PDA

View Full Version : كيف استطاع الأصوليون النجاح في حملتهم ضد الأخباريين ؟ وبيان أقوال بعضهم وأفعالهم المج


ع ج م جسا
16-03-2008, 03:58 PM
بسم الله الرحمن الرحيم ، والحمد لله رب العالمين ؛ وصلى الله على محمد وآله الطاهرين ، واللعنة الدائمة على أعدائهم الغاصبين والمعتدين ومن تابعهم وشايعهم من الأولين والآخرين ؛ وبعد :
قبل أن أبدأ بالموضوع عندما أعني بقولي ( الأصوليون ) لا أعني كلهم ؛ وإنما قصدت البعض ؛ فأن هناك من سلك جادة الإنصاف .
لقد تعددت وتنوعت أساليب الأصوليين في حملتهم الشرسة ضد الأخباريين ؛ ونحن نتطرق إلى مجموعة نقاط استغلوها في ذلك ؛ تعد من أهم النقاط ، وإن كان هناك نقاط أخرى غيرها ، وما أذكره نظرة قاصرة عابرة ؛ وإشباع الموضوع يحتاج إلى دراسة معمقة شاملة .
* النقطة الأول : استغلال أمور صدرت عن الأخباريين حورها الأصوليون إلى صالحهم :
أقول ـ بصراحة ـ هناك أمران هامان صدرا عن علمائنا الأخباريين ؛ استغلهما الأصوليون في هجمتهما عليهم ؛ وقد نجحوا في استغلالهما ـ قد أخالف في نظرتِي ـ ولكن هذا رأيي ؛ وهما :
الأمر الأول : موقف الشيخ يوسف في كربلاء المقدسة في مقابل ما فعله الوحيد البهبانِي ؛ فهو وإن كان لا أحد ينكر أن الشيخ قد مثل أعلى درجات الورع والتقوى والإنصاف والأخلاق النبوية والمكارم الإمامية ؛ فسجل له التاريخ أنصع صفحات البياض ؛ ولم يستطع أي شخص أن يقدح فيه ؛ بل كل من يذكره يكن له الإجلال والاحترام ـ وإن صدرت تجاه أقوال ؛ فهي قليلة تنم عن تعصب أعمى ـ إلا أن هذا الموقف قد استغله محمد باقر البهبهانِي ـ وسار على نَهجه تلامذته وأتباعه ـ استغلالاً كبيراً ؛ استحق من خلاله أن يطلق عليه الأصوليون الوحيد ومجدد المذهب وكرسوه في مصلحتهم ؛ بل الأدهى أنه استغل لترويج أن البهبهانِي تمكن من إقناع الشيخ وعدله عن آرائه ؛ بل قد جعل الكثير من الأصوليين يروجون أن الشيخ يوسف قد عدل عن رأيه إلى المسلك الأصولي ؛ ولكنه خاف إظهاره ؛ وهذا ما صرح به تلميذ الوحيد المامقانِي في تنقيح المقال وغيره ؛ بقوله : ( فأخبروا الشيخ يوسف بذلك ؛ وحيث أنه يومئذ كان عادلاً عن مذهب الأخبارية خائفاً من إظهار ذلك من جهالهم طابت نفسه بالإجابة ) .
وهو قول يفضحه الصبح المبين؛ ومجرد ادعاء عار عن الصحة ؛ لكنه من الأساليب التي استغلها الأصوليون في ضرب خصومهم ؛ ونقول رداً على هذا : إذ كان الشيخ يوسف عادلاً ـ وهو رئيسهم ويرى فساد مبناهم ـ ؛ فكيف يخفي ذلك عن تلامذته هذا الحق المزعوم ؛ ويترك العوام في الجهالة ، بل في ذلك نسبت الشيخ إلى الغش والاحتيال والكذب ، ثم إذا كان الشيخ عادلاً عنهم ؛ فما تبرير قيام الوحيد بمنع الناس من الصلاة خلفه وإبطال صحة الاقتداء به ؟! ومنع الطلاب من حضور درسه ؟ ثم نفيه أواخر حياته إلى المسيب ؟ !
الأمر الثانِي : ما صدر من أقوال من بعض العلماء الأخباريين فيها تشنيع قاس على الخصوم ؛ لاقت عدم قبول حتى من العلماء الأخباريين أنفسهم واعتبروها تجريح مجانب للإنصاف كما صدر من المولى الأمين الأسترآبادي والمولى الفيض الكاشانِي والميرزا محمد ؛ وقد استغل الأصوليون هذا الأمر من جانبين : الجانب الأول : بالتشهير بِهؤلاء وتشويه ما دعوا إليه من منهج ؛ وبأن اتهموهم بالطعن في رؤوس الطائفة . والجانب الثانِي : ما صدر من دفاع من العلماء الأخباريين عن هؤلاء العلماء الأصوليين وأنَّهم لا يستحقون هذا الوصف من الطعن ؛ فاستغله الأصوليون ؛ بأن صوروا للرأي العام كيف أن هؤلاء لم يقبل قولهم حتى من قبل المنتمين إلى خطهم . وفي المقابل فإن الأصوليين لم يصدر منهم أي نقد ممن تطاول على الأخباريين ؛ بل على العكس اعتبروا ما قام به ألد خصوم الأخباريين وهما الشيخ البهبهانِي والشيخ جعفر كاشف الغطاء من أعظم الخدمات التي قدموها للدين والعلم واستحقا بذلك نيل وسامين الأول سمي بالوحيد والمجدد ، والثانِي بالشيخ الأكبر وشيخ مشايخ العراق .
صحيح في ميزان الإنصاف هي نقطة لصالح الأخباريين من هذا الجانب ؛ لكن من جانب آخر في ميزان الصراعات ؛ يعتبر ضدهم .
نعم ؛ ربما تنبه شيخنا العلامة الشيخ حسين لِهذين الأمرين كما هو الملاحظ في ما قاله في كتابه المحاسن النفسانية من حيث تجنب الطعن ؛ ولكن الإصرار على نشر هذا الفكر وبيان خطأ الأصوليين ؛ وهذا ما يبرر صمود الخط الأخباري إلى هذا الوقت في المنطقة التي غطتها مرجعية هذا الشيخ ؛ رغم أن الصراع هناك لم يقتصر مع الأصوليين ؛ بل تزامن معه صراع آخر كان يتطلب توجيه الشيخ نظره نحوه ؛ لأنه يعتبر صراع أساسي كان يتهدد المذهب وتمثل في المد المتشدد السلفي الذي كان يكفر الشيعة وهجمات الخوارج ؛ وهؤلاء كانوا لا يتورعون عن سفك الدماء ، إضافة إلى صراعات السلطة السياسية هناك ؛ وقد توجه شيخنا هذا الوقوف الحازم ضد هذا الصراع بشهادته .
وأنا أقول ـ وهذا رأيي ـ لو كان الشيخ حسين في كربلاء مع عمه ؛ لكان مجرى الأحداث اتخذ خطاً آخر ؛ ولكن لله المشيئة .
وقفة هنا مع هذه النقطة :
أولاً : لنقف على هذه الأقوال المنصفة من هؤلاء العلماء ؛ قال الشيخ يوسف في اللؤلؤة : (( وقد أكثر في كتابه الفوائد المدنية من التشنيع على المجتهدين ؛ بل ربما نسبهم إلى تخريب الدين ، وما أحسن وما أجاد ، ولا وافق الصواب والسداد ؛ لما ترتب على ذلك من عظيم الفساد )) .
وأنا أتحدى أن يأتي الأصوليون بنقد مثل هذا وجهه عالم أصولي تجاه آخر صدر منه تشنيع ضد الأخباريين ونسبهم فيه إلى تخريب الدين كما صدر في كتاب العبقات وكتاب السهام المارقة وغيرها ، كما أنه لا يجرئ أحد من الأصوليين على نوجيه مثل هذا الكلام إلى الشيخين البهباني وكاشف الغطاء ؛ كما وجه الشيخ يوسف النقد اللاذع نحو رأس الأخبارية الأمين ؟ .
قال الشيخ جعفر البحرانِي كما عن تقريظ يقظة الوسنان : (( وأما ما ذهب إليه الأسترآبادي فيما يظهر من فوائده والشيخ عبد الله السماهيجي وأمثالَهما ؛ فدعني وشأنِي ؛ فإنِّي لا أقول فيهم ولا أقول بقولِهم ...)) .
وقال الشيخ حسين في المحاسن النفسانية في المسألة الأولى : (( وبالجملة إن الإعراض كما قلنا هو الطريق المأمون العثار ؛ فيكون نسبتهم إلى الفسق مما لا يجوز فضلاً عن الكفر والشرك ))
وقال فيه : (( وأما القدح فيهم والكلام بما لا يناسب مقامهم ؛ فمما لا ينبغي سلوكه ؛ حيث إنهم شيدوا دين الإمامية ؛ ولظهور الفضلة منهم في ذلك لما سمعت من العبارات التي نقلناها عنهم من أن الوقوع فيهم والطعن لمن سلك هذا المسلك كالفاضل الكاشي في سفينة النجاة )) .
