PDA

View Full Version : تحقيق لشيخنا العلامة الشيخ حسين في كتابه القول الشارح حول وحدة الوجود


ع ج م جسا
08-06-2008, 11:42 PM
بسم الله الرحمن الرحيم ؛ والحمد لله رب العالمين ؛ وصلى الله على محمد وآله الطاهرين ؛ وبعد :
فهذا تحقيق رشيق حول مسألة وحدة الوجود وبيان مذهب القائلين بذلك
قال ـ قدس سره ـ في القول الشارح : (( فصل : في أنه لا يتحد بغيره
لما ثبت من امتناع اتحاد الاثنين مطلقاً ؛ وخالف جماعة من الصوفية ؛ فحكموا بأنه تعالى يتحد بأبدان العارفين ؛ حتى تمادى بعضهم ؛ وقال : إنه تعالى نفس الوجود ؛ فكل موجود فهو الله .
لكن كلامهم في هذا المقام متشابه في غاية الإبْهام ، ومن هذا احتمل فيه جماعة من علمائنا المحققين ومن علمائهم أيضاً الصحة وصرف الاتحاد عن معناه الظاهر إلى ما سنذكره إن شاء الله .
وقد أفصح عن ذلك القول ؛ وأنه واقع لبعضهم صاحب المواقف وشارحه ؛ حيث قال : ( المخالف في هذين الأصلين ـ يعني عدم الاتحاد وعدم الحلول ـ طوائف ثلاث : الأولى : النصارى وضبط مذهبهم ...) إلى أن قال : ( الثالثة : بعض المتصوفة ، وكلامهم مخبط بين الحلول والاتحاد ؛ والضبط ما ذكرناه في قول النصارى ، والكل باطل ... ) ، ثم قال : ( ورأيت من الصوفية الوجودية من ينكره ؛ ويقول : لا حلول ولا اتحاد ؛ إذ كل ذلك يشعر بالغيرية ونحن لا نقول بِها ، بل نقول : أو ليس في دار الوجود غيره ديار ؟ ، وهذا العذر أشد قبحاً وبطلاناً من ذلك الجزم ؛ إذ يلزم تلك المخالطة التي لا يجتري على القول بِها عاقل ولا مميز أدنى تمييز ) انتهى .
والعجب هنا من هنا من الكنجي من التعصب في شرحه على كتاب العلامة ونقضه عليه ؛ حيث أنكر وجود القائل من المتصوفة بذلك ، بحيث نسب العلامة لَهم ما نسبناه ؛ فقال في عبارته : ( وأما ما نسبه إلى الصوفية من القول بالاتحاد ؛ فإن أراد بهم محققي الصوفية ( كأبي يزيد البسطامي ، وسهل بن عبد الله التستري ، وأبي القاسم الجنيد[ي]البغدادي ، والشيخ السهروردي ) ؛ فهذا النسبة باطلة وافتراء محض ؛ وحاشاهم عن ذلك ، بل صرحوا كلهم في عقائدهم ببطلان الاتحاد ؛ فإنه مناف للعقل والشرع ، بل هم أهل محض التوحيد ... ).
ثم ساق كلاماً طويلاً مبرء لساحتهم عن التلوث بقذورات دعوى الاتحاد ؛ ومشنعاً على العلامة ؛ بأن فهمه يقصر عن معرفة المقصد من كلامهم والمراد .
والذي حمله على هذا العصبية والعناد ؛ وإلا فكلام كثير منهم مصرح بذلك كما هو ظاهر عبارة العضدي وشارحه من غير إشكال ولا إيراد .
إلا أن جماعة من علماء الفريقين قد بالغوا في تصحيح كلامهم صوناً لعقائدهم عن الفساد والضلالة والإلحاد .
