PDA

View Full Version : طرف من حياة ومعجزات الإمام الكاظم ـ عليه السلام ـ


ع ج م جسا
28-07-2008, 07:02 PM
بسم الله الرحمن الرحيم ، والحمد لله رب العالمين ؛ وصلى الله على محمد وآله الطاهرين ؛ وبعد : أعظم الله أجورنا وأجوركم لمناسبة استشهاد مولانا كاظم الغيط مسموما حبيسا مصفدا بالأغلال غريباً مظلوما ؛ فلعن الله قاتله ومن أمر بذلك ورضي به ، ونرفع أحر التعازي إلى المعزى الأول الإمام الحجة بن الحسن ـ أرواحنا له الفداء ـ .
وهذا طرف موجز من حياته ومعاجزه بهذه المناسبة
ولادته : ولد بالأبواء بين مكة والمدينة المشهور في ولادته أنه ولد يوم الأحد سابع صفر سنة 128هـ ، واستشهد مسموما يوم الجمعة لست بقين من شهر رجب ( أي في الخامس والعشرين من رجب ) سنة 183هـ ؛ فعمره خمس وخمسون سنة وستة أشهر وثمانية عشر يوما .
والمروي عن الإمام العسكري(ع) في دلائل الإمامة أن ولادته في ذي الحجة سنة سبع وعشرين ومئة .
وفي الكافي عن بعضهم أن سنة ولادته 129هـ .
وفي دلائل الإمامة : ((فأقام مع أبيه تسع عشرة سنة ، وعاش بعد أبيه أيام إمامته خمسا وثلاثين سنة ، فيها بقية ملك المنصور ، ثم ملك ابنه محمد المهدي عشر سنين وشهر وأيام ، ثم ملك ‹ صفحة 306 › ابن المهدي موسى المعروف بالهادي سنة وخمس وعشرون يوما ، ثم ملك هارون المعروف بالرشيد ثلاث وعشرون سنة وشهران وتسعة وعشرون يوما . وبعدما مضى خمس عشرة سنة من ملك الرشيد ، استشهد ولي الله في رجب سنة مائة وأربعة وثمانين من الهجرة ، وصار إلى كرامة الله ( عز وجل ) وقد كمل عمره أربعا وخمسين سنة ، ويروى : سبعا وخمسين سنة ))
وقيل أن وفاته سنة 181 ذكر ذلك في الحدائق الناضرة . وقيل سنة 186 ذكر ذلك ابن شهر آشوب في مناقبه . وقيل أنه قبض لخمس خلون من رجب كما في الدروس وروضة الواعظين
وقال في الدلائل : ((وكان سبب وفاته أن يحيى بن خالد سمه في رطب وريحان ، أرسل بهما إليه مسمومين بأمر الرشيد ، ولما سم وجه الرشيد إليه بشهود حتى يشهدون عليه بخروجه عن أملاكه ، فلما دخلوا قال : يا فلان بن فلان ، سقيت السم في يومي هذا ، وفي غد يصفار بدني ويحمار ، وبعد غد يسود وأموت . فانصرف الشهود من عنده ، فكان كما قال ( عليه السلام ) . وتولى أمره ابنه علي الرضا ( عليه السلام ) ، ودفن ببغداد بمقابر قريش ، في بقعة كان قبل وفاته ابتاعها لنفسه . وكانت وفاته في حبس المسيب ، هو المسجد الذي بباب الكوفة الذي فيه السدرة. )) .
في ولادته : في دلائل الإمامة : (( روى أحمد بن محمد ، عن المختار بن زياد ، عن محمد بن سليمان ، عن أبيه ، عن أبي بصير ، قال : كنت عند أبي عبد الله ( عليه السلام ) في السنة التي ولد فيها موسى بن جعفر بالأبواء ، فبينا نحن نأكل معه إذ أتاه الرسول : إن حميدة قد أخذها الطلق : فقام فرحا مسرورا ومضى ، فلم يلبث أن عاد إلينا حاسرا عن ذراعيه ، ضاحكا مستبشرا ، فقلنا : أضحك الله سنك ، وأقر عينك ، ما صنعت حميدة ؟ فقال : وهب الله لي غلاما ، وهو خير أهل زمانه ، ولقد خبرتني أمه عنه بما كنت أعلم به منها . فقلت : جعلت فداك ، وما الذي خبرتك به عنه ؟ فقال : ذكرت أنه لما خرج من أحشائها وقع إلى الأرض رافعا رأسه إلى السماء ، قد اتقى الأرض بيده ، يشهد أن لا إله إلا الله . فقلت لها : إن ذلك أمارة رسول الله وأمارة الأئمة من بعده . فقلت : جعلت فداك ؛ وما الإمارة ؟ فقال : العلامة . يا أبا بصير ، إنه لما كان في الليلة التي علق فيها أتاني آت بكأس فيه شربة من الماء أبيض من اللبن ، وأحلى من العسل وأشد وأبرد من الثلج ؛ فسقانيه فشربته ، وأمرني بالجماع ، ففعلت فرحا مسرورا ، وكذلك يفعل بكل واحد منا ؛ فهو والله صاحبكم . إن نطفة الإمام حين تكون في الرحم أربعين يوما وليلة نصب لها عمود من نور في بطن أمه ، ينظر به مد بصره ، فإذا تمت له أربعة أشهر أتاه ملك يقال له ( الخير ) فكتب على عضده الأيمن * ( وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا ) * الآية . فإذا وضعته أمه اتقى الأرض بيده ، رافعا رأسه إلى السماء ، ويشهد أن لا إلا إلا الله . وينادي مناد من قبل العرش ، من الأفق الأعلى باسمه واسم أبيه : يا فلان بن فلان ، يقول الجليل : أبشر فإنك صفوتي ، وخيرتي من خلقي ، وموضع سري ، وعيبة علمي ، لك ولمن تولاك أوجب رحمتي وأسكنه جنتي ، واحلله جواري ، ثم وعزتي ، لأصلين من عاداك ناري وأشد عذابي ، وإن أوسعت عليه في دنياه . فإذا انقطع المنادي أجابه الإمام : * ( شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم ) *. فإذا قالها أعطاه الله علم الأولين وعلم الآخرين ، واستوجب الزيادة من الجليل ليلة القدر . فقلت : جعلت فداك ؛ أليس الروح هو جبرئيل ؟ فقال : جبرئيل من الملائكة ، والروح خلق أعظم منه ، وهو مع الإمام حيث كان .
259 / 2 - وحدثنا أبو المفضل محمد بن عبد الله ، قال : حدثني أبو النجم بدر ابن عمار الطبرستاني ، قال : حدثنا أبو جعفر محمد بن علي ، رفعه إلى أبي عبد الله ( عليه السلام ) ، قال : إن حميدة أخبرتني بشيء ظنت أني لا أعرفه ، وكنت أعلم به منها . قلنا له : وما أخبرتك به ؟ قال : ذكرت أنه لما سقط من الأحشاء سقط واضعا يديه على الأرض ، رافعا رأسه إلى السماء ، فأخبرتها أن ذلك أمارة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) والوصي إذا خرج من بطن أمه ، أن تقع يداه على الأرض ، ورأسه إلى السماء ، ويقول * ( شهد الله أنه لا إله إلا هو ) الآية ، أعطاه الله العلم الأول ، والعلم الآخر ، واستحق زيادة الروح في ليلة القدر ، وهو أعظم خلقا من جبرئيل )).
وفي دلائل الإمامة : (( نسبه ( عليه السلام ) موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف .
ويكنى : أبا الحسن ، وأبا إبراهيم - والثاني أثبت - لأنه قال : منحني أبي كنيتين . يعني أباه الصادق ( عليه السلام ).
ولقبه : العبد الصالح ، والوفي ، والصابر ، والكاظم ، والأمين .
وأمه : حميدة بنت صاعد البربري.
260 / 3 - وحدثنا أبو المفضل محمد بن عبد الله ، قال : حدثني أبو النجم بدر ابن عمار الطبرستاني ، قال حدثني أبو جعفر محمد بن علي الشلمغاني ، رفعه إلى جابر قال : قال لي أبو جعفر ( عليه السلام ) : قدم رجل من المغرب معه رقيق ، ووصف لي صفة جارية معه ، وأمرني بابتياعها بصرة دفعها إلي . فمضيت إلى الرجل ، فعرض علي ما كان عنده من الرقيق ، فقلت : بقي عندك غير ما عرضت علي ؟ فقال : بقيت جارية عليلة . فقلت : أعرضها علي . فعرض حميدة ، فقلت له : بكم تبيعها ؟ فقال : بسبعين دينارا . فأخرجت الصرة إليه ، فقال النخاس : لا إله إلا الله ! رأيت البارحة في النوم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وقد ابتاع مني هذه الجارية بهذه الصرة بعينها . فتسلمت الجارية وصرت بها إلى أبي جعفر ( عليه السلام ) ، فسألها عن اسمها ، فقالت : حميدة . فقال : حميدة في الدنيا ، محمودة في الآخرة : ثم سألها عن خبرها ، فعرفته أنها بكر ، فقال لها : أنى يكون ذلك وأنت جارية كبيرة ؟ ! فقالت : كان مولاي إذا أراد أن يقرب مني أتاه رجل في صورة حسنة فيمنعه أن يصل إلي . فدفعها أبو جعفر ( عليه السلام ) إلى أبي عبد الله ( عليه السلام ) ، وقال : حميدة سيدة الإماء ، مصفاة من الأرجاس كسبيكة الذهب ما زالت الأملاك تحرسها حتى أديت إلى كرامة الله ( عز وجل ) .
بوابه : محمد بن المفضل.
[ نقش خاتمه ( عليه السلام ) ] وكان له خاتم نقشة فصه : حسبي الله
ذكر ولده ( عليه السلام ) : علي الإمام الرضا ( عليه السلام ) ، وفاطمة لأم . والعباس ، وإبراهيم ، والقاسم لأمهات شتى . وإسماعيل ، وجعفر ، وهارون ، والحسن ، وفاطمة الصغرى ، وأحمد لأم . ومحمد ، وحمزة ، ورقية لأم . و عبد الله ، وإسحاق لأم . وعبيد الله ، وزيد ، وحسين ، والفضل ، وسليمان ، وحكيمة ، وعباسة ، وقسمة ، وأم فروة ، وأسماء ، ورقية ، وكلثوم ، وأم جعفر ، ولبابة ، وزينب ، وخديجة ، وعلية ، وآمنة ، وحسينة ، ونزيهة ، وأم سلمة ، ومصونة ، وأم كلثوم لأمهات شتى )) .
في صفاته وسجياته وعبادته وكرمه :
في دلائل الإمامة : (( وكان أبوه يحبه ويميل إليه ، ووهب اليسيرية له تفضلا ، وكان شراها بستة وعشرين ألف دينار .
