ع ج م جسا
03-03-2008, 08:54 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين ؛ واللعنة الدائمة على أعدائهم ؛ وبعد :
أن الأصوليين أيضاً أخذوا علم الدراية عن العامة بما أحدثوه من تقسيمات ؛ بعد أن كان هذا العلم غير معروف لدى الإمامية وذلك باعتراف جمع من فضلاء علمائنا الأصوليين ؛ وإليك بعض أقوالهم :
قال الشيخ حسن في المعالم : (( حكى المحقق عن الشيخ : أن قديم الأصحاب وحديثهم إذا طالبوا بصحة ما أفتى به المفتي منهم عول على المنقول في أصولِهم المعتمدة وكتبهم المدونة ؛ فيُسلِّم له خصمه منهم الدعوى في ذلك ؛ وهذه سجيتهم منذ زمن النبي (ص) إلى زمن الأئمة (ع) ؛ فلولا أن العمل بِهذه الأخبار جائز ؛ لأنكروه وتبرؤا من العمل به )) .
وقال المحقق في معارج الأصول : (( وذهب شيخنا أبو جعفر إلى العمل بخبر العدل من رواتنا ، لكن لفظه وإن كان مطلقاً ؛ فعند التحقيق يتبين أنه لا يعمل بالخبر مطلقاً ، بل بِهذه الأخبار التي رويت عن الأئمة (ع) ودونَها الأصحاب ؛ لا أن كل خبر يرويه إمامي يجب العمل به ؛ هذا الذي يتبين لي من كلامه ، ويدعي إجماع الأصحاب على العمل بِهذه الأخبار حتى لو رواها غير الإمامي ؛ وكان الخبر سليماً عن المعارض ؛ واشتهر نقله في هذه الكتب الدائرة )) ثم قال الشيخ حسن في المعالم : (( وما فهمه المحقق من كلام الشيخ ؛ هو الذي ينبغي أن يعتمد عليه لا ما نسبه العلامة إليه )) .
وقال في منتقى الجمان : ج 1: ص 14 (( فإن القدماء لا علم لهم بهذا الاصطلاح قطعا لاستغنائهم عنه في الغالب بكثرة القرائن الدالة على صدق الخبر وإن اشتمل طريقه على ضعف كما أشرنا إليه سالفا ، فلم يكن للصحيح كثير مزية توجب له التمييز باصطلاح أو غيره ، فلما اندرست تلك الآثار واستقلت [ أسقطت : في نسخة ]الأسانيد بالأخبار اضطر المتأخرون إلى تمييز الخالي من الريب وتعيين البعيد عن الشك ، فاصطلحوا على ما قدمنا بيانه ، ولا يكاد يعلم وجود هذا الاصطلاح قبل زمن العلامة ، إلا من السيد جمال الدين بن طاووس - رحمه الله - )) .
ونقل الأمين الأسترآبادي في الفوائد المدنية عن الشيخ حسن في المنتقى : (( ولقد كانت حالة الحديث مع السلف الأولين على طرف النقيض مما هو فيه مع الخلف الآخرين ، فأكثروا لذلك فيه المصنفات وتوسعوا في طرق الروايات وأوردوا في كتبهم ما اقتضى رأيهم إيراده من غير التفات إلى التفرقة بين صحيح الطريق وضعيفه ولا تعرض للتمييز بين سليم الإسناد وسقيمه ، اعتمادا منهم في الغالب على القرائن المقتضية لقبول ما دخل الضعف طريقه ، وتعويلا على الإمارات الملحقة لمنحط الرتبة بما فوقه كما أشار إليه الشيخ في فهرسته )) .
وقال الشيخ البهائي في مشرق الشمسين : (( وهذا الاصطلاح لم يكن معروفاً بين قدمائنا ( ره ) كما هو ظاهر لمن مارس كلامهم ، بل المتعارف بينهم إطلاق الصحيح على كل حديث اعتضد بما يقتضي اعتمادهم عليه ؛ واقترن بما يوجب الوثوق به والركون إليه )) وقال : (( وأول من سلك هذا الطريق من علمائنا المتقدمين شيخنا العلامة جمال الحق والدين الحسن بن يوسف الحلي (ره ) )) .
