقة الذي اخذ الحديث منه . فان قلت : انهم إذا رووا عن الاصل فلم يذكرون الواسطة ؟ - قلنا : يحتمل ان يكون ذكر الواسطة للتبرك باتصال سلسلة السند ودفع طعن العامة بان احاديثكم ليست معنعنة بل مأخوذة من كتب قدمائكم . اقول : وايضا فان ما ذكره علماء الرجال في شئ بعضهم انه يعرف حديثه تارة وينكر اخرى ، وفي شأن آخر : انه لا يجوز نقل روايته ، أو : لا يعتمد عليه ، أو غير ذلك

•* ( هامش ) *
•1 - في الفوائد " بانه طريق الى اصل الثقة الذي اخذ الحديث منه " ( ص 184 ، س 2 ) . ( * )

•/ صفحة 60 /ــــــــــــــــ

• يدل على ان الثقة إذا روى عن احد فلا يروى عنه الا إذا ظهر له دليل على صحته ، أو رآه في اصله المروى عنه ، أو سمعه عن ثقة يروى عن ذلك الاصل ، وكذا حرصهم على ضبط الخصوصيات والجزئيات من الالفاظ وغيرها دليل على عدم اعتمادهم على غير المقطوع بصحته وهذه الوجوه ، وان كان كل واحد منها مما يمكن الخدش فيه الا ان لاجتماعها قوة يحصل بها ظن قوى بصحة هذه الاخبار التي رواها الثقات وان ضعف الطريق في الوسط خصوصا ما في الكتب الاربعة وهي متواترة بالنسبة الى مؤلفيها وهذا يفيد القطع الاجمالي بمضمونها ، والقطع التفصيلي بخصوصياتها يحصل بالقرائن الحالية وربما اعترفوا به انفسهم فان رئيس الطائفة صرح في العدة بان ما أورده في كتب الاخبار انما اخذه من الاصول المعتمد عليها كما قال الفاضل ، وقال الصدوق في اول الفقيه ( 1 ) : لم - اقصد فيه قصد المصنفين في ايراد جميع ما رووه بل قصدت الى ايراد ما افتى به وأحكم بصحته وأعتقد فيه انه حجة فيما بيني وبين ربي تقدس ذكره ، وجميع ما فيه مستخرج من كتب مشهورة عليها المعول واليها المرجع . وقال ثقة الاسلام في اول الكافي ( 2 ) في جواب من التمس عنه التصنيف : وقلت : انك تحب ان يكون عندك كتاب كاف يجمع من جميع فنون علم الدين ما يكتفى به المتعلم ويرجع إليه المسترشد ويأخذ منه من يريد علم الدين والعلم به الاثار الصحيحة عن الصادقين والسنن القائمة التي عليها العمل وبها تؤدى فرائض الله عز وجل وسنة نبيه ( الى ان قال ) : وقد يسر الله وله الحمد تأليف ما سألت وأرجو ان يكون بحيث توخيت ( انتهى كلامه ) . ولهذا ذهب جماعة بالاكتفاء في تصحيح الاخبار والقدح فيها على ما ذكره أصحابنا ودونوها في كتبهم وسيما المتقدمين . قال بعض المحققين ( 3 ) : فلم يبق لاحد ممن تأخر عنهم في البحث والتفتيش الا الاطلاع على ما قرروه * ( هامش ) * 1 - راجع مقدمة من لا يحضره الفقيه . 2 - راجع مقدمة الكافي . 3 - كأن المراد به الشهيد الثاني ( وكأن الكلام في شرح درايته انظر ص 79 من النسخة المطبوعة ) أو المحقق الداماد رحمة الله عليهما . ( * ) / صفحة 61 / والفكر فيما ألقوه والفوه . قال الشهيد في الذكرى ( 1 ) : الاجتهاد في هذا الوقت اسهل منه فيما قبله من الاوقات لان السلف قد كفونا مؤنته بكدهم وكدحهم وجمعهم السنة والاخبار وجرحهم وتعديلهم وغير ذلك من الالات .
فصل
قال بعض أصحابنا ( 2 ) : ان السنة المتواترة دلت على قبول خبر الواحد فان رسول - الله ( ص ) وأمير المؤمنين ( ع ) كانا يبعثان الرسل الى القبائل والبلاد والقرى لتعليم الاحكام مع ان كل واحد منهم لم يبلغ حد التواتر مع العلم بان المبعوث إليهم كانوا مكلفين بالعمل بمقتضاه والذي تتبعنا من آثار السلف ان تعليمهم الاحكام ما كان الا بالاخبار بما سمعوا عن النبي ( ص ) وائمة الهدى عليهم السلام ، وما كان القول بالرأي والاجتهاد الا محدثا ، وكان دأب قدمائنا تخطئة المخالفين به بل لو كان يحصل من الطائفة المحقة لشذوذ القول بالرأي والاجتهاد لخطؤوه وشدد ودا النكير عليه ، والاخبار من ائمة الهدى متظافرة بالتخطئة والانكار وقال المحقق في المعتبر ( 3 ) : افرط الحشوية في العمل بخبر الواحد حتى انقادوا لكل خبر ومافطنوا ما تحته من التناقض وان من جملة الاخبار قول النبي ( ص ) ستكثر بعدي القالة على . وقول الصادق ( ع ) ان لكل رجل منا رجل يكذب عليه ، واقتصر