ثانياً : قد ذكر شيخنا أحد أسباب سلوك هؤلاء العلماء الأخباريين في الطعن على بعض علمائنا الأصوليين في كتابه المحاسن النفسانية ؛ وأشار إلى نقطة هامة على خلاف شيخه الشيخ يوسف ؛ إذ قال : (( فما أدراك بالمتأخرين الذين ظهر منهم التعلق في كثير من المسائل بقواعد الاجتهاد ، بل ربما طرحوا بعض الصحاح والحسان في مقابلة تلك القواعد ؛ وهو الذي حمل من اجترئ عليهم على سلوك الوقوع فيهم ؛ ونسبتهم إلى مراتب العامة ؛ ولكن ينبغي الإعراض عن هؤلاء لما ثبت من عدالتهم وورعهم الحاجزين عن مثل ارتكاب طريق الأهواء والآراء ، بل الذي يليق بمقامهم وشأنهم هو الاقتصار على بيان خطئهم والاستدلال على ذلك في مقام بيانه لحجز من يأتِي بعدهم عن الدخول فيه )) . وهذا ما أشرنا إليه سابقاً .
ونحن نرى سبباً آخر لما صدر منهم من طعن ؛ وهو أسلوب الطرف المقابل ؛ الذي ألجأهم ـ مع اعترافنا بخطئهم ـ ؛ كما في مثل الميرزا كما سيتضح مما سننقله ؛ فإن أسلوب الشيخ جعفر ـ رحمه الله وعفا عنه ـ كان أسلوباً جافاً بعيداً عن جو المجادلة بالتي هي أحسن ؛ وكان في تعقب الميرزا كما سيتضح من نقل عبارات حفيده الشيخ محمد الحسن آل كاشف الغطاء ـ رحمه الله ـ ؛ وقد صدر فيه فتوى بقتله أو نفيه ، وقبل الشيخ جعفر كان أيضاً الشيخ البهبهانِي ـ رحمه الله ـ ؛ ولكن خصم هذا لم يكن رده إلا بما جاء في الذكر الحكيم ( ادفع بالتي هي أحسن ) ؛ وشتان بين الاثنين عند المنصف ( شتان بين مشرق ومغرب ) برغم أنوف الأصوليين .
فهذا يأتِي الصحن الحسيني الشريف صارخاً وكأن من في الصحن ليس أماماً معصوماً أمرنا باحترامه ـ إلا أن يعتقد بموته لا حياته ـ ؛ ثم يقول اجتهاداً وجرأة على الله ورسوله وأئمته (ع) بأنه حجة الله ؛ قال المامقانِي أحد تلامذته في تنقيح المقال : ((فانتقل إلى كربلاء المشرفة ، وهي يومئذ مجمع الأخباريين ، ورئيسهم يومئذ الشيخ يوسف " صاحب الحدائق" ، فحضر بحثه أياما ، ثم وقف يوما في الصحن الشريف ونادى بأعلى صوته : أنا حجة الله عليكم ، فاجتمعوا عليه وقالوا : ما تريد ؟ فقال : أريد أن الشيخ يوسف يمكنني من منبره ويأمر تلامذته أن يحضروا تحت منبري ، فأخبروا الشيخ يوسف بذلك وحيث أنه يومئذ كان عادلاً عن مذهب الأخبارية خائفاً من إظهار ذلك من جهالهم طابت نفسه بالإجابة...)) . ولا ألومه هو ؛ بل ألوم من صدقوه ؛ فإذا كان هو حجة الله على العباد ؛ فمن يكون الإمام المهدي ؟! وماذا يقول الأصوليون لو صدر الكلام عن غيره ؛ وقد قامت قيامتهم هذا الزمان ؛ لأن أحداً في العراق قال فقط إنه نائب الإمام ! ـ ثم رغم ما فعله البهبهانِي بالشيخ ؛ حُكي أنه أوصى بأن يصلي عليه .
لكن في المقابل الشيخ البهبهاني كان يحضر على تلامذته حضور درس الشيخ بينما الشيخ يوسف يسمح بذلك وكان يمنع ابن أخته صاحب الرياض ؛ لكن الأخير كان يحضر درس الشيخ خفية ، وكان لا يجيز الصلاة خلف الشيخ يوسف ، والشيخ يجيزها .
ثالثاً : هل هؤلاء ؛ هم فقط شنعوا على الأصوليين والأصوليون لم يردوا عليهم أم ردوا بالمثل وأزيد ؟! وهل من كتب عن هؤلاء الأصوليين من الأصوليين انتقدهم ؟ للإنصاف وجدنا واحداً فقط انتقد صاحب الرياض لتهجمه على الحر وسننقل كلامه ؛ أما غيره فلا بل بالغوا في مدحهم .
وهذه نماذج لتعريض علماء أصوليين بِهؤلاء فاق ما قالوه وطعن بسببه عليهم
قال شيخنا في المحاسن النفسانية : (( واقتفى أثره [ أي الكاشانِي ] في هذا المسلك وطعن عليه الفاضل الشيخ علي بن الشيخ محمد العاملي في كتابه الدرر المنثورة ، وتجاوز في ذلك الطعن الحد ؛ حتى نسبه تارة إلى الجهل بالعلوم ومسائل الاجتهاد ، بل بأصل الاجتهاد ، وتارة رماه بما لا يليق بسائر الناس من الفسوق والفجور والعياذ بالله )) .
وقال أيضاً : (( وأكثر الطعن والتشنيع على الفاضل محمد أمين الأسترآبادي ـ فيما وقع له من التعريض والطعن على مثل العلامة ؛ حتى نسبه في مواضع كثيرة من الفوائد المدنية لما لا يليق بشأنه ـ كالفاضل ملا عبد الله البشروي في رسالته التي ألفها في الأصول والسيد المحقق نور الدين بن أبي الحسين الموسوي في الفوائد المكية )) .
وهذا ما قاله السد نور الدين في الفوائد ( أو الشواهد المكية ) في حق الأمين : (( لا عجب من كلام هذا الهاذر بعد أن بنى ما بناه من أصله على القواعد الواهية ، وتزين له أنه قد أحاط بكل شيء علماً إلهاماً من الله ورتبة . ولكنه كان معذوراً إذا صدر عنه مثل هذه الخيالات والتحمسات والخرافات التي لا يتصور صدورها ؛ عمن هو مالك لعقله ودينه ؛ باعتبار ما كان قد اعتاد إليه من استعمال الأشربة الردية الخارجة عن الحد المشهور بِها التي من عادتِها أن تفيد صاحبها الأخلاق الردية ، وتخرج طبعه عن السجايا الحميدة المرضية ، وتصور له الخيالات والهذيانات في الصور الحسنة الحسية ، فيعتقدها أعظم مزية ، وهي عليه أكبر بلية وسبب قوي لتمكن الشيطان من الوسوسة إليه بتحسين القبيح وتهجين الرجيح )) .
قال عنه الشيخ علي ابن الشيخ حسن ابن الشهيد ـ رحمهم الله ـ في كتابه المسمى ( بالسهام المارقة في رد أولئك الزنادقة ) ـ بعد كلام طويل في تضليل الغزالي ومحيي الدين ابن عربي وإفساد طريقة هؤلاء المبتدعين من المتصوفين ، ويتخلص منه إلى مقصده ومرامه ، من إثبات ضلالة الفيض وأتباعه على تلك الطريقة الفاسدة ـ : (( وقد قلد [ يعني الفيض ] في بعض تقليده بذلك رجلا جاهلاً بمراد العلماء ، مغروراً لا اطلاع له على علوم الشريعة وضوابطها ، ولا خدم أهلها وحصّل مما عندهم ، بل كان قصده الشهرة وتعريف نفسه بمعاداة أولياء الله ، لما اشتهر من قولهم : إذا أردت أن تشتهر فقع فيمن هو أكبر منك وعادِه ، وهذا الرّجل اسمه محمد أمين من تسمية الشيء باسم ضدّه ، وكان في مكة وقت خلوّها من الفضلاء .
وإذا مَا خَلا الجَبَانُ بِأرْضٍ طَلَبَ الطّعْنَ وَحْدَهُ والنِّزالا
وقد كان عنده بعض المعرفة فيما لا يسمن ولا يغني من جوع ، وكان يحضر أوقاتاً فيها درس ميرزا محمد الأسترابادي ، ولم تطل مدّة الرّجل ؛ فلما انتقل إلى ربه تصدّى لقصد الشهرة عارياً من العلوم التي بها يشتهر المجاورون ؛ فشرع هناك بالتقبيح والتدليس ، وأخذ مسائل من كلامهم لم يفهم مغزاها ، ولا عنده خبرها ، وضمَّ إلى ذلك ادّعاء منامات كثيرة ، وتخيلات أن صحَّ شيء منها ؛ فمنشؤه ما كان يستعمله من الأفيون ونحوه ، وموَّه على ضعيفي العقول وقليلي البضاعة أشياء سحرهم بِها ، وهي أوهن من بيت العنكبوت ، ولَم يوافق فيما ادعاه أحد من المتقدمين والمتأخرين وإن أوهم من لم يتبع مقاصده وكلام العلماء أنّه على نهج المتقدمين ، ويظهر ذلك لمن عرفه حق المعرفة )) انتهى .