وكان ( عليه السلام ) شيخا بهيا كريما ، عتق ألف مملوك . وكان يدعى ( العبد الصالح ) من عبادته واجتهاده . وقيل : إنه دخل مسجد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فسجد سجدة في أول الليل ، وسمع وهو يقول في سجوده : " عظم الذنب من عبدك ، فليحسن العفو من عندك ، يا أهل التقوى ، ويا أهل المغفرة " وجعل يرددها حتى أصبح . وكان يبلغه عن رجل أنه يؤذيه ، فيبعث إليه بصرة فيها ألف دينار . وكان يصر الصرر ثلاثمائة دينار وأربعمائة دينار ومائتي دينار ثم يقسمها بالمدينة . وكانت صرة موسى إذا جاءت الإنسان استغنى.
وقال محمد بن عبد الله البكري : قدمت المدينة أطلب بها دينا ، فأعياني ، فقلت : لو ذهبت إلى أبي الحسن موسى وشكوت إليه ، فأتيته بنقمي في ضيعته ، فخرج إلي ومعه غلام معه منسف فيه قديد مجزع ، ليس معه غيره ، فأكل وأكلت معه ، ثم سألني عن حاجتي ، فذكرت له قصتي ، فدخل فلم يقر إلا يسيرا حتى خرج إلي فقال لغلامه : اذهب . ثم مد يده إلي ، فدفع صرة فيها ثلاثمائة دينار ، ثم قام فولى ، فقمت فركبت دابتي وانصرفت .
وقيل : إنه كان بالمدينة رجل من ولد عمر بن الخطاب يؤذيه ويشتم عليا ( صلوات الله عليه ) ، وكان قد قال له بعض حاشيته : دعنا نقتله . فنهاهم عن ذلك أشد النهي ، وزجرهم أشد الزجر ، وسأل عن العمري ، فذكر له أنه يزرع بناحية من نواحي المدينة ، فركب إليه في مزرعته فوجده فيها ، فدخل المزرعة بحماره ، فصاح به العمري : لا تطأ زرعنا . فتوطأه بالحمار ، حتى وصل إليه ، فنزل وجلس عنده ، وضاحكه ، وقال له : كم غرمت في زرعك هذا ؟ قال له : مائة دينار . قال : فكم ترجو أن تصيب فيه ؟ قال : لا أعلم الغيب . قال : إنما قلت لك : كم ترجو فيه ؟ قال : أرجو أن يجيئني مائتا دينار . قال : فأعطاه ثلاثمائة دينار ، وقال : هذا زرعك على حاله . قال : فقام العمري فقبل رأسه ، وانصرف . قال : فراح إلى المسجد فوجد العمري جالسا ، فلما نظر إليه قال : الله أعلم حيث يجعل رسالته . قال : فوثب أصحابه فقالوا له : ما قصتك ؟ ! قد كنت تقول خلاف هذا ! فخاصمهم وسابهم ، وجعل يدعو لأبي الحسن موسى ( عليه السلام ) كلما دخل وخرج . قال : فقال أبو الحسن موسى ( عليه السلام ) لحاشيته الذين أرادوا قتل العمري : أيما كان أخير : ما أردتم أو ما أردت ؟ أردت أن أصلح أمره بهذا المقدار .
وقال محمد ابنه : خرجت مع أبي إلى ضياعه ، وأصبحنا في غداة باردة ، وقد دنونا منها وأصبحنا عند عين من عيون ساية ؛ فخرج إلينا من تلك الضياع عبد زنجي فصيح مستدفئ بخرقة ، على رأسه قدر فخار ، فوقف على الغلمان ؛ فقال : أين سيدكم ؟ قالوا : هو ذاك . قال : أبو من يكنى ؟ قالوا : أبا الحسن . قال فوقف عليه وقال له : يا سيدي يا أبا الحسن ، هذه عصيدة أهديتها إليك . قال : ضعها عند الغلمان ، فوضعها عند الغلمان ، فأكلوا منها . ثم ذهب فلم نقل بلغ حتى خرج ، وعلى رأسه حزمة حطب ، حتى وقف عليه وقال : يا سيدي ، هذا حطب أهديته إليك . قال : ضعه عند الغلمان وهب لنا نارا . فذهب فجاء بنار . قال : فكتب أبو الحسن ( عليه السلام ) اسمه واسم مولاه ، فدفعه إلي وقال : يا بني ، احتفظ بهذه الرقعة حتى أسألك عنها . قال : فوردنا إلى ضياعه ، فأقام بها ما طاب له ، ثم قال : امضوا بنا إلى زيارة البيت . قال : فخرجنا حتى وردنا مكة ، فلما قضى عمرته دعا صاعدا فقال : اذهب فاطلب لي هذا الرجل ، فإذا علمت موضعه فأعلمني حتى أمشي إليه . فوقعت على الرجل ، فلما رآني عرفني ، وكنت أعرفه ، وكان يتشيع ، فلما رآني سلم علي وقال : أبو الحسن موسى قدم ؟ قلت : لا . قال : فأي شئ أقدمك ؟ قلت : حوائج ، وكان قد علم بمكانه وبشأنه ، فتبعني وجعلت أتخفى منه ويلحقني بنفسه ، فلما رأيت أني لا أنفلت منه ، مضيت إلى مولاي ومضى معي حتى أتيته ، فقال : ألم أقل لك لا تعلمه ؟ فقلت : جعلت فداك ، لم اعلمه . فسلم عليه فقال أبو الحسن ( عليه السلام ) : غلامك فلان تبيعه ؟ فقال : جعلت فداك ، الغلام لك ، والضيعة لك ، وجميع ما أملك . قال : أما الضيعة فلا أحب أن أسلبكها ، وقد حدثني أبي ، عن جدي أن بائع الضيعة ممحوق ، ومشتريها مرزوق . قال : فجعل الرجل يعرضها عليه مدلا بها ، فاشترى أبو الحسن ( عليه السلام ) الضيعة والرقيق منه بألوف الدنانير وأعتق العبد ، ووهب له الضيعة . وقال ابن أبي رافع : فهو ذا ولده يعرف بالصراف بمكة )) .

وفي الدلائل أيضا : (( ذكر معجزاته ( عليه السلام ):
261 / 4 - حدثنا أبو المفضل محمد بن عبد الله ، قال : حدثنا جعفر [ بن محمد ] بن مالك الفزاري ، قال : حدثني محمد بن إسماعيل الحسيني ، عن أبي محمد الحسن بن علي الثاني ( عليه السلام ) ، قال : إن موسى ( عليه السلام ) قبل وفاته بثلاثة أيام دعا المسيب وقال له : إني ظاعن عنك في هذه الليلة إلى مدينة جدي رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، لأعهد إلى من بها عهدا أن يعمل به بعدي . قال المسيب : قلت : مولاي ، كيف تأمرني والحرس والأبواب ! كيف أفتح لك الأبواب والحرس معي على الأبواب وعليها أقفالها ؟ ! فقال : يا مسيب ، ضعفت نفسك في الله وفينا ؟ ! قلت : يا سيدي ، بين لي . فقال : يا مسيب ، إذا مضى من هذه الليلة المقبلة ثلثها ، فقف فانظر . قال المسيب : فحرمت على نفسي الانضجاع في تلك الليلة ، فلم أزل راكعا وساجدا وناظرا ما وعدنيه ، فلما مضى من الليل ثلثه غشيني النعاس وأنا جالس ، فإذا أنا بسيدي موسى يحركني برجله ، ففزعت وقمت قائما ، فإذا بتلك الجدران المشيدة ، والأبنية المعلاة ، وما حولنا من القصور والأبنية ، قد صارت كلها أرضا ، فظننت بمولاي أنه أخرجني من المحبس الذي كان فيه ، قلت : مولاي ، خذ بيدي من ظالمك وظالمي . فقال : يا مسيب ، تخاف القتل ؟ قلت : مولاي ، معك لا . فقال : يا مسيب فاهدأ على حالتك ، فإنني راجع إليك بعد ساعة واحدة ، فإذا وليت عنك فسيعود المحبس إلى شأنه . قلت : يا مولاي ، فالحديد الذي عليك ، كيف تصنع به ؟ فقال : ويحك يا مسيب ! بنا والله ألان الله الحديد لنبيه داود ، كيف يصعب علينا الحديد ؟ ! قال المسيب : ثم خطا ، فمر بين يدي خطوة ولم أدر كيف غاب عن بصري ، ثم ارتفع البنيان وعادت القصور على ما كانت عليه ، واشتد اهتمام نفسي ، وعلمت أن وعده الحق ، فلم أزل قائما على قدمي ، فلم ينقض إلا ساعة كما حده لي ، حتى رأيت الجدران والأبنية قد خرت إلى الأرض سجدا ، وإذا أنا بسيدي ( عليه السلام ) وقد عاد إلى حبسه ، وعاد الحديد إلى رجليه ، فخررت ساجدا لوجهي بين يديه ، فقال لي : ارفع رأسك يا مسيب ، وأعلم أن سيدك راحل عنك إلى الله في ثالث هذا اليوم الماضي . فقلت : مولاي ، فأين سيدي علي ؟ فقال : شاهد غير غائب يا مسيب ، وحاضر غير بعيد ، يسمع ويرى . قلت : يا سيدي ، فإليه قصدت ؟ قال : قصدت والله يا مسيب ، كل منتخب لله على وجه الأرض شرقا وغربا ، حتى الجن في البراري والبحار ، حتى الملائكة في مقاماتهم وصفوفهم . قال : فبكيت . قال : لا تبك يا مسيب ، إنا نور لا نطفأ ، إن غبت عنك ، فهذا علي ابني يقوم مقامي بعدي ، هو أنا . فقلت : الحمد لله . قال : ثم إن سيدي في ليلة اليوم الثالث دعاني فقال لي : يا مسيب ، إن سيدك يصبح من ليلة يومه على ما عرفتك من الرحيل إلى الله ( تعالى ) ، فإذا أنا دعوت بشربة ماء فشربتها فرأيتني قد انتفخت بطني ، يا مسيب ، واصفر لوني ، واحمر ، واخضر ، وتلون ألوانا ، فخبر الظالم بوفاتي ، وإياك بهذا الحديث . أن تظهر عليه أحدا من عندي إلا بعد وفاتي . قال المسيب : فلم أزل أترقب وعده ، حتى دعا بشربة الماء فشربها ، ثم دعاني فقال : إن هذا الرجس ، السندي بن شاهك ، سيقول إنه يتولى أمري ودفني ، وهيهات هيهات أن يكون ذلك أبدا ! فإذا حملت نعشي إلى المقبرة المعروفة بمقابر قريش ، فالحدوني بها ، ولا تعلوا على قبري علوا واحدا ، ولا تأخذوا من تربتي لتتبركوا بها ، فإن كل تربة لنا محرمة إلا تربة جدي الحسين بن علي ( عليه السلام ) ، فإن الله جعلها شفاء لشيعتنا وأوليائنا . قال : فرأيته تختلف ألوانه ، وتنتفخ بطنه ، ثم قال : رأيت شخصا أشبه الأشخاص به ، جالسا إلى جانبه في مثل هيئته ، وكان عهدي بسيدي الرضا ( عليه السلام ) في ذلك الوقت غلاما ، فأقبلت أريد سؤاله ، فصاح بي سيدي موسى ( عليه السلام ) : قد نهيتك يا مسيب ، فتوليت عنهم ، ولم أزل صابرا حتى قضى ، وعاد ذلك الشخص . ثم أوصلت الخبر إلى الرشيد ، فوافى الرشيد وابن شاهك ، فوالله ، لقد رأيتهم بعيني وهم يظنون أنهم يغسلونه ويحنطونه ويكفنونه ، وكل ذلك أراهم لا يصنعون به شيئا ، ولا تصل أيديهم إلى شئ منه ، ولا إليه ، وهو مغسول ، مكفن ، محنط ، ثم حمل ودفن في مقابر قريش ، ولم يعل على قبره إلى الساعة . وبقي في الحديث ما لم يحسن ذكره مما فعله الرشيد به ، كذا وجدت الحكاية .
