السالك
27-03-2009, 09:39 PM
كتاب العقل والجهل :
12 - أبوعبدالله الاشعري، عن بعض أصحابنا، رفعه عن هشام بن الحكم قال: قال لي أبوالحسن موسى بن جعفر عليهما السلام: يا هشام إن الله تبارك وتعالى بشر أهل العقل والفهم في كتابه فقال: فبشر عباد * الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب " (1).
يا هشام : إن الله تبارك وتعالى أكمل للناس الحجج بالعقول، ونصر النبيين بالبيان، ودلهم على ربوبيته بالأدلة، فقال: " وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم * إن في خلق السموات والارض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس، وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيى به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون " ( 2 ).
يا هشام : قد جعل الله ذلك دليلا على معرفته بأن لهم مدبرًا، فقال: " وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره، إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون " (3).
وقال: " هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخا ومنكم من يتوفى من قبل ولتبلغوا أجلا مسمى ولعلكم تعقلون "(4) وقال: " إن في اختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيى به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون " (5) وقال: " يحيي الأرض بعد موتها، قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون " (6) ".
وقال: " وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يُسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل، إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون "(7) .
وقال : " ومن آياته يريكم البرق خوفًا وطمعًا وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها.إنَّ في ذلك لآيات لقوم يعقلون "(8) .
وقال: " قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانًا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق، نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلاَّ بالحق، ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون " (9) .
وقال: " هل لكم من ماملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم، كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون "(10) .
يا هشام : ثم وعظ أهل العقل ورغبهم في الآخرة فقال: " وما الحيوة الدنيا إلاَّ لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون "( 11) .
يا هشام : ثم خوف الذين لا يعقلون عقابه فقال تعالى: " ثم دمرنا الآخرين وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون "(12) .
وقال: " إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزًا من السماء بما كانوا يفسقون ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون " (13) .
يا هشام : إن العقل مع العلم فقال: " وتلك الامثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون " (14).
ياهشام : ثم ذم الذين لا يعقلون فقال: " وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباء نا أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون " (15) " وقال: " ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون " (16 ) ..
وقال: " ومنهم من يستمع إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون " (17) وقال: " أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إنْ هم إلاَّ كالأنعام بل هم أضل سبيلا " (18).
وقال: " لا يقاتلونكم جميعا إلاَّ في قرى محصنةً أو من وراء جدرٍ بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعًا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون " (19).
وقال: " وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون " (20).
يا هشام : ثم ذم الله الكثرة فقال: " وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله " (21).
وقال: " ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون " (22).
وقال: " ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيى به الارض من بعد موتها ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون(23) ".
يا هشام : ثم مدح القلة فقال: " وقليل من عبادي الشكور(24). وقال: " و قليل ما هم "(25) ".
وقال: " وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله "(26).
وقال: " ومن آمن وما آمن معه إلا قليل(27) , وقال: " ولكن أكثرهم لا يعلمون(28) ".
وقال: " وأكثرهم لا يعقلون "(29) , وقال: " وأكثرهم لا يشعرون " .
يا هشام :ثم ذكر أولي الألباب بأحسن الذكر، وحلاهم بأحسن الحلية، فقال: " يؤتى الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا وما يذكر إلاَّ أولو الألباب " (30) .
وقال: " والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلاَّ أولو الألباب(31) " وقال: " إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب "( 32).
وقال: " أفمن يعلم أنما انزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولو الألباب(33) " وقال: " أمن هو قانت آناء الليل ساجدًا وقائمًا يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب " (34).
وقال: " كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب "(35).
وقال: " ولقد آتينا موسى الهدى وأورثنا بني إسرائيل الكتاب هدى وذكرى لأولي الألباب " (36) " وقال: " وذكر فإنَّ الذكرى تنفع المؤمنين " (37).
يا هشام : إن الله تعالى يقول في كتابه: " إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب " (38) " يعني: عقل: " وقال " ولقد آتينا لقمان الحكمة " (39) ، قال: الفهم والعقل.