فما نقله العلامة عنهم في محله ، وتأويله بما ذكروه أولئك الأعلام وإن قبلته عبارات بعضهم ؛ إلا أن أكثرها مما تأبَى ذلك التأويل والتشديد ؛ وسيما ما ذكره ذلك الكنجي من تحقيق وحدة الوجود حيث قال : ( وأما ما نقل عنهم إنهم يقولون :إنه تعالى نفس الوجود ؛ فهذه مسألة دقيقة لا تصل جرم فهمها أذهان مثل هذا الرجل . وجملتها أنهم يقولون : لا موجود إلا الله ، ويريدون به أن الوجود الحقيقي لله تعالى ؛ لأنه من ذاته لا من غيره ؛ فهو الموجود في الحقيقة ، وكل ما كان موجوداً غيره فموجوده(1) من الله تعالى ؛ وهو في حد ذاته لا موجود ولا معدوم ؛ لأنه ممكن ، وكل ممكن فإن نسبة الوجود والعدم إليه على السواء ؛ فوجوده من الله تعالى ؛ فهو موجود بوجود ظلي هو من ظلال الوجود الحقيقي ؛ فالموجود حقيقة هو الله تعالى ، فهذا عين التوحيد ) ؛ لأن عين ما يقوله الظاهريون من المتكلمين أيضا ، ولا يلزم من ذلك ما فرعه عليه من أن لا يكون للممكن وجود حقيقي ، وإلا لزم أن يكون كل أمر استفاد شيئا من غيره غير متصف حقيقة بذلك الشيء ؛ فيلزم أن لا يكون النارية الحاصلة في الأجزاء الدخانية الشهابية الصاعدة إلى كرة النار نارا حقيقة ؛ لاستواء تلك الأجزاء إلى وجود النارية وعدمها .
ثم إن الذي يهدم القول بالاتحاد هي الضرورة والوجدان ؛ واستحالته مما لا يحتاج إلى دليل ولا برهان ؛ ولأن الاتحاد مشتق من الوحدة وهو صيرورة الاثنين واحداً كما سمعت ؛ ولابد من اعتبار عدم الزيادة والنقصان فيهما . وهو هو بهذا المعنى مستحيل ؛ أما أولاً ؛ فلأنه غير معقول ؛ إذ الفرض هو هو باعتبار فرض المساواة من كل وجه ؛ وهو غير مدرك للعقل ؛ لاستلزامه عدم الاثنينية إلا أن يأخذ باحتمال الحمل في الخبرية ولا يدي نفعاً.
وأما ثانياً ؛ فلأن الاتحاد مع الغير إن كان مع واجب تعدد ، وإن كان مع ممكن ؛ فالحاصل إما واجب أو ممكن ؛ ويلزم الانقلاب ، وقد نقل عن جماعة إثباته . فإن كان بهذا المعنى ؛ فقد عرفت بطلانه ، وإن كان ما أدله من اتحاد السالك الذي هو رفع آنيته بآنية غيره ؛ فذلك لا يحيله العقل على تقدير وصول السالك إلى ذلك المقام ، لكن في تحققه غاية الإشكال ؛ وإن كان غير ذلك فهل (2) جهل محض .
وتحقيق ذلك وتقريره فيما وقع للفاضل المحقق المتأله الرباني محمد ابن أبي جمهور الإحسائي البحرانِي في كتاب المجلي ؛ حيث قال : " ذهب جماعة من الحكماء والقدماء كفرفوريوس واتباعه إلى أن إدراك ما من شأنه أن يدرك ؛ أن يصير المدرك نفسه نفس المدرك عند إدراكه له ؛ فهو حينئذ اتحاد المدرك بالصورة المدركة .
وقوم آخرون منهم قالوا : إن النفس الناطقة إذا أدركت شيئاً ؛ فإدراكها إنما هو اتحادها بالعقل الفعال عند الإدراك كما قاله بعض المتأخرين ) .
ثم قال : ( وأنا أقول : إن هاتين الطائفتين كانوا من الحكماء المتألهين وأفاضل الفهماء المجردين السالكين ؛ وهم يقولون ببقاء النفوس بعد المفارقة ؛ فيكون كل واحد منها قائماً بذاته وله شعور بذاته وبغيره ؛ ولكل منهما ابتهاجات مخصوصة ، ومن يقول بهذا كيف يحكم بأن كل واحد من النفوس يتحد بالصور المدركة أو بالعقل الفعال ؛ حتى تصير الصور المدركة نفس العقل الفعال عند الإدراك ؛ فيبطل التعدد والامتياز الذي بينها ؟! .
