ع ج م جسا
06-03-2008, 03:38 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين ، واللعنة على أعدائهم الظالمين الغاصبين ، وبعد :
جاء في أحد استفتاءات مكتبكم : (( على مدعي جواز تقليد الميت أن يقيم الأدلة من الكتاب والسنة )) .
نقول : أولاً : هذا على مبنى الأصوليين ؛ الذي تعدوا الثقلين إلى أقوال أهل الظنون ؛ وربعوا الأدلة بإدخال العقل والإجماع كمصدرين عديلين للكتاب والسنة ؛ وهم بذلك قد خالفوا الحديث المتفق عليه بين الفريقين ( إنِي تارك ) وفي بعضها ( إنِّي مخلف ) فيكم الثقلين كتاب الله وعترتِي أهل بيتي ؛ ما إن تمسكتم بِهما لن تضلوا ) وجاء في بعضها : ( ولقد نبأنِي العليم الخبير بأنَّهما لن يفترقا ؛ حتى يردا عليَّ الحوض ) ؛ فهل ( آلله أذن لكم ) ورسوله وأهل بيته أن تعملوا فيما لا نص فيه بالقواعد العقلية والأسس المنطقية ، وبإجماع مُدَّعى أَثْبَت مدعوه خلافة الغاصبين ، وأصالة براءة أخذتموها من العقل القاصر عن إدراك كنه نفسه ؛ فضلاً عن إدراك أحكامه تعالى .
ثم تمادى بكم الأمر ؛ فأبطلتم تقلد الميت ابتداءً وعبادات مقلديه ؛ فهل أعطاكم الله صكاً ؛ نزل فيه أن عبادة هؤلاء باطلة ، وفرقتم في الأصول والفروع ؛ في الرجوع إلى قول الفقيه ؛ وحكمتم بحرمة التقليد في الأصول ؛ وجوزتموها في الفروع ؛ وحكمتم بوجوب الاستدلال العقلي والفلسفي على العوام وطلب الدليل ؛ وقلتم بأن المُقلِّد في الأصول للفقيه ؛ فهو هالك ، ومن تابع أباه ولم يتوصل إلى ذلك بنفسه ؛ فقد ضل ؛ وما أدري هل الرسول أمر أصحابه بذلك أم الأئمة ؟ وهل هؤلاء العوام البسطاء لَهم القدرة على تمييز العام من الخاص ، والمجمل من المفصل ، والمطلق من المقيد ، والمحكم من المتشابه ؟ وهل أمركم النبي (ص) والأئمة (ع) بالرجوع إلى العترة في الفروع دون الأصول ؛ والرجوع إلى المتمسك بِهما في فروع الدين دون أصوله .
أ لم يقولوا ـ عليم السلام ـ : ( أما إنه شر عليكم أن تقولوا بشيء ما لم تسمعوه منا ) ؛ فهل قالوا لكم أن ما لا نص فيه ؛ فجائز لكم أن تقولوا عنا فيه ؟ ، أم قالوا لكم ـ عليهم السلام ـ : ( إن دين الله لا يصاب بالعقول الناقصة والآراء الباطلة ) ، وقالوا (ع) : ( واكتفوا بذلك دون رسله والقوام بأمره ، وقالوا : لا شيء إلا ما أدركته عقولنا ، وعرفته ألبابنا ) ، وروي عن الكاظم (ع) : ( إذا جاءكم ما تعلمون ؛ فقولوا ، وإذ جاءكم ما لا تعلمون فها ) ـ وأهوى بيده إلى فيه ـ )) ... إلى أن قال الراوي : (( فقلت ـ أصلحك الله ـ : أتى رسول الله ( ص ) الناس بما يكتفون به في عهده ؟ فقال : نعم ؛ وما يحتاجون إليه إلى يوم القيامة . فقلت فضاع منه شيء ؟ قال : لا ، هو عند أهله ) ، وفي نِهج البلاغة : ( واردد إلى الله ورسوله ـ ص ـ ما يضلعك من الخطوب ؛ وما يشتبه عليك من الأمور ؛ فقد قال الله تعالى ـ لقوم أحب إرشادهم ـ : ( وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ؛ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ) ؛ فالرد إلى الله الأخذ بمحكم كتابه ، والرد إلى الرسول ـ ص ـ الأخذ بسنته الجامعة غير المفرقة )) ، وفي الذكر الحكيم : ( ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين ) ، وعن الصادق ( ع ) : ( لو حدثنا برأينا ضللنا كما ضل من قبلنا ، ولكن حـدثنا ببينة عن ربنا بينها
( 2 )
لنبيه ـ ص ـ ؛ فبينها لنا ) ، وجاء عن صاحب الأمر ع : (( ولم يمضِ (ص) حتى بين لأمته معالم دينه ، وأوضح لَهم سبيله ، وتركهم على قصد الحق ، وأقام علياً (ع ) علما وإماماً ، وما ترك شيئاً إلا بينه )) ؛ فهذا النبي (ص) وكذلك الأئمة لو حكموا بشيء من أنفسهم ورأيهم ؛ لضلوا ، وقد توعدهم الله ؛ فكيف غيرهم ؟ .