وبحسب تصريح المنتقى هذا الاصطلاح في التقسيم عُلِمَ من السيد جمال الدين بن طاووس وبحسب الشـيخ البهائي كان من العلامة الحلي ؛ وإن كان السيد حسن الصدر ذكر في تأسيس الشيعة : (( إن أول من دون علم دراية الحديث هو أبو عبد الله الحاكم النيسابوري الإمامي الشيعي ، قال في كشف الظنون في باب حرف الميم : ( معرفة علم الحديث ) أول من تصدى له الحاكم أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ النيسابوري المتوفى سنة 405 - إلى أن قال - وتبعه ابن الصلاح . انتهى قوله )) . ثم السيد ذكر تصريح عدة من علماء السنة على تشيع الحاكم المزبور منهم السمعاني وابن تيمية والحافظ الذهبي وابن طاهر وأبو إسماعيل الأنصاري . ثم بعد هذا رد قول جلال الدين السيوطي في ( الوسائل في الأوائل ) أنه أول من رتب أنواعه ابن الصلاح في مختصره المشهور ، فقال : (( إن ما بين أبى عمر وعثمان بن عبد الرحمن المشهور بابن الصلاح والحاكم النيسابوري بنحو مائتي سنة ، فالحاكم هو المتقدم في وضع أنواع الحديث لا ابن الصلاح التابع له في ذلك )) . إلى أن قال : (( فاعلم أن أول من صنف فيه بعد الحاكم المؤسس : السيد جمال الدين أحمد بن موسى بن طاوس أبو الفضائل المتقدم المتوفى سنة 673 وهو أستاذ العلامة ابن المطهر الحلي ، وهو واضع الاصطلاح الجديد للإمامية في صحيح الحديث وحسنه وموثقه وضعيفه كما نص عليه كل علماء الرجال في ترجمته )) .
نقول : القول بتشيع الحاكم النيسابوري ؛ لم يثبت ، واستناد السيد حسن الصدر إلى قول المذكورين في غير محله ؛ لأن هؤلاء إنما قالوا بتشيع الحاكم ؛ للطعن في ما أخرج من أحاديث في فضائل الإمام علي وأهل البيت ( عليهم السلام ) في مستدركه ؛ وعلى فرض صحة تشيعه ؛ فهو لَم يظهر هذا التشيع ؛ ولم يظهر له أي مؤلف يدل ذلك ؛ وإنما ألف كتابه استدراكاً على الصحيحين إذ أنه أخرج روايات لم يخرجاها على شرطيهما ؛ فإن يكن ألف في الدراية ؛ فهو في ما يتعلق برجال روايات أهل السنة لا الشيعة ، وأيضاً القول بأن الحاكم هو أول من ألف سهو فإن بعض العلماء قبل الحاكم النيسابوري ألفوا في علم الدراية ، كالرامهرمزي مؤلف كتاب " المحدث الفاصل "
ثم إن هناك من اعترف أن أول من ألف في ذلك من أصحابنا في الدراية هو شيخنا الشهيد الثانِي ـ رضوان الله عليه ـ المستشهد سنة 966 ـ أي بداية التأليف في القرن العاشر ـ ؛ منهم صاحب الذريعة الشيخ آغا بزرك الطهرانِي في مقدمته للصراط المستقيم ، وكذلك جملة من الكتب جاء فيها ذلك : الدر المنثور " ج 2 / 188 وأمل الآمل " ج 1 / 85 ورياض العلماء " ج 2 / 368 ، 369 . وروضات الجنات " ج 3 / 376 ، وريحانة الأدب " ج 3 / 280 ، ومعجم رجال الحديث " ج 1 / 181 ، ومقدمة " شرح اللمعة " ج 1 / 181 .