262 / 5 - وروي أن الرشيد فكر في قتل موسى ( عليه السلام ) فدعا برطب فأكل منه ، ثم أخذ صينية ، فوضع فيها عشرين رطبة ، وأخذ سلكا فتركه في السم ، وأدخله في الخياط وأخذ رطبة من ذلك الرطب ، وأقبل يردد السلك المسموم بذلك الخيط ، من رأس الرطبة إلى آخرها ، حتى علم أن السم قد تمكن فيها ، واستكثر منه ، ثم ردها في الرطب ، وقال لخادم له : احمل هذه الصينية إلى موسى ، وقل له : إن أمير المؤمنين أكل من هذا الرطب ، وتنغص لك ، وهو يقسم عليك بحقه إلا ما أكلته عن آخره ، فإني اخترتها لك بيدي ، ولا تتركه حتى لا يبقي منه شيئا ، ولا يطعم منه أحدا . فأتاه بها الخادم ، وأبلغه الرسالة ، فقال له : إئتني بخلالة. فناوله خلالة ، وأقام بإزائه وهو يأكل الرطب ، وكان للرشيد كلبة أعز عليه من كل ما كان في مملكته ، فجرت نفسها وخرجت بسلاسل ذهب وفضة كانت في عنقها ، حتى حاذت موسى بن جعفر ( عليه السلام ) ، فبادر بالخلالة إلى الرطبة المسمومة فغرزها ، ورمى بها إلى الكلبة ، فأكلتها ، فلم تلبث الكلبة أن ضربت بنفسها الأرض ، وعوت حتى تقطعت قطعا قطعا ، واستوفى ( عليه السلام ) باقي الرطب ، وحمل الغلام الصينية إلى الرشيد ، فقال له : أكل الرطب عن آخره ؟ قال : نعم يا أمير المؤمنين . قال : فكيف رأيته ؟ قال : ما أنكرت منه شيئا يا أمير المؤمنين . قال : ثم ورد خبر الكلبة ، وأنها قد تهرأت وماتت ، فقلق الرشيد لذلك قلقا شديدا ، واستعظمه ، ومر على الكلبة ، فوجدها متهرأة بالسم ، فدعا الخادم ، ودعا بالسيف والنطع ، قال : لتصدقني عن خبر الرطب وإلا قتلتك . فقال : يا أمير المؤمنين ، إني حملت الرطب إليه ، وأبلغته رسالتك ، وقمت بإزائه ، فطلب خلالة ، فدفعت إليه خلالة ، فأقبل يغرز الرطبة بعد الرطبة يأكلها ، حتى مرت به الكلبة ، فغرز رطبة من ذلك الرطب ، ورمى بها إلى الكلبة ، فأكلتها ، وأكل باقي الرطب ، فكان ما ترى . فقال الرشيد : ما ربحنا من موسى إلا أنا أطعمناه جيد الرطب ، وضيعنا سمنا ، وقتلنا كلبتنا .
263 / 6 - وحدثني أبو المفضل محمد بن عبد الله ، قال : حدثنا محمد بن علي ابن الزبير البلخي ببلخ ، قال : حدثنا حسام بن حاتم الأصم ، قال : حدثني أبي ، قال : قال لي شقيق - يعني ابن إبراهيم البلخي - : خرجت حاجا إلى بيت الله الحرام في سنة تسع وأربعين ومائة ، فنزلنا القادسية ، قال شقيق : فنظرت إلى الناس في زيهم بالقباب والعماريات والخيم والمضارب ، وكل إنسان منهم قد تزيا على قدره ، فقلت : اللهم إنهم قد خرجوا إليك فلا تردهم خائبين . فبينما أنا قائم ، وزمام راحلتي بيدي ، وأنا أطلب موضعا أنزل فيه منفردا عن الناس ، إذ نظرت إلى فتى حدث السن ، حسن الوج ، شديد السمرة ، عليه سيماء العبادة وشواهدها ، وبين عينيه سجادة كأنها كوكب دري ، وعليه من فوق ثوبه شملة من صوف ، وفي رجله نعل عربي ، وهو منفرد في عزلة من الناس ، فقلت في نفسي : هذا الفتى من هؤلاء الصوفية المتوكلة ، يريد أن يكون كلا على الناس في هذا الطريق ، والله لأمضين إليه ، ولأوبخنه . قال : فدنوت منه ، فلما رآني مقبلا نحوه قال لي : يا شقيق * ( اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ) * وقرأ الآية ، ثم تركني ومضى ، فقلت في نفسي : قد تكلم هذا الفتى على سري ، ونطق بما في نفسي ، وسماني باسمي ، وما فعل هذا إلا وهو ولي الله ، ألحقه وأسأله أن يجعلني في حل ، فأسرعت وراءه ، فلم ألحقه ، وغاب عن عيني ، فلم أره . وارتحلنا حتى نزلنا واقصة ، فنزلت ناحية من الحاج ، ونظرت فإذا صاحبي قائم يصلي على كثيب رمل ، وهو راكع وساجد ، وأعضاؤه تضطرب ، ودموعه تجري من خشية الله ( عز وجل ) ، فقلت : هذا صاحبي ، لأمضين إليه ، ثم لأسألنه أن يجعلني في حل ، فأقبلت نحوه ، فلما نظر إلي مقبلا قال لي : يا شقيق * ( وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى ) * ثم غاب عن عيني فلم أره ، فقلت : هذا رجل من الأبدال ، وقد تكلم على سري مرتين ، ولو لم يكن عند الله فاضلا ما تكلم على سري . ورحل الحاج وأنا معهم ، حتى نزلنا بزبالة ، فإذا أنا بالفتى قائم على البئر ، وبيده ركوة يستقي بها ماء ، فانقطعت الركوة في البئر ، فقلت : صاحبي والله ، فرأيته قد رمق السماء بطرفه ، وهو يقول : أنت ربي إذا ظمأت إلى الماء * وقوتي إذا أردت الطعاما إلهي وسيدي مالي سواها ، فلا تعدمنيها . قال شقيق : فو الله ، لقد رأيت البئر وقد فاض ماؤها حتى جرى على وجه الأرض ، فمد يده ، فتناول الركوة ، فملأها ماء ، ثم توضأ ، فأسبغ الوضوء ، وصلى ركعات ، ثم مال إلى كثيب رمل أبيض ، فجعل يقبض بيده من الرمل ويطرحه في الركوة ، ثم يحركها ويشرب ، فقلت في نفسي : أتراه قد حول الرمل سويقا ؟ ! فدنوت منه فقلت له : أطعمني رحمك الله ، من فضل ما أنعم الله به عليك . فنظر وقال لي : يا شقيق ، لم تزل نعمة الله علينا أهل البيت سابغة ، وأياديه لدينا جميلة ، فأحسن ظنك بربك ، فإنه لا يضيع من أحسن به ظنا . فأخذت الركوة من يده وشربت ، فإذا سويق وسكر ، فوالله ما شربت شيئا قط ألذ منه ، ولا أطيب رائحة ، فشبعت ورويت ، وأقمت أياما لا أشتهي طعاما ولا شرابا ، فدفعت إليه الركوة . ثم غاب عن عيني ، فلم أره حتى دخلت مكة وقضيت حجي ، فإذا أنا بالفتى في هدأة من الليل ، وقد زهرت النجوم ، وهو إلى جانب قبة الشراب راكعا ساجدا ، لا يريد مع الله سواه ، فجعلت أرعاه وأنظر إليه ، وهو يصلي بخشوع وأنين وبكاء ، ويرتل القرآن ترتيلا ، فكلما مرت آية فيها وعد ووعيد رددها على نفسه ، ودموعه تجري على خده ، حتى إذا دنا الفجر جلس في مصلاه يسبح ربه ويقدسه ، ثم قام فصلى الغداة ، وطاف بالبيت أسبوعا ، وخرج من باب المسجد ، فخرجت ، فرأيت له حاشية وموال ، وإذا عليه لباس خلاف الذي شاهدت ، وإذا الناس من حوله يسألونه عن مسائلهم ، ويسلمون عليه ، فقلت لبعض الناس ، أحسبه من مواليه : من هذا الفتى ؟ فقال لي : هذا أبو إبراهيم ، عالم آل محمد . قلت : ومن أبو إبراهيم ؟ قال : موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ( عليهم السلام ) . فقلت : لقد عجبت أن توجد هذه الشواهد إلا في هذه الذرية .
264 / 7 - وحدثني القاضي أبو الفرج المعافى ، قال : حدثنا أحمد بن إسماعيل الكاتب ، قال : كان بحضرة باب الرشيد رجل من الأنصار يقال له ( نفيع ) وكان عريضا ، وكان آدم بن عبد العزيز شاعرا ظريفا ، فاتفقا يوما بباب الرشيد ، وحضر موسى ابن جعفر على حمار له ، فلما قرب قام الحاجب إليه ، فأدخله من الباب ، فقال نفيع لآدم : من هذا ؟ فقال : أو ما تعرفه ؟ قال : لا . قال : هذا شيخ آل أبي طالب اليوم ، هذا فلان بن فلان . فقال : تبا لهؤلاء القوم يكرمون هذا الاكرام من يقصد ليزيلهم عن سريرهم ، أما إنه إن خرج لأسوأنه . قال فقال له آدم : لا تفعل ، إن هؤلاء قوم قد أعطاهم الله ( عز وجل ) حظا في ألسنتهم ، وقلما ناوأهم إنسان ، أو تعرض لهم ، إلا ووسموه بسمة سوء . فقال له : سترى . وخرج موسى فوثب إليه نفيع فأخذ بلجام حماره ، وقال له : من أنت ؟ فقال بوقار : إن كنت تريد النسب فأنا ابن محمد حبيب الله بن إسماعيل ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله . وإن كنت تريد البيت فهو البيت الذي أوجب الله ( جل ذكره ) على المسلمين كافة ، وعليك إن كنت منهم ، أن يحجوا إليه . وإن كنت تريد المنافرة ، فوالله ما رضي مشركو قومي بمسلمي قومك أكفاء حتى قالوا : يا محمد أخرج إلينا أكفاءنا من قريش . قال : فاسترخت أصابعه من اللجام وتركه .