يا هشام : إنَّ لقمان قال لابنه: تواضع للحق تكن أعقل الناس، وإن الكيس لدى الحق يسير، يا بني إن الدنيا بحر عميق، قد غرق فيها عالم كثير فلتكن سفينتك فيها تقوى الله، وحشوها الإيمان وشراعها التوكل، وقيمها العقل ودليلها العلم، وسكانها الصبر.
يا هشام : إن لكل شئ دليلا ودليل العقل التفكر، ودليل التفكر الصمت، و لكل شئ مطية ومطية العقل التواضع وكفى بك جهلا أن تركب ما نهيت عنه.
يا هشام : ما بعث الله أنبياء ه ورسله إلى عباده إلا ليعقلوا عن الله، فأحسنهم استجابةً أحسنهم معرفة، وأعلمهم بأمر الله أحسنهم عقلا، وأكملهم عقلا أرفعهم درجة في الدنيا والآخرة.
يا هشام : إن لله على الناس حجتين: حجة ظاهرة وحجة باطنة، فأما الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة - عليهم السلام -، وأما الباطنة فالعقول.
يا هشام : إن العاقل الذي لا يشغل الحلال شكره، ولا يغلب الحرام صبره.
يا هشام : من سلط ثلاثا على ثلاث فكأنما أعان على هدم عقله: من أظلم نور تفكره بطول أمله، ومحا طرائف حكمته بفضول كلامه ، وأطفأ نور عبرته بشهوات نفسه، فكأنما أعان هواه على هدم عقله، ومن هدم عقله، أفسد عليه دينه ودنياه.
يا هشام : كيف يزكو عند الله عملك، وأنت قد شغلت قلبك عن أمر ربك وأطعت هواك على غلبة عقلك.
يا هشام : الصبر على الوحدة علامة قوة العقل، فمن عقل عن الله اعتزل أهل الدنيا والراغبين فيها، ورغب فيما عند الله، وكان الله انسه في الوحشة، وصاحبه في الوحدة، وغناه في العيلة ، ومعزه من غير عشيرة.
يا هشام نصب الحق لطاعة الله، ولا نجاة إلا بالطاعة، والطاعة بالعلم والعلم بالتعلم، والتعلم بالعقل يعتقد، ولا علم إلا من عالم رباني، ومعرفة العلم بالعقل.
يا هشام : قليل العمل من العالم مقبول مضاعف، وكثير العمل من أهل الهوى والجهل مردود.
يا هشام : إن العاقل رضي بالدون من الدنيا مع الحكمة، ولم يرض بالدون من الحكمة مع الدنيا، فلذلك ربحت تجارتهم.
يا هشام : إن العقلاء تركوا فضول الدنيا فكيف الذنوب، وترك الدنيا منالفضل، وترك الذنوب من الفرض.
يا هشام : إن العاقل نظر إلى الدنيا وإلى أهلها فعلم أنها لا تنال إلا بالمشقة ونظر إلى الآخرة فعلم أنها لا تنال إلا بالمشقة، فطلب بالمشقة أبقاهما.
يا هشام: إن العقلاء زهدوا في الدنيا ورغبوا في الآخرة، لأنهم علموا أن الدنيا طالبة مطلوبة والآخرة طالبة ومطلوبة، فمن طلب الآخرة طلبته الدنيا حتى يستوفي منها رزقه، ومن طلب الدنيا طلبته الآخرة فيأتيه الموت، فيفسد عليه دنياه وآخرته.
يا هشام : من أراد الغنى بلا مال، وراحة القلب من الحسد، والسلامة في الدين فليتضرع إلى الله عز وجل في مسألته بان يكمل عقله، فمن عقل قنع بما يكفيه، ومن قنع بما يكفيه استغني، ومن لم يقنع بما يكفيه لم يدرك الغني أبدا.
يا هشام : إن الله حكى عن قوم صالحين: أنهم قالوا: " ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب " ( 40 ) حين علموا أن القلوب تزيغ وتعود إلى عماها ورداها.
إنه لم يخف الله من لم يعقل عن الله، ومن لم يعقل عن الله لم يعقد قلبه على معرفة ثابتة يبصرها ويجد حقيقتها في قلبه، ولا يكون أحد كذلك إلا من كان قوله لفعله مصدقا، وسره لعلانيته موافقا، لان الله تبارك اسمه لم يدل على الباطن الخفي من العقل إلا بظاهر منه، وناطق عنه.