* ( هامش )

* 1 - لم اجد العبارة في مقدمة الذكرى فمن اراد موضعها فليراجع سائر مواضع الكتاب .
2 - كأن المراد به غير الامين الاسترابادي ( ره ) لان المصنف يعبر عنه ببعض الفضلاء .
3 - انظر ص 6 من النسخة المطبوعة بطهران سنة 1317 ونقله الامين الاسترابادي ( ره ) في الفوائد المدنية قائلا قبل نقله ( انظر ص 13 ) : " وذكر الامام المحقق قدوة المقدسين المحقق الحلي قدس سره ( الى ان قال ) : وذكر في اوائل كتاب المعتبر شرح المختصر : الفصل الثالث في مستند الاحكام وهي عندنا خمسة ( الى ان قال ) مسألة - افرط الحشوية ( الى آخر ما نقل ) " انظر ص 14 . ( * )

/ صفحة 62 /ــــــــــــــــــــ

بعض عن هذا الافراط ، فقال : كل سليم السند يعمل به ، وغيره لا يعمل به ، وما علم ان الكاذب قد يصدق ، والفاسق قد يصدق ، ولم يتنبه ان ذلك طعن في علماء الشيعة وقدح في المذهب إذ لا مصنف الا وهو قد يعمل بخبر المجروح كما يعمل بخبر المعدل ، وافراط آخرون في طرف رد الخبر حتى احال استعمال عقلا ونقلا ، واقتصر آخرون فلم يروا العقل مانعا لكن الشرع لم يأذن في العمل به ، وكل هذه الاقوال منحرفة عن السنن ، والتوسط أصوب ، فما قبله الاصحاب أو دلت القرائن على صحته عمل به ، وما أعرض الاصحاب عنه أو شذ يجب اطراحه ( 1 ) . وقال المحقق في بيان منع العمل بمطلق خبر الواحد : لا يقال : الامامية عاملة بالاخبار ، وعملها حجة لانا نمنع ذلك فان اكثرهم يرد الخبر بأنه واحد ، وبأنه شاذ ، فلولا استنادهم مع الاخبار الى وجه يقتضي العمل بها لكان عملهم اقتراحا ، وهذا لا يظن بالفرقة الناجية . وقال المحقق في كتابه في الاصول ( 2 ) : ذهب شيخنا أبو جعفر الصدوق الى العمل

* ( هامش ) *

1 - وله ذيل يشتمل على تعليل الدليل وهو قوله : لوجوه احدها انه مع خلوه عن المزية ( الى آخر ما قال ) فمن اراده فليراجع الكتاب ص 6 ، أو الفوائد ص 15 . واشار إليه ايضا الامين الاسترابادي ( ره ) في الفوائد في كلام له ( ص 50 ) : " وكذلك المحقق الحلي قدس سره تكلم باصطلاح القدماء في العبارة التي تقدم نقلها عن كتاب المعتبر حيث اختار في العمل بخبر الواحد ما اختاره رئيس الطائفة بعينه حيث قال : والتوسط اصوب ( الى آخر ما قال ) .
2 - انظر ص 88 من نسخة معراج الوصول الى علم الاصول المطبوعة بطهران سنة 1310 ونقله الامين الاسترابادي ( ره ) في الفوائد المدنية قائلا ما نصه : " وذكر المحقق الحلي في الاصول وما رأيت في اصول اصحابنا كتابا قريبا الى الحق بعد كتاب العدة لرئيس الطائفة الا اياه وهو في الحقيقة اختصار كتاب العدة مع بعض زيادات وايرادات من قبله رجع عنها في اوائل كتاب المعتبر ووافق رئيس الطائفة بعد ان خالفه ونعم الوفاق : ذهب شيخنا أبو جعفر رحمه الله الى العمل ، ( الى آخر ما قال ، ) انظر ص 83 من الفوائد وايضا ص 62 منه . ( * )

