View Full Version : حجية ظواهر الكتاب الكريم
موالي أهل البيت
29-04-2009, 04:02 AM
حجية ظواهر الكتاب الكريم
ذهب جماعة من العلماء إلى استثناء ظواهر الكتاب الكريم من الحجية، وقالوا: بأنه لا يجوز العمل فيما يتعلق بالقرآن العزيز، إلا بما كان نصاً في المعنى أو مفسراً تفسيراً محدداً من قبل النبي (ص) أو المعصومين من آله عليهم الصلاة والسلام.
وقد يستدل على ذلك بما يلي:
الدليل الأول قوله تعالى: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله..).
فإنه يدل على النهي عن اتباع المتشابه، وكل ما لا يكون نصاً فهو متشابه لتشابه محتملاته في علاقتها باللفظ، سواء كان اللفظ مع أحدها أقوى علاقة أو لا.
والجواب من وجوه:
الأول: إن اللفظ الظاهر ليس من المتشابه، إذ لا تشابه ولا تكافؤ بين معانيه في درجة علاقتها باللفظ، بل المعنى الظاهر متميز في درجة علاقته، وعليه فالمتشابه يختص بالمجمل.
الثاني: لو سلمنا أن الظاهر من المتشابه، فلا نسلم أن الآية الكريمة تنهى عن مجرد العمل بالمتشابه، وإنما هي في سياق ذم من يلتقط المتشابهات، فيركز عليها بصورة منفصلة عن المحكمات ابتغاء الفتنة، وهذا مما لا إشكال في عدم جوازه حتى بالنسبة إلى ظواهر الكتاب، فمساق الآية مساق قول القائل ان عدوي يحاول أن يبرز النقاط الموهمة من سلوكي، ويفصلها عن ملابساتها التي توضح سلوكي العام.
الثالث: ما قد يقال: من أن الآية ليست نصاً في الشمول لظاهر ا لكتاب، وإنما هي ظاهرة ـ على أكثر تقدير ـ في الشمول، وهذا الظهور يشمله النهي نفسه فيلزم من حجية ظاهر الآية في إثبات الردع عن العمل بظواهر الكتاب الكريم نفي هذه الحجية.
الدليل الثاني: الروايات الناهية عن الرجوع إلى ظواهر القرآن الكريم، ويمكن تصنيفها إلى ثلاث طوائف.
الأولى: ما دل من الروايات على أن القرآن الكريم مبهم وغامض قد استهدف المولى إغماضه وإبهامه لأجل تأكيد حاجة الناس إلى الحجة، وأنه لا يعرفه إلا من خوطب به، وأن غير المعصوم لا يصل إلى مستوى فهمه.
وهذه الطائفة يرد عليها:
أولاً: ان رواياتها جميعاً ضعيفة السند، بل قد يحصل الاطمئنان بكذبها نتيجة لضعف رواتها، وكونهم في الغالب من ذوي الاتجاهات الباطنية المنحرفة على ما يظهر من تراجمهم. مع الالتفات إلى أن إسقاط ظواهر الكتاب الكريم عن الجدية أمر في غاية الأهمية. فلو كان الأئمة بصدد بيانه، لما أمكن عادة افتراض اختصاص هؤلاء الضعاف بالاطلاع على ذلك والإخبار عنه دون فقهاء أصحاب الأئمة الذين عليهم المعول، وإليهم تفزع الشيعة في الفتوى والاستنباط بأمر الأئمة وإرجاعهم.
وثانياً: ان هذه الروايات معارضة للكتاب الكريم الدال على انه نزل تبياناً لكل شيء وهدى وبلاغاً، والمخالف للكتاب من أخبار الآحاد لا يشمله دليل حجية خبر الواحد.
الطائفة الثانية: ما دل من الروايات على عدم جواز الاستقلال في فهم القرآن عن الحجة. وهذه لا تدل على عدم جواز العمل بظاهر الكتاب بعد الفحص في كلمات الأئمة وعدم الظفر بقرينة على خلاف الظاهر، لأن هذا النحو من العمل ليس استقلالاً عن الحجة في مقام فهم القرآن الكريم.
الطائفة الثالثة: ما دل من الروايات على النهي عن تفسير القرآن بالرأي، وإن من فسر القرآن برأيه فقد كفر.
وقد أجيب على الاستدلال بها، بأن حمل اللفظ على معناه الظاهر ليس تفسيراً لأن التفسير كشف القناع، ولا قناع على المعنى الظاهر، وقد يقال إن هذا الجواب لا ينطبق على بعض الحالات حينما يكون الدليل مشتملاً على ظواهر اقتضائية عديدة متضاربة، على نحو يحتاج تقدير الظهور الفعلي المتحصل من مجموع تلك الظواهر بعد الموازنة والكسر والانكسار، إلى نظر وإمعان، فيكون لوناً من كشف القناع.
ولهذا نرى أن الفقهاء قد يختلفون في فهم دليل: فيفهم بشكل من فقيه، ويأتي فقيه آخر فيبرز نكتة من داخل الدليل تعين فهمه بشكل آخر على أساس ما تقتضيه تلك النكتة من ظهور.
فالأحسن الجواب:
أولاً: بأن كلمة الرأي منصرفة ـ على ضوء ما نعرفه من ملابسات عصر النص، وظهور هذه الكلمة كمصطلح وشعار لاتجاه فقهي واسع ـ إلى الحدس والاستحسان، فلا تشمل الرأي المبني على قريحة عرفية عامة.
وثانياً: إن إطلاق الروايات المذكورة للظاهر لا يصلح أن يكون رادعاً عن السيرة على العمل بالظواهر، سواء أريد بها السيرة العقلائية أو سيرة المتشرعة.
أما الأولى فلأن الردع يجب أن يتناسب حجماً ووضوحاً مع درجة استحكام السيرة.
وأما الثانية، فلأننا إذا ادعينا أن سيرة المتشرعة من أصحاب الأئمة كانت على العمل بظواهر الكتاب ـ وإلا لعرف الخلاف عنهم ـ فنفس هذه السيرة تثبت عدم صلاحية الاطلاق المذكور للردع، بل تكون مقيدة له.
ومما يدفع به الاستدلال بالروايات المذكورة عموماً ما دل من الروايات على الأمر بالتمسك بالقرآن الكريم الصادق عرفاً على العمل بظواهره، وعلى إرجاع الشروط إليه، وإبطال ما كان منها مخالفاً له. فإن المخالفة إن كان المرد بها المخالفة للفظه، فتصدق على مخالفة ظاهره، وإن كان المراد بها المخالفة لواقع مضمونه، فمقتضى الإطلاق المقامي إمضاء ما عليه العرف من موازين في استخراج المضمون، فيدل على حجية الظهور.
وأوضح من ذلك ما دل على طرح ما ورد عنهم عليهم السلام على الكتاب والإحجام عن العمل بما كان مخالفاً له، فإنه لا يحتمل فيه أن يراد منه المخالفة للمضمون القرآني المكتشف بالخبر، لأنه بصدد بيان جعل الضابط لما يقبل وما لا يقبل من الخبر، كما انه لا يحتمل اختصاص المخالفة فيه بالمخالفة للنص لندرة الخبر المخالف للنص، وكون روايات طرح المخالف ناظرة إلى ما هو الشائع من المخالفة.
فإن قدمت هذه الروايات الدالة على حجية ظواهر الكتاب على الروايات التي استدل بها على نفي الحجية فهو، وإن تكافأ الفريقان فعلى الأقل يلتزم بالتساقط، ويقال بالحجية حينئذ. لأن الردع غير ثابت فتثبت الحجية بالسيرة العقلائية بصورة مستقلة، أو بضم استصحاب مفادها الثابت في صدر الشريعة.
الدليل الثالث: ومرده إلى إنكار الظهور بدعوى أن القرن الكريم مجمل، أما لتعمد من الله تعالى في جعله مجملاً لتأكيد حاجة الناس إلى الإمام، وأما لاقتضاء طبع المطلب، ذلك لأن علو المعاني وشموخها يقتضي عدم تيسرها للفهم.
والجواب على ذلك: أن التعمد المذكور على خلاف الحكمة من نزول القرآن، وربط الناس بالإمام فرع إقامة الحجة على أصل الدين المتوقفة على فهم القرآن وإدراك مضامينه، كما أن شموخ المعاني وعلوها ينبغي أن لا يكون على حساب الهدف من بيانها، ولما كان الهدف هداية الانسان، فلا بد أن تبين المعاني على نحو يؤثر في تحقق هذا الهدف، وذلك موقوف على تيسير فهمه.
فالصحيح ان ظواهر الكتاب الكريم حجة كظواهر السنة.
-------------------------------
المصدر: دروس في علم الأصول ـ الحلقة الثانية للسيد محمد باقر الصدر
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على محمد وآله الطاهرين
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الأخ موالي أهل البيت
أتمى أن تراجع بخصوص العمل بظواهر القرآن ـ ومن ثم تقارن بينه وبين ما نقلته ـ ما كتبه خريت فن الحديث الفقيه المحدث الشيخ الحر العاملي صاحب وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة, في كتبه القيم الفوائد الطوسية, حيث قال رحمه الله:
الفوائد الطوسية، ص: 163
فائدة (48) [في العمل بظواهر القرآن]
رأيت في بعض مصنفات المعاصرين استدلالا على جواز العمل في الأحكام النظرية بظواهر القرآن المحتملة لوجوه متعددة: من النسخ، و لتقييد و التخصيص و التأويل و غير ذلك و ان لم يرد نص في موافقة مضمونها عنهم عليهم السّلام و لا في تفسيرها منهم و لما رأيت ذلك خلاف النصوص المتواترة أحببت نقلها و الجواب عنها.