265 / 8 - قال : قال أبو جعفر : حدثنا أبو محمد سفيان ، قال : حدثنا وكيع ، قال : حدثنا الأعمش ، قال : لحقت موسى بن جعفر الكاظم الغيظ ( عليه السلام ) وهو في حبس الرشيد فرأيته يخرج من حبسه ويغيب ثم يدخل من حيث لا يرى .
266 / 9 - قال أبو جعفر : حدثنا أبو محمد سفيان ، قال : حدثنا وكيع ، عن الأعمش ، قال : رأيت كاظم الغيظ ( عليه السلام ) عند الرشيد وقد خضع له ، فقال له عيسى ابن أبان : يا أمير المؤمنين ، لم تخضع له ؟ قال : رأيت من ورائي أفعى تضرب بنابها وتقول : أجبه بالطاعة وإلا بلعتك . ففزعت منها فأجبته .
267 / 10 - قال أبو جعفر : حدثنا عبد الله بن محمد البلوي ، قال : حدثنا غالب ابن مرة ومحمد بن غالب ، قالا : كنا في حبس الرشيد ، فأدخل موسى بن جعفر ( عليه السلام ) ، فأنبع الله له عينا وأنبت له شجرة ، فكان منهما يأكل ويشرب ونهنيه ، وكان إذا دخل بعض أصحاب الرشيد غابت حتى لا ترى .
268 / 11 - قال أبو جعفر : حدثنا أبو محمد سفيان ، عن وكيع ، قال : قال الأعمش : رأيت موسى بن جعفر ( عليه السلام ) وقد أتى شجرة مقطوعة موضوعة فمسها بيده فأورقت ، ثم اجتنى منها ثمرا وأطعمني .
269 / 12 - قال أبو جعفر : حدثنا هشام بن منصور ، عن رشيق مولى الرشيد ، قال : وجه بي الرشيد في قتل موسى بن جعفر ( عليه السلام ) ، فأتيته لأقتله ، فهز عصا كانت في يده فإذا هي أفعى ، وأخذت هارون الحمى ، ووقعت الأفعى في عنقه حتى وجه إلي بإطلاقه فأطلقت عنه .
270 / 13 - قال أبو جعفر : حدثنا علقمة بن شريك بن أسلم ، عن موسى بن هامان ، قال : رأيت موسى بن جعفر ( عليه السلام ) في حبس الرشيد وتنزل عليه مائدة من السماء ، ويطعم أهل السجن كلهم ثم يصعد بها من غير أن ينقص منها شيء .
271 / 14 - قال أبو جعفر : حدثنا أبو محمد عبد الله بن محمد البلوي ، قال : حدثنا عمارة بن زيد ، قال : قال إبراهيم بن سعد : أدخل إلى موسى بن جعفر ( عليه السلام ) بسباع لتأكله ، فجعلت تلوذ به وتبصبص له ، وتدعو له بالإمامة ، وتعوذ به من شر الرشيد ، فلما بلغ ذلك الرشيد أطلق عنه ، وقال : أخاف إن يفتنني ويفتن الناس ومن معي .
272 / 15 - قال أبو جعفر : حدثنا سفيان ، قال : حدثنا وكيع ، عن إبراهيم بن الأسود ، قال : رأيت موسى بن جعفر ( عليه السلام ) صعد إلى السماء ونزل ومعه حربة من نور فقال : أتخوفونني بهذا ؟ ! - يعني الرشيد - لو شئت لطعنته بهذه الحربة . فأبلغ ذلك الرشيد فأغمي ثلاثا وأطلقه .
273/ 16 - أخبرني أبو الحسين محمد بن هارون ، قال : حدثنا أبي ( رضي الله عنه ) ، قال : حدثنا أبو علي أحمد بن محمد العطار ، قال : أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عمران ابن الحجاج ، قال : حدثنا إبراهيم بن الحسن بن راشد ، عن علي بن يقطين ، قال : كنت واقفا بين يدي الرشيد إذ جاءته هدايا من ملك الروم ، كانت فيها دراعة ديباج مذهبة سوداء ، لم أر شيئا أحسن منها ، فنظر إلي وأنا أحد إليها النظر ، فقال : يا علي ، أعجبتك ؟ قلت : إي والله يا أمير المؤمنين . قال : خذها . فأخذتها وانصرفت بها إلى منزلي ، وشددتها في منديل ، ووجهتها إلى المدينة ، فمكثت ستة أشهر - أو سبعة أشهر - ثم انصرفت يوما من عند هارون ، وقد تغديت بين يديه ، فقام إلي خادمي الذي يأخذ ثيابي بمنديل على يديه ، وكتاب مختوم ، وطينه رطب ، فقال : جاء بهذه الساعة رجل ، فقال : ادفع هذا إلى مولاك ساعة يدخل . ففضضت الكتاب ، فإذا فيه : " يا علي ، هذا وقت حاجتك إلى الدراعة " . فكشفت طرف المنديل عنها ، ودخل علي خادم هارون فقال : أجب أمير المؤمنين . فقلت : أي شيء حدث ؟ قال : لا أدري ، فمضيت ودخلت عليه ، وعنده عمر ابن بزيع واقفا بين يديه ، فقال : يا علي ، ما فعلت الدراعة التي وهبتها لك ؟ قلت : ما كساني أمير المؤمنين أكثر من ذلك ، فعن أي دراعة تسألني يا أمير المؤمنين ؟ قال : الدراعة الديباج السوداء المذهبة . قلت : ما عسى أن يصنع مثلي بمثلها ؟ ! إذا انصرفت من دار أمير المؤمنين دعوت بها فلبستها ، وصليت بها ركعتين - أو أربع ركعات - ولقد دخل علي الرسول ودعوت بها لأفعل ذلك . فنظر إلى عمر بن بزيع وقال : أرسل من يجيئني بها . فأرسلت خادمي ، فجاءني بها ، فلما رآها قال : يا عمر ، ما ينبغي لنا أن نقبل قول أحد على علي بعد هذا . وأمر لي بخمسين ألف درهم ، فحملتها مع الدراعة ، وبعثت بها وبالمال من يومي ذلك .
274 / 17 - وروى الحسين بن محمد بن عامر ، عن المعلى بن محمد ، عن الوشاء ، عن محمد بن علي ، عن خالد الجوان ، قال : دخلت على أبي الحسن ( عليه السلام ) وهو في عرصة داره ، وهو يومئذ بالرميلة ، فلما نظرت إليه قلت في نفسي : بأبي وأمي سيدي ، مظلوم مغصوب مضطهد ، ثم دنوت منه فقبلت بين عينيه ، ثم جلست بين يديه ، فالتفت إلي ثم قال : يا خالد ، نحن أعلم بهذا الأمر ، فلا يضيقن هذا في نفسك . قلت : جعلت فداك ، والله ، ما أردت بهذا شيئا . فقال : نحن أعلم بهذا الأمر من غيرنا ، وإن لهؤلاء القوم مدة وغاية ، لا بد من الانتهاء إليها . قلت : لا أعود ، ولا أضمر في نفسي شيئا .
275 / 18 - أخبرني أبو الحسن علي بن هبة الله ، قال : حدثنا أبو جعفر محمد ابن علي بن الحسين بن موسى ، عن أبيه ، عن سعد بن عبد الله ، عن يعقوب بن يزيد ، عن محمد بن أبي عمير ، عن هشام بن سالم ، قال : دخلت على عبد الله بن جعفر بن محمد بعد موت أبي عبد الله ( عليه السلام ) وكان ادعى الإمامة ، فسألته عن شئ من الزكاة ، فقلت له : كم في المائة ؟ فقال : خمسة دراهم . قلت : وكم في نصف المائة ؟ قال : درهمين ونصف . فقلت : ما قال بهذا أحد من الأمة . فخرجت من عنده إلى قبر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) مستغيثا برسول الله ، فقلت : يا رسول الله ، إلى من ؟ إلى القدرية ؟ إلى الحرورية ؟ إلى المرجئة ؟ إلى الزيدية ؟ فإني لكذلك إذ أتاني رسول أبي الحسن ( عليه السلام ) ، غلام صغير دون الخماسي ، فقال : أجب مولاك موسى بن جعفر . فأتيته فلما بصر بي من صحن الدار ابتدأني فقال : يا هشام ! قلت : لبيك . قال : لا إلى القدرية ، ولا إلى الحرورية ، ولا إلى المرجئة ، ولا إلى الزيدية ، ولكن إلينا . فقلت : أنت صاحبي ، فسألته فأجابني عن كل ما أردت.
276 / 19 - وبإسناده إلى محمد بن أبي عمير ، عن سليم مولى علي بن يقطين ، قال : أردت أن أكتب إليه أسأله : هل يتنور الرجل وهو جنب ؟ فكتب إلي ( عليه السلام ) قبل أن أكتب إليه مبتدئا : " النورة تزيد الجنب نظافة ولكن لا يجامع الرجل مختضبا ، ولا تجامع المرأة مختضبة " .
277 / 20 - وروى عبد الله بن إبراهيم ، عن إبراهيم بن محمد ، قال : حدثنا علي بن المعلى ، قال : حدثنا ابن أبي حمزة ، عن سيف بن عميرة ، عن إسحاق بن عمار ، قال : سمعت العبد الصالح ( عليه السلام ) يقول ونعى إلى رجل نفسه ، فقلت في نفسي : والله ، إنه ليعلم متى يموت الرجل من شيعته ! فقال شبه المغضب : يا إسحاق ، قد كان رشيد الهجري يعلم علم المنايا والبلايا ، والإمام أولى بعلم ذلك .