وقال الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء ـ عفا الله عنه ـ عن الأمين وعن الميرزا والأخبارية : (( ولكن الأنسب هنا ذكر نبذة يسيرة من تشنيع إمامي هذه الطائفة على علماء الدين الذين بِهم اقتدى هذا الكافر المرتاب في توهين حجج الله النواب ، وليرَ الناظر في هذا المقام إنّه كما لهذا الخبيث اقتداء بقومه الغاوين ، فكذا للشيخ أسوة بالسلف الصالحين من حجج الله الماضين ، فمن بعض ذلك ما يقوله أخوه الخائن اللعين المدعو بمحمد أمين )) .
وقال عنهما أيضاً : (( وأنت ترى الفرق بين كلامه [ يعني الشيخ يوسف ] وكلام محمد أمين ، ورديفه اللعين ، وتميّز بعقلك من المجترئ منهما والبريء ، وتعرف من المقتصد وغير المقتصد ، والمتعرّض المتغرّض ، ومن الصّافي العقيدة والخالي الذهن ، من المتحمل الحقد على الدين وأهله والممتلئ فؤاده بالضغن ، وإلاَّ فكلاهما أخباريّان ، فما الداعي لاختصاص هؤلاء بإظهار العداوة للمجتهدين والشنأن )) .
ونحن نقول للشيخ :هذا تنميق كلام منك ؛ وإلا فأنت في غير هذا الموضع قد شبهت قاطبة الأخبارية بالكلاب النابحة ، والله المستعان .
وقال عن الميرزا الأخباري : (( والحاصل أنّ العقل والاعتبار مساعدان لمن يقول بالإنكار ، فإنّ الشيخ أجلَّ أمراً ؛ وأعلى قدراً من التعرض لمثل هذا الكلب )) .
وقال أيضاً في العبقات عنه : ((حتى أطلع الشيطان نبعته ، وكشف سَوْأَته ، ونبش حتى أظهر في الكون سلحته ، فتعفّن العالم من نتن أفعاله ، وخبث أقواله ، فجعل يرمي العلماء الأبرار ، بسماته سمات الكفرة الفجّار ، ويُؤنب ويُؤَلّبْ على المجتهدين ، عداوة للدّين ، وسبب تلك العداوة أنّ هذا الرّجس ولد في الهند، ونشأ بها ، وحصل ما حصل وهو بتلك الأقطار ، ومن المعلوم أنّ أغلب أهل الهند على مذهب قدمائهم الفلاسفة المنكرين للمعاد ، الجاحدين لرب العباد ، فنشأ الرجل على تلك ا لطريقة وسلك بذلك المسلك ، وكان يظهر الإسلام بلسانه ، ويضمر الكفر بجنانه ، فقدم على أهل العراق مريداً إطفاء نور الله الذي بين أيديهم ، وإخماد نائرة الاجتهاد الشائعة في ناديهم ، وقصده السلوك شيئاً فشيئاً إلى إتلاف الدين من أصله ، وقلع أساسه من محله )) .
نقول : العجب أنه لم يكتفِ بسب خصمه الميت وإخراجه من الدين ؛ بل ترقى إلى نسبة أن أغلب أهل الْهند على مذهب قدمائهم الفلاسفة المنكرين للمعاد ؛ فهو رمى البريء والمتهم على حد سواء ؛ وبذلك لم يرد فقط غير المسلمين ؛ بل شمل من نشأ فيهم أيضاً الميرزا من الشيعة .
وقال : (( ولعلك أيها الناظر بهذه الرسالة في هذه المقام ، تُفَوِّق إليَّ سهام التأنيب والملام ، بسب بعض الكلمات التي أعبِّر عن هذين الرجلين الملعونين من طردهما ولعنهما ونسبة الباطل إليهما ، وتقول : هما إماميّان مواليان ، فلا ينبغي في حقهما هذا البيان والعنوان ، ولكنك بملاحظة ما ذكره الشيخ يوسف البحراني الذي هو منهم تعذرني في ذلك ولا تؤنبني ، وأما لو ذكرت لك ما ذكره الشيخ علي ابن الشيخ حسن ابن الشهيد رحمهم الله في كتابه المسمى ( بالسهام المارقة في رد أولئك الزنادقة) ، لقلت أحسنت وأجدت ، ولقد مدحتهم بما أبنت وأفدت )) .
وأقول : الشيخ يوسف أجل من أن يتلفظ بِهذه الألفاظ وقصارى ما قاله أنَّ الأسترآبادي ما وافق الصواب في التشنيع على الأصحاب ؛ أما ما تفوهت به من كلمات غير لائقة ؛ فهو من لسانك ؛ نعم ؛ ذلك الشيخ على شاكلتك في التعصب وعدم الإنصاف ، ثم أنت لم تقتصر عليهما حتى تكون معذوراً ؛ بل طعنت في كل الأخباريين ورميتهم بهدم الدين .
وأما جده الشيخ جعفر ؛ فيكفيه في طعنه في الميرزا كتابه ( كشف الغطاء ) الذي بعث به إلى فتح علي شاه تعريضاً بالميرزا
ونقل صاحب روضات الجنات في رسالة لهذا الشيخ رداً على الميرزا وهو يخاطبه : (( اعلم والله أنك نقصت اعتبارك وأذهبت وقارك وتحملت عارك وأججت نارك . وعرفت بصفات خمس هي أخس الصفات وبِها نالتك الفضيحة في الحياة وتناولتك بعد الممات . أولها نقص العقل ، ثانيها نقص الدين ، ثالثها عدم الوفاء ، رابعها : عدم الحياء ، خامسها : الحسد المتجاوز للحد )) .
وسبحان الله هذا الرجل ظلم في حياته، وظلم عند مماته ، واستبيح دمه ، وهتكت حرمته ؛ وظلم من قبل من كتب عنه من الأصوليين ؛ وكأنه هو الذي أفتى بطرد الشيخ جعفر أو قتله ؛ وكأنه هو الذي أمر اتباعه بأن لا أحد يكلمه ، وكأنه هو الذي كان يطارده أينما حل ؟ وكأن المقتول هو الشيخ جعفر بتحريض الميرزا ؛ وكأن الشيخ جعفر لم يقل فيه شيئاً ؛ فقط الميرزا هو الذي يقول وهو الذي يفتري ؛ وذلك يقول : سامحك الله ؟!! .
أخاطبكم يا أصوليون يا من تدعون الإنصاف ألا تنصفون هذا الرجل كما أنصفتم صاحبه ؟ لماذا تعلون الشيخ جعفر ؛ وكأنه ملك لم يعص الله أبداً ؛ وإذ تكلمتم عن هذا الرجل كأنه الشيطان الرجيم أعوذ بالله من الاعتساف ؛ فهذا الكاتب لسيرة صاحب القوانين في مقدمة القوانين ؛ وهو عباس تبريزيان ـ وللأمانة لا أجزم هل هو القائل أم أنه ينقلها عن أحد وإن كان الأرجح هو مع أنه إنما كان ناقلاً لكلام الميرزا عن صاحب القوانين في رجاله ولكن العادة أن يعرجوا عليه عند ذكره بالطعن فيه ؛ فقال : (( لا أفلحه الله فيما قال وفعل ، ولا عاجله إلا بالخوف الوجل )) وكذا السيد الأمين ينقل الرسـالات والمقالات في ذمـه ؛ ويقول عن رسالة ( كشف الغطاء ) بأنه رسالة لطيفة ، ثم يقول : (( أبان فيها قبائح ذلك الرجل واعتقاداته الكفرية ... )) ، ثم يأتِي بالمدائح في الشيخ جعفر وكأنه وقف على حقيقة الأمر بأم عينه وثبت له ما نقل عن الميرزا قطعاً ورآه رأي عين اليقين ، ومن عجيب الأمر أن الشيخ جعفر أرخها بقوله : (( ميرزا محمدكم لا مذهب له )) .
ونكتفي بذلك وإنما غرضنا بيان أن أصحابنا جانبوا الإنصاف ولم ينتقدوا الفريقين على حد سواء ؛ والميرزا ـ رحمه الله ـ قد أخطأ كالأمين في التشنيع ؛ ولو اقتصر على بيان صحة مبدأه وأعرض صفحاً عن ذلك الطعن ؛ لما أعطى خصماءه الفرصة في الطعن عليه ؛ إذ كما يدين المرء يوماً يدان به فزارع الثوم لا يجنيه ريحاً ؛ وإن كان من أهم الأسباب التي حملته على ذلك موقف الشيخ جعفر منه . ونحن نقول ذلك من باب الإنصاف .
* النقطة الثانية : تأليب رأي السلطات السياسية ضد شخصيات أخبارية ومحاولة تسقيطها واتهامها بمهاجمة العلماء وخداع العوام ؛ وكمثال ما اتبعه الشيخ جعفر ضد الميرزا الأخباري بشكل واضح وصريح اعترف به حفيده في العبقات العنبرية وأشار إلى بعضه صاحب أعيان الشيعة وبما صرح به ذلك الشيخ في رسالته إلى فتح علي شاه ( كشف الغطاء ) التي في عنوانِها غناء عن بيانِها
* النقطة الثالثة : الأفعال باتخاذ أسلوب الطرد والنفي والاستقواء والْهيمنة ؛ وقد ظهر هذا جلياً في موقف البهبهانِي ضد الشيخ يوسف والشيخ جعفر ضد الميرزا ؛ وسننقل فتواه المذكورة في البعقات العنبرية .