فنقول: عرف المعاصر أولا النص بأنه اللفظ الدال على معنى راجح لا يحتمل النقيض، و عرف الظاهر بأنه اللفظ الدال على أحد محتملاته دلالة راجحة لا ينتفي معها الاحتمال ثم استدل على جواز العمل بالظاهر بوجوه.
الأول: قوله تعالى فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَ الرَّسُولِ «1» و الرد الى اللّه هو الرد الى محكم كتابه كما جاءت به الرواية.
الثاني: قوله تعالى هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ الاية «2» ذمهم على اتباع المتشابه دون المحكم فلو كان المحكم مثله لم يكن كذلك.
الثالث: قوله تعالى أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها «3» ذم
الفوائد الطوسية، ص: 164
على ترك تدبره و لا ريب ان المراد بذلك الحث على العمل بمقتضاه إذ الشيء انما يكون مطلوبا لغايته.
الرابع: قوله تعالى بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ «1» فالغرض منه وضوح المعنى.
الخامس: قوله تعالى لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ «2» فاثبت العلماء استنباطا و معلوم انه وراء المسموع منهم (ع).
السادس: أمر بالأخذ به في الحديث المشهور على الإطلاق خرج منه المتشابه بالإجماع و بقي ما عداه.
السابع: الأمر بعرض الحديث المشكوك في صحته عليه.
الثامن: التوبيخ على ترك العمل به كما رواه ابن بابويه عن الصادق عليه السّلام في جواب من قاله له ان لي جيرانا يتغنين و يضربن بالعود فربما دخلت المخرج فأطيل الجلوس استماعا منى لهن فقال له الصادق عليه السّلام باللّه أنت أما سمعت اللّه عز و جل يقول إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا «3».
التاسع: تعليم الاستدلال به كقول الباقر عليه السّلام لزرارة في صحيحة المشهورة لمكان الباء و قول ابى عبد اللّه عليه السّلام في رواية عبد الا على مولى آل سام حيث قال له عثرت فانقطع ظفري فجعلت على إصبعي مرارة فكيف اصنع بالوضوء قال تعرف هذا و أشباهه من كتاب اللّه قال اللّه تعالى ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ امسح عليه «4».
العاشر: وقوع الاحتجاج به في كلام الرواة و أقرهم عليه الأئمة على ذلك
الفوائد الطوسية، ص: 165
مثل قول زرارة و محمد بن مسلم للباقر عليه السّلام انما قال اللّه لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ و لم يقل افعلوا فكيف أوجب ذلك.
الحادي عشر: قول على عليه السّلام في وصف القرآن ظاهره أنيق و باطنه عميق «1» و معنى الأنيق الحسن المعجب فالظاهر غير بعيد من الفهم فيجب التعلق به لعدم المانع الثاني عشر: قوله عليه السّلام الا أن يؤتى عبد فهما في القرآن و لو لم يكن إلا الترجمة المنقولة منهم فما فائدة ذلك الفهم؟!.
الثالث عشر: ما رواه الكليني في الكافي و غيره عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله قال للقرآن ظهر و بطن فظاهره حكم و باطنه علم ظاهره أنيق و باطنه عميق له تخوم و على تخومه تخوم «2».
الرابع عشر: قوله عليه السّلام جعله اللّه ريا لعطش العلماء و ربيعا لقلوب الفقهاء، و محاج لطرق الصلحاء، و شاهدا لمن خاصم به، و حاملا لمن حمله و مطية لمن أعمله و آية لمن توسم، و جنة لمن استسلم و علما لمن وعى، و حديثا لمن روى و حكما لمن قضى «3».
الخامس عشر: قول فاطمة (ع) في خطبتها للّه عهد قدمه إليكم و بقية استخلفها عليكم كتاب اللّه بينة بصائره و آي منكشفة سرائره، و برهان متجلية ظواهره «4».
السادس عشر: ان سد باب الظواهر يقطع الحجج على العامة فيما ابتدعوا من غسل الرجلين في الوضوء و نحوه.
هذا ما استدل به المعاصر على ذلك ثم اعترض على نفسه بان كثيرا ما يدل الاية على شيء بحسب الظاهر و يفسرها الأئمة عليهم السّلام بأمر غيره.
الفوائد الطوسية، ص: 166
و أجاب بأنه لا محذور في ذلك إذ إرادة المعنى الظاهري لا ينافي إرادة المعنى الباطني.
ثم اعترض أيضا على نفسه بان قال يتطرق القدح الى الاستدلال بالآيات المذكورة بأن يقال انها دالة على وجوب اتباع المحكم و ذم اتباع المتشابه و نحن في شك من دخول الظاهر في المحكم لإمكان دعوى الخصم كونه من المتشابه بل ربما صرح بذلك ثم استدل على دخول الظاهر في المحكم بأمور.
الأول: ما دل على جواز العمل بالظاهر دل على كونه محكما إذ لو كان متشابها لما جاز العمل به.
الثاني: لو لم يكن الظاهر من المحكم لوجب أن يكون من المتشابه و اللازم باطل لان المتشابه المتماثل الذي لا يمتاز عن صاحبه إلا في يسير من المخالفة كما قالوه في قوله وَ أُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً و الظاهر راجح فلا يشابه المرجوح و اعترض بان الاشتباه لعله من جملة الإرادة خصوصا في العام فإنه ما من عام الا و قد خص.
و أجاب بأنه يجب الفحص و مع عدم الظفر يترجح انتفاءه و اعترض بان التمسك بالعام مشروط بالقطع لعدم المخصص و عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود.
و أجاب بأن اللازم من ذلك تعطيل أكثر الأدلة.
الثالث: بما روى عن الصادق عليه السّلام و قد سئل عن القرآن و الفرقان أ هما شيء واحد فقال: القرآن جملة الكتاب و الفرقان المحكم الواجب العمل به «1» و اعترض بأنه قيد للتخصيص فالذي يجب العمل به بعض المحكم لا الجميع و أجاب بأن اللازم من ذلك تقسيم المحكم الا ما يعمل به و هو باطل قطعا.
الرابع: قول الرضا عليه السّلام من رد متشابه القرآن إلى محكمه فقد هدى الى
الفوائد الطوسية، ص: 167
صراط مستقيم «1» و المراد به رد العام الى الخاص كرد المجمل الى المبين لكن ذلك لا يخرجه من الدلالة على بقية العموم و الا فلا فائدة في الرد.
الخامس: ان الأمر الوارد باتباع المحكم يقتضي كون الظاهر منه لندرة النص بالنسبة إليه.
السادس: لا وجه لجعل الظواهر من الكتاب من المتشابه و من اخبار أهل البيت من المحكم لأنها لو كانت من المحكم كانت منه في كليهما و ان كانت من المتشابه كانت منه في كليهما.
و قد ورد عن الرضا عليه السّلام ان في أخبارنا متشابها كمتشابه القرآن و محكما كمحكم القرآن فردوا متشابهها الى محكمها و لا تتبعوا متشابهها دون محكمها فتضلوا «2»:
السابع: ان المشهور في تفسير المحكم وجوه.
الأول: انه ما اتضح معناه و ظهر لكل عارف باللغة.
الثاني. انه ما كان محفوظا من النسخ.
الثالث: ما كان محفوظا من التخصيص.
الرابع: ما كان محفوظا منهما.
الخامس: ما كان متضمنا لترتيب الإفادة اما مع تأويل أو بدونه و الظواهر من المحكم لإيضاح معناها و لأنه لا يعمل بها الا بعد التفحص عن الناسخ و المخصص و ظن عدمهما، ثم اعترض على نفسه بان المحكم هو المضبوط المتيقن و لا شيء من الألفاظ كذلك سوى النص، و عرفه بعضهم بأنه ما لا يحتمل من التأويل إلا وجها واحدا.
و أجاب بأن الواجب في كلام الشارع حمله على المعاني الشرعية ثم نقل
الفوائد الطوسية، ص: 168
عنهم عليهم السّلام انهم قالوا: المنسوخات من المتشابهات و المحكمات من الناسخات و قال: هذا شامل للنص فإن أريد به غير المنسوخ فهو شامل للظاهر المحفوظ من النسخ المطابق للحق و اعترض بان رد المحكم الى المتشابه انما يكون بالتأويل و التأويل فيه يختص علمه باللّه أو يختص بالأئمة (ع) على القرائتين بالوقف على الا اللّه.