وهم لا يقولون بذلك كما قرره جماعة ، بل الاتحاد هو الذي يشير إليه أرباب التجريد ومشايخ الصوفية ؛ فما ورد عليهم إنما يتوجه على ظاهر أقاويلهم ؛ ولا يتوجه على مقاصدهم ولطائف كلماتهم ، بل الحق أن مرادهم باتحاد النفس بالصور العقلية أو بالعقل الفعال ؛ الاتحاد الذي يشير إليه المشايخ من أهل الذوق والتصوف ؛ وهو أن النفس إذا اتصلت ببعض الأنوار المجردة في بعض الخلسات والانخلاع عن البدن ؛ فقوة ما يلحقها من الابتهاجات العقلية والالتذاذات الروحانية وشدة الإشراقات النورية ؛ تغيب عن ذاتها وعن شعورها بذاتها ؛ ويستولي عليها سلطان الأنوار المجردة العقلية ؛ فيفنى حينئذ عن ذاتها ؛ ويعبرون عن هذه الحالة بالاتحاد .
فإذا وصل السالك إلى هذا المقام وتلاشى نوره الأضعف في النور الأشد الأقوى ؛ وسكر بلذات الأنوار القاهرة ، وصارت تلك الأنوار المجردة مظاهر تلك النفوس الناطقة المتصلة بها ؛ فلا يرى النفس التي حالها إلا المظهر ؛ فينطق بلسان ذلك المظهر ؛ حتى أن الحسين الحلاج لما وصل إلى هذا المقام دعا الله تعالى ؛ فقال : ( يا الله ؛ آنيتي وآنيتك أني تباعدنِي ؛ فارفع بآنيتك آنيتي ؛ فاستجاب الله دعاءه ؛ فقال : أنا الحق !! .
وقال آخر : سبحاني ما أعظم شأنِي !! .
وآخر يقول : ليس في جبتي سوى الله .
وقال آخر :
أنا من أهوى ومــن أهوى أنا نحن روحــان حللنا بدنا
فإذا أبصــــرتني أبصـــرته وإذا أبصـرته أبصـرتنا

وقد جاء في الخبر النبوي ـ صلى الله عليه وآله ـ أنه : ( لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل والعبادات حتى أحببه ؛ فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها ) ، ومن هذا قوله تعالى : ( وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ) ، وقوله ـ صلى الله عليه وآله ـ في حق علي ـ عليه السلام ـ : ( ما انتجبته ولكن الله انتجبه )، وقول الشجرة لموسى : ( إني أنا الله رب العالمين ) كله من هذا الباب .
وأما في العقل الفعال ؛ فلأن النفس لا تتمكن من الإدراكات العقلية حتى يشرف نور العقل على تلك الصور ، ويصير بذلك مجرداً عن المادة والنفس الناطقة ؛ لتستعد بذلك الإدراك الصور العقلية ، ويكون ذلك الإشراق العقل على النفس وشدة لمعانه عليها والتحاق نورها في نور العقل الفعال واستيلاؤه عليها ؛ فيعبر عن هذه الحالة بالاتحاد ؛ فإن النور الأضعف تغيب في النور الأشد ولا يبقى للأضعف أثر عند استيلاء نور العقل عليه ، وأما اتحاد النفس عند إدراك الصورة المعقولة لا التفات لها إلى ذاتها ، ولا إلى شعورها بذاتها وإدراكها لإدراكها ؛ فهي لا تدرك المعقول ؛ فللطافة المُدْرِك والمُدْرَكِ وقوة اتصالهما اسموا ذلك الإدراك اتحاد العاقل بالمعقول ؛ فهذا هو مراد الأوائل من الاتحاد الذي ذكروه ، وليس مرادهم أن اثنين صارا واحداً من جميع الوجوه ؛ فإن ذلك لا يقوله عاقل بالمعقول فضلاً عن العلماء المتألهين المؤيدين بالأنوار الشارقة والإلهامات الصادقة قدست أرواحهم " انتهى كلام ذلك الفاضل .
وقد جرى هذا المجرى جملة من الأواخر والأوائل ؛ وهو وإن كان منزهاً لتلك العقائد عن الضلال إلا أنه لا يساعده البرهان ؛ فلا طريق فيه سوى الكشف والعيان ؛ وهذا مما تقصر عنه سائر الأفكار والأذهان ، وقد أشارت إليه بعض الأخبار المعصومية مثل ما نقله ذلك الفاضل في كلامه من الخبر النبوي المذكور ؛ وهو مما رواه المخالف والمؤالف بطرق عديدة .