يا هشام : كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول: ما عبد الله بشئ أفضل من العقل، وما تم عقل امرئ حتى يكون فيه خصال شتى: الكفر والشر منه مأمونان، والرشد والخير منه مأمولان، وفضل ماله مبذول، وفضل قوله مكفوف، ونصيبه من الدنيا القوت، لا يشبع من العلم دهره، الذل أحب إليه مع الله من العز مع غيره، والتواضع أحب إليه من الشرف، يستكثر قليل المعروف من غيره، ويستقل كثير المعروف من نفسه، ويرى الناس كلهم خيرا منه، وأنه شرهم في نفسه، وهو تمام الأمر. يا هشام إن العاقل لا يكذب وإن كان فيه هواه.
يا هشام : لا دين لمن لا مروة له، ولا مروة لمن لا عقل له، وإن أعظم الناس قدرا الذي لا يرى الدنيا لنفسه خطرا أما إن أبدانكم ليس لها ثمن إلا الجنة فلا تبيعوها بغيرها.
يا هشام : إن أمير المؤمنين عليه السلام كان يقول: إن من علامة العاقل ان يكون فيه ثلاث خصال: يجيب إذا سئل، وينطق إذا عجز القوم عن الكلام، ويشير بالرأي الذي يكون فيه صلاح أهله، فمن لم يكن فيه من هذه الخصال الثلاث شئ فهو أحمق.
إن أمير المؤمنين عليه السلام قال: لا يجلس في صدر المجلس إلا رجل فيه هذه الخصال الثلاث أو واحدة منهن، فمن لم يكن فيه شئ منهن فجلس فهو أحمق.
وقال الحسن بن علي عليهما السلام: إذا طلبتم الحوائج فاطلبوها من أهلها، قيل يا ابن رسول الله ومن أهلها؟ قال: الذين قص الله في كتابه وذكرهم، فقال: " إنما يتذكر أولو الألباب " ( 41 ) قال: هم أولو العقول.
وقال علي بن الحسين عليهما السلام: مجالسة الصالحين داعية إلى الصلاح، وآداب العلماء زيادة في العقل، وطاعة ولاة العدل تمام العز، واستثمار المال تمام المروة وإرشاد المستشير قضاء لحق النعمة، وكف الأذى من كمال العقل، وفيه راحة البدن عاجلا وآجلا.
يا هشام : إن العاقل لا يحدث من يخاف تكذيبه، ولا يسأل من يخاف منعه ولا يعد ما لا يقدر عليه، ولا يرجو ما يعنف برجائه، ولا يقدم على ما يخاف فوته بالعجز عنه.
ــــــــــــــــــــــــ :
•أصول الكافي الجزء الأول ص 12 ـ 17 دار المرتضى , الطبعة الأولى 1426هـ 2005 م .
( 1 ) الزمر:17 ـ18 .
( 2 ) البقرة: 163 ـ 164 .
3 ) )النحل: 12.
( 4 )غافر :67.
( 5 ) اختلاف عن بعض النسخ عن هذه النسخة .
( 6 ) الحديد: 17.
( 7 ) الرعد:4.
( 8 ) الروم: 24.
( 9 ) الأنعام:151.
( 10 ) الروم: 28.
( 11 ) الأنعام: 32.
( 12 ) الصافات: 136 ـ 138
( 13 ) العنكبوت: 34 ـ 35
( 14 ) العنكبوت: 43.
( 15 ) البقرة : 170
( 16 ) البقرة: 171.
( 17 ) يونس: 42
( 18 ) الفرقان: 44.
( 19 ) الحشر:14
( 20 ) البقرة: 44.
( 21 ) الأنعام: 116.
( 22 ) لقمان: 25
( 23 ) العنكبوت: 63.
(24) سبأ: 13.
( 25 ) ص:24
( 26 ) غافر : 28 .
( 28 ) هود: 40.
( 29 ) الأنعام: 37 .
(30) المائدة: 103.
(31) البقرة: 269.
( 32) آل عمران: 7.
(33) آل عمران : 190 .
( 34 ) الرعد : 9 .
( 35 ) الزمر : 9 .
( 36 ) ص : 29 .
( 37 ) غافر : 53 ـ 54 .
( 39 ) الذاريات : 55 .
( 40 ) لقمان : 12 .
( 41 ) آل عمران : 8 .