278 / 21 - وبإسناده عن سيف بن عميرة ، عن إسحاق بن عمار ، قال : سمعت العبد الصالح ( عليه السلام ) ينعى إلى رجل نفسه ، قلت في نفسي : إنه ليعلم متى يموت الرجل من شيعته ! فالتفت إلي شبه المغضب ، فقال : يا إسحاق ، كان رشيد الهجري من المستضعفين ، وكان يعلم علم المنايا والبلايا ، والحجة أولى بعلم ذلك . ثم قال : يا إسحاق ، اصنع ما أنت صانع ، عمرك قد فني ، وأنت تموت إلى سنتين ، وأخوك وأهل بيتك لا يلبثون إلا يسيرا حتى تفترق كلمتهم ، ويخون بعضهم بعضا . قال إسحاق : فقلت : إني استغفر الله مما عرض في صدري . قال سيف : فلم يلبث إسحاق بن عمار إلا يسيرا حتى مات ، وما ذهبت الأيام حتى أفلس ولد عمار ، وقاموا بأموال الناس .
279 / 22 - أخبرني أبو الحسين محمد بن هارون ، عن أبيه ، قال : حدثنا أبو القاسم جعفر بن محمد العلوي ، قال : حدثنا عبيد الله بن أحمد بن نهيك أبو العباس النخعي ، عن محمد بن أبي عمير ، عن هشام بن الحكم ، عن عمر بن يزيد ، قال : سمعت أبا الحسن ( عليه السلام ) يقول : لا يشهد أبو جعفر بالناس موسما بعد السنة . وكان حج في تلك السنة ، فذهب عمر فخبر أنه يموت في تلك السنة ، وكانت تسع عشرة . وكان يروى أنه لا يملك عشرين سنة .
280 / 23 - وبإسناده عن محمد بن أبي عمير ، عن عثمان بن عيسى ، عن إبراهيم بن عبد الحميد ، قال : أرسل إلي أبو الحسن ( عليه السلام ) أن " تحول عن منزلك " فشق ذلك علي ، فقلت : نعم . ولم أتحول فأرسل إلي " تحول " فطلبت منزلا فلم أجد ، وكان منزلي موافقا لي ، فأرسل إلي الثالثة أن " تحول عن منزلك " . قال عثمان : فقلت : لا والله ، لا أدخل عليك هذا المنزل أبدا . قال : فلما كان بعد يومين عند العشاء إذا أنا بإبراهيم قد جاء ، فقال : ما تدري ما لقيت اليوم ؟ فقلت : وما ذاك ؟ قال : ذهبت استقي ماء من البئر ، فخرج الدلو ملآن عذرة ، وقد عجنا من البئر ، فطرحنا العجين ، وغسلنا ثيابنا ، فلم أخرج منذ اليوم ، وقد تحولت إلى المنزل الذي اكتريت . فقلت له : وأنت أيضا تتحول . وقلت له : إذا كان غدا - إن شاء الله - حين ننصرف من الغداة نذهب إلى منزلك ، فندعو لك بالبركة . فلما خرجت من المنزل سحرا ، فإذا إبراهيم عند القبر ، فقال : تدري ما كان الليلة ؟ فقلت : لا والله . فقال : سقط منزلي العلو والسفل .
281 / 24 - وحدثني أبو المفضل محمد بن عبد الله ، قال : حدثني أبو النجم بدر ابن الطبرستاني ، قال : حدثني أبو جعفر محمد بن علي الشلمغاني ، رفعه إلى يعقوب السراج ، قال : دخلت على أبي عبد الله ( عليه السلام ) وهو واقف على أبي الحسن موسى ( عليه السلام ) ، وهو في المهد فجعل يساره طويلا ، فلما فرغ قال لي : ادن فسلم على مولاك . فدنوت فسلمت عليه ، ثم قال لي : إمض فغير اسم ابنتك . وكنت قد سميتها باسم الحميراء فغيرته .
282 / 25 - وبإسناده عن أبي جعفر محمد بن علي ، قال : إن أبا حنيفة صار إلى باب أبي عبد الله ( عليه السلام ) ليسأله عن مسألة ، فلم يأذن له ، فجلس ينتظر الإذن ، فخرج أبو الحسن ( عليه السلام ) ، وسنه خمس سنين ، فدعاه وقال له : يا غلام ، أين يضع المسافر خلاه في بلدكم هذا ؟ فاستند أبو الحسن ( عليه السلام ) إلى الحائط ، وقال له : يا شيخ ، يتوقى شطوط الأنهار ، ومساقط الثمار ، ومنازل النزال ، وأفنية المساجد ، ولا يستقبل القبلة ، ولا يستدبرها ، ويتوارى خلف جدار ، ويضعه حيث شاء . فانصرف أبو حنيفة في تلك السنة ، ولم يدخل على أبي عبد الله ( عليه السلام ) .
283 / 26 - وبإسناده عن أبي جعفر محمد بن علي ، رفعه إلى علي بن أبي حمزة ، قال : كنت عند أبي الحسن ( عليه السلام ) إذ أتاه رجل من أهل الري ، يقال له ( جندب ) فسلم عليه وجلس ، فسأله أبو الحسن ( عليه السلام ) فأحسن السؤال ، فقال له : ما فعل أخوك ؟ فقال : بخير ، جعلت فداك ، وهو يقرئك السلام . قال : يا جندب ، أعظم الله أجرك في أخيك . فقال : ورد ، والله ، علي كتابه لثلاثة عشر يوما بالسلامة . فقال : يا جندب ، إنه ، والله ، مات بعد كتابه بيومين ، ودفع إلى امرأته مالا ، وقال : ليكن هذا عندك ، فإذا قدم أخي فادفعيه إليه ، وقد أودعته الأرض ، في البيت الذي كان هو فيه ، فإذا أنت أتيتها فتلطف لها ، وأطمعها في نفسك ، فإنها ستدفعه إليك . قال علي بن أبي حمزة : فلقيت جندبا بعد ذلك ، فسألته عما كان قال أبو الحسن ( عليه السلام ) ، فقال : صدق ، والله ، سيدي ، ما زاد ولا نقص .
284 / 27 - وأخبرني علي بن هبة الله الموصلي ، قال : حدثني أبو جعفر محمد ابن علي بن الحسين بن موسى القمي ، عن أبيه ، قال : حدثنا سعد بن عبد الله ، عن أبي عبد الله محمد بن خالد البرقي ، قال : حدثنا حماد بن عيسى الجهني ، قال : دخلت على أبي الحسن موسى ( عليه السلام ) ، فقلت له : جعلت فداك ، ادع الله أن يرزقني دارا ، وزوجة ، وولدا ، وخادما ، وأحج في كل سنة . فرفع يده ثم قال : اللهم صل على محمد وآل محمد ، وارزقه دارا ، وزوجة ، وولدا ، وخادما ، والحج خمسين سنة . قال حماد : فحججت ثمان وأربعين سنة ، وهذه زوجتي وراء الستر تسمع كلامي ، وهذا ابني ، وهذا خادمي . وحج بعد هذا الكلام حجتين ، ثم خرج بعد الخمسين فزامل أبا العباس النوفلي ، فلما صار في موضع الاحرام دخل يغتسل ، فجاء الوادي فحمله ، فغرق ، فمات ، ودفن بسيالة.
285 / 28 - وروى الحسن ، قال : أخبرنا أحمد ، قال : حدثنا محمد بن علي الصيرفي ، عن علي بن محمد ، عن الحسن ، عن أبيه ، عن أبي بصير ، قال : سمعت العبد الصالح ( عليه السلام ) يقول : لما حضر أبي الموت قال : يا بني لا يلي غسلي غيرك ، فإني غسلت أبي ، وغسل أبي أباه ، والحجة يغسل الحجة . قال : فكنت أنا الذي غمضت أبي ، وكفنته ، ودفنته بيدي . وقال : يا بني ، إن عبد الله أخاك يدعي الإمامة بعدي ، فدعه ، وهو أول من يلحق بي من أهلي . فلما مضى أبو عبد الله ( عليه السلام ) أرخى أبو الحسن ستره ، ودعا عبد الله إلى نفسه . قال أبو بصير : جعلت فداك ، ما بالك حججت العام ، ونحر عبد الله جزورا ؟ قال : إن نوحا لما ركب السفينة وحمل فيها من كل زوجين اثنين ، حمل كل شئ ، إلا ولد الزنا ، فإنه لم يحمله ، وقد كانت السفينة مأمورة ، فحج نوح فيها ، وقضى مناسكه . قال أبو بصير : فظننت أنه عرض بنفسه ، وقال : أما إن عبد الله لا يعيش أكثر من سنة . فذهب أصحابه حتى انقضت السنة . قال : فهذه فيما يموت . قال : فمات في تلك السنة .
286 / 29 - وعنه ، قال : أخبرنا أحمد بن محمد ، عن محمد بن علي ، عن علي ابن محمد ، عن الحسن ، عن أبيه علي بن أبي حمزة ، قال : كنا بمكة وأصاب الناس تلك السنة صاعقة ، ومات من ذلك خلق كثير ، فدخلت على أبي الحسن ( عليه السلام ) ، فقال لي مبتدئا : يا علي ، ينبغي للغريق والمصعوق أن يتربص به ثلاثا ، إلا أن يجئ منه ريح يدل على موته . قلت : جعلت فداك ، كأنك تخبرني أنه قد دفن ناس كثير ما ماتوا إلا في قبورهم ؟ قال : نعم .
287 / 30 - وروى الحسن ، قال : أخبرنا أحمد بن محمد ، [ عن محمد بن علي ] ، عن علي بن محمد ، عن الحسن ، [ عن أبيه علي بن أبي حمزة ] ، عن الأخطل الكاهلي ، عن عبد الله بن يحيى الكاهلي ، قال : حججت فدخلت عليه ، فقال لي : اعمل خيرا في سنتك هذه ، فقد دنا أجلك . فبكيت ، فقال : ما يبكيك ؟ قلت : جعلت فداك ، نعيت إلي نفسي . فقال لي : أبشر ، فإنك من شيعتنا ، وإنك إلى خير . قال الأخطل : لما لبث عبد الله بعد ذلك إلا يسيرا حتى مات .
288 / 31 - وعنه ، قال : أخبرنا أحمد بن محمد ، عن محمد بن علي ، عن علي ابن محمد ، عن الحسن ، عن عيسى شلقان ، قال : دخلت على أبي عبد الله ( عليه السلام ) أريد أن أسأله عن أبي الخطاب ، فقال مبتدئا : ما يمنعك أن تلقى ابني ، فتسأله عن جميع ما تريد . قال : فذهبت إليه وهو قاعد في الكتاب ، وعلى شفتيه أثر مداد ، فقال لي مبتدئا : يا عيسى ، إن الله ( تبارك وتعالى ) أخذ ميثاق النبيين على النبوة ، فلن يتحولوا إلى غيرها عنها أبدا ، وأخذ ميثاق الوصيين على الوصية ، فلن يتحولوا عنها أبدا ، وأعار قوما الإيمان زمانا ، ثم سلبهم إياه ، وإن أبا الخطاب ممن أعير الإيمان ثم سلبه الله إياه . قال : فضممته إلى صدري وقبلت بين عينيه ، فقلت : بأبي أنت وأمي * ( ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم ) *. ثم رجعت إلى أبي عبد الله ( عليه السلام ) فقال لي : ما صنعت يا عيسى ؟ قلت له : بأبي أنت وأمي ، أتيته فأخبرني ، مبتدئا من غير أن أسأله عن شئ ، بجميع ما أردت . قال : يا عيسى ، إن ابني الذي رأيته ، لو سألته عما بين دفتي المصحف لأجابك فيه بعلم . قال عيسى : ثم أخرجه ذلك اليوم من الكتاب ، فعلمت عند ذلك أنه صاحب هذا الأمر .