وعلى كل حال ؛ فإن هذا العلم أساسه العامة ؛ وهذا ما صرح به الشيخ حسن في منتقى الجمان : (( أكثر أنواع الحديث المذكورة في دراية الحديث من مستخرجات العامة بعد وقوع معانيها في حديثهم ؛ فذكروها بصورة ما وقع . واقتفى أثرهم جماعة من أصحابنا في ذلك أثرهم ؛ واستخرجوا من أخبارنا في بعض الأنواع ما يناسب مصطلحلهم ، وبقي منه كثير على حكم محض الفرض ، ولا يخفى أن البحث عما ليس بواقع واتباعهم في إثبات الاصطلاح له قليل الجدوى بعيد عن الاعتبار ومظنة الاتهام )) .
ومما يثبت أيضاً أن أصول الفقه عند الأصوليين منها ما أصله عامي أن كتاب العلامة الحلي ( قواعد الأحكام الفقيهية ) ؛ هو ملخص من كتاب العزيزي الرافعي من الشافعية ؛ وربما علق عليه بعض العامة حواشي وقيوداً كما وقع للبيضاوي ، وكذا كتابه نهاية الأصول ، وكذلك من تأمل كتاب الشهيد الثانِي أو رسالته في الدراية ؛ فقد اختصر دراية ابن الصلاح الشافعي ثم شرحها ، وكذا من تأمل كتابه تمهيد القواعد قد سلك فيها مسلك عبد الرحيم الأسنوي الشافعي في كتابه الكوكب الدري ، وكذا من تأمل كتاب زبدة الأصول لشيخنا البهائي ؛ رأيت مباحثها كمختصر الحاجبي . بل أتَى وقت كما ذكر وشاهد الشيخ حسين بن شهاب الدين أنه لا يعدون من لم يقرأ العضدي أصولياً ، ولا من لا يقرأ تفسير البيضاوي والكشاف مفسراً ، ولا من لم يصرف عمره في ما ألفه الدوانِي وأضرابه من الكتب الحكمية والكلامية حكيماً .
وقد بين جانب من الحقيقة شيخنا في المحاسن النفسانية بقوله : (( وما زال الأمر كذلك حتى انتهت النوبة إلى المحقق الشيخ حسن بن الشهيد الثاني ؛ فاطلع على رسالة المحقق في الأصول ، وعرف مذهب المتقدمين في أخبار آل الرسول ، واستبان له أنه الصواب ، وقال إنه الطريق الذي ينبغي أن يسلك في كل باب ؛ فتكلم مع والده في تلك المدارك ، ومال إلى العمل بالأخبار في أكثر المسالك ؛ حتى أنه اعتمد مراسيل الصدوق في كتابه ( من لا يحضره الفقيه ) اعتماداً على شهادة مؤلفه الفاضل النبيه ؛ لكنه لم يجسر على المخالفة لصيرورة طريقته هذه غريبة الصدور في تلك الأزمنة والدهور ؛ فقارنه جماعة في ذلك كشيخه الأردبيلي ومعاصره سيد المدارك ؛ وهما كانا في الدرس كفرسي رهان ، وما زال ذلك الأمر شايعاً في تلك الأزمان حتى صغى إليهم من بعدهم جماعة من الفضلاء الذين تعلقوا بأهداب الأخبار ؛ ونشروا علم الأحاديث في الأصقاع كمولانا الأمين محمد أمين الأسترآبادي ، والفاضل ملا خليل القزويني ، والفاضل ملا محسن الكاشي ، والمحقق الشيخ حسين بن شهاب الدين العاملي وأمثالهم ؛ فصرحوا بما لوح به غيرهم من الأعاظم ولم تأخذهم في الله لومة لائم ؛ لأنهم عرفوا الحق ؛ فلم يسعهم إلا القبول والتسليم بما جاء عن آل الرسول ( ص) ؛ وحيث قد حققوا ذينك المُسلَّمين ؛ وانكشف لهم حال الفريقين ؛ فهناك تنكبوا طريقة الاجتهاد بالمرة ، وطعنوا هناك فيما يتعلقون به من إجماع أو شهرة ؛ وصغت قلوبهم إلى قواعد الأخبار ... )) .