و أجاب بأن المروي العطف و الحمل قولهم نحن الراسخون على كمال الرسوخ فيه و ان كان مجازا يدل عليه أمرهم بردّ المحكم الى المتشابه ثم نقل عن المانعين انهم احتجوا بالأخبار الواردة بالنهي عن التفسير القرآن إلا بالأثر و أجاب عنها عين محل النزاع إذا التفسير مخصوص ببيان غير الظاهر كالمجمل و المشترك و لا ريب في افتقار مثله الى النص و الأثر و الاجتراء على القول فيه بغيرهما افتراء على اللّه و قول عليه بغير علم فيكون باطلا بالعقل و النقل انتهى كلام المعاصر و هو ظاهر الضعف.
و الجواب عن الآيات المذكورة من وجوه.
أحدها: ان الاستدلال بها دوري لأنه استدل بالقرآن على العمل بالقرآن و كونه دور واضح و حجية الدليل هنا موقوفة على حجية المدلول و بالعكس.
و ثانيها: انه دوري من وجه آخر و هو انه استدلال بالظاهر على العمل بالظاهر و فساده واضح.
و ثالثها: انه دوري باعتبار آخر و هو ان هذه الظواهر تفيد الظن و الظواهر المستدل عليها كذلك فهو استدلال على الظن بالظن و قد اعترف الأصوليون بأن القرآن ظني الدلالة قطعي المتن و ان الحديث بالعكس.
و رابعها: ان هذه الظواهر تفيد الظن كما قلناه و كما اعترفوا به لتوقف دلالتها على عدم النسخ و التخصيص و التقييد و التأويل و غير ذلك و النصوص الدالة على النهى عن العمل بالظن من الكتاب و السنة كثيرة و قد خصها الأصوليون
الفوائد الطوسية، ص: 169
بالأصولين فكيف يجوز لهم الاستدلال بدليل ظني في الأصول و هم لا يقولون بجوازه.
و خامسها: انه لا نزاع في وجوب العمل بالقرآن و انما الكلام في جواز العمل به من غير نص من الأئمة عليهم السّلام في تفسيره موافقة ظاهره و نفى النسخ و التقييد و التخصيص و التأويل و نحوه و لا دلالة لهذه الآيات على جواز العمل بالظواهر من غير نص يوافقها من الحديث و من غير ورود تفسيرها عنهم عليهم السّلام بل هي قابلة للتقييد بذلك و النصوص الدالة على اشتراط ما قلناه كثيرة متواترة قد جمعنا منها في محل آخر ما يزيده على مائة و عشرين «1» حديثا يشتمل على تصريحات و مبالغات و عبارات لا تحتمل التأويل أصلا.
و سادسها: ان الآيات المذكورة محتملة للاحتمالات السابقة و الآتية و غيرها و قد تقررانه إذا قام الاحتمال بطل الاستدلال.
و سابعها: انها معارضة بالاية التي يأتي ذكرها و ما أجبتم به فهو جوابنا هنا و لعل تلك الآيات محكمة و هذه متشابهة أو تلك ناسخة و هذه منسوخة مع انه لا يرد هناك اعتراض بالدور و نحوه لأنه دليل إلزامي لكم بما تعتقدونه مع وجود الأحاديث المتواترة الصريحة في موافقة مضمونها و ارادة ظاهرها و تلك الأحاديث غير محتملة للتقية بخلاف المذكورة في الاستدلال.
و ثامنها: ان الاستدلال بهذه الآيات موقوف على ثبوت كونها محكمة غير متشابهة و لا منسوخة و لا مؤولة الى غير ذلك و لا سبيل اليه.
و تاسعها: انه لا دلالة في شيء من الآيات المذكورة على المطلوب بل هي دالة على نقيضه.
أما الأولى: فإنما تضمنت الأمر بالرد الى اللّه و الرسول معا عند التنازع كما تدل عليه الواو العاطفة و لا دلالة لها على الاكتفاء بالرد إلى أحدهما و ذلك
الفوائد الطوسية، ص: 170
مطلوبنا لا مطلوبكم فان كل آية تحتمل وجوها كثيرة من النسخ و غيره و لا بد من التفحص عن ذلك و لا يتم الا بوجود نص صحيح صريح في معناها عن الرسول أو عن الامام فالآية مطلقة مطابقة لما ندعيه نهاية المطابقة.
و قد تواترت الاخبار عنهم عليهم السّلام بوجوب العمل بالكتاب و السنة و العطف بالواو هنا أيضا يدل على ما قلناه.
ثم ان هذه الآية معارضة على تقديران يراد بها ما قلتم بآيات أوضح منها دلالة و أعظم مبالغة و هي قوله تعالى فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ «1».
و ليس فيها تقييد بوجود آية موافقة لقوله و كذا قوله تعالى وَ ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا «2» و قوله تعالى لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ «3» و قوله تعالى لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ «4» و قوله تعالى وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ «5» و قوله تعالى:
قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي «6» الى غير ذلك من الآيات التي يؤيدها النصوص المتواترة و الأدلة العقلية الدالة على وجوب الرجوع الى النبي و الامام و حجية قولهما مطلقا فظهران الآية دالة على خلاف مطلوب المعاصر.
و أما الثانية: فهي كذلك أيضا تدل على مطلوبنا لا على مطلوب المستدل لأنها صريحة في ان في القرآن محكما و متشابها و ان له تأويلا لا يعلمه الا اللّه و الراسخون في العلم.
الفوائد الطوسية، ص: 171
و قد تواترت النصوص عنهم عليهم السّلام بذلك و صرحت بأنه لا يعلم المحكم و المتشابه و الناسخ و المنسوخ و التأويل و نحو ذلك غيرهم عليهم السّلام و ذلك غير محتاج الى النص أيضا لظهور ان كثيرا من الآيات يحصل الشك فيها عند العلماء أنها محكمة أو متشابهة و خصوصا مع ما ذكره المعاصر و غيره من العلماء من اعتبار قيد عدم النسخ و التخصيص و التقييد و نحوها في المحكم.
و قد ورد به النص الصحيح عنهم عليهم السّلام فتبين انه ما من آية الا و هي تحتمل ان تكون متشابهة لاحتمال كونها منسوخة و دلالة الروايات على ان المنسوخات من المتشابهات فلا بد من انضمام قول الرسول أو الإمام عليهما السّلام ليحصل الأمر من ذلك و الآيات السابقة و الأحاديث المشار إليها سابقا دالة على ذلك نصا صريحا لا يقدر على دفعه منصف.
ثم قوله: ذمهم على اتباع المتشابه دون المحكم، فيه أولا: انه انما ذمهم على اتباع المتشابه مع إرادة الفتنة و ارادة تأويله فيكون الذم مقيدا بثلاثة أشياء فكيف يجعله شاملا للأول بانفراده أو لاثنين مع فقد الثالث.
و ثانيا: ان الآية لا تدل على نفى الواسطة بين المحكم و المتشابه و لا فيها شيء من أدوات الحصر لأنه قال فيه آيات محكمات و أخر متشابهات و لعل هناك واسطة أو وسائط متعددة فلا بد من دليل الحصر.
و يحتمل كون الظواهر خارجة عن القسمين أو يكون بعضها من المحكم و بعضها من المتشابه فلا بد من التمييز و كل ذلك واضح و النصوص متواترة في ان المراد بالراسخين في العلم في هذه الآية الأئمة عليهم السّلام.
و اما الثالثة: فلا تدل على خلاف مطلبنا بل هي مؤيدة له و ذلك ان ما قبلها و ما بعدها خطاب للكفار بل جميع السورة من أولها إلى آخرها متعلقة بالأصول من التوحيد و النبوة و المعاد و بعض الضروريات من الفروع كالجهاد و ذم الدنيا.
و من المعلوم ان هذه المطالب و أمثالها: لها أدلة عقلية قطعية و لها نصوص
الفوائد الطوسية، ص: 172
نقلية متواترة فالآيات الواردة في مثل ذلك يجوز العمل بها لورود ما يوافقها و حصول الأمن من كونها منسوخة و العمل هنا بالآيات مع الأدلة العقلية و النقلية و هذا غير محل النزاع و لا اشعار لها بجواز استنباط الأحكام النظرية من الآيات التي لم يرد نص يوافقها أصلا و هذه الآية موجودة في سورة محمد صلى اللّه عليه و آله و قد عرفت الكلام فيها و هي موجودة أيضا في سورة النساء.
و الأمر فيها أيضا كذلك لان ما قبلها و ما بعدها يتعلق بالأصول على انها هناك صريحة في مطلبنا لأنها هكذا أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَ لَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً وَ إِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ الاية «1».
و قد ظهر منها توقف الاستنباط من القرآن على الرد الى الرسول و الأئمة عليهم السّلام بالنص و أيضا فظاهر الآية ان ضمير يتدبرون عائد إلى الكفار المذكورين سابقا المنكرين للنبوة و المعاد فلعلهم أمروا بالتدبر للقرآن ليفهموا ما فيه من الأدلة العقلية الدالة على نبوة محمد صلى اللّه عليه و آله و على صحة المعاد.