وعلى كل ؛ فنقول يكفينا شاهد شهد من أهلها ؛ فقد قال الفاضل التـونِي في الوافية : ص307 ـ وهو من الأصوليين ؛ ولكنه صدح بالحق ـ : (( وأقول : الذي يختلج في الخاطر في هذه المسألة ، أن من علم من حاله أنه لا يفتي في المسائل إلا بمنطوقات الأدلة ومدلولاتِها الصريحة ـ كابني بابويه وغيرهما من القدماء ـ يجوز تقليده حياً كان أو ميتاً ؛ ولا تتفاوت حياته وموته في فتاواه . وأما من لا يعلم من حاله ذلك ، كمن يعمل باللوازم غير البينة ، والأفراد الخفية والجزئيات غير البينة الاندراج ؛ فيشكل تقليده حياً كان أو ميتاً )) .
وقال صاحب المعالم : (( والحجة المذكورة للمنع في كلام الأصحاب ـ على ما وصل إلينا ـ ردية جداً ، لا تستحق أن تذكر )) .
وقد ناقش الشيخ محمد إسحاق الفياض ـ حفظه الله ـ من المراجع الأحياء في النجف صاحب العروة في هذه المسألة واستشكل المنع ؛ قال في تعاليق مبسوطة : ج1: ص1310: (( بل مقتضى السيرة وجوب تقليد الميت الأعلم ابتداءً ؛ حيث لا يحتمل دخل حياته فيما هو ملاك حجية قوله هذا .
ولكن قد يُسْتَدل على عدم جواز تقليد الميت ابتداءً ـ وإن كان أعلم ـ بأمرين :
أحدهما : دعوى الإجماع في المسألة بين الطائفة ; وفيه :
أولاً : إن هذه المسألة بصيغتها المطروحة ؛ لم تكن معنونة في كلمات القدماء ، بل هي من المسائل المستحدثة بين المتأخرين .
وثانياً : إن الإجمـاع إنما يكون حجة وكاشفاً عن ثبوت حكم المسألة فِي زمن المعصومـين (عليهم السلام ) إذا توفر فيه أمران :
الأول : أن يكون الإجمـاع في المسألة ثابتاً بين علمائنا المتقدمين الذين يكون عصرهم قريباً لعصر أصحاب الأئمة ( عليهم السلام ) .
الثانِي : أن لا يوجد في المسألة ما يصلح أن يكون مدركاً لَها .
فمتى توفر فيه الأمران يكشف عن ثبوت المسألة في زمانِهم ( عليهم السلام ) ؛ ووصولَها إلينا يداً بيد وطبقة بعد طبقة .
ولكن كلا الأمرين غير متوفر في المقام .
أما الأمر الأول : فلأنه لا طريق إلى إحراز الإجماع والتسالِم في المسألة بين المتقدمين ؛ فإن إحراز ذلك يتوقف على أن يكون لكل واحد منهم كتاب استدلالي حول المسألة وواصل إلينا ، إذ لا يكفي مجرد نقل الفتوى منهم فيها
( 3)
لاحتمال أن تكون مستندة إلى شيء آخر دون الإجماع . والفرض عدم وصول كتاب منهم كذلك ، فإذن لا طريق إلى إحراز الإجماع في المسألة .
وأما الأمر الثانِي : فلوجود ما يصلح أن يكون مدركاً للمسألة ؛ وهو الآيات والروايات التي استدل بِهما عليها .