289 / 32 - وروى الحسن ، قال : أخبرنا أحمد بن محمد ، عن محمد بن علي ، عن علي ، عن الحسن بن علي ، عن علي بن أبي حمزة ، قال : أرسلني أبو الحسن ( عليه السلام ) إلى رجل من أهل الوازارين ، قلت : ليس يعرف الوازارين . قال : الوازارين الذي يشتري غدد اللحم . قلت : قد عرفته . قال : أتعرف فيه زقاقا يباع فيه الجواري ؟ قلت : نعم . قال : فإن على باب الزقاق شيخ يقعد على ظهر الطريق ، بين يديه طبق فيه نبع ، يبيعه بنفسه للصبيان بفلس فلس ، فائته واقرئه مني السلام ، وأعطه هذه الثمانية عشر درهما ، وقل له : يقول لك أبو الحسن : انتفع بهذه الدراهم ، فإنها تكفيك حتى تموت . قال : فأتيت الموضع ، فطلبت الرجل فلم أجده في موضعه ، فسألت عنه ، فقالوا : هذه الساعة يجئ ، فلم ألبث أن جاء فقلت : فلان يقرئك السلام ، وهذه الدنانير خذها ، فإنها تكفيك حتى تموت . فبكى الشيخ ، فقلت له : ما يبكيك ؟ قال : ولم لا أبكي وقد نعيت إلي نفسي ؟ ! فقلت : ما عند الله خير لك مما أنت فيه . قال : من أنت ؟ قلت : أنا علي بن أبي حمزة . قال : والله ، ما كذبني ، قال لي سيدي ومولاي : أنا باعث إليك مع علي بن أبي حمزة برسالتي . فقلت : ومن أنت ، لا أعرفك من إخواني ؟ قال : أنا عبد الله بن صالح . قلت : وأين المنزل ؟ قال : في سكة البربر ، عند دار أبي داود ، وأنا معروف في منزلي ، إذا سألت عني هناك . قال : فلبثت عشرين ليلة وسألت عنه ، فخبرت أنه شاك منذ أيام ، فأتيت الموضع الذي وصف ، فإذا الرجل في حد الموت ، فسلمت عليه فأثبتني ، فقلت له : أوصني بما أحببت ، أنفذه من مالي . قال : يا علي ، لست أخلف إلا ابنتي ، وهذه الدويرة ، فإذا أنا مت فزوج ابنتي ممن أحببت من إخوانك ، ولا تزوجها إلا من رجل يدين الله بدينك ، فإذا فعلت ، فبع داري واحمل ثمنها إلى أبي الحسن ( عليه السلام ) ، ولتشهد لي بالوصية ، ولا يلي أحد غسلي غيرك حتى تدخلني قبري . ففعلت جميع ما أوصاني به ، وزوجت ابنته رجال من أصحابنا له دين ، وبعت داره ، وحملت الثمن إلى أبي الحسن ( عليه السلام ) ، وأخبرته بجميع ما أوصاني به . فقال أبو الحسن ( عليه السلام ) : رحمه الله ، قد كان من شيعتنا ، وكان لا يعرف .
290 / 33 - وروى الحسن ، قال : أخبرنا أحمد بن محمد ، عن محمد بن علي ، عن علي ، عن شعيب العقرقوفي ، قال : بعثت مولاي إلى أبي الحسن ( عليه السلام ) ومعه مائتي دينار ، وكتبت معه كتابا ، وكان من الدنانير خمسين دينارا من دنانير أختي فاطمة ، وأخذتها سرا لتمام المائتي دينار ، وكنت سألتها ذلك فلم تعطني ، وقالت : إني أريد أن أشتري بها قراح فلان بن فلان . فذكر مولاي أنه قدم فسأل عن أبي الحسن ( عليه السلام ) فقيل له : إنه قد خرج ، فأسرع في السير ، فقال : والله ، إني لأسير من المدينة إلى مكة في ليلة مظلمة ، وإذا الهاتف يهتف بي : يا مبارك ، يا مبارك مولى شعيب العقرقوفي ! قلت : من أنت ؟ قال : أنا معتب يقول لك أبو الحسن ( عليه السلام ) : هات الكتاب الذي معك ، ووافني بما معك إلى منى . قال : فنزلت من محملي ، فدفعت إليه الكتاب ، وصرت إلى منى ، فدخلت عليه وطرحت الدنانير عنده ، فجر بعضها إليه ، ودفع بعضها بيده ، ثم قال لي : يا مبارك ، ادفع هذه الدنانير إلى شعيب ، وقل له : يقول لك أبو الحسن : ردها إلى موضعها الذي أخذتها منه ، فإن صاحبتها تحتاج إليها . قال : فخرجت من عنده ، وقدمت على شعيب ، فقلت له : قد رد عليك من الدنانير التي بعثت بها خمسين دينارا ، وهو يقول لك : ردها إلى موضعها الذي أخذتها منه ، فما قصة هذه الدنانير ، فقد دخلني من أمرها ما الله به عليم . فقال : يا مبارك ، إني طلبت من فاطمة أختي خمسين دينارا لتمام هذه الدنانير ، فامتنعت ، وقالت : أريد أن أشتري بها قراح فلان بن فلان ، فأخذتها سرا ، ولم ألتفت إلى كلامها . قال شعيب : فدعوت بالميزان فوزنتها ، فإذا هي خمسون دينارا ، لا تزيد ولا تنقص . قال : فوالله ، لو حلفت عليها أنها دنانير فاطمة لكنت صادقا . قال شعيب : فقلت لمبارك : هو والله إمام فرض الله طاعته ، وهكذا صنع بي أبو عبد الله ( عليه السلام ) الإمام من الإمام .
291 / 34 - وروى الحسن ، قال : حدثنا أحمد بن محمد ، عن محمد بن علي ، عن علي ، عن الحسن ، عن أبيه علي بن أبي حمزة ، قال : قال لي أبو الحسن ( عليه السلام ) مبتدئا من غير أن أسأله عن شيء : يا علي ، يلقاك غدا رجل من أهل المغرب ، يسألك عني ، فقل له : هو والله الإمام الذي قال لنا أبو عبد الله ( عليه السلام ) ، وإذا سأل عن الحلال والحرام فأجبه عني . قلت : ما علامته ؟ قال : رجل طوال ، جسيم ، اسمه يعقوب ، وهو رائد قومه ، وإذا أحب أن تدخله علي فأدخله . قال : فوالله ، إني لفي الطواف ، إذ أقبل إلي رجل طوال جسيم ، فقال : إني أريد أن أسألك عن صاحبك . قلت : عن أي أصحابي ؟ قال : عن فلان بن فلان . قلت : ما اسمك ؟ قال : يعقوب . قلت : من أين أنت ؟ قال : من المغرب . قلت : من أين عرفتني ؟ قال : أتاني آت في منامي ، فقال لي : الق عليا فاسأله عن جميع ما تحتاج إليه ، فسألت عنك حتى دللت عليك . فقلت : اقعد في هذا الموضع حتى أفرغ من طوافي ، وآتيك إن شاء الله . فطفت ، ثم أتيته ، فكلمت رجلا عاقلا ، وطلب إلي أن أدخله على أبي الحسن ( عليه السلام ) ، فأخذت بيده ، واستأذنت ، فأذن لي ، فلما رآه أبو الحسن ( عليه السلام ) قال : يا يعقوب : قدمت أمس ، ووقع بينك وبين أخيك شر في موضع كذا وكذا ، حتى شتم بعضكم بعضا ، وليس هذا من ديني ولا دين آبائي ، ولا نأمر بهذا أحدا ، فاتق الله وحده ، فإنكما ستعاقبان بموت ، أما أخوك فيموت في سفره قبل أن يصل إلى أهله ، و ستندم أنت على ما كان ، ذلك أنكما تقاطعتما فبتر الله أعماركما . قال الرجل : جعلت فداك ، فأنا متى أجلي ؟ قال : كان حضر أجلك ، فوصلت عمتك بما وصلتها في منزلك كذا وكذا فأنسأ الله به أجلك عشرين سنة . قال : فلقيت الرجل قابل بمكة ، فأخبرني أن أخاه توفي في ذلك الوجه ، ودفنه قبل أن يصل إلى أهله .
292 / 35 - وروى الحسن ، قال : أخبرنا أحمد بن محمد ، عن محمد بن علي ، عن علي ، عن الحسن بن علي بن أبي حمزة ، عن أبيه ، قال : دخلت المدينة وأنا شديد المرض ، وكان أصحابنا يدخلون علي ، فلم أعقل بهم ، وذلك أنه أصابني حصر ، فذهب عقلي ، فأخبرني إسحاق بن عمار أنه أقام علي بالمدينة ثلاثة أيام لا يشك أنه لا يخرج منها حتى يدفنني ويصلي علي ، فخرج وأفقت بعد خروج إسحاق ، فقلت لأصحابي : افتحوا كيسي وأخرجوا منه مائة درهم ، واقسموها في أصحابي . ففعلوا . وأرسل إلي أبو الحسن ( عليه السلام ) بقدح فيه ماء ، فقال الرسول : يقول لك أبو الحسن ( عليه السلام ) : تشرب هذا الماء ، فإن فيه شفاءك إن شاء الله ( تعالى ) . ففعلت ، فأسهل بطني وأخرج الله ما كنت أجده في بطني من الأذى . فدخلت على أبي الحسن ( عليه السلام ) فقال : يا علي ، كيف تجد نفسك ؟ قلت : جعلت فداك ، قد ذهب عني ما كنت أجده في بطني . فقال : يا علي ، أما إن أجلك كان قد حضر مرة بعد أخرى ، ولكنك رجل وصول لقرابتك وإخوانك ، فأنسأ الله في أجلك مرة بعد أخرى . قال : وخرجت إلى مكة فلحقني إسحاق بن عمار ، فقال : والله ، لقد أقمت بالمدينة ثلاثة أيام ، فأخبرني بقصتك . فأخبرته بما صنعت ، وما قال لي أبو الحسن ( عليه السلام ) . فقال لي إسحاق بن عمار : هكذا قال لي أبو عبد الله ( عليه السلام ) مرة بعد أخرى ، وأصابني مثل الذي أصابك.