/ صفحة 63 /ـــــــــــــــــ

بخبر العدل من رواة أصحابنا لكن لفظه وان كان مطلقا فعند التحقيق يتبين انه لا يعمل بالخبر مطلقا بل بهذه الاخبار التي رويت عن الائمة عليهم السلام ودونها الاصحاب لا ان كل خبر يرويه امامي يجب العمل به ويدعى اجماع الاصحاب على العمل بهذه الاخبار حتى لو رواها غير الامامي وكان الخبر سليما من المعارض واشتهر نقله في نقله في هذه الكتب الدائرة بين الاصحاب عمل به . وقال الشهيد في الذكرى في خبر الواحد ( 1 ) : وانكره جل الاصحاب كأنهم يرون ان ما بأيديهم متواتر ، أو مجمع على مضمونه وان كان في حيز الاحاد . وتمام القول في هذا المقام يأتي في الاصل السادس ان شاء الله تعالى . فصل قال بعض الفضلاء ( 2 ) : للصحيح عند القدماء ثلاثة معان ، احدها ما قطع بوروده عن المعصوم . والثاني ذلك مع قيد زايد وهو ان لا يظهر له معارض اقوى منه في باب العمل . والثالث ما قطع بصحة مضمونه في الواقع وانه حكم الله في الواقع ولو لم يقطع بوروده عن المعصوم ، وكذا للضعيف عندهم ثلاثة معان في مقابلها . اقول : وأما المتأخرون فالصحيح عندهم : ان يكون رواته كلهم اماميين موثقين ، فان كانوا اماميين ولكنهم ممدوحون بغير التوثيق كلا أو بعضا مع توثيق الباقي سمى حسنا ، وان كانوا كلهم موثقين ولكنهم غير اماميين كلا أو بعضا يسمى موثقا ، وغير الثلاثة يسمى ضعيفا ، ومنهم من يسمى غير الاولين ضعيفا ، وللضعيف اقسام كثيرة كالمرسل والمرفوع وغيرهما .

* ( هامش )
1 - انظر مبحث السنة وهو الفصل الثاني من اوائل الذكرى ص 4 . 2 - يريد به الامين الاسترابادي ( ره ) والكلام مذكور في الفوائد المدنية ( انظر ص 177 ) . ونظيره قوله الاخر " ان اخبار كتب قدمائنا ( الى ان قال ) لا تخلو من اقسام ثلاثة ( انظر ص 50 ) ونظيره في ص 67 . ( * )

/ صفحة 64 /ــــــــــــــ

وليعلم ( 1 ) ان من الرواة المخصوصين ببعض من الائمة المعصومين عليهم السلام من يعلم من ظاهر حاله انه لا يسأل شيئا من الاحكام بحيث يعتقده ويرويه الا عن ذلك الامام ( ع ) لثقته وجلالة قدره كزرارة ومحمد بن مسلم المخصوصين بأبي جعفر محمد بن علي الباقر ( ع ) وابي عبد الله جعفر بن محمد الصادق ( ع ) وعلي بن مهزيار المخصوص بالرضا ( ع ) واضرابهم فمن هذا شأنه فمضمراته في قوة المصرحات لتعين المسؤول عنه فلا يخرج بذلك عن الصحاح ، بل قيل : " يستفاد من كتب المتقدمين ان الاضمار في مثل هذه الاحاديث انما يحصل من قطع الاخبار بعضها من بعض فان الراوي كان يصرح باسم الامام الذي يروي عنه في اول الروايات ثم قال : وسألته عن كذا ، الى ان يستوفي الروايات التي رواها عن ذلك الامام ( ع ) ، فلما حصل القطع توهم الاضمار فيجب التنبه لذلك . ومنهم من يروي حديثا عن احد بغير واسطة تارة ويروي ذلك الحديث بعينه عن ذلك المروي عنه بواسطة اخرى وقد يظن ان ذلك يوجب الاضطراب فيه لانه غير جازم بانه ممن يروى ؟ فيجب ان يرد حديثه ، وانت تعلم ان تعدد سماعه ممكن فلم لا يجوز ان يكون سماعه عنه تارة على سبيل المشافهة وتارة على سبيل النقل