كتبه : ع . ج. م. جسا ، خلد الخط
الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين ؛ واللعنة الدائمة على أعدائهم ؛ وبعد :
أن الأصوليين أيضاً أخذوا علم الدراية عن العامة بما أحدثوه من تقسيمات ؛ بعد أن كان هذا العلم غير معروف لدى الإمامية وذلك باعتراف جمع من فضلاء علمائنا الأصوليين ؛ وإليك بعض أقوالهم :
قال الشيخ حسن في المعالم : (( حكى المحقق عن الشيخ : أن قديم الأصحاب وحديثهم إذا طالبوا بصحة ما أفتى به المفتي منهم عول على المنقول في أصولِهم المعتمدة وكتبهم المدونة ؛ فيُسلِّم له خصمه منهم الدعوى في ذلك ؛ وهذه سجيتهم منذ زمن النبي (ص) إلى زمن الأئمة (ع) ؛ فلولا أن العمل بِهذه الأخبار جائز ؛ لأنكروه وتبرؤا من العمل به )) .
وقال المحقق في معارج الأصول : (( وذهب شيخنا أبو جعفر إلى العمل بخبر العدل من رواتنا ، لكن لفظه وإن كان مطلقاً ؛ فعند التحقيق يتبين أنه لا يعمل بالخبر مطلقاً ، بل بِهذه الأخبار التي رويت عن الأئمة (ع) ودونَها الأصحاب ؛ لا أن كل خبر يرويه إمامي يجب العمل به ؛ هذا الذي يتبين لي من كلامه ، ويدعي إجماع الأصحاب على العمل بِهذه الأخبار حتى لو رواها غير الإمامي ؛ وكان الخبر سليماً عن المعارض ؛ واشتهر نقله في هذه الكتب الدائرة )) ثم قال الشيخ حسن في المعالم : (( وما فهمه المحقق من كلام الشيخ ؛ هو الذي ينبغي أن يعتمد عليه لا ما نسبه العلامة إليه )) .
وقال في منتقى الجمان : ج 1: ص 14 (( فإن القدماء لا علم لهم بهذا الاصطلاح قطعا لاستغنائهم عنه في الغالب بكثرة القرائن الدالة على صدق الخبر وإن اشتمل طريقه على ضعف كما أشرنا إليه سالفا ، فلم يكن للصحيح كثير مزية توجب له التمييز باصطلاح أو غيره ، فلما اندرست تلك الآثار واستقلت [ أسقطت : في نسخة ]الأسانيد بالأخبار اضطر المتأخرون إلى تمييز الخالي من الريب وتعيين البعيد عن الشك ، فاصطلحوا على ما قدمنا بيانه ، ولا يكاد يعلم وجود هذا الاصطلاح قبل زمن العلامة ، إلا من السيد جمال الدين بن طاووس - رحمه الله - )) .
ونقل الأمين الأسترآبادي في الفوائد المدنية عن الشيخ حسن في المنتقى : (( ولقد كانت حالة الحديث مع السلف الأولين على طرف النقيض مما هو فيه مع الخلف الآخرين ، فأكثروا لذلك فيه المصنفات وتوسعوا في طرق الروايات وأوردوا في كتبهم ما اقتضى رأيهم إيراده من غير التفات إلى التفرقة بين صحيح الطريق وضعيفه ولا تعرض للتمييز بين سليم الإسناد وسقيمه ، اعتمادا منهم في الغالب على القرائن المقتضية لقبول ما دخل الضعف طريقه ، وتعويلا على الإمارات الملحقة لمنحط الرتبة بما فوقه كما أشار إليه الشيخ في فهرسته )) .
وقال الشيخ البهائي في مشرق الشمسين : (( وهذا الاصطلاح لم يكن معروفاً بين قدمائنا ( ره ) كما هو ظاهر لمن مارس كلامهم ، بل المتعارف بينهم إطلاق الصحيح على كل حديث اعتضد بما يقتضي اعتمادهم عليه ؛ واقترن بما يوجب الوثوق به والركون إليه )) وقال : (( وأول من سلك هذا الطريق من علمائنا المتقدمين شيخنا العلامة جمال الحق والدين الحسن بن يوسف الحلي (ره ) )) .