والآخر : الآيات والروايات التي استُدِلَّ بِهما على وجوب التقليد ؛ بدعوى أنَّهما تدلان على اعتبار الحياة في المجتهد ، وعدم جواز تقليد الميت ابتداءً ؛ فمن أجل ذلك تصلحـان أن تكونا رادعتين عن السيرة .
والجواب : إن المتفاهم العرفي منهما بمناسبة الحكم والموضوع الارتكازية ؛ أنَّهما لا تدلان على أكثر مما هو مقتضى الفطرة والجبلة ؛ وهو رجوع الجاهل إلى العالم في تعيين موقفه ، وقد جرت على ذلك السيرة القطعية من العقلاء ، وحيث أن المجتهدين هم أهل الخبرة والعلم بالأحكام الشرعية ؛ فيجب الرجوع إليهم والأخذ بأفكارهم وآرائهم في تعيين المواقف العملية تجاه الدين .
ومن المعلوم أن النكتة التي تبرز وجوب الرجوع إليهم ؛ إنما هي طريقية أفكارهم وكاشفيتها عن الأحكام الشرعية في الواقع ؛ فإنَّها تمام الملاك له .
وأما حيثية حياتِهم ؛ فلا يحتمل دخلها في ذلك ، بداهة أنه لا فرق في طريقية أفكار هؤلاء وكاشفيتها عنها ؛ بين حال حياتِهم وحال موتِهم ؛ فلا إشعار فيهما على دخلها في ملاك حجيتها .
وعلى الجملة فلا شبهة في أن المستفاد من آية النفر أو نحوها أن الحذر مترتب على إنذار المنذر بملاك أنه طريق إلى الواقع وكاشف عنه ، ولا يحتمل أن يكون لحياته دخل فيه ؛ لوضوح أنه لا فرق بين أن يسمع إنذاره منه أو يراه في رسالته حال حياته أو بعد موته .
فالنتيجة إن هذه الأدلة لا تدل على أكثر مما قامت عليه السيرة القطعية من العقلاء الموافقة للجبلة والفطرة أيضاً ؛ فهي تقرير وإمضاء لَها من دون أن تتضمن شيئاً زائداً عليها ، كيف فإن عملية التقليد إنما هي لتحديد الموقف العملي للإنسان المسؤول تجاه الشرع ، ومن الواضح أن ما يحدد ذلك إنما هو أفكارهم وآراؤهم .
ومع الإغماض [ وهو من باب الجريان مع قائله والتمشي معه لا من باب التسليم بذلك منه ؛ لأن رأيه النهائي سيتضح ] عن ذلك وتسليم أن تلك الأدلة تدل على اعتبار الحياة ، إلا أن الظاهر منها اعتبارها في التقليد الابتدائي للميت ؛ فلا ، تعم المقام وهو ما إذا قلد مجتهدا ثم مات ؛ فإن الرجوع إليه بعد موته ليس من التقليد الابتدائي الصرف ؛ بل هو مسبوق بتقليده في الجملة .
ودعوى : إن الرجوع إليه في تلك المسائل يكون من التقليد الابتدائي وهو غير جائز . مدفوعة
أما أولاً : فلأن كلمة البقاء لم ترد في شيء من الأدلة حتى يدور الحكم مدارها سعة وضيقاً ، بل نحن وهذه الأدلة ؛ وهي لا تعم المقام .
( 4 )
وأما ثانياً : فلأنَّها مبتنية على أن يكون التقليد عبارة عن العمل ، وأما إذا كان عبارة عن الالتزام فلا مجال لَها ، مع أن مدلول الأدلة المذكورة لا يختلف سعة وضيقاً باختلاف معنى التقليد .
وأما ثالثاً : فلأنَّها لا تتم حتى على القول بأن التقليد عبارة عن العمل ؛ فإن الظاهر منها اعتبار الحياة في التقليد الابتدائي الصرف ؛ فلا تشمل مثل المقام الذي هو مسبوق به في الجملة .
هذا إضافة إلى أن التقليد تارة يلحظ بالنسبة إلى الشخص ، وأخرى بالنسبة إلى كل مسألة . فعلى الأول يتحقق التقليد بصرف وجود العمل بمسألة ما ، فعندئذ إذا مات ورجع إليه بعد موته صدق عليه عنوان البقاء على تقليده حتى بالنسبة إلى مسائله التي لم يتعلمها أو تعلمها ولكنه نسيها ، فإذن لا تكون مشمولة لتلك الأدلة .