( 42 ) الرعد : 9
12 - أبوعبدالله الاشعري، عن بعض أصحابنا، رفعه عن هشام بن الحكم قال: قال لي أبوالحسن موسى بن جعفر عليهما السلام: يا هشام إن الله تبارك وتعالى بشر أهل العقل والفهم في كتابه فقال: فبشر عباد * الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب " (1).
يا هشام : إن الله تبارك وتعالى أكمل للناس الحجج بالعقول، ونصر النبيين بالبيان، ودلهم على ربوبيته بالأدلة، فقال: " وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم * إن في خلق السموات والارض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس، وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيى به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون " ( 2 ).
يا هشام : قد جعل الله ذلك دليلا على معرفته بأن لهم مدبرًا، فقال: " وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره، إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون " (3).
وقال: " هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخا ومنكم من يتوفى من قبل ولتبلغوا أجلا مسمى ولعلكم تعقلون "(4) وقال: " إن في اختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيى به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون " (5) وقال: " يحيي الأرض بعد موتها، قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون " (6) ".
وقال: " وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يُسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل، إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون "(7) .
وقال : " ومن آياته يريكم البرق خوفًا وطمعًا وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها.إنَّ في ذلك لآيات لقوم يعقلون "(8) .
وقال: " قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانًا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق، نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلاَّ بالحق، ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون " (9) .
وقال: " هل لكم من ماملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم، كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون "(10) .
يا هشام : ثم وعظ أهل العقل ورغبهم في الآخرة فقال: " وما الحيوة الدنيا إلاَّ لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون "( 11) .
يا هشام : ثم خوف الذين لا يعقلون عقابه فقال تعالى: " ثم دمرنا الآخرين وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون "(12) .
وقال: " إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزًا من السماء بما كانوا يفسقون ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون " (13) .
يا هشام : إن العقل مع العلم فقال: " وتلك الامثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون " (14).
ياهشام : ثم ذم الذين لا يعقلون فقال: " وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباء نا أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون " (15) " وقال: " ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون " (16 ) ..
وقال: " ومنهم من يستمع إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون " (17) وقال: " أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إنْ هم إلاَّ كالأنعام بل هم أضل سبيلا " (18).
وقال: " لا يقاتلونكم جميعا إلاَّ في قرى محصنةً أو من وراء جدرٍ بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعًا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون " (19).
وقال: " وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون " (20).
يا هشام : ثم ذم الله الكثرة فقال: " وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله " (21).
وقال: " ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون " (22).
وقال: " ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيى به الارض من بعد موتها ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون(23) ".
يا هشام : ثم مدح القلة فقال: " وقليل من عبادي الشكور(24). وقال: " و قليل ما هم "(25) ".
وقال: " وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله "(26).
وقال: " ومن آمن وما آمن معه إلا قليل(27) , وقال: " ولكن أكثرهم لا يعلمون(28) ".
وقال: " وأكثرهم لا يعقلون "(29) , وقال: " وأكثرهم لا يشعرون " .
يا هشام :ثم ذكر أولي الألباب بأحسن الذكر، وحلاهم بأحسن الحلية، فقال: " يؤتى الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا وما يذكر إلاَّ أولو الألباب " (30) .
وقال: " والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلاَّ أولو الألباب(31) " وقال: " إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب "( 32).
وقال: " أفمن يعلم أنما انزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولو الألباب(33) " وقال: " أمن هو قانت آناء الليل ساجدًا وقائمًا يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب " (34).
وقال: " كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب "(35).
وقال: " ولقد آتينا موسى الهدى وأورثنا بني إسرائيل الكتاب هدى وذكرى لأولي الألباب " (36) " وقال: " وذكر فإنَّ الذكرى تنفع المؤمنين " (37).
يا هشام : إن الله تعالى يقول في كتابه: " إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب " (38) " يعني: عقل: " وقال " ولقد آتينا لقمان الحكمة " (39) ، قال: الفهم والعقل.
يا هشام : إنَّ لقمان قال لابنه: تواضع للحق تكن أعقل الناس، وإن الكيس لدى الحق يسير، يا بني إن الدنيا بحر عميق، قد غرق فيها عالم كثير فلتكن سفينتك فيها تقوى الله، وحشوها الإيمان وشراعها التوكل، وقيمها العقل ودليلها العلم، وسكانها الصبر.