ونحن نورد دليلنا على هاتين النقطتين من فم القوم أنفسهم لتقف على حقيقة الحال :
قال صاحب العبقات العنبرية : ((ومم اتفق له في تلك الأقطار مناصبة الأخباري ميرزا محمد حيث يتطلبه بالثأر ، من نفي الشيخ له عن العراق ، وطرده له مع أهل الشقاق والنفاق ، وبيان ذلك مع الكشف عن سرّه )) . ويتضح أن سبب العدواة هو الشيخ وبسبب أسلوبه القاسي ؛ ولو آلان له الكلام ؛ لاستطاع كسبه ؛ ولكن كيف يقوم بذلك وهو باعتراف حفيده يريد القضاء على الأخبارية ؟!
وقال : (( ونعود إلى ما كنا بصدده من سر عدواة هذا الرجس لخصوص شيخنا الأكبر ، وذلك أنّ الشيخ بلغ به الحال في أمرهم أنّه إذا أجاز رجلاً من تلاميذه ونصبه علماً لقوم نائين جعل أهم وصاياه له عدم المراودة مع هذه النبعة الخبيثة على الإطلاق ، وعدم التكلم معهم والجلوس بمجالسهم إلى غير ذلك من الانقطاع عنهم ، والتباغض معهم كي يذلوا وتكسر شوكتهم عند العوام ، الذين هم كالأنعام من تبعة تلك الأقوام ، فممن بعثه الشيخ مجازاً منه نائباً عنه الحاج ميرزا إبراهيم الكلباسي رحمه الله صاحب ( الإشارات ) ، وكان من تلامذة الشيخ المبرزين ؛ فبعثه إلى أصفهان ، وأوصاه بتلك الوصايا وأمثالها ، فلمّا استقر به المقام فيها دخل البلد في الأثناء ذلك الأخباري المذمم فمكث مدة أيام ينتظر دخول العلماء إليه كما هي عادتُهم في القادمين عليهم من أمثالهم ، فلم يجد شيئاً من ذلك ، فبلغه توعّك الكلباسي ، وعيادة الناس له ، فدخل عليه فيمن دخل ، وكان فيمن حضر المجلس حجة الإسلام السيد محمد باقـر الرشتي ( رحمه الله ) ؛ فلمّا استقر به الجلوس جعل يعاتب الحاج على عدم مجيئه له حين قدومه على مقتضى العادة ويقول : إنّ لي حقا عليك قديماً لأنّا في أيام التحصيل كنا سواء ، وفي طلب العلوم أصدقاء ، وأراك لم ترعَ تلك الحرمة ولا أديت ما يوجب الحق ؛ فسكت الكلباسي وأعرض عنه . فلما كثر لغطه أجابه السيد ـ رحمه الله ـ ، بأنّ الحاج قد أمره أستاذه ، ومن عليه بعد الله اعتماده ، برفض جماعتكم الأخباريين ، وعدم مراودتكم أجمعين ، وكان أُستاذه يأمر تلاميذه ومن يحضر عليه بذلك ، ويقول : من خالطهم وجالسهم فهو عاق لأبوة الأستاذية ، التي هي أعظم من الأبوة الحقيقية ، فلهذا ترك الحاج القدوم عليك ، فقال ذلك المبغَّض : أمَّا الآن فقد آل الأمر إلى معارضة الحقوق والعقوق ؛ فلننظر أيهما المقدم ، فقال له السيد : لا إشكال في تقديم العقوق على الحقوق ، واستشهد على ذلك بأخبار كثيرة ، فجعل الأخباري يناقش في أسانيدها ، ويورد بعض الإيرادات الواهية في متنها وعربيتها ، وكان في الجدل لا يدانيه أحد ، فأثبت في ذلك المحفل تقديم الحقوق ، كل ذلك والحاج ساكت عنه )) .
قال صاحب العبقات : (( إنّ الشيخ كان شديد التعصب على جماعة الأخباريين ، خصوصاً المتأخرين تبعاً لأستاذه مروج الشرع ، وممهد الشريعة الآقا البهبهانِي ـ رحمه الله ـ ، وقد كانت هذه الفرقة قبل ظهور الآغا وانتشار أمره قد ملأت الأقطار والأنحاء ، وكثر منهم بها النباح والعواء ، وجعلوا يسعون في الأرض الفساد ، ويحيدون عباد الله إلى طريق الضلال ، ناكبين عن طريق الرّشاد ، فلم يألوا جهداً في هدم دعائم الحق حتى تهدّم ، وصار دين الأصولية في جنبهم كالعدم ، فلما برز ذلك الوحيد وتفرّد ، صرف همته العالية إلى تشتيت ذلك الجمع حتى تبدد ، وأقام عمود دين الحق بأصوله المحكمة العماد ، وأرغم السعاة بالبغي فيه والحساد ، ولعله بلغك ما كان بينه وبين معاصره صاحب (الحدائق) من المنافرة على أنّ الرّجل لم يكن من متعصب الأخباريين ، بل كان برزخاً بين الطرفين ، ولكن الآغا المروج لما رأى أن الشريعة الغراء لا تستقيم إلاَّ بمحو اسم هذه الفرقة العمياء ؛ فإن المجتهدين منهم وإن كانوا معذورين إلاَّ أنّ العوام اتبعوهم فضَلُّوا وأضَلُّوا أجمعين ؛ فلذا كان ـ رحمه الله ـ ينهى عن الحضور بدرس ذلك المحقق الحقيق بذلك المنصب ، حتى كان ابن أخته السيد علي صاحب (الرياض ) يحب الحضور عليه لاستحسان مسلكه في التفقه ولكنه يخشى غضب خاله الآغا عليه ؛ فكان يخفي نفسه في بعض الزوايا بدرسه ليلاً عن أعين الناظرين ، كي لا يظهر الأمر ويبين ، فلما مضى الوحيد البهبهاني إلى سبيله تعصب تلاميذه لطريقته ، وساروا على ذلك النهج من سيرته ، وكان شيخنا أشدهم ألباً على تلك الشرذمة ، وأحرصهم على نقض حبالهم المبرمة ، فلم يزل ـ رحمه الله ـ يستقصيهم فيفنيهم وينفيهم )) ومنه يتضح أن الأخبارية طبقت الآفاق والأصولية أصبحت كالعدم ولقد شهد الخصم بذلك .
وذكر في هذا الكتاب فتوى جده الشيخ جعفر بحق الميرزا : (( فكتبوا [ أي أصحاب الوحيد وأقاربه ] صورة استفتاء للشيخ الكبير لكون العوام أطوع له واسمع منه ، ومضمونه : ما يقول شيخنا في مبتدعٍ بالدين ، يسعى بإتلاف شريعة سيد المرسلين ، وما جزاء من سعى في الأرض الفساد ، وحارب أولياء الله الأمجاد ؟ ، فكتب ((بسم الله الرحمن الرحيم إنّما جَزاءُ الَّذينَ يُحاربُونَ اللَه ورسُولهُ ويسْعونَ في الأرضِ فَسَاداً أن يُقتَّلوا أو يُصلبُوا أو تُقطّعَ أيدِيهم وأرجُلُهُم منْ خلافٍ أو يُنفَوا من الأرضِ ذلكَ لهُمْ خِزْيٌ في الدُّنيا ، ولهم في الآخِرة عَذَابٌ عَظيمٌ )) والقتل أرجح الأمرين ، والنفي أحوط القولين ، خصوصاً مع العجز )) .
* النقطة الرابعة : استغلال تأثير العقل والتجديد وتطوير العلم واستيعابه متطلبات الحياة في هذه الحملة
وهذه النقطة استغلت من ذلك الحين إلى الآن من خلال التمويه على العوام بأن الأخبارية فكرة مناوئة للعقل متحجرة لا تستطيع مواكبة العصر ، ولا تستطيع أن تتمشى مع المستجدات وهذا ما سيتضح في الآتِي من الأقوال التي ننقلها . بل صاروا يقارنوا بالسلفية من أهل السنة وقد صرح أحد الأصوليين تلويحاً بأنه كما يوجد طالبان سنة يوجد طالبان شيعة
وقال الشيخ محمد مهدي الآصفي في مقدمة مقالات الأصول للآقا ضياء العراقي في : ج 1 : ص 10 : (( إذ ظهرت الحركة الأخبارية التي كادت أن تعصف بحيوية التفكير الفقهي في مذهب أهل البيت عليهم السلام ، لولا المواجهة الرشيدة الصارمة التي قام بها أبطال التفكير الأصولي وعلى رأسهم الوحيد البهبهاني قدس سره ، إذ تصدى للحركة الأخبارية وفند مزاعمها وأبطل شبهاتها ، فانتقل التفكير الأصولي وبفضل مقاومة الوحيد البهبهاني وأتباع مدرسته لحركة المضادة إلى مرحلة جديدة من التطوير والإبداع يمكن أن تعتبرها ولادة جديدة للتفكير الأصولي ، لما نجده من عمق واتساع التغيير الذي طرأ على التفكير الأصولي بعد هذا التاريخ )) .