أو لعلهم أمروا بالتدبر ليعلموا ان القرآن معجز دال على صدق الذي جاء به فيؤمنوا و يطيعوا أو ليعلموا عدم الاختلاف فيه فيعلموا انه ليس من كلام البشر كما يفهم من سورة النساء على ان الأمر بالتدبر لا يستلزم وجوب الجزم بإرادة ظاهر القرآن [و نفى النسخ و نحوه عنه بل لا يستلزم فهم القرآن] كما هو معلوم من أكثر الآيات قد تدبرها العلماء و عجزوا عن فهمها و الفهم لا يستلزم وجوب العمل لإمكان كونه موقوفا على شرط آخر و هو الذي ذكرناه سابقا و لا تستلزم جواز الاستنباط منه من غير نص، و لا يخفى على منصف ان التدبر لا يدل على جواز الاستنباط و لا على العمل بالظاهر بشيء من الدلالات على الظواهر المبحوث عنها لا يحتاج فهمها الى تدبر
الفوائد الطوسية، ص: 173
و عند أكثر العارفين بلغة العرب فتعين توجه الأمر بالتدبر الى غيرها فلا دلالة للاية على المطلوب.
و اما الرابعة: فالاستدلال بها غلط لان الظاهر منها ان الرسول صلى اللّه عليه و آله ينذر الناس بلسان عربي مبين لأنه قال نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ «1» فيجوز كون الجار متعلقا بالمنذرين بل هذا أقرب فلا يكون فيه دلالة على مطلب المعاصر لأنه ليس صفة للقرآن بل للسان الرسول صلى اللّه عليه و آله فيدل [على] مطلبنا و على تقدير كونه وصفا للقرآن لا دلالة فيه لان لفظ مبين صفة للسان أو عربي و من المعلوم ان اللسان العربي من شأنه أن يبين المعاني و يدل عليها دلالة أبلغ من دلالة غيره من الألسن لكي لا يلزم أن يكون كل كلام عربي ظاهر الدلالة واضح المعنى و ليس في الكلام شيء من ألفاظ العموم و على تقديره فلا بد من تخصيصه فيخرج منه أفراد أكثر من أن تحصى و بعد تسليم عدم التخصيص لا ينتفي احتمال النسخ لوجوده فيه كثيرا فلا بد من موافقة قول الامام لما تواترت به النصوص المشار إليها.
و اما الخامسة: فالاستدلال بها عجيب فإنها نص صريح في خلافه لأنه قال وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ و هي واضحة الدلالة على توقف الاستنباط من القرآن على رده الى الرسول و الى الأئمة عليهم السّلام، و النصوص في ان المراد بأولى الأمر الأئمة كثيرة و لا شبهة في ذلك فلا دلالة لها على جواز العمل بالظواهر من غير معرفة تفسيرها بالنص منهم و ورود ما يوافقها عنهم ليعلم عدم النسخ و التأويل و نحوهما، على ان ضمير ردوه لا يلزم عوده الى القرآن بل الأقرب عوده الى الأمر المذكور في الآية فلا دلالة له على الاستنباط من القرآن أصلا بل لا يدل على استنباط حكم ذلك الأمر من الأمن و الخوف بعد رده الى الرسول و الأئمة (ع) فيكون استنباط الحكم منهم (ع).
الفوائد الطوسية، ص: 174
و أما قوله اثبت للعلماء استنباطا وراء المسموع منهم.
فجوابه من وجهين:
أحدهما: لعل المراد لعلمه الذين يريدون الاستنباط منه كما في قوله تعالى:
إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ و غير ذلك لأنه لا يستقيم ربطه مع اشتراط الرد الى الرسول و الأئمة إلا بذلك.
و ثانيهما: ان يستنبطونه فعل مضارع للاستقبال و لا شك في وقوع الاستنباط من القرآن بعد الرسول صلى اللّه عليه و آله لكن الآية لا تدل على جواز ذلك الاستنباط كله بل هي دالة على ان من رده الى الأئمة (ع) استنبطه منه بعلم و من لم يرده إليهم استنبط منه بغير علم و فيها دلالة على ذم هذا القسم و المنع منه كما هو ظاهر مع تصريحات النصوص المتواترة المشار إليها.
و من المعلوم ان من رده إليهم (ع) و علم من جهتهم معنى الآية عرف منها حكما كليا تستنبط منه أحكام جزئياته و أفراده التي لا تحصى و ليس فيها اذن في استنباط شيء سوى ذلك للتصريح بالشرط و ذلك كله واضح عند المنصف فظهر ان الآيات لا دلالة في شيء منها على المطلوب بل هي دالة على خلافه.
و الجواب عن الوجه السادس: ان الحديث المشار إليه ينبغي ذكر لفظه لنتكلم عليه و قد ذكر انه يدل بطريق الإطلاق و هو قابل للتقييد بكل شرط يدل عليه دليل معتبر شرعا و قد عرفت ما يدل على الشرط الذي ندعيه من النص المتواتر و يأتي الجواب عنه بوجوه أخر.
و عن السابع من وجوه:
أحدها: ان أكثر الأحاديث تضمنت الأمر بعرض الحديثين المختلفين المشهورين الذين رواهما الثقات على الكتاب و السنة كما في حديث عمر بن حنظلة و غيره من الأحاديث الكثيرة و المفروض ثبوت الحديثين بقرائن أخر و بالتواتر و الغرض انما هو للترجيح فيكون العمل حينئذ بالقرآن و الحديث معا
الفوائد الطوسية، ص: 175
لا بتلك الظواهر وحدها، و هذا لا نزاع فيه و على تقدير وجود نص مطلق يمكن حمله على ثبوت الحديث بوجوه أخر و وجود معارض له كما وقع التصريح به.
و ثانيهما: بعد تسليم وجود نص صريح بالعرض عند الشك في الصحة لا يحتمل التأويل يمكن حمله على التقية لموافقته لمذهب جميع العامة و رواياتهم و هذا أقوى وجوه الترجيح و الأحاديث التي أشرنا إليها سابقا لا يحتمل التقية.
و ثالثها: ان الحديث المدعى و ان كان مطلقا يمكن حمله على ما يوافق الأحاديث الكثيرة من عرض الحديث المشكوك فيه على الكتاب و السنة و قد صرح بذلك الكليني في أول كتابه «1» و في أواخر كتاب العلم و قد تقرر عندهم حمل المطلق على المقيد يمنعونه هنا و لا أقل من الاحتمال فيبطل الاستدلال و يصير استدلالا بظاهر ظن الدلالة [في مقابله نص متواتر قطعي الدلالة].
و رابعها: انه عام قابل للتخصيص أو مطلق قابل للتقييد بالآيات التي علم تفسيرها و عدم نسخها و تأويلها من جهتهم (ع) و قد تواترت النصوص باشتراط ذلك فلا وجه للتوقف فيه.
و خامسها: ان الحديث المذكور ينبغي ثبوت صحة سنده و كونه محفوفا بالقرائن خاليا من معارض أقوى منه و لم يثبت شيء من ذلك فلا يجوز الاحتجاج به على المطلب عندهم و لا عندنا كما لا يخفى.
و سادسها: انه بعد ثبوت صحة سنده لا يفيد عندهم الا الظن فكيف يجوز لهم ان يستدلوا به في الأصول و هو خلاف طريقتهم.
و سابعها: انه خبر واحد فلا يعارض المتواتر من الأحاديث المشار إليها التي لا يحتمل التقية.
و ثامنها: بعد التنزل عن جميع ذلك نقول هذا يدل على جواز العمل بالآيات مع الأحاديث المفروضة فيكون موافقتها قرينة على ثبوت الحديث و لا يدل على انها حجة مستقلة عند الانفراد و ذلك واضح عند الإنصاف.
الفوائد الطوسية، ص: 176
و تاسعها: انه يمكن كونه مخصوصا بآية يوافق ظاهر الاحتياط فيجوز العمل بها عند الاشتباه و الحديث الضعيف مع عدم المعارض للنص المتواتر بالأمر بالاحتياط في هذه الصورة.
و عاشرها: ان الاستدلال بحديث عرض الحديث على القرآن دوري لأنه بحسب عرضه أيضا على القرآن، فان وافقه كان استدلالا بالقرآن على العمل بالقرآن و ان خالفه لم يجز العمل به و مهما أجبتم فهو جوابنا.
و الجواب عن الثامن: من وجوه:
أحدها: احتمال التقية كما مر.
و ثانيها: انه خبر واحد لا يعارض المتواتر.
و ثالثها: ان النزاع في آية لا يوافقها حديث عنهم (ع) و الآية المذكورة يوافقها أحاديث كثيرة تجاوزت حد التواتر في تحريم سماع بعض المسموعات و يؤمن من نسخها و تأويلها و نحوهما بالنسبة إلى الحكم المذكور فلا يدل على خلاف مطلوبنا.
و رابعها: ان النزاع انما هو في الأحكام النظرية و تحريم سماع بعض المسموعات ضروري بديهي و قد جزم السائل بعد تحريم سماع شيء كما يظهر من كلامه فلا يجوز الاستدلال بذلك على الآيات التي مضمونها نظري ليس فيه نص.