* ( هامش ) *
1 - ذكر المصنف ( ره ) ما يقرب منه في المقدمة الثانية من الوافي بهذه العبارة : " توقيف - اعلم ان اضمار الحديث من الثقات المشهورين من اصحاب الائمة عليهم - السلام ليس طعنا في الحديث ، إذ قد يكون ذلك اعتمادا على القرينة ، وقد يكون للتقية ، وقد يكون لقطع الاخبار بعضها عن بعض ، فان الراوي كان يصرح باسم الامام الذي يروي عنه في اول الروايات ثم قال : وسألته عن كذا ، وسألته عن كذا ، الى ان يستوفي الروايات التي رواها عن ذلك الامام عليه السلام فلما حصل القطع توهم الاضمار ، وكذلك الرواية عن احد تارة بواسطة واخرى بدونها لا توجب الاضطراب في الرواية لجواز تعدد سماعه ، واما رواية الحديث تارة على وجه واخرى على وجه آخر مخالفا له فهي توجب الاضطراب وعدم الاعتماد ( الى آخر ما قال ) " . ( * )

/ صفحة 65 / ــــــــــــ

فهذا غير موجب للرد وقد يشتمل بعض طرق الحديث على من تغير حاله من الاستقامة ، اما بانتحال المذاهب الفاسدة أو ظهور الكذب منه ، أو طروء الاختلال عليه بعد ان كان ثقة مستقيما فهذا لا يقدح في صحة الحديث إذا علم انه رواه في حال استقامته . ثم ليعلم ان اعتبار الصحة والضعف انما يجري فيما يتعلق من الاخبار بنحو فرائض العبادات وأحكام الحلال والحرام دون ما يتعلق بأصول الدين فانها معلومة بأدلة العقل أو مقرونة بها الا نادرا ، وما يتعلق منها بنحو القصص والمواعظ وفضائل الاعمال إذ ليس في المواعظ والقصص غير محض الخير ، والعلماء المحققون يتساهلون كثيرا في ادلة السنن والاصل في ذلك ما رواه الخاصة والعامة عن النبي ( ص ) انه قال : من بلغه عن الله فضيلة فأخذها وعمل بما فيها ايمانا بالله ورجاء ثوابه أعطاه الله تعالى ذلك وان لم يكن كذلك ، وروى هشام بن سالم بسند حسن عن ابي عبد الله جعفر بن محمد الصادق ( ع ) انه قال ( 1 ) : من سمع شيئا من الثواب على شئ فصنعه كان له أجره وان لم يكن على ما بلغه ، وفي معناها روايات اخر ، وهي متلقاة بالقبول عند الاصحاب وقد اشتهر العمل بمضمونها بينهم وعلى هذا فالعمل بالاخبار الضعيفة في أدلة فضائل الاعمال ليس العمل بها بمضمونها بينهم وعلى هذا فالعمل بالاخبار الضعيفة في أدلة فضائل الاعمال ليس العمل بها حقيقة بل بهذا الحديث الحسن المشتهر المعتضد بالروايات الاخر وبشواهد العقل كمالا يخفى .

على
03-06-2004, 10:50 AM
بسمه تعالى
جزاكم الله خيراً سماحة الشيخ على ما تفضلتم به ..
ولي ملاحظة على كلام البهبهاني وهي لماذا لم يوجه كلامه الى من أبدع علم الاصول واقتبسه من العامة المتهمين بمخالفة أهل البيت والاستغناء عنهم. وأن الاجتهاد وعلم الاصول ظهر في فترة متأخرة عن زمن المعصومين وعن الفقهاء الاوائل. وهل محاولة تجديد محاولة الرجوع الى المعصوم والى طريقة اصحابهم الاوائل هي من المبتدعات والضلالات بينما طريقة الاصول المستحدثة هي من الاوليات .
فالحمد لله الذى فضحهم وكشف زيفهم وكذبهم , ونسأل الله بمحمد وآل محمد صلوات الله عليهم أجمعين أن يهدينا ويهديهم جميعاً إلى صراطه المستقيم ..
وأكرر رجائي وأمنيتي بأن يتم على موقعكم الكريم نشر مؤلفات المحدث الأسترابادي والمحدث الكاشاني والشهيد السعيد محمد بن عبد النبي الآخباري وأمثالهم من العلماء الأفاضل ولو عن طريق التصوير الضوئي إن أمكن إن شاء الله .

رد المدرسة
05-06-2004, 08:51 PM
بسمه تعالى
إن شاء الله تعالى سنسعى جاهدين لأن نحقق لكم هذه الأمنية لكن بعد توفر الإمكانيات والوقت الكفيل بتحقيق ذلك.