ثم قال : (( فالنتيجة في نِهاية المطاف أن إثبات عدم جواز التقليد الابتدائي في غاية الإشكال فضلاً عن مثل هذا المقام ؛ وعليه فلو مات مجتهد وكان أعلم من غيره ؛ وجب البقاء على تقليده في كافة مسائله وإن لم يتعلم أو يتذكر )) انتهى كلامه .
ثم نقول : ونحن نقلب الدليل عليكم ؛ ونطالبكم بإقامة الدليل الصريح القطعي على ذلك ؛ ولا أراك تقول بذلك ؛ بل ما توصلت له مبني على الظن ؛ فإن قلت بقطيعة فتواك في المنع ؛ فقد قلت بجواز تقليدك ولو مت ؛ إذ أنَّهم إنما منعوا من تقليد الميت ؛ لأن فتواه ظنية وادعوا زوال الظن بالموت ؛ فلو كانت الفتوى قطعية لما قالوا بالمنع .
ثم لا أرى بأن دليلك في المنع فقط الكتاب والسنة ، بل الإجماع وسيرة العقلاء واستصحاب الحال ، وأنت بقولك ترمي من أجاز تقليد الميت ابتداءً باستناده إلى غير الكتاب والسنة ؛ وليت شعري هل الحرب على العلماء الأخباريين إلا بسبب اقتصارهم عليهما ونفي الدليلين الآخرين ؟! ،
ونطالبك أيضاً بالدليل من الكتاب والسنة على الإفتاء فيما لا نص فيه بغير الثقلين .
والسلام على من اتبع الهدى ، وصلى الله على محمد وآله الأتقياء .
كتبه مقلد الميت ابتداء ( العلامة الشيخ حسين آل عصفور ) علي ج . م . جسا . [ خلد الخط ]
23 / 1 / 1429هـ
للأمانة العلمية : حدثنا بعض التعديلات على الرسالة الأصلية في بعض الفقرات خاصة فيما يتعلق ببعض الأخطاء ؛ لأننا كتبناها في عجالة
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين ، واللعنة على أعدائهم الظالمين الغاصبين ، وبعد :
جاء في أحد استفتاءات مكتبكم : (( على مدعي جواز تقليد الميت أن يقيم الأدلة من الكتاب والسنة )) .
نقول : أولاً : هذا على مبنى الأصوليين ؛ الذي تعدوا الثقلين إلى أقوال أهل الظنون ؛ وربعوا الأدلة بإدخال العقل والإجماع كمصدرين عديلين للكتاب والسنة ؛ وهم بذلك قد خالفوا الحديث المتفق عليه بين الفريقين ( إنِي تارك ) وفي بعضها ( إنِّي مخلف ) فيكم الثقلين كتاب الله وعترتِي أهل بيتي ؛ ما إن تمسكتم بِهما لن تضلوا ) وجاء في بعضها : ( ولقد نبأنِي العليم الخبير بأنَّهما لن يفترقا ؛ حتى يردا عليَّ الحوض ) ؛ فهل ( آلله أذن لكم ) ورسوله وأهل بيته أن تعملوا فيما لا نص فيه بالقواعد العقلية والأسس المنطقية ، وبإجماع مُدَّعى أَثْبَت مدعوه خلافة الغاصبين ، وأصالة براءة أخذتموها من العقل القاصر عن إدراك كنه نفسه ؛ فضلاً عن إدراك أحكامه تعالى .
ثم تمادى بكم الأمر ؛ فأبطلتم تقلد الميت ابتداءً وعبادات مقلديه ؛ فهل أعطاكم الله صكاً ؛ نزل فيه أن عبادة هؤلاء باطلة ، وفرقتم في الأصول والفروع ؛ في الرجوع إلى قول الفقيه ؛ وحكمتم بحرمة التقليد في الأصول ؛ وجوزتموها في الفروع ؛ وحكمتم بوجوب الاستدلال العقلي والفلسفي على العوام وطلب الدليل ؛ وقلتم بأن المُقلِّد في الأصول للفقيه ؛ فهو هالك ، ومن تابع أباه ولم يتوصل إلى ذلك بنفسه ؛ فقد ضل ؛ وما أدري هل الرسول أمر أصحابه بذلك أم الأئمة ؟ وهل هؤلاء العوام البسطاء لَهم القدرة على تمييز العام من الخاص ، والمجمل من المفصل ، والمطلق من المقيد ، والمحكم من المتشابه ؟ وهل أمركم النبي (ص) والأئمة (ع) بالرجوع إلى العترة في الفروع دون الأصول ؛ والرجوع إلى المتمسك بِهما في فروع الدين دون أصوله .