و خامسها: ان الإنكار مخصوص بهذه الآية فحمل غيرها عليها قياس لا يليق بالإمامية الاحتجاج به و الالتفات اليه و كيف يجوز الاستدلال بفرد واحد على أمر كلي و على تقدير جواز العمل بالقياس كيف يجوز العمل به في الأصول و هو ظن و سادسها: انا نقول إذا لم يرد نص يوافق ظاهر الآية و لا يخالفها و احتملت النسخ و التقييد و التأويل و غير ذلك لا يجوز الجزم بإرادة ظاهرها و لا الجزم بمخالفته و يجب التوقف عن الأمرين و العمل بالاحتياط و إنكار الامام على السائل للجزم بخلاف
الفوائد الطوسية، ص: 177
مضمون الآية بغير دليل و لعدم توقفه و احتياطه لا لعدم جزمه بظاهرها و الواسطة موجودة و هي التوقف فلا يدل على مطلوبكم.
و سابعها: ان الكلام في آية لا نص في مضمونها و النص هنا في تحريم سماع الغنى و الملاهي متواتر، قد تجاوز حد التواتر و يبعد جدا أن لا يكون سمع السائل شيئا من تلك النصوص أصلا مع ان اشتهارها في ذلك الزمان كان أقوى من هذا الزمان فلعل الإنكار لعدم العمل بظاهر آية قد وردت بمضمونها الروايات فلا يدل على مطلب المعاصر و الفرق بين هذا و الثاني ان هذا أخص منه.
و الجواب عن الاخبار الباقية السبعة من وجوه.
أحدها: ان الاستدلال بها دوري لأنه استدلال بالظواهر على العمل بالظواهر و ليس شيء منها نصا لما يأتي من الاحتمالات الكثيرة القريبة.
و ثانيها: ان الاستدلال بها دوري لأنها لا تفيد الظن و كذلك الظواهر المستدل بها فيكون استدلالا بالظن على الظن و فساده واضح.
و ثالثها: انها اخبار آحاد فلا تعارض المتواترات.
و رابعها: انها موافقة للتقية فتضعف عن معارضتها و لا تقاومه و يحمل على التقية.
و خامسها: انها أخبار آحاد فلا يكون حجة في الأصول اتفاقا.
و سادسها: انها لا تفيد الا الظن فلا يحتج بها في الأصول باعترافهم و الا لزم رد الآيات و النص المتواتر في النهي عن العمل بالظن لأنهم يدعون انهم يخصونها بالأصول فلا يجوز لهم الاستدلال فيه بدليل ظنّي.
و سابعها: انها محتملة للاحتمالات الكثيرة و يأتي بعضها و تقدم أيضا بعضها و إذا قام الاحتمال بطل الاستدلال.
و ثامنها: انا نقول بمضمونها بشرط معرفة تفسير الآيات من الأئمة عليهم السّلام أو ورود نص يوافقها ليندفع الاحتمالات و تكون قد تمسكنا بالثقلين معا الذين من تمسك بهما لن يضل و النصوص على شرطية هذا الشرط صحيحة صريحة متواترة
الفوائد الطوسية، ص: 178
و ليس في هذه الروايات تصريح بنفي شرطية هذا الشرط فنحن نعلم بالدليلين معا لعدم تنافيهما، و المعاصر و من تابعة يردون النص المتواتر الصريح المخالف لطريقة العامة الموافق للاحتياط و يعملون بالآحاد التي ليست بصريحة و لا موافقة للاحتياط و لا سالمة من احتمال التقية.
و تاسعها: ان الاخبار المشار إليها ينبغي ثبوت أسانيدها أو صحّة سند واحد منها و لم يثبت ذلك على قاعدتهم و اما على قاعدتنا فلا بد من ظهور القرائن على صحتها و انتفاء معارض لها أقوى منها صحيحا فتكون ضعيفة على المذهبين اما في نفسها أو بالنسبة إلى معارضها و ما كان منها صحيحا عندهم على تقديره لا دلالة فيه لما يأتي.
و عاشرها: انا نقول: بمضمونها لكنها غير دالة على جواز الاستنباط من الآيات لكل أحد سواء فهم معناها أم لا فلعلها مخصوصة بمن فهم معناها و عرف عدم نسخها و هو الإمام أو من عرف ذلك بالسماع منه أو النقل عنه.
و حاديعشرها: أن يخصها بالآيات التي يوافق ظاهرها الاحتياط لما مرّ.
و ثاني عشرها: انه لا دلالة في شيء منها على المطلوب أمّا رواية زرارة و قوله لمكان الباء فهو استدلال من الامام عليه السّلام و لا شك في جوازه له لعلمه و لا يلزم جوازه لغيره لجهله و أيضا فهو استدلال بآية واحدة فالعمل به في غيرها قياس و لفظ الحديث لا عموم فيه أصلا و أيضا فلعله لتعليم الاحتجاج بالقرآن على العامة و جعله دليلا إلزاميا و هذا يظهر من زرارة التشوق اليه و استدعاء الرخصة فيه من مواضع متعددة.
و أيضا فهو استدلال بالقرآن مع ورود النصوص الكثيرة في موافقته فلا دلالة فيه على جوازه فيما لا نص فيه أصلا.
و أيضا فهو يحتمل الحمل على التقية لموافقته للعامة.
و من هنا يظهر الجواب عن رواية عبد الا على و قوله فيها تعرف هذا إلخ يحتمل
الفوائد الطوسية، ص: 179
الاستفهام بحذف أداته بل ربما كان أقرب و على تقدير الاخبار فقد تقدم وجهه.
و أيضا فالنصوص في هذه المسئلة كثيرة فهي دالة على معنى الآية و الدليل العقلي و النقلي دالان على بطلان تكليف ما لا يطاق و على سقوط كل واجب عند تعذره و لا نزاع في العمل بالآيات التي توافقها الأدلة العقلية و النقلية و لا دلالة له على غير ذلك الّا بطريق القياس و هو باطل و من المعلومات قطعا ان نفى الحرج بالكلية غير مراد و الّا لزم ارتفاع التكليف لأنه يستلزم الحرج فتعين صرفه الى ما قلناه عقلا و نقلا.
و أيضا فهذا تصريح من الامام عليه السّلام بدخول هذه المسئلة في مضمون الآية و لو لا الاحتياج الى النص في مثلها لكان عبثا و لعله ليس باستدلال بل هو حكم بدخول هذا الفرد في العموم و من هنا يظهر أيضا وجه تقريرهم عليهم السّلام زرارة على الاستدلال على انه استدلال من طريق العامة كما صرح به في أول الخبر و أراد أن يتعلم ما يجيبهم به و استدلاله بعدم الأمر على عدم الوجوب لا يدل على ان الأمر للوجوب بل هو أعم منه بل يمكن كون بعضه للوجوب و بعضه لغير الوجوب.
و أما بقية الأخبار فظاهر عدم صراحتها في المطلوب و عدم ظهور دلالتها عليه بل بعضها دال على مطلبنا كما لا يخفى.
ثم ان ما ذكره المعاصر هنا معارض بما ورد عنهم عليهم السّلام من الاستدلال بالقياس في أحاديث كثيرة جدا بل متواترة معنى فما أجبتم به فهو جوابنا و قد تقدّم ذلك و نحن نذكر نبذة يسيرة منه فان هذا القسم أكثر من أن يحصى و يستقصي.
فمن ذلك حديث عبد اللّه بن يزيد عن ابى عبد اللّه عليه السّلام قال: ليس في حب القرع و الديدان الصغار وضوء انما هو بمنزلة القمل «1».
و في حديث زرارة عنه عليه السّلام في المذي و الوذي لا ينقض الوضوء و ان بلغ
الفوائد الطوسية، ص: 180
عقبيك فإنما ذلك بمنزلة النخامة الحديث «1».
و في حديث بريد بن معاوية قال سألت أحدهما عليهما السّلام عن المذي فقال: لا ينقض الوضوء و لا يغسل منه ثوب و لا جسد انما هو بمنزلة المخاط و البصاق «2».
و في حديث محمد بن مسلم عن ابى جعفر عليه السّلام في المذي قال: لا يقطع صلاته و لا يغسله انما هو بمنزلة النخامة «3».
و في حديث زيد الشحام عن ابى عبد اللّه عليه السّلام في المذي أ ينقض الوضوء قال:
لا و لا يغسل منه الثوب و الجسد انما هو بمنزلة البزاق و المخاط «4».
و في حديث عبد اللّه بن سنان عنه عليه السّلام قال: و المذي ليس فيه وضوء انهما هو بمنزلة ما يخرج من الأنف «5».
و في حديث حريز عنه عليه السّلام قال: المذي لا ينقض الوضوء انما هو بمنزلة المخاط و البصاق «6».
و في حديث آخر ان المذي و الوذي بمنزلة البصاق و المخاط فلا يغسل منهما الثوب و لا الإحليل «7».
و في حديث الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السّلام قال: لو لم يجب القصر في مسيرة يوم لما وجب في مسيرة ألف سنة لأن كل يوم بعد هذا اليوم فإنما هو نظير هذا اليوم فلو لم يجب في هذا اليوم لما وجب في نظيره إذ كان نظيره مثله لا فرق بينهما «8».
و حديث يونس بن يعقوب عن ابى عبد اللّه عليه السّلام في الجنازة يصلى عليها على
الفوائد الطوسية، ص: 181
غير وضوء قال: نعم انما هو تكبير و تسبيح و تحميد و تهليل كما تكبر و تسبح في بيتك على غير وضوء «1».