وفي مصـباح الشريعة عن الصـادق ـ عليـه السـلام ـ بروايـة البـلخـي : ( العبودية جوهر كنهها الربوبية ؛ فما فقد في العبودية وجد في الربوبية ، وما وجد في الربوبية وجد في العبودية ) .
ومثلها نقله غير واحد من علمائنا متأخر المتأخرين عن الصادق ـ عليه السلام ـ أيضاً مرسلاً أنه قال : ( لنا مع الله وقت هو نحن فيه ، ونحن نحن )؛ وهو ما رواه ابن طاوس وشيخنا البهائي في الدروع الواقية .
وفي مفتاح الفلاح عن الصادق ـ عليه السلام ـ أيضاً أنه قال : ( لازلت أكرر يوم الدين في صلواتي ؛ حتى سمعتها من قائلها ) .
وحديث : ( من عرف نفسه ؛ فقد عرف ربه ) .
وقد أجاب أهل الظاهر عن هذه الأدلة بأجوبة عديدة لقيام الدليل العقلي القطعي والقرآن والإجماع على نفي الاتحاد ؛ والاستلزامه(3) المفاسد واجتماع النقيضين ولضعف أسانيد هذه الأخبار وقوة المعارض لَها واستحالة حمل تلك الألفاظ على حقائقها إلى غير ذلك من الوجوه الرادة لها .
إلا أن القول الفصل الحاكم على كل من المذهبين هو أن التأويل في هذه الأخبار واجب بقدر نفي الاتحاد والحلول على وجه لا يوجب طرحها بقدر الإمكان ولو بتأويلها بما أول به كلام أولئك المتأهلين (4)منهم سيما الذين صرحوا بنفي الحلول والاتحاد .
وحينئذ فنقول في تأويل الخبر النبوي المذكور : أن العبد إذا فعل ذلك أدركه الله بلطفه وعنايته ؛ بحيث لا يصدر إلى ما ينفي الله (5) ، ولا يسمع ولا ينطق ولا يبصر ولا يبطش بغير ما فيه رضاه كما تقول : أنا يدك وظهرك وحسامك ونحو ذلك ؛ وهذا معنى ظاهر شايع من البلاغة بمكان ظاهر .
ومنها : أن يكون المعنى من نحل (6) ذلك أحببته ؛ فكنت ناصره ومؤيده ومعينه ومسدده كسمعه وبصره ولسانه ويده ؛ وهذا أيضا معنى صحيح قريب ويناسبه المثال السابق .
ومنها : أن يكون المعنى ؛ فإذا أحببته أحبني وأطاعني ؛ فكنت عنده بمنزلة سمعه وبصره ولسانه ويده في العزة والاحترام والإجلال والإكرام وإليه أشار الرضي العلوي في قوله : وإن لم تكن عندي كسمعي وناظري فلا نظرت عيني ولا سمعت أذني
ومنها : أن يراد أنه إذا تقرب إلي بالنوافل أحببته ووفقته ؛ فصار لا يستعين بسمعه ولا بصره ولا لسانه ولا يده ، بل يستعين بي ويعول علي ويرجع في أموره إلي كما أن من دهمه أمر استعان بقوته وأعضائه على دفعه وفي قوله : ( إن دعاني أجبته ...) الخ ما يدل على ذلك .
ومنها : أن يكون المراد كنت عنده بمنزلة سمعه وبصره ولسانه ويده في القرب منه والحضور لديه بالمعنى المجازي لا الحقيقي بمعنى العلم والإحاطة ومزيد التوجه والعناية وزيادة الرأفة والرحمة .
وأما الخبر المروي عن الصادق ـ عليه السلام ـ بغير طريق البلخي ؛ فآخره كاشف عن معنى أوله ؛ ودافع للإشكال عنه بحذافيره كله ؛ وذلك لأنه قال : : ( لنا مع الله وقت هو نحن فيه ؛ ونحن نحن وهو هو ) ولا شك كاشف عن كون الحمل الأول كناية عن القرب المعنوي منه ؛ وخلع ثياب الحيلولة بينهم وبين الله تعالى كما هو شأنهم عند المناجاة والدعوات والصلوات ؛ فلا يبصرون بقلوبهم سوى تلك الذات كما دلت عليها الآيات والروايات .