يا هشام : إن لكل شئ دليلا ودليل العقل التفكر، ودليل التفكر الصمت، و لكل شئ مطية ومطية العقل التواضع وكفى بك جهلا أن تركب ما نهيت عنه.
يا هشام : ما بعث الله أنبياء ه ورسله إلى عباده إلا ليعقلوا عن الله، فأحسنهم استجابةً أحسنهم معرفة، وأعلمهم بأمر الله أحسنهم عقلا، وأكملهم عقلا أرفعهم درجة في الدنيا والآخرة.
يا هشام : إن لله على الناس حجتين: حجة ظاهرة وحجة باطنة، فأما الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة - عليهم السلام -، وأما الباطنة فالعقول.
يا هشام : إن العاقل الذي لا يشغل الحلال شكره، ولا يغلب الحرام صبره.
يا هشام : من سلط ثلاثا على ثلاث فكأنما أعان على هدم عقله: من أظلم نور تفكره بطول أمله، ومحا طرائف حكمته بفضول كلامه ، وأطفأ نور عبرته بشهوات نفسه، فكأنما أعان هواه على هدم عقله، ومن هدم عقله، أفسد عليه دينه ودنياه.
يا هشام : كيف يزكو عند الله عملك، وأنت قد شغلت قلبك عن أمر ربك وأطعت هواك على غلبة عقلك.
يا هشام : الصبر على الوحدة علامة قوة العقل، فمن عقل عن الله اعتزل أهل الدنيا والراغبين فيها، ورغب فيما عند الله، وكان الله انسه في الوحشة، وصاحبه في الوحدة، وغناه في العيلة ، ومعزه من غير عشيرة.
يا هشام نصب الحق لطاعة الله، ولا نجاة إلا بالطاعة، والطاعة بالعلم والعلم بالتعلم، والتعلم بالعقل يعتقد، ولا علم إلا من عالم رباني، ومعرفة العلم بالعقل.
يا هشام : قليل العمل من العالم مقبول مضاعف، وكثير العمل من أهل الهوى والجهل مردود.
يا هشام : إن العاقل رضي بالدون من الدنيا مع الحكمة، ولم يرض بالدون من الحكمة مع الدنيا، فلذلك ربحت تجارتهم.
يا هشام : إن العقلاء تركوا فضول الدنيا فكيف الذنوب، وترك الدنيا منالفضل، وترك الذنوب من الفرض.
يا هشام : إن العاقل نظر إلى الدنيا وإلى أهلها فعلم أنها لا تنال إلا بالمشقة ونظر إلى الآخرة فعلم أنها لا تنال إلا بالمشقة، فطلب بالمشقة أبقاهما.
يا هشام: إن العقلاء زهدوا في الدنيا ورغبوا في الآخرة، لأنهم علموا أن الدنيا طالبة مطلوبة والآخرة طالبة ومطلوبة، فمن طلب الآخرة طلبته الدنيا حتى يستوفي منها رزقه، ومن طلب الدنيا طلبته الآخرة فيأتيه الموت، فيفسد عليه دنياه وآخرته.
يا هشام : من أراد الغنى بلا مال، وراحة القلب من الحسد، والسلامة في الدين فليتضرع إلى الله عز وجل في مسألته بان يكمل عقله، فمن عقل قنع بما يكفيه، ومن قنع بما يكفيه استغني، ومن لم يقنع بما يكفيه لم يدرك الغني أبدا.
يا هشام : إن الله حكى عن قوم صالحين: أنهم قالوا: " ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب " ( 40 ) حين علموا أن القلوب تزيغ وتعود إلى عماها ورداها.
إنه لم يخف الله من لم يعقل عن الله، ومن لم يعقل عن الله لم يعقد قلبه على معرفة ثابتة يبصرها ويجد حقيقتها في قلبه، ولا يكون أحد كذلك إلا من كان قوله لفعله مصدقا، وسره لعلانيته موافقا، لان الله تبارك اسمه لم يدل على الباطن الخفي من العقل إلا بظاهر منه، وناطق عنه.