و حديث ابن مسكان عنه عليه السّلام في رجل قطع رأس ميت قال عليه السّلام عليه الدية لأن حرمته ميتا كحرمته حيا «2».
و حديث الفضيل بن يسار عن ابى جعفر عليه السّلام فيمن وجد غمزا في بطنه أو أذى أو ضربانا و هو في الصلاة فقال انصرف ثم توضأ و ابن على ما مضى من صلاتك و ان تكلمت ناسيا فلا شيء عليك فهو بمنزلة من تكلم في الصلاة ناسيا. الحديث «3».
و حديث زرارة عن ابى عبد اللّه عليه السّلام فيمن فرّ بماله من الزكاة قال عليه أن يؤدّى ما وجب عليه و ما لم يجب عليه فلا شيء عليه فيه ثم قال أ رأيت لو ان رجلا أغمي عليه يوما ثم مات فذهبت صلاته أ كان عليه و قد مات أن يؤديها؟ أ رأيت لو ان رجلا مرض في شهر رمضان ثم مات فيه أ كان يصام عنه؟ قلت: لا قال فكذلك الرجل لا يؤدى عن ماله الا ما حلّ عليه «4».
و حديث زرارة و محمد بن مسلم عنه عليه السّلام قال: أيما رجل كان له مال فحال عليه الحول فإنه يزكيه قلنا فان وهبه قبل حله بشهر أو يوم قال: ليس عليه شيء أبدا قال و قال انما هذا بمنزلة رجل أفطر في شهر رمضان يوما في إقامته ثم خرج في آخر النهار في سفر فأراد بسفره ذلك إبطال الكفارة التي وجبت عليه الحديث «5» و حديث الحسين بن زيد عنه عليه السّلام ان عمر قال لعلى عليه السّلام فهل يجوز شهادة
الفوائد الطوسية، ص: 182
الخصى فقال ما ذهاب لحيته الا كذهاب بعض أعضائه «1».
و حديث الحلبي عنه عليه السّلام قال أيما رجل فجر بامرأة ثم بدا له ان يتزوجها حلالا قال: أو له سفاح و آخره نكاح و مثله مثل النخلة أصاب الرجل من ثمرها حراما ثم اشتراها بعد فكانت له حلالا «2».
و حديث زرارة عن ابى جعفر (ع) قال: لا بأس إذا زنا رجل بامرأة أن يتزوجها بعد و ضرب مثل ذلك برجل سرق ثمرة نخلة ثم اشتراها بعد «3».
أقول و أمثال ذلك كثير جدا و ليس ذلك من المهمات و الا كنا جمعنا من ذلك ما يتجاوز حد التواتر و انما أوردت منها ما خطر بخاطري في الحال و من نظر الى كتاب العلل و غيره تبين ذلك و علم أنهم عليهم السّلام كانوا يحتجون على العامة بما يعتقدونه من قياس و إجماع و استصحاب و أصل و مفهوم لقب و مصالح مرسلة و نحو ذلك ثم يصرحون بعدم حجيته و يعلمون الشيعة ما يحتجون به على العامة و الا فإن من قال بإمامتهم لا يطلب منهم دليلا، بل رأيناهم عليهم السّلام يستدلون بالشعر الذي لا حجة فيه كما تضمنه كتاب الزكاة من الكافي و غيره فيقولون أما سمعت قول الشاعر أما سمعت قول حاتم الطائي و أمثال ذلك كثير مما استدلوا فيه ببيت شعر على مطلب مهم و وجهه ما قلنا و معلوم انه يحصل من مثل ذلك تقريب الحكم الى فهم السامع و يصير أقرب الى القبول و البلاغة في كلام المطابق لمقتضى الحال.
و في بعض الاخبار عن الصادق عليه السّلام انما سمى البليغ بليغا لأنه يبلغ حاجته بأهون سعيه «4».
الفوائد الطوسية، ص: 183
و الجواب عن السادس عشر: ظاهر بعد ما تقدم لان لنا ان نستدل عليهم بما يعتقدونه و لا يقدرون على رفعه و خصوصا في مثل غسل الرجلين في الوضوء الذي هو ضروري منصوص نصا متواترا و انما الكلام في الظواهر التي لم يرد تفسيرها و لا يوافقها نص.
و قد ثبت عنهم عليهم السّلام من اعتقد شيئا لزمه حكمه و روى ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم. «1» و أما الجواب عما استدل به على دخول الظاهر في المحكم فهو ظاهر و توضيحه فنقول.
أما الأول: فجوابه ان ما استدللتم به قد ظهر عدم دلالته و كثرة معارضه.
و أما الثاني: فجوابه انه لا محذور فيه بل هو محتمل و التبعيض أيضا غير بعيد خصوصا مع ملاحظة ما يأتي التصريح منه به في تفسير المتشابه و قد عرفت عدم الانحصار في المحكم و المتشابه و احتمال الواسطة و قوله بوجوب الفحص ان أراد من جهة الأئمة عليهم السّلام فهو عين ما نذهب اليه و ان أراد أعم فهو دعوى في محل المنع.
و إذا وقع التفحص و لم يوجد نص لم يمكن القطع على نفى الاحتمالات و تعطيل أكثر الأدلة ممنوع، بل لا يأتي بشيء منها لكثرة النصوص في تفسير آيات الأحكام و غيرها و كثرة وجود نصوص توافق تلك الظواهر أو تخالفها و لا يكاد يوجد انه خالية من ذلك عند التتبع التام الا القليل النادر و التوقف و الاحتياط راجح هناك إجماعا و انما الخلاف في وجوبه.
و أما الثالث: فقد ظهر جوابه مما مر.
و أما الرابع: فالجواب ان قوله من رد متشابه القرآن إلى محكمه لا يدل على إمكان ذلك لكل أحد و لا على الأمر به و لا يبعد أن يراد به ان الأئمة عليهم السّلام و من
الفوائد الطوسية، ص: 184
يتعلم ذلك منهم أو من أحاديثهم بل لا بد من التخصيص بذلك لما أشرنا إليه من النص المتواتر بأنه لا يعلم المحكم و المتشابه و العام و الخاص و أمثال ذلك غيرهم عليهم السّلام و انه يجب على الناس الرجوع إليهم فيه و في أمثاله على ان الخبر المشار اليه ضعيف جدا عندهم فكيف يجوز لهم الاستدلال به خصوصا في الأصول مع ما قلناه و كيف يجوز قول معارضه و هو متواتر.
و أما الخامس: فالجواب عنه انا نمنع من وجود تلك الأوامر ان ادعى كونها مطلقة بل النص دال على وجوب العمل بها بعد معرفة المحكم و المتشابه من جهتهم عليهم السلام و العلم بعدم النسخ و نحوه لما ذكرنا و لما يأتي.
و اما السادس: فالجواب عنه انه لا مانع من جعل الظواهر القرآن من المتشابه و ظواهر الأحاديث من المحكم و وجهه ان ظواهر القرآن تحتمل من النسخ و التأويل و غيرهما: ما لا يحتمله ظواهر الأحاديث و هذا واضح أيضا فإنا مأمورون برد القرآن الى الامام و سؤاله عن ناسخه و منسوخه و محكمه و متشابهه و نحو ذلك و قد وردت النصوص بأنه لا يعلم ذلك أحد غير الامام و لسنا بمأمورين برد الأحاديث التي سمعناها من الامام أو ثبت عندنا نقلها الى أحد فظهر الفرق.
و أيضا لا مانع من كون بعض الظواهر من المحكم و بعضها من المتشابه كما تقدم بل تحتمل كونها واسطة بينهما غير داخلة في أحدهما إذ لا دليل على الحصر و لا على تمييز كل من القسمين.
و أما حديث الرضا عليه السّلام و لا دلالة فيه على مطلب المعاصر لوجوه.
أحدها: انه خبر واحد و لا يكون حجة في الأصول.
و ثانيها: انه ضعيف السند على مذهب المعاصر فلا يجوز الاستدلال به في الفروع و لا في الأصول.
و ثالثها: انه يمكن كونه مخصوصا باحاديثهم التي ينقلونها عن النبي صلى اللّه عليه و آله و قد وردت روايات كثيرة صريحة في ذلك و في أن أحاديثه عليه السّلام يقع فيها النسخ
الفوائد الطوسية، ص: 185
و التأويل و غير ذلك كما يقع في القرآن بخلاف أحاديث الأئمة عليهم السّلام و وقع التصريح في بعض النصوص المعتمدة بأن القرآن ورد على قدر فهم النبي صلى اللّه عليه و آله و أحاديثه عليه السّلام على قدر فهم الأئمة عليهم السّلام و أحاديث الأئمة على قدر فهم الأمة.
و رابعها: انه لمخصوص بالأحاديث المختلفة لقولهم عليهم السّلام فردوا متشابهها الى محكمها و هذا صريح في التعارض و الا لم يكن الرد.
و خامسها: ان الأمر بالرد صريحا هنا، و عدم الأمر به في القرآن كما نقله المعاصر و هو حديث واحد يدل على إمكان ذلك في الحديث لا في القرآن و قد وقع التصريح به في نصوص كثيرة.