وأما الخبر الذي برواية البلخي الذي صورته : ( العبودية جوهرة كنهها الربوبية ... ) إلى آخره ؛ فمعناه والله أعلم بمقاصد أوليائه ـ صلى الله عليهم وسلم ـ أن العبودية هي مظهر آثار الربوبية ؛ حيث يستدل عليها بها ؛ فيكون المراد أن العبودية إنما قصدت بالتبع وأظهرت لذلك الكشف عن الربوبية ؛ للحديث القدسي قال : ( كنت كنزا مخفيا ؛ فلما أردت أن أعرف خلقت الخلق ) .
وأما حديث : ( ومن عرف نفسه ؛ فقد عرف ربه ) ؛ فلهم فيه تأويلات كثيرة :
أولها : إنه لما حركت النفس البدن والروح الجسد ؛ لزم من معرفة ذلك معرفة أن للعالم مدبرا ، وللكون محركا ؛ فمعرفة النفس دليل على معرفة الرتب (7) .
وثانيها : إن من عرف أن نفسه واحدة ؛ وإنها لو كانت اثنتين لأمكن المعارضة والممانعة ؛ عرف أن الرب واحد والمدبر للعالم أحد فرد ( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا).
وثالثها : إن من عرف أن النفس تحرك الجسد بإرادتها علم أنه لا بد للعالم من محرك مختار ؛ للقطع بوجوب كمال الخالق أو استحالة النقص والعجز عليه فضلا عن العدم .
ورابعها : إن من عرف أنه لا يخفى على النفس شيء من أحوال الجسد وحركاته ؛ علم أنه لا يعزب عن الباري مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء لامتناع علم المخلوق وجهل الخالق .
وخامسها : إن من عرف أن النفس ليست إلى شيء من الجسد أقرب منها إلى شيء بحسب العلم والاطلاع ؛ علم أن الله بالنسبة إلى المخلوقات كذلك بذاك المعنى .
وسادسها : إن من عرف أن النفس موجودة قبل البدن باقية بعده ؛ عرف أن ربه كان موجودا قبل العالم ويبقى بعده لم يزل ولا يزال .
وسابعها : إن من عرف أن نفسه لا يدرك كنه ذاتها ولا حقيقة كيفيتها ؛ عرفت أن ربه تعالى كذلك بطريق أولى ؛ فكأنه علق محالا على محال .
وثامنها : إن من عرف أن نفسه لا يعرف لها مكان ولا يعلم لها أينية ؛ عرف أن ربه منزه عن المكان والأينية بالأولوية .
وتاسعها : إن من عرف نفسه لا تحس ولا تجس ولا تدرك إلا بالعقل عرف أن ربه سبحانه منزه عن ذلك كذلك .
وعاشرها : إن من عرف أن نفسه لا تدرك بالبصر ولا تمثل بالصور ؛ عرف أن ربه سبحانه لا تدركه الأبصار ولا تمثله الأفكار .
وحادي عشرها : إن من عرف نفسه بصفات النقص عرف ربه بصفات الكمال ؛ لاستحالة تساوي الخالق والمخلوق ووجوب كمال الخلائق .
وثاني عشرها : من عرف نفسه أنها أمارة بالسوء ؛ عصاها وجاهدها واشتغل بالعبادة والعمل الصالح ؛ فانتفع بمعرفة ربه أي عرف ربه معرفة صحيحة ، ومن لم يعرف نفسه بهذه المعرفة ولم يعمل بمقتضاها ؛ فكأنه لم يعرف ربه وهذا .
إذا تقرر هذا ؛ فاعلم أن ما ورد من الأخبار في ذم الصوفية ؛ متوجه إلى أكثر فرقها ؛ وليس ناشياً عن القول بالاتحاد وحده أو الحلول ؛ بل لمقالاتهم الفاسدة ومعتقداتهم الكاسدة ، وما تبوءوا به الدار المهلكة لأديانهم وأبدانهم وطبعائهم الحائدة .