293 / 36 - وروى الحسن ، قال : أخبرني أحمد بن محمد ، عن محمد بن علي ، عن علي ، عن الحسن ، عن أبي خالد الزبالي ، قال : مر بي أبو الحسن ( عليه السلام ) يريد بغداد زمن المهدي ، أيام كان أخذ محمد بن عبد الله ، فنزل في هاتين القبتين ، في يوم شديد البرد ، في سنة مجدبة ، لا يقدر على عود يستوقد به تلك السنة ، وأنا يومئذ أرى رأي الزيدية ، أدين الله بذلك ، فقال لي : يا أبا خالد ، إئتنا بحطب نستوقد . قلت : والله ، ما أعرف في المنزل عودا واحدا . فقال : كلا ، خذ في هذا الفج فإنك تلقى أعرابيا ، معه حملين ، فاشترهما منه ، ولا تماكسه. فركبت حماري ، وانطلقت نحو الفج الذي وصف لي ، فإذا أعرابي معه حملين حطب ، فاشتريتهما منه ، وأتيته ، فاستوقدوا منه يومهم ، وأتيته بظرف مما عندنا ، يطعم منه . ثم قال : يا أبا خالد ، انظر خفاف الغلمان ونعالهم ، فأصلحها حتى نقدم عليك يوم كذا وكذا ، من شهر كذا وكذا . قال أبو خالد : وكتبت تاريخ اليوم ، وليس همي غير هذه الأيام ، فلما كان يوم الميعاد ركبت حماري ، وسرت أميالا ، ونزلت ، فقعدت عند الجبل أفكر في نفسي ، وأقول : والله ، إن وافاني هذا اليوم الذي قال لي ، فإنه الإمام الذي فرض الله طاعته على خلقه ، لا يسع الناس جهله . فقعدت حتى أمسيت ، وأردت الانصراف ، فإذا أنا براكب مقبل ، فأشرت إليه فأقبل إلي فسلم ، فرددت عليه السلام ، فقلت : وراءك أحد ؟ قال : نعم ، قطار فيه نحو من عشرين ، يشبهون أهل المدينة . قال : فما لبثت أن ارتفع القطار ، فركبت حماري وتوجهت نحو القطار ، فإذا هو يهتف بي : يا أبا خالد ، هل وفينا لك بما وعدناك ؟ قلت : قد والله ، كنت أيست من قدومك ، حتى أخبرني راكب ، فحمدت الله على ذلك ، وعلمت أنك هو . قال : ما فعلت القبتان اللتان كنا نزلنا فيهما ؟ قلت : جعلت فداك ، تذهب إليهما ، وانطلقت معه حتى نزل القبتين ، فأتيناه بغذاء فتغذى ، وقال : ما حال خفاف الغلمان ونعالهم ؟ قلت : أصلحتها ، فأتيته بها ، فسر بذلك ، فقال : يا أبا خالد ، زودنا من هذه الفسقارات التي بالمدينة ، فإنا لا نقدر فيها على هذه الأشياء التي تجدونها عندكم . قال : فلم يبق شئ إلا زودته منه ، ففرح وقال : سلني حاجتك . وكان معه محمد أخوه ، قلت : جعلت فداك ، أخبرك بما كنت فيه ، وأدين الله به ، إلى أن وقعت عليك ، وقدمت علي ، فسألتني الحطب ، فأخبرتك بما أخبرتك ، فأخبرتني بالأعرابي ، ثم قلت لي إني موافيك يوم كذا وكذا ، من شهر كذا وكذا ، كما قلت ، لم ينقص ، ولم يزد يوما واحدا ، فعلمت أنك الإمام الذي فرض الله طاعته ، لا يسع الناس جهلك ، فحمدت الله لذلك ، فقال : يا أبا خالد ، من مات لا يعرف إمامه مات ميتة جاهلية ، وحوسب بما عمل في الاسلام .
294 / 37 - وروى الحسن ، قال : أخبرنا أحمد بن محمد ، عن محمد بن علي الصيرفي ، عن علي ، عن الحسن بن علي بن أبي حمزة ، عن أبيه ، عن أبي بصير ، قال : دخلت على أبي الحسن ( عليه السلام ) ، فقلت : جعلت فداك ، بم يعرف الإمام ؟ قال : بخصال ، أما أولهن فبشئ تقدم من أبيه فيه ، وعرفه الناس ، ونصبه لهم علما حتى يكون عليهم حجة ، لأن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) نصب أمير المؤمنين ( عليه السلام ) علما ، وعرفه الناس ، وكذلك الأئمة ، يعرفونهم الناس ، وينصبونهم لهم حتى يعرفوهم ، ويسأل فيجيب ، ويسكت عنه فيبتدئ ، ويخبر الناس بما في غد ، ويكلم الناس بكل لسان . قلت : بكل لسان ؟ قال : نعم . قلت : فأعطني علامة . قال : نعم الساعة قبل أن تقوم أعطيك علامة تطمئن إليها . قال : ثم إنه مر علينا رجل من أهل خراسان ، فكلمه الخراساني بالعربية ، فأجابه بالفارسية . قال الخراساني : والله ، ما منعني أن أكلمك بكلامي إلا أني ظننت أنك لا تحسن أن تجيبني . قال : سبحان الله ! إذا كنت لا أحسن أن أجيبك فما فضلي عليك ؟ ! ثم قال : يا أبا محمد ، إن الإمام لا يخفى عليه كلام أحد من الناس ، ولا طير ، ولا بهيمة ، ولا شئ ‹ صفحة 338 › فيه روح ، بهذا يعرف الإمام ، فمن لم يكن فيه هذه الخصال ، فليس بإمام .
295 / 38 - وروى الحسن ، قال : أخبرنا أحمد بن محمد ، عن محمد بن علي ، عن علي ، عن الحسن بن علي بن أبي حمزة ، عن أبيه ، قال : كنت عند أبي الحسن ( عليه السلام ) إذ دخل عليه ثلاثون مملوكا من الحبش ، قد اشتروهم له ، فكلم غلاما منهم ، وكان جميلا من الحبش ، ثم خرجوا ، فقلت : جعلت فداك ، لقد رأيتك تكلم هذا الغلام بالحبشية فبماذا أمرته ؟ قال : أمرته أن يستوصي بأصحابه خيرا ، ويعطيهم في كل هلال ثلاثين درهما ، وذلك لما نظرت إليه علمت أنه غلام عاقل من أبناء ملوكهم ، وأوصيته بجميع ما أحتاج ، فقبل وصيتي ، ومع هذا فهو غلام صدوق . ثم قال : لعلك عجبت من كلامي بالحبشية ! لا تعجب ، فما يخفى عليك من أمر الحجة أكثر من ذلك وأعجب ، وما هذا من الحجة في علمه إلا كطائر أخذ بمنقاره من البحر قطرة من ماء ، أفترى الذي أخذ بمنقاره نقص من البحر شيئا ؟ ! إن الإمام بمنزلة البحر ، لا ينفد ما عنده ، وعجائبه أكثر من ذلك .
296 / 39 - وروى الحسن ، قال : أخبرنا أحمد بن محمد ، عن محمد بن علي ، عن علي ، عن الحسن ، عن الحسين بن أبي العلاء ، قال : كنت عنده ذات يوم وقد اشتريت له جارية نوبية ، فقال لها : ما اسمك ؟ قالت : مؤنسة . قال لها : اسمك فلانة ، وإنك كما سميت . ثم قال : يا حسين ، أما إنها ستلد غلاما لا يكون في ولدي أسخى منه ، ولا أرق وجها ، ولا أقضى للحاجة منه . قلت : فما اسمه ؟ قال : إبراهيم . قال علي بن أبي حمزة : والله ، إني أتيته بمنى مع أصحابي ، إذ أتاني رسوله فقال لي : يا علي ، لا تنم الليلة حتى يأتيك رسولي ، فبقيت تلك الليلة لا أنام ، وأصحابي يساهدونني الليل ، فلما أصبحت إذا هو مقبل علي ، ومعه أبناؤه جميعا ، ونقل عياله وحشمه ومن معه ، حتى نزل قرين الثعالب. ثم أتى مع الفجر على حمار له أسود ، ومعه عمران خادمه ، فسلم ، فرددنا عليه السلام ، وكأني أنظر إلى قوائم حماره من أطناب خيامنا ، فقال : يا علي ، أيما أحب إليك : أن تأتيني هاهنا ، أو بمكة ؟ قلت : أحبهما إليك . قال : مكة خير لك . وانصرف ، فقال لي عمران : تدري أين نزلنا العام ؟ قلت : منزل أبي عبد الله ( عليه السلام ) . قال : لا ، نزلنا العام في ذي طوى. قلت : لا أعرف منزلكم . قال : تعرف المسجد الصغير الذي على ظهر الطريق ، الذي تصلي فيه المارة ؟ قلت : نعم . قال : اقعد لي ثم حتى آتيك . فلما انصرفنا من منى أخذت طريقي إلى الموعد ، فما استويت قاعدا حتى جاءني عمران ، فقال : أجب . فأتيته ، فوجدته في ظهر داره ، في مسجد ، قاعد ، قد صلى المغرب ، فلما دنوت منه ، قال : اخلع نعليك فإنك بالواد المقدس طوى . فخلعت نعلي ، وتخطيت المسجد ، فقعدت معه ، وأوتيت بخوان من خبيص مجفف بتمر ، فأكلنا أنا وهو ، وهو يقول لي : يا علي ، كل تمرا . فأكلت ، ثم رفع الخوان ، فقال : يا علي ، هلم الحديث ، فوالله ما أنا بناعس ولا كسلان . وكنت أحدثه ثم غشيني النعاس ، فقال لي : قد نعست يا علي ؟ قلت : جعلت فداك ، ما غمضت البارحة . قال : إن أم ولد لي من أكرم أمهات أولادي ، ضربها الطلق ، فحملتها إلى قرين الثعالب ، مخافة أن يسمع الناس صوته ، فرزقني الله في ليلتي هذه غلاما - كما بشرني - وقد سميته إبراهيم . فلم يكن في ولد أبيه أحسن وأسخى منه ، ولا أرق وجها ، ولا أشجع منه .
297 / 40 - وروى الحسن ، قال : حدثنا أحمد بن محمد ، عن محمد بن علي ، عن علي ، عن الحسن ، عن عاصم الحناط ، عن إسحاق بن عمار ، قال : كنت عنده إذ دخل عليه رجل من أهل خراسان ، فكلمه بكلام لم أسمع قط كلاما كان أعجب منه ، كأنه كلام الطير ، فلما خرج قلت : جعلت فداك ، أي لسان هذا ؟ قال : هذا كلام أهل الصين . ثم قال : يا إسحاق ، ما أوتي العالم من العجب أعجب وأكثر مما أوتي من هذا الكلام . قلت : أيعرف الإمام منطق الطير ؟ قال : نعم ، ومنطق كل شئ ، ومنطق كل ذي روح ، وما سقط عليه شيء من الكلام .