أ لم يقولوا ـ عليم السلام ـ : ( أما إنه شر عليكم أن تقولوا بشيء ما لم تسمعوه منا ) ؛ فهل قالوا لكم أن ما لا نص فيه ؛ فجائز لكم أن تقولوا عنا فيه ؟ ، أم قالوا لكم ـ عليهم السلام ـ : ( إن دين الله لا يصاب بالعقول الناقصة والآراء الباطلة ) ، وقالوا (ع) : ( واكتفوا بذلك دون رسله والقوام بأمره ، وقالوا : لا شيء إلا ما أدركته عقولنا ، وعرفته ألبابنا ) ، وروي عن الكاظم (ع) : ( إذا جاءكم ما تعلمون ؛ فقولوا ، وإذ جاءكم ما لا تعلمون فها ) ـ وأهوى بيده إلى فيه ـ )) ... إلى أن قال الراوي : (( فقلت ـ أصلحك الله ـ : أتى رسول الله ( ص ) الناس بما يكتفون به في عهده ؟ فقال : نعم ؛ وما يحتاجون إليه إلى يوم القيامة . فقلت فضاع منه شيء ؟ قال : لا ، هو عند أهله ) ، وفي نِهج البلاغة : ( واردد إلى الله ورسوله ـ ص ـ ما يضلعك من الخطوب ؛ وما يشتبه عليك من الأمور ؛ فقد قال الله تعالى ـ لقوم أحب إرشادهم ـ : ( وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ؛ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ) ؛ فالرد إلى الله الأخذ بمحكم كتابه ، والرد إلى الرسول ـ ص ـ الأخذ بسنته الجامعة غير المفرقة )) ، وفي الذكر الحكيم : ( ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين ) ، وعن الصادق ( ع ) : ( لو حدثنا برأينا ضللنا كما ضل من قبلنا ، ولكن حـدثنا ببينة عن ربنا بينها
( 2 )
لنبيه ـ ص ـ ؛ فبينها لنا ) ، وجاء عن صاحب الأمر ع : (( ولم يمضِ (ص) حتى بين لأمته معالم دينه ، وأوضح لَهم سبيله ، وتركهم على قصد الحق ، وأقام علياً (ع ) علما وإماماً ، وما ترك شيئاً إلا بينه )) ؛ فهذا النبي (ص) وكذلك الأئمة لو حكموا بشيء من أنفسهم ورأيهم ؛ لضلوا ، وقد توعدهم الله ؛ فكيف غيرهم ؟ .
وعلى كل ؛ فنقول يكفينا شاهد شهد من أهلها ؛ فقد قال الفاضل التـونِي في الوافية : ص307 ـ وهو من الأصوليين ؛ ولكنه صدح بالحق ـ : (( وأقول : الذي يختلج في الخاطر في هذه المسألة ، أن من علم من حاله أنه لا يفتي في المسائل إلا بمنطوقات الأدلة ومدلولاتِها الصريحة ـ كابني بابويه وغيرهما من القدماء ـ يجوز تقليده حياً كان أو ميتاً ؛ ولا تتفاوت حياته وموته في فتاواه . وأما من لا يعلم من حاله ذلك ، كمن يعمل باللوازم غير البينة ، والأفراد الخفية والجزئيات غير البينة الاندراج ؛ فيشكل تقليده حياً كان أو ميتاً )) .
وقال صاحب المعالم : (( والحجة المذكورة للمنع في كلام الأصحاب ـ على ما وصل إلينا ـ ردية جداً ، لا تستحق أن تذكر )) .
وقد ناقش الشيخ محمد إسحاق الفياض ـ حفظه الله ـ من المراجع الأحياء في النجف صاحب العروة في هذه المسألة واستشكل المنع ؛ قال في تعاليق مبسوطة : ج1: ص1310: (( بل مقتضى السيرة وجوب تقليد الميت الأعلم ابتداءً ؛ حيث لا يحتمل دخل حياته فيما هو ملاك حجية قوله هذا .