ومن هنا جاء في كثير من الأخبار تعليق الذم على مجرد القول بالتصوف مثلما رواه المولى الأردبيلي في كتاب حديقة الشيعة بسند صحيح عن مولانا محمد بن علي الهادي ـ عليه السلام ـ في جملة حديث طويل قال فيه : ( الصوفية كلهم مخالفونا ، وطريقتهم مغايرة طريقنا ، وإن هم إلا نصارى أو مجوس هذه الأمة ) .
وما رواه أيضا في الكتاب المذكور بإسناده عن الرضا ـ عليه السلام ـ قال : ( لا يقول بالتصوف أحد إلا لخدعة ، أو ضلالة ، أو حماقة ، وأما من سمى نفسه صوفيا للتقية ؛ فلا إثم عليه ) .
ورواه بإسناد آخر أيضا وزاد فيه : ( وعلامته أن يكتفي بمجرد التسمية ولا يقول بشيء من عقائدهم الباطلة ) .
وما رواه شيخنا البهائي عن النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ كما في كتابه الكشكول قال : قال ـ عليه السلام ـ : لا تقوم الساعة حتى يخرج قوم من من أمتي اسمهم الصوفية ليسوا مني ؛ وإنهم يهود أمتي ) وساق الحديث إلى أن قال : ( هم أضل من الكفار ) .
وما رواه الإردبيلي بسند صحيح في كتاب حديقة الشيعة عن محمد بن إسماعيل بن بزيع عن الرضا ـ عليه السلام ـ أنه قال : ( من ذكر عنده الصوفية ولم ينكرهم بلسانه أو قلبه ؛ فليس منا ، ومن أنكرهم فكأنما جاهد الكفار بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله ) .
وفيه بإسناده قال : ( قال رجل للصادق ـ عليه السلام ـ قد خرج في هذا الزمان قوم يقال لهم الصوفية ؛ فما تقول فيهم ؟ فقال ـ عليه السلام ـ : إنهم أعداؤنا فمن مال إليهم فهو منهم ؛ ويحشر معهم ، وسيكون أقوام يدعون حبنا ؛ ويميلون إليهم ويتشبهون بهم ؛ ويلقبون أنفسهم بلقبهم ويؤلون أقوالهم ؛ ألا فمن مال إليهم ؛ فليس منا وإنا منه براء ، ومن أنكرهم ورد عليهم كان كمن جاهد الكفار مع رسول الله صلى الله عليه وآله ).
والأخبار بهذا المعنى كثيرة جدا ؛ وفيما ذكرناه كفاية .
وقد جاء أيضا أخبار معتبرة في ذم بعض أفرادهم وأشخاصهم ( كأبي هاشم الصوفي واضع مذهب الصوفية ) عن العسكري ـ عليه السلام ـ قال : ( سئل الصادق ـ عليه السلام ـ عن حال أبي هاشم الصوفي ؟ فقال : إنه فاسد العقيدة جداً ؛ وهو الذي ابتدع مذهبا يقال له : التصوف ؛ وجعله مقرا لعقيدته الخبيثة ) .
وقد نصت العلماء أيضا من الفريقين على أن فرقهم اثنا عشر فرقة واحدة منهم على الحق المستقيم والباقي على البدعة والضلالة ؛ فالذين هم على الضلالة : الحبيبية ، والولائية (8) ، والشمراخية ، والإباحية ، والحالية ، والحلولية ، والحرورية ، والواقفية ، والمتجاهلة ، والمتكاسلة ، والإلهامية ، وأهل الحق منهم.
وفي الحقيقة أن الأخيرة غير داخلة فيهم وإن تسموا بهذا الاسم ؛ لتصريحهم بسن عقائدهم ؛ ولتباعدهم عن المحرمات التي ارتكبها غيرهم .
ولولا خشية إطالة الكلام عليهم لميزنا بين هذه الفرق ما اختصوا به من فسائد العقائد والمناكر ، ونفضنا مذاهبهم على التفصيل باعتبار الباطن والظاهر ، ولكن فيما ذكرناه من المذمة والتكفير الإجمالي من تلك الأخبار كفاية للناقذ الخبير ؛ وثابت العقيدة البصير )) انتهى كلامه زيد في مقامه .
ــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)الأقرب ( فوجوده ) كما في إحقاق الحق .
(2) ولعلها ( فهو ) كما في الاثنا عشرية للحر العاملي ؛ وقد ذكر هذه الأوجه بعينها .