وقال السيد محمد رضا الجلالي ( في مجددو المذهب وسماتهم البارزة ) : (( وقد كان قد مضى على الانقسام الداخلي بين الطائفة ، بظهور النزعة الأخبارية المتطرفة " أكثر من قرن ونصف ، بزغ نجم فقيه أهل البيت ، ومحقق أصول المذهب ، ومحيي معالم الحق ، الإمام المجدد المولى محمد باقر بن محمد أكمل ، الوحيد البهبهاني ، بعد أن كادت تعصف بمعالم الحركة الفكرية ، المحاولات التي تدعو إلى الظواهرية ، والرافضة للجهود العقلية ، مما أشرف بالفكر الشيعي على التردي في هاوية الجمود والتخلف ، والتأخر ، فكان لهذا الإمام الوحيد اليد البيضاء في تدارك الأمر ، ودحر الأخبارية ، بتزييف دعاواهم ، والرد على شبهاتِهم ، ففتح للفقه آفاقه الواسعة ))
* النقطة الخامسة : استغلال مسألة عدم جواز تقليد الميت ابتداء والمسائل المستجدة ؛ ونشرها بين مقلدي الأخباريين ؛ لثنيهم عن تقليدهم وإثبات خطأ الخط الأخباري القائل بالجواز في هذه المسألة ؛ واستغلال العوام في هذه المسألة وغيرها باعتبارهم لا يملكون القدرة في رد ما يسقونه أولئك من أدلة يدعونَها ( وهذا جلياً لا يحتاج إلى برهان ، ويكفيك تصفح رسائلهم واستفتاءاتِهم ؛ وعلى حذوهم سائر مقلديِهم من علماء وعوام ) .
* النقطة السادسة : محاربة الفكر الأخباري إعلامياً وترويج خطأه ؛ ومن أساليب المحاربة قلة طبع التراث الأخباري خاصة المتعلق بيان ما يقوم عليه الفكر ؛ ـ وأغلب ما يطبع يتعلق بالمجاميع الحديثية ـ ، أو منع طبعه ونشره إذا كان الكتاب يوجه نقداً للفكر الأصولي ؛ بل والمحاربة وصلت إلى الدراسة ؛ فلا يوجد في كتب الدراسة كتاب أخباري يدرس ـ وإن وجد فهو نادر ـ فالمعتمد في الحوزات هي الكتب الأصولية ؛ والتدريس وفق المنهج الأصولي . .
* النقطة السابسة : استغلال قلة الفقهاء والمرجعيات الأخبارية على الساحة ؛ وهذه القلة هي من نتاج الحملات السابقة التي نجحت إلى حد كبير في إجكام الحناق على الأخباريين وعلمائهم .
* النقطة الثامنة : تأنيب الرأي السني بإثارة أمور حساسة ( كتحريف القرآن والتكفير ) وإلصاقها بالأخبارية وتبرأة الأصوليين من ذلك ؛ مستغلين بذلك دعاوات التقريب بين المسلمين والوحدة ؛ وهذه النقطة ؛ ظهرت وشاعت حديثاً ؛ فباتت الكتب مليئة بإلصاق هذه التهم . مع أن من يرى واقع الأخباريين أكثر مسالمة مع أهل السنة ؛ من باب التعايش كمسلمين كل له عقيدة ويحترم الرأي الآخر؛ ولكن في نفس الوقت ؛ هم لا يتنازلون عن مبادئهم أبداً ؛ وهذا واضح في البحرين والمنطقة الشرقية ؛ فالسنة والشيعة متعايشون ؛ وكل يعمل بعقيدته ؛ وحتى في صلوات الجمعة المقامة في المنطقتين هي خطب دينية اجتماعية لا تتطرق للأمور السياسية والأمور التي تثير الفتنة والحساسية بين الطرفين ؛ وقد تفردت بإقامتها الفرقة الأخبارية طيلة سنين طوال ؛ إذ لم يقمها الأصوليون إلا قبل سنوات معدودة .
وقال الشيخ جعفر السبحانِي في رسالات ومقالات : ص44 : (( نعم ذهب شذاذ من الأخبارية والحشوية من الشيعة والسنة إلى القول بالتحريف ؛ فلا يقام لأقوالهم وزن بعد كونها مخالفة للقرآن الكريم بإجماع الأمة )) .
والأصوات المنادية بذلك رأيناها على القنوات الفضائية والمنابر من الموسوي والخباز والصفار والحسيني وغيرهم .
* النقطة التاسعة : محاولة نسبة منشأ الأخبارية إلى مدارس فكرية منحرفة بل غير مسلمة كالقول بوجود التقاء بين بداية ونشأتها المدرسة الحسية الأوربية وسنرى الناسب ، وكذلك محاولة نسبت نشأتهم لأغراض سياسية مناوئة لعلماء الدين كما يتضح في هذا النقل :
وهو ما ذكر الشيخ مهدي الآصفي في مقدمة رياض المسائل ؛ وهو يذكر المدارس الفقهية : (( الحركة الأخبارية نبذة عن التاريخ السياسي للحركة : يعتقد أحد الكتاب المعاصرين [ وهو السيد جودة القزويني في دراسته عن التأريخ السياسي الإمامي ] أن الجذور السياسية لنشأة الحركة الأخبارية في مدرسة فقه أهل البيت يعود إلى الصراع الشديد الذي كان يجري في العصر الصفوي بصورة مكتومة بين المؤسسة السياسية والمؤسسة الفقهية ، فقد أخذ الصفويون يتضايقون من سعة دائرة نفوذ المؤسسة الفقهية والتحول التدريجي الذي جرى داخل المؤسسة الفقهية من سلطة روحية إلى سلطة زمنية تتدخل في شؤون الناس وتزاحم السلطة الرسمية في شؤونها واهتماماتها . ورغم حاجة المؤسسة السياسية الصفوية إلى دعم وإسناد المؤسسة الفقهية وإلى وقوفها إلى جانبها في صراعها مع العثمانيين إلا أنه كانوا يتضايقون من توسع دائرة نفوذ الفقهاء وفي هذه الفترة بالذات ظهرت الحركة الأخبارية ابتداء من سنة 985 ه‍ ثم اتسعت هذه الحركة وتمكنت من شق المدرسة الفقهية عند الشيعة الإمامية إلى شطرين متصارعين ، وإضعاف مؤسسة الاجتهاد إلى حد بعيد .
فالحركة الأخبارية كانت هي البديلة لمؤسسة الاجتهاد ، وبطبيعة الحال فإن تكريس الحركة الأخبارية يكون عل حساب مؤسسة الاجتهاد ، والجهة المستفيدة من ذلك هو الجهة الرسمية في الدولة الصفوية التي بدأت تتضايق من سعة دائرة نفوذ الفقهاء في الدولة الصفوية ، ومع احترامنا لرجال هذه الحركة وفقهائها وهم نخبة من خيرة فقهائنا ورجالنا لا نستبعد هذا التحليل ، فإننا عندما نستعرض تاريخ الصفويين نلمس هذا التناقض الغريب في تكوين النظام الصفوي )) .
ماذا عسى أن أقول وما أقول ؛ ولم يبق تهمة إلا وألصقتموها بالأخباريين .
* النقطة العاشرة : إصرار الأصوليون على أن الأخبارية فكرة حديثة ظهرت على يد المولى الأسترآبادي بشكل ملفت للنظر ؛ وظني ـ والله أعلم ـ هو أن التسليم بذلك ؛ فيه تسليم بأصالة هذه الفكرة ؛ وهذا لا يحبذه كثير من الأصوليين ؛ لأنَّهم يروجون أنَّها فكرة نشأة حديثاً ؛ بل قال بعضهم أنَّّهم مبتدعة كما سيأتِي ؛ مع أن العلامة الحلي ـ المتوفى 726 هـ اعترف في نهاية الأصول بوجود الأخباريين في مقابل الأصوليين ؛ فقال : (( وأما الإمامية ؛ فالأخباريون منهم لا يعولون في أصول الدين وفروعه إلا على أخبار الآحاد المروية عن الأئمة، والأصوليون ( كأبِي جعفر الطوسي وغيره ) وافقوا على قبول الخبر الواحد أحد سوى المرتضى ؛ ولم ينكره وأتباعه لشبهة حصلت لَهم )) ؛ وقد شهد من القوم شاهد . بل اعترف بِها علماء من العامة فقد قال الشهرستانِي في الملل والنحل المتوفى 548 هـ : الباب 6 : (( وكانوا في الأول على مذهب أئمتهم في الأصول ، ثم لما اختلفت الروايات عن أئمتهم وتمادى الزمان ؛ اختارت كل فرقة منهم طريقة ؛ فصارت الإمامية بعضها معتزلة إما وعيدية وإما تفضيلية ، وبعضها أخبارية إما مشبهة وإما سلفية )) ، وقال : (( وبين الأخبارية منهم والكلامية ... )) .
وقال الإيجي في المواقف : ج3: ص678 : (( وأما الإمامية فقالوا بالنص الجلي على إمامة علي ... )) ثم قال : (( وتشعبت متأخروهم إلى المعتزلة وإلى الأخبارية )) .