يا هشام : كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول: ما عبد الله بشئ أفضل من العقل، وما تم عقل امرئ حتى يكون فيه خصال شتى: الكفر والشر منه مأمونان، والرشد والخير منه مأمولان، وفضل ماله مبذول، وفضل قوله مكفوف، ونصيبه من الدنيا القوت، لا يشبع من العلم دهره، الذل أحب إليه مع الله من العز مع غيره، والتواضع أحب إليه من الشرف، يستكثر قليل المعروف من غيره، ويستقل كثير المعروف من نفسه، ويرى الناس كلهم خيرا منه، وأنه شرهم في نفسه، وهو تمام الأمر. يا هشام إن العاقل لا يكذب وإن كان فيه هواه.
يا هشام : لا دين لمن لا مروة له، ولا مروة لمن لا عقل له، وإن أعظم الناس قدرا الذي لا يرى الدنيا لنفسه خطرا أما إن أبدانكم ليس لها ثمن إلا الجنة فلا تبيعوها بغيرها.
يا هشام : إن أمير المؤمنين عليه السلام كان يقول: إن من علامة العاقل ان يكون فيه ثلاث خصال: يجيب إذا سئل، وينطق إذا عجز القوم عن الكلام، ويشير بالرأي الذي يكون فيه صلاح أهله، فمن لم يكن فيه من هذه الخصال الثلاث شئ فهو أحمق.
إن أمير المؤمنين عليه السلام قال: لا يجلس في صدر المجلس إلا رجل فيه هذه الخصال الثلاث أو واحدة منهن، فمن لم يكن فيه شئ منهن فجلس فهو أحمق.
وقال الحسن بن علي عليهما السلام: إذا طلبتم الحوائج فاطلبوها من أهلها، قيل يا ابن رسول الله ومن أهلها؟ قال: الذين قص الله في كتابه وذكرهم، فقال: " إنما يتذكر أولو الألباب " ( 41 ) قال: هم أولو العقول.
وقال علي بن الحسين عليهما السلام: مجالسة الصالحين داعية إلى الصلاح، وآداب العلماء زيادة في العقل، وطاعة ولاة العدل تمام العز، واستثمار المال تمام المروة وإرشاد المستشير قضاء لحق النعمة، وكف الأذى من كمال العقل، وفيه راحة البدن عاجلا وآجلا.
يا هشام : إن العاقل لا يحدث من يخاف تكذيبه، ولا يسأل من يخاف منعه ولا يعد ما لا يقدر عليه، ولا يرجو ما يعنف برجائه، ولا يقدم على ما يخاف فوته بالعجز عنه.
ــــــــــــــــــــــــ :
•أصول الكافي الجزء الأول ص 12 ـ 17 دار المرتضى , الطبعة الأولى 1426هـ 2005 م .
( 1 ) الزمر:17 ـ18 .
( 2 ) البقرة: 163 ـ 164 .
3 ) )النحل: 12.
( 4 )غافر :67.
( 5 ) اختلاف عن بعض النسخ عن هذه النسخة .
( 6 ) الحديد: 17.
( 7 ) الرعد:4.
( 8 ) الروم: 24.
( 9 ) الأنعام:151.
( 10 ) الروم: 28.
( 11 ) الأنعام: 32.
( 12 ) الصافات: 136 ـ 138
( 13 ) العنكبوت: 34 ـ 35
( 14 ) العنكبوت: 43.
( 15 ) البقرة : 170
( 16 ) البقرة: 171.
( 17 ) يونس: 42
( 18 ) الفرقان: 44.
( 19 ) الحشر:14
( 20 ) البقرة: 44.
( 21 ) الأنعام: 116.
( 22 ) لقمان: 25
( 23 ) العنكبوت: 63.
(24) سبأ: 13.
( 25 ) ص:24
( 26 ) غافر : 28 .
( 28 ) هود: 40.
( 29 ) الأنعام: 37 .
(30) المائدة: 103.
(31) البقرة: 269.
( 32) آل عمران: 7.
(33) آل عمران : 190 .
( 34 ) الرعد : 9 .
( 35 ) الزمر : 9 .
( 36 ) ص : 29 .
( 37 ) غافر : 53 ـ 54 .
( 39 ) الذاريات : 55 .
( 40 ) لقمان : 12 .
( 41 ) آل عمران : 8 .
( 42 ) الرعد : 9