و أما السابع: فالجواب عنه ظاهر بعد ما تقدم و ما أشرنا إليه بل جميع ما أورده فيه و فيما بعده دال على مطلبنا و قد علم أن معنى المتشابه أيضا متشابه و كذلك معنى المحكم و قد اختلفوا في تفسيرهما فكيف يدعى أن أفرادهما متميزة لا يشتبه بعضها ببعض مع أن كل آية خصوصا آيات الأحكام بالنسبة إلى الأحكام النظرية إذا قطعنا النظر عما عداها محتملة بالاحتمالات الكثيرة جدا و أقلها النسخ و التأويل فلا بد من الرجوع الى المعصوم لما مر.
ثم ان إيجاب العمل بالظاهر و الجزم بأنه من المحكم و عدم تجويز الحكم بإرادة الظاهر و المنع من تفسيره تناقض عجيب فان العمل به يستلزم الحكم بإرادة ظاهره و جواز تفسيره و كيف يجوز عند العاقل أن يجزم بظاهر آية و يستبيح بها الفروج و الأموال و اراقة الدماء ثم يقول لا أعرف معناها و لا يجوز لي تفسيرها و لا أعلم أن ظاهرها مراد أم لا و لا أعرف شمولها بهذه الإفراد و لا أدرى هي ناسخة أم منسوخة مخصصة أو عامة مطلقة أو مقيدة و يجوز عندي كون ظاهرها غير مراد و يمكن أن يكون له تأويل آخر لم يخطر ببالي و لا ببال أحد فإنه لا يعلم تأويله إلا اللّه و كل ذلك تناقض يمتنع منه العقل و النقل و هذا ظاهر واضح قطعي عند كل من له أدنى انصاف و اللّه الهادي.
الفوائد الطوسية، ص: 186
فصل في الاستدلال على عدم جواز استنباط الأحكام النظرية من ظواهر القران
المحتملة للنسخ و التخصيص من التقييد و التأويل و غيرها الا بعد معرفة تفسيرها من الأئمة عليهم السّلام و انتفاء تلك الاحتمالات و لو بنص عنهم يوافق ظاهرها.
اعلم ان لنا ان نستدل بالقرآن و لا يلزم التناقض لوجهين.
أحدهما: انه دليل إلزامي للخصم لأنه يعتقد حجية تلك الظواهر مطلقا.
و ثانيهما: وجود النصوص المتواترة المخالفة للتقية الموافقة لتلك الظواهر فاستدلا لنا في الحقيقة بالكتاب و السنة معا و لا خلاف في وجوب العمل بهما.
إذا عرفت ذلك فنقول: الأدلة على ذلك كثيرة جدا و لنذكر هنا وجوها.
أحدها: قوله تعالى في سورة النساء أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَ لَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً «1» وَ إِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ «2» دلت على وجوب رد القرآن الى الرسول و الأئمة عليهم السّلام و على توقف الاستنباط منه على ذلك و هذا نص واضح صريح و قد وردت الأحاديث الكثيرة في تفسيرها بذلك
الفوائد الطوسية، ص: 187
و ان المراد بأولى الأمر الأئمة عليهم السّلام و على تقدير عود ضمير ردوه الى الأمر فالقرآن داخل فيه.
و ثانيها: قوله تعالى في سورة النساء يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَ الرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ «1» دلت على وجوب الرجوع إليهما معا فلا يبرء المكلف من العهدة بالرد إلى أحدهما لكن من رد الى الرسول فقد رد إليهما للآيات الكثيرة و الروايات المتواترة و ما دل على الأمر باتباع الرسول صلى اللّه عليه و آله، و من رد الى الكتاب وحده لم يكن راد إليهما لاحتمال النسخ و غيره و عدم العلم بتفسير الرسول له و ثالثها: قوله تعالى: فيها وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَ إِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً «2» دلت على وجوب الرجوع إليهما معا كما تقدم.
و رابعها: قوله تعالى فيها فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً «3» و هي صريحة في العموم و تمييز الناسخ من المنسوخ و العام من الخاص و نحو ذلك مما يحتاج إليه في فهم القرآن مما شجر بينهم فمن لم يرجع فيه الى الرسول عليه السّلام لم يكن مؤمنا بحكم الآية و معلوم بالنصوص الى من رد إلى الأئمة فقد رد اليه و ان علمه عندهم و ان علمهم منه.
و خامسها: قوله تعالى فيها
الفوائد الطوسية، ص: 188
مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ وَ مَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً «1» دلت على تهديد من تولى عن طاعته و ترك الرجوع اليه و عمومها شامل لمن تولى عنه في تمييز الناسخ من المنسوخ و العام من المخصوص و عمل برأيه و ظنه القاصر في تفسير القران و تأويله و هو المطلوب.
و سادسها: قوله تعالى فيها وَ إِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ «2» الاية ذمهم على اتباع الظن عند الاختلاف و الشك و هو شامل لما نحن فيه و هذا دال على عدم حجية شيء من الاستنباطات الظنية.
و سابعها: قوله تعالى في سورة البقرة كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَ يُزَكِّيكُمْ وَ يُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ يُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ «3» جعل الحكمة الداعية إلى إرسال الرسول تلاوة الآيات على الناس و تعليم الكتاب و ما لا يعلمون.
فقد اثبت الاحتياج الى تعليم الكتاب بعد تلاوة الآيات و كذلك كل ما لا يعلم و من جملته بيان الناسخ من المنسوخ و تفسير القرآن و تأويله و هي نص في ذلك و دلالتها على وجوب العمل بالعلم لا بغيره واضحة و الأحاديث في ذلك متواترة.
و ثامنها: قوله تعالى: في سورة آل عمران هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ «4».
و هي نص صريح في أن فيه محكما و متشابها و ان له تأويلا لا يعلمه الا اللّه و الراسخون.
الفوائد الطوسية، ص: 189
و قد تظافرت الاخبار بأنهم الأئمة عليهم السّلام و انه لا يعلم تأويل القرآن الا اللّه و هم، و ان أكثر الآيات لها تأويل خلاف ظاهرها و انه لا يعلم الناسخ و المنسوخ و المحكم و المتشابه و العام و الخاص و التفسير و التأويل غيرهم و انه يجب الرجوع في جميع ذلك إليهم و دلالة الآية على ذلك ظاهرة بل نص.
و تاسعها: قوله تعالى لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ إِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ «1» و مثلها في سورة الجمعة و دلالتها على المطلوب ظاهرة كما مر.
و عاشرها: قوله تعالى: في سورة بني إسرائيل وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا «2» و هي نص واضح في النهي عن اتباع ما لا يفيد العلم و تلك الظواهر لا تفيد الا الظن كما اعترفوا به.
و حادي عشرها: قوله تعالى في سورة الأنبياء فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ «3» و قد ورد نصوص كثيرة جدا ان المراد بأهل الذكر الأئمة عليهم السّلام فوجب سؤالهم عن كل ما لا يعلم و من جملة ما نحن فيه و لا شبهة ان الشك و الظن غير العلم و إنكاره مكابرة.
و ثاني عشرها: قوله تعالى: في سورة يونس إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ «4» ذمهم على اتباع الظن و الظواهر المذكورة لا تفيد غير الظن كما اعترفوا به و لو كان جائزا لاستحقوا المدح لا الذم و لا يرد انهم يخصونه بالأصول لأنه تخصيص بغير دليل لما يأتي من رد شبهتهم و قد ذكروا ان خصوص السبب
الفوائد الطوسية، ص: 190
لا يخصص العام فكيف اغمضوا عنه هنا على أنا نراهم يعتمدون في الأصولين على أدلة ظنية أو بعض مقدماتها ظنية خصوصا أصول الفقه فإنه لا يكاد يوجد لهم فيه دليل غير ظني.
و ثالث عشرها: قوله تعالى: في سورة حم السجدة وَ ذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ «1» و الاستدلال بها قد مر توجيهه بل هذه الآية دالة على أن العمل بالظن من الكبائر للوعيد عليه بالنار و قد تقدم الجواب عن تخصيصه بالأصول على أن ذلك من العامة و نحن مأمورون باجتناب طريقتهم في النصوص المتواترة.
و رابع عشرها: قوله تعالى في سورة الجاثية وَ ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ «2» و دلالتها واضحة بعد ما تقدم و فيها تصريح بليغ بمباينة كل من العلم و الظن الأخر، و مثلها كثير فبطل قول العامة و بعض المتأخرين من الخاصة بأن العلم المأمور بتحصيله و العمل به هو مطلق الرجحان الشامل للقطع و الظن و هذا يستلزم التناقض في كلام اللّه و الرسول و الأئمة عليهم السّلام لتواتر الأمر بالعمل بالعلم و النهى عن العمل بالظن فكيف يدعى عاقل مسلم أن أحدها هو الأخر و انما ذلك من تمويهات العامة و مغالطاتهم.
و خامس عشرها: قوله تعالى في سورة الحجرات يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ «3» و هذا دال على مطلبنا ان كل فرد من إفراد الظن يحتمل كونه إثما فتعين اجتنابه و ليس فيها تصريح بجواز ترك اجتناب بعض الإفراد لما تقرر من صدق الموجبة الجزئية في عادة الموجبة الكلية و لو تنزلنا لقلنا لا يخرج من ذلك الا ظن دل على جوازه أو حجيته دليل شرعي تام كظن الخير بالمؤمنين كما
الفوائد الطوسية، ص: 191
هو المناسب لسياق الآية و ما قبلها فبقي الباقي.