وقد أحاول الشيخ جعفر السبحانِي في مقدمة لمحات الأصول ـ تقريرات السيد البروجردي للسيد الخميني دفع هذه الأقوال بكل ما أوتِي بإصرار ؛ وإثبات أجنبية هذه الأقوال عن الأخبارية التي سماها بالمبتدعة ؛ وأن المراد بها آنذاك من التزم بالأحاديث ؛ وهي في أفكارها تختلف عن الأخبارية الجديدة .
وقال الشيخ محمد مهدي الآصفي في مقدمة الفوائد الحائريةللوحيد البهبهاني - ص 32
(( الاتجاه الاخباري والأمين الاسترآبادي : إلا أن حدثاً جديداً طرأ على هذا العلم ، فقد ظهر في هذه الفترة اتجاه جديد في الاجتهاد عند الشيخ على يد الشيخ محمد أمين الاسترآبادي ( المتوفى 1036 ه ) مؤلف كتاب ( الفوائد المدنية ) في الاستغناء عن القواعد العقلية . وعرف هذا الاتجاه الجديد ب ( الأخبارية ) في مقابل المدرسة الأصولية السائدة في الأوساط الفقهية الشيعية . ورغم أن الأمين الاسترآبادي يحاول أن يبرز لهذا الاتجاه عمقا تاريخيا يمتد إلى عصر الصدوقين والفقهاء الأوائل ولكن من الواضح أن هذا الاتجاه بأبعاده وخصائصه وقواعده - الذي يذكره الأمين الاسترآبادي في ( الفوائد المدنية ) - اتجاه جديد في الاجتهاد عند الشيعة)) .
نقول : فيا عجباً كيف يعترف المخالف بالتقسيم ؛ والمؤالف مذهباً ينكره ؛ وهل من قصدهم العلامة من الأخبارين المقابلين للأصوليين كالشيخ الطوسي والسيد المرتضى كانوا على أيام الأمين الاسترآبادي ؟! وإذا أنتم مصرون على الإنكار فلا تنكرون على السنة عندما يقولون أن الشيعة لم تكن على عهد النبي (ص) ، أم أنكم ترتضون لأنفسكم ما لا ترتضونه لغيركم ؛ وهل هذا إلا مكابرة وتحكم !.
* النقطة الحادية عشرة : ما روجه جماعة من الأصوليين من أن الأخباريين إنما عدلوا عن أصول الفقه لا لشيء إلا لقصور باعهم فهم ليسوا بأهل نظر وتدبر ؛ فهذا الشيخ محمد حسين الحائري في الفصول الغروية في الأصول الفقهية : ص 240 يقول : (( إلى أن انتهت النوبة إلى جماعة من متأخري الأخبارية الذين كانت نهاية درجتهم في المعالم الدينية والمعارف الشرعية معرفة ظواهر الآثار والأخبار والبحث عن مداليلها بنظر عار عن التدبر والاعتبار )) .
وقد يأتِي كلام الشهيد السيد محمد باقر الصدر عند حديثه عن الأخباريين الأقدمين .
ونحن نجيب هل منكم من ينكر تضلع الفيض في هذه العلوم وغيرها ؛ فعندما عرف الحق وعدل إليه ؛ هل كان على اطلاع أم كانت نظرته قشرية ؟! ؛ وكمثال كتاب هداية الأبرار خصص فصول في ذكر هذه الأصول ؛ فهم محيطون بتلك الأصول ؛ ولكنهم لا يستخدمونها في استنباط الأحكام إلا إذا كانت قواعد مؤصلة مروية عن أهل البيت (ع) ولم يكونوا قاصري الفهم . وهذا القول تحكم محض ؛ وعلماؤنا بحمد الله ليسوا عاجزين ولكنهم رأوا الحق في إتباع العترة ؛ فأعرضوا عن ذلك صفحاً.
* النقطة الثانيةعشرة : الأقوال التي تجانب الإنصاف وفيها تضليل العوام وإلصاق التهم بالأخبارية ووصفهم بألفاظ غير لائقة وكأنهم فرقة ضالة وسننقل الأقوال ومر بعضها .
قال صاحب العبقات : (( وأما عدوّه الخبيث فاغتنم بعده الفرصة في الاقتداء ببعض سلفه الماضين من الأخباريين الغاوين ، في الطعن على علماء الدين الراشدين ، وتضليل طريقة المجتهدين )) .
ثم قال : (( وهذا غيض من فيض ، وإنْ طلبت الرد عليهم فانظر رسائل الشيخ علي الشهيدي (رحمه الله ) ، ( والحق المبين ) تصنيف الشيخ ؛ ففيه من الحسن والبلاغة والخروج عن العهدة ما ليس في غيره ، ولنكف عنان القلم ، فقد تلوث بأحوال هؤلاء ، ولا يغسل درن ذلك إلاَّ بالعود إلى باقي مكارم أخلاق الشيخ وطيب أعراقه )) .
أقول : ما أدري الشيخ بأي عهدة أراد أن يخرج بعد هذه الأقوال والطعون ؛ وقد صدقت بقولك أن قلمك قد تلوث ؛ ولوثته لن تمحى ؛ كلا ؛ فقد أثبت في كتابك وسيلقاك يوم حشرك ؛ وستحاج وتخاصم .
وقال : (( وأنا والله أتكلم بكلامي هذا واستنقص ذلك بِي واستهونه منيّ ، لكن للحديث شجون ))
نقول : الحمد لله على اعترافك وكفى به دليل يدينك .
وقال الحائري في منتهى المقال ـ في مقام المدح للوحيد بما فعله في الأخباريين ـ : ( وقد أخلى الله البلاد منهم ببركة قدومه ، واهتدى المتحيرة في الأحكام بأنوار علمه ... ) ، ثم قال : ( نعم هذه الْهجرة المباركة ـ بحق ـ منشأ لخدمات كبيرة وآثار عظيمة في عالم الإسلام ) .
وقال الخوانساري في روضات الجنات : (( وكذلك ارتفعت بميامين تأييداته المتينة أغبرة آراء الأخبارية المندرجة في أهواء الجاهلية الأخرى من ذلك البين ... ؟ ! )) .
وقال أيضاً في الروضات : (( وبالجملة فجماعة الأخبارية المنكرة في الحقيقة للأمور العادية والمولعة في العصبيات الجاهلية .... )) وفيه أيضاً : ( وقد تقدمت الإشارة إلى بعض مذاهب الأخبارية وخصائصهم الغير مرضية وفروقهم المعينة المتكثرة مع جماعة المجتهدين في المسائل الفروعية والأصولية )) .
وقال السيد جواد العاملي في مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلامة : (( أو أشار إلى قوله " الخامس : ذكر المبتدعة وتصانيفهم الفاسدة وآرائهم المضلة " وليقتصر على ذلك . انتهى . ولعله أراد الأخبارية والمائلين إلى التصوف منا ؛ فتأمل )) . ولو قال بأنه أراد بهم الكفرة بدل المبتدعة لكان هذا أوفق بالصواب !! .
وقال الشيخ علي خازم في مدخل إلى علم الفقه عند الشيعة : ص33 : (( واستمرت هذه المحنة من بداية القرن الحادي عشر إلى أن
بدأت بالانحسار على يد المجدد الكبير محمد باقر البهبهانِي ( المتوفى 1206هـ ) ، وبقي منها إلى أيامنا هذه جماعة قليلة )) .
هي محنة ويا لَها من محنة! ؛ وهو مجدد ويا له من مجدد! ؛ عجباً من فرقة يحملون اسم الشيعة يكون همهم الإقصاء والقضاء على أبناء جلدتِهم ؛ فيسمون المتسبب بمجدد ؛ ويسمون وجود هذا الخط محنة ؛ وهل المحنة إلا ما يفعلونه .
وأقول : لن يهدأ بالَهم حتى يقضون على باقي هذه الجماعة القليلة ـ بوصفهم ـ ؛ فيكونون قد أزالوا ما تبقى من دليل يدل على ما فعلوه ؛ ولله الإرادة والمشيئة وإليه المشتكى والمعول .
وذكر أبو الفضل حافظيان البابلي في ج2: ص71 في حديثه عن الفاضل الدرنبدي :(( وكان يبدي عداءه للصوفية وينظر إلى الشيخية وعقائدهم بسخط ويرمي عقائد الأخبارية بالبطلان )) ؛ ولعل السبب ؛ لأنَّهم أتباع الشيطان ! .
وقال السيد محمد النصير آبادي النقوي في الجوهرة العزيزة في شرح الوجيزة ـ في معنى ( المحدث ) ـ : (( ومما يضحك به الثكلى حمل بعض الأخبارية هذا اللفظ في كلام صاحب القاموس على مصطلحهم ، ومثله في خرافاتِهم الواهية غير عزيز )) .
ونقول : إن اعتمادهم على أقوال إئمتهم (ع) في ذلك ؛ فإن كان ما يعتمدونه خرافات واهية غير عزيز ؛ فهم أخذوا هذه الخرافات عن أئمتهم (ع) ! .
وقال السيد حسن الصدر في نِهاية الدراية : ص112 ـ في مقام الرد على صاحب الحدائق ـ : (( على أن هؤلاء الأخبارية لا يراعون في الحكم بالصحة والقطع بالصدق عَرْضَاً على كتاب ولا سنة ولا يختلفون بِهما ، ولا يراعون مكانَهما ؛ فلم يتابعوا العلماء ولا الأئمة )) .