ولكن قد يُسْتَدل على عدم جواز تقليد الميت ابتداءً ـ وإن كان أعلم ـ بأمرين :
أحدهما : دعوى الإجماع في المسألة بين الطائفة ; وفيه :
أولاً : إن هذه المسألة بصيغتها المطروحة ؛ لم تكن معنونة في كلمات القدماء ، بل هي من المسائل المستحدثة بين المتأخرين .
وثانياً : إن الإجمـاع إنما يكون حجة وكاشفاً عن ثبوت حكم المسألة فِي زمن المعصومـين (عليهم السلام ) إذا توفر فيه أمران :
الأول : أن يكون الإجمـاع في المسألة ثابتاً بين علمائنا المتقدمين الذين يكون عصرهم قريباً لعصر أصحاب الأئمة ( عليهم السلام ) .
الثانِي : أن لا يوجد في المسألة ما يصلح أن يكون مدركاً لَها .
فمتى توفر فيه الأمران يكشف عن ثبوت المسألة في زمانِهم ( عليهم السلام ) ؛ ووصولَها إلينا يداً بيد وطبقة بعد طبقة .
ولكن كلا الأمرين غير متوفر في المقام .
أما الأمر الأول : فلأنه لا طريق إلى إحراز الإجماع والتسالِم في المسألة بين المتقدمين ؛ فإن إحراز ذلك يتوقف على أن يكون لكل واحد منهم كتاب استدلالي حول المسألة وواصل إلينا ، إذ لا يكفي مجرد نقل الفتوى منهم فيها
( 3)
لاحتمال أن تكون مستندة إلى شيء آخر دون الإجماع . والفرض عدم وصول كتاب منهم كذلك ، فإذن لا طريق إلى إحراز الإجماع في المسألة .
وأما الأمر الثانِي : فلوجود ما يصلح أن يكون مدركاً للمسألة ؛ وهو الآيات والروايات التي استدل بِهما عليها .
والآخر : الآيات والروايات التي استُدِلَّ بِهما على وجوب التقليد ؛ بدعوى أنَّهما تدلان على اعتبار الحياة في المجتهد ، وعدم جواز تقليد الميت ابتداءً ؛ فمن أجل ذلك تصلحـان أن تكونا رادعتين عن السيرة .
والجواب : إن المتفاهم العرفي منهما بمناسبة الحكم والموضوع الارتكازية ؛ أنَّهما لا تدلان على أكثر مما هو مقتضى الفطرة والجبلة ؛ وهو رجوع الجاهل إلى العالم في تعيين موقفه ، وقد جرت على ذلك السيرة القطعية من العقلاء ، وحيث أن المجتهدين هم أهل الخبرة والعلم بالأحكام الشرعية ؛ فيجب الرجوع إليهم والأخذ بأفكارهم وآرائهم في تعيين المواقف العملية تجاه الدين .
ومن المعلوم أن النكتة التي تبرز وجوب الرجوع إليهم ؛ إنما هي طريقية أفكارهم وكاشفيتها عن الأحكام الشرعية في الواقع ؛ فإنَّها تمام الملاك له .
وأما حيثية حياتِهم ؛ فلا يحتمل دخلها في ذلك ، بداهة أنه لا فرق في طريقية أفكار هؤلاء وكاشفيتها عنها ؛ بين حال حياتِهم وحال موتِهم ؛ فلا إشعار فيهما على دخلها في ملاك حجيتها .
وعلى الجملة فلا شبهة في أن المستفاد من آية النفر أو نحوها أن الحذر مترتب على إنذار المنذر بملاك أنه طريق إلى الواقع وكاشف عنه ، ولا يحتمل أن يكون لحياته دخل فيه ؛ لوضوح أنه لا فرق بين أن يسمع إنذاره منه أو يراه في رسالته حال حياته أو بعد موته .
فالنتيجة إن هذه الأدلة لا تدل على أكثر مما قامت عليه السيرة القطعية من العقلاء الموافقة للجبلة والفطرة أيضاً ؛ فهي تقرير وإمضاء لَها من دون أن تتضمن شيئاً زائداً عليها ، كيف فإن عملية التقليد إنما هي لتحديد الموقف العملي للإنسان المسؤول تجاه الشرع ، ومن الواضح أن ما يحدد ذلك إنما هو أفكارهم وآراؤهم .