298 / 41 - وروى أحمد بن الحسن ، عن الحسن بن برة ، عن عثمان بن عيسى ، قال : دخلت علي أبي الحسن ( عليه السلام ) سنة الموت بمكة ، وهي سنة أربع وسبعين ومائة ، فقال لي : من هاهنا من أصحابكم مريض ؟ فقلت : عثمان بن عيسى من أوجع الناس ، فقال : قل له يخرج . ثم قال : من هاهنا ؟ فعددت عليه ثمانية ، فأمر بإخراج أربعة ، وكف عن أربعة ، فما أمسينا من غد حتى دفنا الأربعة الذين كف عن إخراجهم . فقال عثمان بن عيسى : وخرجت أنا فأصبحت معافى .
299 / 42 - وروى محمد بن الحسين ، عن عبد الله بن سعيد الدغشي ، عن الحسن بن موسى ، قال : اشتكى عمي محمد بن جعفر ، حتى خفت عليه الموت . قال : فكنا مجتمعين عنده إذ دخل أبو الحسن ( عليه السلام ) فقعد إلى ناحية ، وإسحاق عمي عند رأسه يبكي ، فقعد قليلا ثم قام ، فتبعته فقلت : جعلت فداك ، يلومك إخوتك وأهل بيتك ، ويقولون دخلت على عمك وهو في الموت ، ثم خرجت . فقال : ادن مني أخي ، أرأيت هذا الباكي ؟ سيموت وسيبكي عليه هذا . قال : فبرأ محمد بن جعفر ، واشتكى إسحاق فبكى عليه محمد .
300 / 43 - وروى أبو حمزة ، عن أبيه ، قال : كنت في مسجد الكوفة معتكفا في شهر رمضان ، في العشر الأواخر ، إذ جاءني حبيب الأحوال بكتاب مختوم من أبي الحسن ( عليه السلام ) قدر أربع أصابع ، فقرأته ، فكان في كتابه : " إذا قرأت الكتاب الصغير المختوم ، الذي في جوف كتابك ، فأحرزه حتى أطلبه منك " . قال : فأخذت الكتاب وأدخلته بيت بزي ، فجعلته في جوف صندوق مقفل ، في جوف قمطر مقفل ، وبيت البز مقفل ، ومفاتيح هذه الأقفال في حجرتي ، فإذا كان الليل فهي تحت رأسي ، وليس يدخل بيت بزي أحد غيري . فلما حضر الموسم خرجت إلى مكة ومعي جميع ما كتب لي من حوائجه ، فلما دخلت عليه قال : يا علي ، ما فعل الكتاب الصغير الذي كتبت إليك ، وقلت احتفظ به ؟ قلت : جعلت فداك ، عندي . قال : أين ؟ قلت : في بيت بزي ، قد أحرزته ، والبيت لا يدخله غيري . قال : يا علي ، إذا نظرت إليه أليس تعرفه ؟ قلت : بلى ، والله ، لو كان بين ألف كتاب لأخرجته . فرفع مصلى تحته فأخرجه إلي ، فقال : قلت : إن في البيت صندوق ، في جوف قمطر مقفل ، وفي جوف القمطر حق مقفل ، وهذه المفاتيح معي في حجرتي بالنهار ، وتحت رأسي بالليل ؟ ثم قال : يا علي ، احتفظ به ، فلو تعلم ما فيه لضاق ذرعك . قلت : قد وصفت لك ، فما أغنى إحرازي . قال علي : فرجعت إلى الكوفة والكتاب معي محتفظ به في جبتي . فكان الكتاب مدة حياة علي في جبته ، فلما مات جئت أنا ومحمد ، فلم يكن لنا هم إلا الكتاب ، ففتقنا الجبة موقع الكتاب ، فلم نجده ، فعلمنا بعقولنا أن الكتاب قد صار إليه كما صار في المرة الأولى .
301 / 44 - وروى أحمد بن محمد المعروف بغزال ، قال : كنت جالسا مع أبي الحسن ( عليه السلام ) في حائط له ، إذ جاء عصفور فوقع بين يديه ، وأخذ يصيح ، ويكثر الصياح ، ويضطرب ، فقال لي : تدري ما يقول هذا العصفور ؟ قلت : الله ورسوله ووليه أعلم . فقال : يقول : يا مولاي ، إن حية تريد أن تأكل فراخي في البيت ، فقم بنا ندفعها عنه ، وعن فراخه . فقمنا ودخلنا البيت ، فإذا حية تجول في البيت ، فقتلناها .
302 / 45 - وحدثني أبو عبد الله الحسين بن عبد الله الحرمي ، قال : حدثني أبو محمد هارون بن موسى بن أحمد التلعكبري ، قال : حدثني أبو علي محمد بن همام ، قال : حدثنا جعفر بن محمد بن مالك الفزاري ، عن أبي عقيلة ، عن أحمد التبان ، قال : كنت نائما على فراشي ، فما أحسست إلا ورجل قد رفسني برجله ، فقال لي : يا هذا ، ينام شيعة آل محمد ؟ فقمت فزعا ، فلما رآني فزعا ضمني إلى صدره ، فالتفت فإذا إنا بأبي الحسن موسى بن جعفر ( عليه السلام ) ، فقال : يا أحمد ، توضأ للصلاة . فتوضأت ، وأخذني بيدي ، فأخرجني من باب داري ، وكان باب الدار مغلقا ، ما أدري من أين أخرجني ! فإذا أنا بناقة معقلة له ، فحل عقالها وأردفني خلفه ، وسار بي غير بعيد ، فأنزلني موضعا فصلى بي أربعا وعشرين ركعة . ثم قال : يا أحمد ، تدري في أي موضع أنت ؟ قلت : الله ، ورسوله ، ووليه ، وابن رسوله ، أعلم . قال : هذا قبر جدي الحسين بن علي ( عليه السلام ) . ثم سار غير بعيد حتى أتى الكوفة ، وإن الكلاب والحرس لقيام ، ما من كلب ولا حارس يبصر شيئا ، فأدخلني المسجد ، وإني لأعرفه وأنكره ، فصلى بي سبع عشرة ركعة . ثم قال : يا أحمد ، تدري أين أنت ؟ قلت : الله ، ورسوله ، وابن رسوله ، أعلم . قال : هذا مسجد الكوفة ، وهذه الطست . ثم سار غير بعيد وأنزلني ، فصلى بي أربعا وعشرين ركعة . ثم قال : يا أحمد ، أتدري أين أنت ؟ قلت : الله ، ورسوله ، وابن رسوله ، أعلم . قال : هذا قبر جدي علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) . ثم سار بي غير بعيد ، فأنزلني ، فقال لي : أين أنت ؟ قلت : الله ، ورسوله ، وابن رسوله ، أعلم . قال : هذا الخليل إبراهيم . ثم سار بي غير بعيد ، فأدخلني مكة ، وإني لأعرف البيت وبئر زمزم وبيت الشراب ، فقال لي : يا أحمد ، أتدري أين أنت ؟ قلت : الله ، ورسوله ، وابن رسوله ، أعلم . قال : هذه مكة ، وهذا البيت ، وهذه زمزم ، وهذا بيت الشراب . ثم سار بي غير بعيد ، فأدخلني مسجد النبي ( صلى الله عليه وآله ) وقبره ، فصلى بي أربعا وعشرين ركعة . ثم قال لي : أتدري أين أنت ؟ قلت : الله ، ورسوله ، وابن رسوله ، أعلم . قال : هذا مسجد جدي رسول الله وقبره . ثم سار بي غير بعيد ، فأتى بي الشعب ، شعب أبي جبير ، فقال : يا أحمد ، تريد أريك من دلالات الإمام ؟ قلت : نعم . قال : يا ليل ، أدبر . فأدبر الليل عنا ، ثم قال : يا نهار ، أقبل . فأقبل النهار إلينا بالنور العظيم ، وبالشمس حتى رجعت بيضاء نقية ، فصلينا الزوال ، ثم قال : يا نهار أدبر ، يا ليل أقبل . فأقبل علينا الليل حتى صلينا المغرب ، قال : يا أحمد ، أرأيت ؟ قلت : حسبي هذا يا بن رسول الله . فسار حتى أتى بي جبلا محيطا بالدنيا ، ما الدنيا عنده إلا مثل سكرجة ، فقال : أتدري أين أنت ؟ قلت الله ، ورسوله ، وابن رسوله ، أعلم . قال : هذا جبل محيط بالدنيا . وإذا أنا بقوم عليهم ثياب بيض ، فقال : يا أحمد ، هؤلاء قوم موسى ، فسلم عليهم . فسلمت عليهم فردوا علينا السلام . قلت : يا بن رسول الله ، قد نعست . قال : تريد أن تنام على فراشك ؟ قلت : نعم . فركض برجله ركضة ، ثم قال : نم . فإذا أنا في منزلي نائم ، وتوضأت وصليت الغداة في منزلي . والحمد لله أولا وآخرا )) .
كتبه : ع ج م جسا [ خلد الخط ]

الصراط
29-07-2008, 04:37 PM
عظم الله أجوركم باستشهاد الإمام السابع موسى الكاظم عليه وعلى آبائه أفضل الصلاة والسلام

لقد كان الإمام موسى الكاظم-عليه السلام- حازماً مع خلفاء بني العباس .ولا يخفى على الجميع قصة الإمام مع هارون الرشيد عند قبر المصطفى محمد -صلى الله عليه وآله- ، وهي :

أقبل هارون بوجهه على الضريح ارسول وسلَّم بقوله: "السلام عليك يابن العم" معتزاً ومفتخراً على غيره بصلته من النبي- صلى الله عليه وآله - وأنَّه إنما نال الخلافة لقربه من رسول الله -صلى الله عليه وآله- وكان الإمام انذاك حاضراً فسلَّم على النبي-صلى الله عليه وآله-قائلاً: "السلام عليك يا أبت"، ففقد الرشيد صوابه واستولت عليه موجات من الاستياء، حيث قد سبقه الإمام إلى ذلك المجد والفخر، فقال له بنبرات تقطر غضباً وحقداً: لم قلت أنك أقرب إلى رسول الله -صلى الله عليه وآله- منا؟ فأجابه الإمام - عليه السلام- بردّ مفحم قائلاً: "لو بُعث رسول الله -صلى الله عليه وآله- حياً وخطب منك كريمتك هل كنت تجيبه إلى ذلك؟ فقال هارون: سبحان الله!! وكنت أفتخر بذلك على العرب والعجم. فانبرى الإمام - عليه السلام- قائلاً: لكنه لا يخطب منّي ولا أزوّجه لأنه والدنا لا والدكم فلذلك نحن أقرب إليه منكم"