ولو قلت غير ذلك عنهم لا ما صدقناك ؛ كيف وقد أشربت في التجني عليهم ما أشربه غيرك من هذا الخط ؛ فلم تعدو خطهم ؛ بل زدت عليهم بأن نسبت لهم عدم مراعاة حرمت الثقلين ومكانتهما ؛ ثم ختمته بأنَّهم جانبوا طريق العلماء والأئمة ، والكل يعلم أن من لم يتابع الأئمة ؛ فهو ضال هالك ؛ إنَّهم متبعون إذاً لغير الصواب بل للباطل ـ بزعمك ـ ؛ ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم ؛ وبِهذا التصريح يصدق فيك المثل القائل : ( رمتني بدائها وانسلت ) ؛ فلقد أثبتَّ أنت ومن حذا حذوك بأن الأدلة أربعة ؛ فزدتم على الثقلين الإجماع والعقل ، ومع ذلك لا نقول : إنكم لم تتابعوا الأئمة ، وقصارى ما نقوله : إنكم ربما صرتم إلى الدليلين البغيضين في بعض المسائل غفلة عفا الله عنا وعنكم .
وقال في تكملة أمل الآمل : ص393 : (( وكان السيد بحر العلوم يقول : لا أعرف من استنبط جميع أبواب الفقه في هذا العصر إلا الشيخ أبا صالح المهدي الفتونِي . أقول : لكنه على غير الطريقة المستقيمة ، بل هو إلى الأخبارية أقرب ، وبالجملة على مشرب شيخه أبي الحسن الفتونِي والسيد نصر الله الحائري ، وأمثالِهم من أهل تلك الطبقة لا ارتضي طريقتهم . رضي الله عنهم ) .
وللسيد الصدر كتاب سماه ( قاطعة اللجاج في تزييف أهل الإعوجاج وهم الأخبارية منكرو التقليد والاجتهاد ) ويكفيك عنوانه عن بيانه ! .
ومثله في التهجم أبو علي محمد بن إسماعيل الحائري المازندرانِي ؛ فقد سمى كتابه ( عقد اللآلئ البهية في الرد على الطائفة الغوية أو الغبية أعني الأخبارية ) .
وقال الشيخ جعفر السبحانِي في مقدمته على لمحات الأصول ؛ وهي تقريرات البروجردي لبحث السيد الخميني : (( أقول : الأخبارية منهج مبتدع ، ولم يكن بين علماء الشيعة إلى زمان ظهورها منهجان متقابلان متضادان في مجال الفروع باسم المنهج الأصولي والأخباري حتى يكون لكل منهج مبادئ مستقلة يناقض أحدهما الآخر بل كان الجميع على خط واحد ، وكان الاختلاف في كيفية لون الخدمة وكيفية أداء الوظيفة )) ، وهو كذلك ـ بزعمكم ـ .
وأقول : كفاكم مكابرة .
ثم قال هذا الشيخ بعده ـ يريد الأخبارية ـ : (( إن هذه الفكرة الخاطئة الشـاذة عن الكتاب والسنة وإجمـاع الأصحاب الأوائل شغلت بال العلماء من أصحابنا ما يقرب من قرنين ؛ وأضحت تلك البرهة فترة ركود الأصول وتألق نَجم الأخبارية )) . ومـما يثـير الدهشة كيف تكون فكرة خاطئة شاذة ؛ ثم يصفها بالنجم ؟! بل الحق ما وصفها آخراً ؛ فالنجم يتألق في السماء إذا جاء الظلام ؛ ليزينها ويهدي به من ضل طريقه إلى الطريق الصحيح ؛ وسبق نقل ما يؤيد تألق نجم الأخبارية باعتراف آل كاشف الغطاء في عبقاته .
وفي مقدمة كتاب حصر الاجتهاد والتقــليد للآقا بزرگ الطهرانِي : ص 48 – 50 التي كتبها الشيخ محمد علي الأنصـاري : (( ويرى بعض المفكرين أن للموجة الأخبارية ارتباطا طبيعـياً مع الموجة الحسية التي ظهـرت في أوروبا في ذلك الحـين . يقول الأستاذ الشهيد الشيخ مرتضى المطهري ( قده ) : حضرت في صيف عام 1322 هجرية شمسية لدى المرجع الديني الفقيه آية الله " السيد البروجردي " عندما كان في " بروجرد " فبينما كان ينتقد يوما الموجة الأخبارية قال : إن هذه الفكرة كانت من آثار الموجة الحسية التي ظهرت في أوربا . ثم أضاف السيد يقول : " إن الأخباريين لم يفكروا بأن الذين اتبعوا الموجة الحسية في أوربا كانوا ينكرون ما وراء المحسوسات فكيف يمكن للأخباريين - الذين يعتقدون بما وراء الحس - أن ينكروا بذلك ؟ ! يقول الأستاذ : كنت أنتظر أن يذكر السيد
- عندما وصل بحثنا في الأصول إلى مبحث حجية القطع والعلم - مصدراً لِهذه النظرية ؛ ولكنه لم يتعرض لَها آنذاك ولا أعلم أن ما قاله هل كان مستنداً إلى مصدر أم كان حدساً لا غير ، وأنِّي الآن آسف على عدم سؤالي منه عن مصدر ما قاله " وممن مال إلى قبول هذا الرأي هو الشهيد " السيد محمد باقر الصدر " ـ طاب ثراه ـ في كتابه المعالم الجديدة )) .
قال السيد البروجردي ـ رضوان الله تعالى عليه ـ في تقريرات بحثه : " ما يظهر من الطائـفـة المنتـحلـة إلى الإمامية ـ رضوان الله عليهم ـ ، المعروفين بالإخبارية وهو عدم حجية ظواهر القرآن " .
أقول : وأنا لعلي لا أفهم ما يقصده السيد بالانتحال ؛ ولعل القارئ يفهمه أكثر !
وفي الإسلام ومتطلبات العصر ص116 ط دار الأمير . ورد : (( ولا بأس هنا بنقل تقييم الشهيد مطهري رضوان الله تعالى عليه لهذه المباني والمرتكزات التي قام عليها التيار الإخباري : قبل أربعة قرون تقريبا ظهرت بيننا نحن الإمـامية فرقة باسم الفرقة الإخبارية ، وهي في قبال الأصولية القائلة بالاجتهاد ، وقد سيطرت على أفكار الناس ما يقارب القرنين أو الثلاثة قرون ، ولم تترك عملا شنيعاً إلا وارتكبته من إشعال حربٍ وقتل وأمثالـهما ، أما اليوم فان عدد الإخباريين قليل جدا ))
وقال ـ رضوان الله تعالى عليه ـ في نفس المصدر : ص122-123": (( هذا هو التيار الإخباري وتعصبه الأحمق اللا محدود الذي جعل أصحابه يعتبرون الصحيح والضعيف من الأحاديث على حدٍّ سواء ، إنّه تيار فكري خطر ظهر في دنيا الإسلام ، وتـمخض عن جمود فكري لا زلنا نعاني من تبعاته إذ سرت عدواه إلى أوساطناً )) .