(3) لعل الأقرب أنها : ( لاستلزامه ) .
(4) كذا وردت في القول الشارح ؛ ولعلها خطأ مطبعي صوابه ( المتألهين ) .
(5) في الاثنا عشرية أورد شيخنا الحر الأوجه بعينها وفيه هكذا : ( الأول ما ذكره بعض المعاصرين : إن العبد إذا فعل ذلك أدركه الله بلطفه وعنايته بحيث لا ينظر إلى غير ما لا يرضي الله ، ولا يسمع ... ) .
(6) كذا وردت وفي الاثنا عشرية : ( أن يكون المعنى من فعل ذلك ...) .
(7) كذا وردت ، وفي الاثنا عشرية : ( معرفة الرب ) وهو الأقرب .
(8)وفي الاثنا عشرية ورد : ( الأوليائية ) .

على
09-06-2008, 10:27 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بارك الله فيك أخي الكريم على هذا النقل المفيد..

لكن لي استفسار بسيط :
بخصوص قول العلامة الشيخ حسين رحمه الله :
ومن هنا جاء في كثير من الأخبار تعليق الذم على مجرد القول بالتصوف مثلما رواه المولى الأردبيلي في كتاب حديقة الشيعة بسند صحيح عن مولانا محمد بن علي الهادي ـ عليه السلام ـ في جملة حديث طويل قال فيه : ( الصوفية كلهم مخالفونا ، وطريقتهم مغايرة طريقنا ، وإن هم إلا نصارى أو مجوس هذه الأمة ) .
...

تأمل أخي الإمام الهادي عليه السلام قال (( الصوفية كلهم ))
فما معنى كلهم ؟

ومن أين جاء هذا الاستثناء (( فرقة واحدة منهم على الحق )) :

وقد نصت العلماء أيضا من الفريقين على أن فرقهم اثنا عشر فرقة واحدة منهم على الحق المستقيم والباقي على البدعة والضلالة ؛ فالذين هم على الضلالة : الحبيبية ، والولائية (8) ، والشمراخية ، والإباحية ، والحالية ، والحلولية ، والحرورية ، والواقفية ، والمتجاهلة ، والمتكاسلة ، والإلهامية ، وأهل الحق منهم.
وفي الحقيقة أن الأخيرة غير داخلة فيهم وإن تسموا بهذا الاسم ؛ لتصريحهم بسن عقائدهم ؛ ولتباعدهم عن المحرمات التي ارتكبها غيرهم .

ومن هي هذه الفرقة ؟

وفقك الله ورعاك

ع ج م جسا
11-06-2008, 05:16 PM
بسم الله الرحمن الرحيم ؛ والحمد للله رب العالمين ؛ وصلى الله على محمد وآله الطاهرين ؛ وبعد :
إلى الأخ علي ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ؛ وبعد :
ما أورده الشيخ : ( وقد نصت العلماء أيضا من الفريقين على أن فرقهم اثنا عشر فرقة واحدة منهم على الحق المستقيم والباقي على البدعة والضلالة ؛ فالذين هم على الضلالة : الحبيبية ، والولائية ، والشمراخية ، والإباحية ، والحالية ، والحلولية ، والحرورية ، والواقفية ، والمتجاهلة ، والمتكاسلة ، والإلهامية ، وأهل الحق منهم) .
هذا القول ليس قوله وإنما نقل رأي العلماء من الفريقين والأصل في هذا القول مأخوذ عن الشيخ نجم الدين عمر النسفي ؛ وقد ذكر شيخنا الحر أنه من علمائهم المطلعين على حقائق مذهبهم ؛ ونص عبارته في كتابه ( بيان مذهب التصوف ) : ( اعلم إن أصحاب التصوف على اثني عشر فرقة واحدة منهم على الحق المستقيم والباقي على البدعة والضلالة ؛ فالذين هم على الضلالة : الحبيبية ، والأوليائية ، والشمراخية ، والإباحية ، والحالية ، والحلولية ، والحرورية ، والواقفية ، والمتجاهلة ، والمتكاسلة ، والإلهامية ) ثم عدد الفرق إلى أن قال : ( الثانية عشرة : أهل الحق ؛ وهم قوم يتبعون السنة ؛ ويؤدون الصلاة في الوقت مع أهل السنة والجماعة ويحذرون عن الشراب ، والزنا ، والسماع ، والرقص ، والحرام ... ) ؛ وقوله شيخنا ( نص علماء الفريقين ) يظهر أنه إشارة إلى متابعة جماعة من علماء الفريقين للنسفي في هذا التقسيم .