و سادس عشرها: قوله تعالى في سورة النجم إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَ ما تَهْوَى الْأَنْفُسُ «1» ذمهم على اتباع الظن فلا يكون جائزا و الا لاستحقوا المدح.
و سابع عشرها: قوله تعالى فيها وَ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَ إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً «2» و هي نص واضح الدلالة مشتمل على التأكيد و المبالغة.
و ثامن عشرها: قوله تعالى في سورة الانعام وَ إِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ «3» دلالتها واضحة على تحريم العمل بالظن و عدم جواز تقليد من يعمل بالظن و معلوم ان تلك الظواهر لا تفيد غيره.
و تاسع عشرها: ان النصوص المتواترة دلت على وجوب مخالفة طريقة العامة و ما اخترناه مباين لها و قد دلت عليه الأحاديث المتواترة و كل ما كان كذلك فهو حق و ما اختاره المعاصر موافق للعامة مخالف للنصوص المتواترة و كل ما كان كذلك فهو باطل يتعين رده أو حمله على التقية و موافقته للعامة أوضح من أن يحتاج الى بيان، و أصله قول ابى بكر و عمر حسبنا كتاب اللّه «4».
و المتمم العشرين:
الأحاديث المتواترة عن الأئمة عليهم السّلام الصريحة فيما اخترناه و قد أوردنا منها في كتاب القضا من وسائل الشيعة ما تجاوز حد التواتر و جمعنا باقيها في موضع آخر و هي تزيد على مأتين و عشرين حديثا لا تقصر سندا
الفوائد الطوسية، ص: 192
و دلالة عن النصوص على كل واحد من الأئمة عليهم السّلام فمن أرادها فليرجع إليها ان شاء اللّه و دلالتها في غاية الصراحة و الوضوح، و قد تضمنت انه لا يعلم المحكم و المتشابه و الناسخ و المنسوخ و العام و الخاص و غير ذلك إلا الأئمة (ع) و انه يجب الرجوع إليهم في ذلك و انه لا يعلم تفسيره و لا تأويله و لا ظاهره و لا باطنه غيرهم و لا يعلم القرآن كما انزل غيرهم و ان الناس غير مشتركين فيه كاشتراكهم في غيره و ان اللّه انما أراد بتعميته ان يرجع الناس في تفسيره الى الامام و انه كتاب اللّه الصامت و الامام كتاب اللّه الناطق و لا يكون حجة إلا بقيم و هو الامام و انه لا ورث علمه إلا الأئمة و لا يعرف ألفاظه و معاينة غيرهم و انه لاحتماله للوجوه الكثيرة يحتج به كل محق و مبطل و انه انما يعرف القرآن من خوطب به «1» الى غير ذلك من التصريحات التي هو أوضح دلالة من النصوص كنص الغدير و نحوه و أظهر تواترا من أكثر النصوص.
الحادي و العشرون: ان كل آية يحتمل النسخ و التأويل و غيرهما إذا قطعنا النظر عما سواها فلا يوثق بجواز العمل بها من غير أن يقترن بها حديث عن الأئمة عليهم السلام.
الثاني و العشرون: ان تعريف المتشابه صادق على كل آية من آيات الأحكام بالنسبة إلى الأحكام النظرية لاحتمال كل واحدة منها بل كل لفظه بوجهين فصاعدا إذا قطعنا النظر عن الأحاديث مضافا الى احتمال النسخ و غيره.
الثالث و العشرون: ان النص المتواتر و إجماع الإمامية دلا على ان الذي نزل من القرآن قراءة واحدة و ان الباقي رخص في التلاوة به في زمن الغيبة و ليس عندنا دليل على جواز العمل بكل واحدة من القراءات مع كثرتها جدا و كونها مغيرة للمعنى غالبا الرابع و العشرون: ان ظواهر القرآن أكثرها متعارضة بل كلها عند التحقيق و ليس لنا قاعدة يدل عليها دليل يعتد به المنصف في الترجيح هناك و انما وردت
الفوائد الطوسية، ص: 193
المرجحات المنصوصة في الأحاديث المختلفة مع قلة اختلافها بالنسبة إلى اختلاف ظواهر الآيات فلو كنا مكلفين بالعمل بتلك الظواهر القرآنية من غير رجوع في معرفة أحوالها الى الامام لوردت عنهم (ع) مرجحات و قاعدة كلية يعمل بها كما وردت هناك.
الخامس و العشرون: انا وجدنا جميع أهل المذاهب الباطلة و الاعتقادات الفاسدة يستدلون بظواهر القرآن استدلالا أقوى من الاستدلال على الأحكام التي استنبطها المتأخرون من آيات الأحكام بآرائهم فلو كان العمل بتلك الظواهر من غير رجوع إلى الأئمة (ع) في تفسيرها و معرفة أحوالها من نسخ و تأويل و تخصيص و غيرها لزم صحة جميع تلك المذاهب الباطلة من الجبر و التفويض و التشبيه و خلافة ابى بكر و عمر و غيرهما، بل الشرك و الإلحاد و نفى الإمامة و العصمة بل مذهب المباحية بل مذهب النصيرية كما تضمنت كتاب كنز الفوائد و غيره من استدلالهم و كذا جميع المذاهب الباطلة و الى هذا أشار الصادق عليه السّلام بقوله احذروا فكم من بدعة قد زخرفت بآية من كتاب اللّه بنظر الناظر إليها فيراها حقا و هي باطل «1».
السادس و العشرون: ان ذلك لو جاز لزم الاستغناء عن الامام عليه السّلام لأنه ما من مطلب من مطالب الأصول و الفروع الا يمكن بان يستنبط من ظاهر آية و آيات فأي حاجة الى الامام و قد صرح بنحو ذلك القاضي عبد الجبار «2» و غيره من علماء العامة و ذلك مباين لطريقة الإمامية معارض لأدلة الإمامية و اللازم باطل فكذا الملزوم السابع و العشرون: الأحاديث المتواترة الدالة على وجوب الرجوع الى الامام في جميع الأحكام و انه لا يجوز العمل فيها الا بقوله و قد جمعنا في كتاب وسائل الشيعة منها ما فيه كفاية و جميع أدلة الإمامة توافقها و تؤيدها و ليس لها معارض يقاومها كما عرفت.
الفوائد الطوسية، ص: 194
الثامن و العشرون: الحديث المتواتر بين الفريقين و هو قوله عليه السّلام انى تارك فيكم الثقلين ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا كتاب اللّه و عترتي أهل بيتي و انهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض «1» دل على وجوب التمسك بهما معا فمن تمسك بالكتاب و لم يرجع في تفسيره و معانيه إلى العترة لم يكن قد تمسك بهما و الا لزم كون العامة المستدلين بتلك الظواهر قد تمسكوا بهما، لأنهم يعترفون بفضل العترة و هو واضح البطلان و لو علم معاني الكتاب و قدر على الاستنباط منه غير العترة لافترقا و هو خلاف النص لكن من تمسك بالعترة كان قد تمسك بهما لأنهم لا يخالفون الحق من تلك الظواهر المتعارضة و أكثر تلك الظواهر مخالفة للعترة فظهر الفرق و الى هذا المعنى أشار أمير المؤمنين عليه السّلام بقوله: هذا كتاب اللّه الصامت و انا كتاب اللّه الناطق «2» فظهر الترجيح.
فان قلت: فما فائدة ذكر الكتاب مع العترة قلت: له فوائد منها: ان الكتاب معجزة النبوة و دليل صحة الإسلام.
و منها: ان امامة العترة و حجية أقوالهم عليهم السّلام تعلم من الكتاب و روايات غير العترة النص عليهم لا منهم للزوم الدور.
و منها: انه مرجح قوى عند تعارض أخبار العترة.
و منها: انه يمكن الاحتجاج به على العامة لأنهم يعتقدون حجية تلك الظواهر، فلنا ان نحتج به عليهم فيما وافق أحاديث العترة.
و منها: انه مؤيد عظيم لأحاديث العترة.
و منها: انه مشتمل على مطالب مهمة متواترة فيه صريحة مؤيدة للأدلة العقلية القطعية كآيات التوحيد و العدل و الاخبار بالقيمة و بطلان تكليف ما لا يطاق و غير ذلك.
الفوائد الطوسية، ص: 195
و منها: ان فيه من الحكم و الآداب النافعة المتواترة الضرورية ما لا يحصى من آيات الرهب و الوعظ و التذكير و غير ذلك من المطالب النافعة في الدين و الدنيا.
و منها: انه دال على وجوب الرجوع الى العترة في تفسيره و تأويله و الاستنباط منه و الاستدلال به كما ذكرناه سابقا الى غير ذلك فهذه جملة من المقام و نبذة من الاستدلال اقتضاها الحال مع ضيق المجال و هي كافية لأرباب الكمال الذين يعرفون الرجال بالحق لا الحق بالرجال و لا يضرها عدم قبول الجهال و اللّه تعالى أعلم بحقائق الأحوال.