وقال السيد محمد باقر الصدر في المعالم الجديدة للأصول : ص 42 – 45 : (( وهكذا جمعت مدرسة أهل البيت ( عليهم السلام ) بين حماية الشريعة من فكرة النقص وحماية العقل من مصادرة الجامدين . وسوف نعود إلى الموضوع بصورة عملية موسعة في الحلقات المقبلة . 2 المعركة إلى صف العقل وأما الاتجاه الآخر المتطرف في إنكار العقل وشجبه الذي وجد داخل نطاق الفكر الإمامي ؛ فقد تمثل في جماعة من علمائنا اتخذوا اسم " الأخباريين والمحدثين " ؛ وقاوموا دور العقل في مختلف الميادين ، ودعوا إلى الاقتصار على البيان الشرعي فقط ؛ لأن العقل عرضة للخطأ وتأريخ الفكر العقلي زاخر بالأخطاء .... ولأجل ذلك يمكننا أن نعتبر الحركة الأخبارية في الفكر العلمي الإسلامي أحد المسارب التي منها الاتجاه الحسي إلى تراثنا الفكري . وقد سبقت الأخبارية بما تمثل من اتجاه حسي التيار الفلسفي الحسي الذي نشأ في الفلسفة الأوروبية على يد " جون لوك " المتوفى سنة ( 1704م) و" دانيد هيوم " المتوفى سنة ( 1776م ) ، فقد كانت وفاة الأسترآبادي قبل وفاة " جون لوك " بمئة سنة تقريباً ، ونستطيع أن نعتـبره معاصراً لـ " فرنسيس بيكون " المتوفى سنة ( 1626 م ) الذي مهد للتيار الحسي في الفلسفة الأوروبية . وعلى أي حال فهناك التقاء فكري ملحوظ بين الحركة الفكرية الأخبارية والمذاهب الحسية والتجريبية في الفلسفة الأوروبية ؛ فقد شنت جميعاً حملة كبيرة ضد العقل ، وألغت قيمة أحكامه إذا لم يستمدها من الحس . وقد أدت حركة المحدث الاسترآبادي ضد المعرفة العقلية المنفصلة عن الحس إلى نفس النتائج التي سجلتها الفلسفات الحسية في تأريخ الفكر الأوربي ، إذ وجدت نفسها في نهاية الشوط مدعوة بحكم اتجاهها الخاطئ إلى معارضة كل الأدلة العقلية التي يستدل بها المؤمنون على وجود الله سبحانه ، لأنها تندرج في نطاق المعرفة العقلية المنفصلة عن الحس . فنحن نجد مثلا محدثاً كالسيد نعمة الله الجزائري يطعن في تلك الأدلة بكل صراحة وفقاً لاتجاهه الأخباري كما نقل عنه الفقيه الشيخ يوسف البحراني في كتابه الدرر النجفية ، ولكن ذلك لم يؤد بالتفكير الأخباري إلى الإلحاد كما أدى بالفلسفات الحسية الأوروبية ؛ لاختلافهما في الظروف التي ساعدت على نشوء كل منهما ، فإن الاتجاهات الحسية والتجريبية في نظرية المعرفة قد تكونت في فجر العصر العلمي الحديث لخدمة التجربة وإبراز أهميتها ، فكان لديها الاستعداد لنفي كل معرفة عقلية منفصلة عن الحس ، وأما الحركة الأخبارية فكانت ذات دوافع دينية ، وقد اتهمت العقل لحساب الشرع لا لحساب التجربة ، فلم يكن من الممكن أن تؤدي مقاومتها للعقل إلى إنكار الشريعة والدين . ولهذا كانت الحركة الأخبارية تستبطن في رأي كثير من ناقديها تناقضاً ؛ لأنَّها شجبت العقل من ناحية لكي تخلي ميدان التشريع والفقه للبيان الشرعي ، وظلت من ناحية أخرى متمسكة به لإثبات عقائدها الدينية ... )) . ونحن نقول للسيد لا اعتماد عند الأخباريين في أصول الدين ولا فروعه إلا على الثقلين ، ومن المؤسف أنك في كلامك هذا قد جانبت الإنصاف ؛ وأصبحت فيه تخبط خبط عشواء ؛ وهو من مثلك غريب.
ثم إن الشيخ علي الأنصاري أورد على ذلك النقل بقوله (( ولكن لا يمكن الاطمئنان إلى هذه الفكرة ، وذلك لأن الموجة الحسية ظهرت بشكل مدرسـة على يد " جون لوك " المتوفى سنة 1704م و " دافيد هيوم " المتوفـى سنة 1776م ؛ وقد توفى " المُحـدث
الاسترآبادي " عام " 1023 هجرية المصادف حدود سنة 1616 م ، فكيف يكون قد تأثر الاسترآبادي بهذه المدرسة ؛ نعم يعتبر معاصرا ل‍ " فرنسيس بيكون " المتوفى سنة 1626 م الذي مهد للمدرسة الحسية طريقها ، ولكن من البعيد جداً أن تنتقل هذه الفكرة من " أوربا " إلى الشرق وخاصة إلى " الجزيرة العربية " و " المدينة المنورة " ويتأثر بِها هذا الشخص في فترة قليلة )) .
نقول : قد كفانا هذا الشيخ مؤونة إسقاط هذه الفسفطة برده ( وشهد شاهد من أهلها ) ؛ والله المستعان ؛ فلم يبق إلا وصف الأخبارية بأنَّهم امتداد للماركسية الإلحادية تلبست بلباس الدين ؛ لتكتمل فصول المسرحية .
وقال السيد محمد باقر الصدر في المعالم الجديدة للأصول : ص 80 – 81 : (( فقد كان في فقهاء الشيعة منذ العصور الأولى علماء أخباريون يمثلون المرحلة البـدائية من التفكير الفقهي ، وهؤلاء هم الذين تحـدث عنهم الشيخ الطوسي في كتاب المبسوط ، وعن ضيق
أفقهم واقتصارهم في بحوثهم الفقهية على أصول المسائل وانصرافهم عن التفريع والتوسع في التطبيق . وفي النقطة المقابلة لهم الفقهاء الأصوليون الذين يفكرون بذهنية أصولية ويمارسون التفريع الفقهي في نطاق واسع . فالأخبارية القديمة إذن تعبر عن مستوى من مستويات الفكر الفقهي لا عن مذهب من مذاهبه )) .
سامح الله سيدنا السعيد الشهيد ؛ على وصفه المحدثين الأوائل بأصحاب التفكير البدائي الضيقي الأفق ؛ ما هكذا تورد يا سعد الأبل!!
وفي مقدمة أمل الآمل :ج1 : ص25 ينقل السيد الحسيني قول صاحب القوانين في معرض الدفاع عن الحر اعتراضاً على ما قاله صاحب الجنات : (( والقول بإخراج زمرة الأخباريين أيضاً شطط من الكلام ؛ فهل تجد من نفسك الرخصة أن تقول : [ في ]مثل الشيخ الفاضل المتبحر ليس حقيقاً أن يقلد ؛ ولا يجوز الاستفتاء عنه ، ولا يجوز العمل برأيه لأنه أخباري ! )) .
وفي هذه المقدمة : ص27 : (( ومن هنا تعرف شدة ضعف قول بعض المترجمين وسقوطه بأن مصنفات الحر لا يعتنى بِها ؛ وفيها تخليط لأنه يستند على القواعد الأخبارية )) ؛ وهذا من قلنا أنه العالم الوحيد الذي وقفنا عليه وقد وجه نقداً لأحد الأصوليين .
قال السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة : (( ولا أعلم بأي شيء أجيب جهلة الأخبارية الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا )) وبعده قال ـ اعتراضاً على رد الأخبارية لتقسيم الحديث حسب الطريقة الحديثة ـ (( وهذا كله جهل فاضح ساعد عليه تسويل إبليس وضعف التقوى ؛ فأصحابنا لم يريدوا أن يكونوا محرومين من فائدة تقسيم الحديث إلى أقسامه )) .
وقال فيه أيضاً في ترجمة الشيخ حسين بن شهاب الدين : (( ولا يمكن أن يقول أن من خالفه بعد بذل جهده وعدم عثوره عليه يكون فاسقاً ؛ لأنه تكليف بالمحال ؛ والله تعالى منـزه عنه ، ولا يمكن سلامة الأخبارية من هذا الفسق )) .
أقول : رحم الله سيدنا كان الأجدر به وهو يصف الأخباريين بضعف التقوى ؛ وعدم سلامتهم من الفسق [ إن كان هذا مقصده ] أن يتنبه لقوله ؛ حتى لا يقع فيما يلوم غيره أم أنه يرضى لنفسه ما لا يرضاه لغيره
وقال الشيخ آغا بزرك الطهرانِي في مقدمة الرسائل الفقهية للوحيد البهبهانِي : (( وقد كانت في أيامه للأخبارية صولة ، وكانت لجهالهم جولة ، وفلتات وجسارات وتظاهرات أشير إلى بعضها في " منتهى المقال " وغيره . فوقف المترجم آنذاك موقفا جليلاً كسر به شوكتهم ، فهو الوحيد من شيوخ الشيعة الأعاظم الناهضين بنشر العلم والمعارف ، وله في التأريخ صحيفة بيضاء يقف عليها المتتبع في غضون كتب السير ومعاجم الرجال )) .
أقول : لا عبرة بقولك ؛ والمعيار عند الله التقوى ؛ وهو العليم بحقائق الأمور ؛ فإن يكن عند الله ذلك مقبولاً ؛ فهو ذاك وإلا فلا عبرة بما يسطره التأريخ ؛ من تقديس وترفيع ، ولا نريد أن نبخس الرجل حقه ؛ بل ننقده في تصرفاته تجاه أبناء فرقته وبعض مواقفه التي لا تليق بمثله في الاقتداء بالعترة في مواقفهم من أعدائهم فضلاً عن محبيهم والتحلي بأخلاقهم .
وذكر السيد محمد رضا الجلالي في المنتقى النفيس من درر القواميس للدربندي : ((ويبدو من خلال كلامه أن الباعث له على التأليف هو إهمال أهل ذلك الزمان لعلوم الحديث والإسناد على أساس المغالطات والشبهات التي أثارتها الجماعة الأخبارية ، الذين عارضوا بشدة علوم الشريعة من أصول ورجال ودراية وحكمة وكلام ، مما أدى إلى محاولة اندراس معالم مدرسة أهل البيت عليهم السلام )) .
نقول : إنما أدت إلى اندراس معالم الأصول غير الأصيلة الخارجة عن مدرسة أهل البيت (ع) لا ما ادعاه ؛ كيف اندرست معالم أهل البيت (ع) وأكبر الموسوعات الحديثية الوسائل والبحار أصحابها هم أخباريون ؟ ! ، وأعوذ بالله من الخطأ والزلل وأستغفره من المين والخطل ، وصلى الله على محمد وآله الذين هم للوجود علل . واعتذر مما زاغ عنه البصر ؛ فوقع الخطأ عن غير قصد
وقد قمنا ببعض التعديل ؛ ونرجو من القارئ تلمس العذر لنا
كتبه / ع . ج . م . جسا في 7 ، و8 / 3 / 1429هـ [ خلد الخط ]