وأما قول شيخنا : ( وفي الحقيقة أن الأخيرة غير داخلة فيهم وإن تسموا بهذا الاسم ؛ لتصريحهم بحسن عقائدهم ؛ ولتباعدهم عن المحرمات التي ارتكبها غيرهم ) ؛ فهو أراد أن هذه الفرقة مباينة لتلك الفرق التي استحلت الحرمات ؛ في تباعدها عنها ؛ وأما قوله ( لحسن عقيدتهم ) ؛ الظاهر أن الشيخ أراد حسن العقيدة في توحيد الله سبحانه وتنزيهه ـ تعالى ـ عن عقائد الصوفية من الحلول والاتحاد وغيرها والالتزام بالعبادات ؛ وأدائها ؛ وربما أراد جماعة من الشيعة اتخذوا طريق الزهد وأوحى ظاهرهم أنهم من الصوفية أو ربما سلكوا غفلت بعض مسالكهم ، والله أعلم .
وعلى كل حال ؛ فلا يظن ذلك بشيخنا في تصنيف فرقة من المخالفين أنهم على الحق المستقيم ؛ كيف ومن وقف على كتبه كالمحاسن يعلم حقيقة الحال ؛ وإن شئت راجع تحقيقه في ذلك الكتاب حول الناصب ورأيه في المسألة السادسة .
بل في نهاية كلامه كشف لرأيه ؛ إذ قال : ( ولولا خشية إطالة الكلام عليهم لميزنا بين هذه الفرق ما اختصوا به من فسائد العقائد والمناكر ، ونفضنا مذاهبهم على التفصيل باعتبار الباطن والظاهر ، ولكن فيما ذكرناه من المذمة والتكفير الإجمالي من تلك الأخبار كفاية للناقذ الخبير ؛ وثابت العقيدة البصير ) .
ثم لننقل هنا كلام شيخنا الحر في ( الاثنا عشرية ) ؛ وبدايته مثل ما ذكره شيخنا الحسين ولكن فيه زيادة أحببنا ذكرها ؛ قال الشيخ الحر : " أقول : الفرقة الأخيرة غير داخلة في التصوف المبحوث عنه وعلى تقدير دخولها في طريقتهم تدخل في حكمهم ويدل على ذلك ما مضى وما يأتي ويزيد هنا وجوه : أحدها : أنهم من العامة المخالفين كما يدل عليه كلام النسفي وثناؤه عليهم فتقليد الشيعة لهم غير معقول . وثانيها : أن ظاهر حال هؤلاء أنهم استعملوا لفظ التصوف بمعنى الزهد وهو لا يدل عليه ، فعلى تقدير عدم مخالفتهم للشرع في شئ فنسبتهم فاسدة ليس لها معنى صحيح بل هي موهمة لمعنى فاسد . وثالثها : أن هذه النسبة على كل حال غير جايزة لما تقدم من الأدلة الدالة على المنع منها هذا ، وقد ذكر بعض العلماء أسماء طوائف الصوفية أزيد مما ذكره النسفي فقال : ( إن من طوايفهم وحدتية ، وواصلية ، وحبيبية ، وولائية ، ومشاركية ، وشمراخية ، ومباحية ، وملامية ، وحورية ، وجمالية ، وتسلمية ، وكاملية ، وتلقينية ، وإلهامية ، وخورية ، وعشاقية ، وحلولية ، وذوقية ، وجمهورية وزراقية . انتهى ) " هذا كلام شيخنا الحر .
والحمد لله رب العالمين ؛ وصلى الله على محمد وآله الطاهرين .

على
11-06-2008, 06:48 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وآل محمد وعجل فرجهم والعن عدوهم
الأخ الكريم ع ج م جسا السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أشكرك على هذا التوضيح
وكلام المحدث الكبير الشيخ الحر العاملي رحمه الله.. يوضح ما يريده العلامة الشيخ حسين رحمه الله في نهاية كلامه المنقول..
وفقك الله ورعاك