ومع الإغماض [ وهو من باب الجريان مع قائله والتمشي معه لا من باب التسليم بذلك منه ؛ لأن رأيه النهائي سيتضح ] عن ذلك وتسليم أن تلك الأدلة تدل على اعتبار الحياة ، إلا أن الظاهر منها اعتبارها في التقليد الابتدائي للميت ؛ فلا ، تعم المقام وهو ما إذا قلد مجتهدا ثم مات ؛ فإن الرجوع إليه بعد موته ليس من التقليد الابتدائي الصرف ؛ بل هو مسبوق بتقليده في الجملة .
ودعوى : إن الرجوع إليه في تلك المسائل يكون من التقليد الابتدائي وهو غير جائز . مدفوعة
أما أولاً : فلأن كلمة البقاء لم ترد في شيء من الأدلة حتى يدور الحكم مدارها سعة وضيقاً ، بل نحن وهذه الأدلة ؛ وهي لا تعم المقام .
( 4 )
وأما ثانياً : فلأنَّها مبتنية على أن يكون التقليد عبارة عن العمل ، وأما إذا كان عبارة عن الالتزام فلا مجال لَها ، مع أن مدلول الأدلة المذكورة لا يختلف سعة وضيقاً باختلاف معنى التقليد .
وأما ثالثاً : فلأنَّها لا تتم حتى على القول بأن التقليد عبارة عن العمل ؛ فإن الظاهر منها اعتبار الحياة في التقليد الابتدائي الصرف ؛ فلا تشمل مثل المقام الذي هو مسبوق به في الجملة .
هذا إضافة إلى أن التقليد تارة يلحظ بالنسبة إلى الشخص ، وأخرى بالنسبة إلى كل مسألة . فعلى الأول يتحقق التقليد بصرف وجود العمل بمسألة ما ، فعندئذ إذا مات ورجع إليه بعد موته صدق عليه عنوان البقاء على تقليده حتى بالنسبة إلى مسائله التي لم يتعلمها أو تعلمها ولكنه نسيها ، فإذن لا تكون مشمولة لتلك الأدلة .
ثم قال : (( فالنتيجة في نِهاية المطاف أن إثبات عدم جواز التقليد الابتدائي في غاية الإشكال فضلاً عن مثل هذا المقام ؛ وعليه فلو مات مجتهد وكان أعلم من غيره ؛ وجب البقاء على تقليده في كافة مسائله وإن لم يتعلم أو يتذكر )) انتهى كلامه .
ثم نقول : ونحن نقلب الدليل عليكم ؛ ونطالبكم بإقامة الدليل الصريح القطعي على ذلك ؛ ولا أراك تقول بذلك ؛ بل ما توصلت له مبني على الظن ؛ فإن قلت بقطيعة فتواك في المنع ؛ فقد قلت بجواز تقليدك ولو مت ؛ إذ أنَّهم إنما منعوا من تقليد الميت ؛ لأن فتواه ظنية وادعوا زوال الظن بالموت ؛ فلو كانت الفتوى قطعية لما قالوا بالمنع .
ثم لا أرى بأن دليلك في المنع فقط الكتاب والسنة ، بل الإجماع وسيرة العقلاء واستصحاب الحال ، وأنت بقولك ترمي من أجاز تقليد الميت ابتداءً باستناده إلى غير الكتاب والسنة ؛ وليت شعري هل الحرب على العلماء الأخباريين إلا بسبب اقتصارهم عليهما ونفي الدليلين الآخرين ؟! ،
ونطالبك أيضاً بالدليل من الكتاب والسنة على الإفتاء فيما لا نص فيه بغير الثقلين .
والسلام على من اتبع الهدى ، وصلى الله على محمد وآله الأتقياء .
كتبه مقلد الميت ابتداء ( العلامة الشيخ حسين آل عصفور ) علي ج . م . جسا . [ خلد الخط ]
23 / 1 / 1429هـ
للأمانة العلمية : حدثنا بعض التعديلات على الرسالة الأصلية في بعض الفقرات خاصة فيما يتعلق ببعض الأخطاء ؛ لأننا كتبناها في عجالة