وبحسب تصريح المنتقى هذا الاصطلاح في التقسيم عُلِمَ من السيد جمال الدين بن طاووس وبحسب الشـيخ البهائي كان من العلامة الحلي ؛ وإن كان السيد حسن الصدر ذكر في تأسيس الشيعة : (( إن أول من دون علم دراية الحديث هو أبو عبد الله الحاكم النيسابوري الإمامي الشيعي ، قال في كشف الظنون في باب حرف الميم : ( معرفة علم الحديث ) أول من تصدى له الحاكم أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ النيسابوري المتوفى سنة 405 - إلى أن قال - وتبعه ابن الصلاح . انتهى قوله )) . ثم السيد ذكر تصريح عدة من علماء السنة على تشيع الحاكم المزبور منهم السمعاني وابن تيمية والحافظ الذهبي وابن طاهر وأبو إسماعيل الأنصاري . ثم بعد هذا رد قول جلال الدين السيوطي في ( الوسائل في الأوائل ) أنه أول من رتب أنواعه ابن الصلاح في مختصره المشهور ، فقال : (( إن ما بين أبى عمر وعثمان بن عبد الرحمن المشهور بابن الصلاح والحاكم النيسابوري بنحو مائتي سنة ، فالحاكم هو المتقدم في وضع أنواع الحديث لا ابن الصلاح التابع له في ذلك )) . إلى أن قال : (( فاعلم أن أول من صنف فيه بعد الحاكم المؤسس : السيد جمال الدين أحمد بن موسى بن طاوس أبو الفضائل المتقدم المتوفى سنة 673 وهو أستاذ العلامة ابن المطهر الحلي ، وهو واضع الاصطلاح الجديد للإمامية في صحيح الحديث وحسنه وموثقه وضعيفه كما نص عليه كل علماء الرجال في ترجمته )) .
نقول : القول بتشيع الحاكم النيسابوري ؛ لم يثبت ، واستناد السيد حسن الصدر إلى قول المذكورين في غير محله ؛ لأن هؤلاء إنما قالوا بتشيع الحاكم ؛ للطعن في ما أخرج من أحاديث في فضائل الإمام علي وأهل البيت ( عليهم السلام ) في مستدركه ؛ وعلى فرض صحة تشيعه ؛ فهو لَم يظهر هذا التشيع ؛ ولم يظهر له أي مؤلف يدل ذلك ؛ وإنما ألف كتابه استدراكاً على الصحيحين إذ أنه أخرج روايات لم يخرجاها على شرطيهما ؛ فإن يكن ألف في الدراية ؛ فهو في ما يتعلق برجال روايات أهل السنة لا الشيعة ، وأيضاً القول بأن الحاكم هو أول من ألف سهو فإن بعض العلماء قبل الحاكم النيسابوري ألفوا في علم الدراية ، كالرامهرمزي مؤلف كتاب " المحدث الفاصل "
ثم إن هناك من اعترف أن أول من ألف في ذلك من أصحابنا في الدراية هو شيخنا الشهيد الثانِي ـ رضوان الله عليه ـ المستشهد سنة 966 ـ أي بداية التأليف في القرن العاشر ـ ؛ منهم صاحب الذريعة الشيخ آغا بزرك الطهرانِي في مقدمته للصراط المستقيم ، وكذلك جملة من الكتب جاء فيها ذلك : الدر المنثور " ج 2 / 188 وأمل الآمل " ج 1 / 85 ورياض العلماء " ج 2 / 368 ، 369 . وروضات الجنات " ج 3 / 376 ، وريحانة الأدب " ج 3 / 280 ، ومعجم رجال الحديث " ج 1 / 181 ، ومقدمة " شرح اللمعة " ج 1 / 181 .
وعلى كل حال ؛ فإن هذا العلم أساسه العامة ؛ وهذا ما صرح به الشيخ حسن في منتقى الجمان : (( أكثر أنواع الحديث المذكورة في دراية الحديث من مستخرجات العامة بعد وقوع معانيها في حديثهم ؛ فذكروها بصورة ما وقع . واقتفى أثرهم جماعة من أصحابنا في ذلك أثرهم ؛ واستخرجوا من أخبارنا في بعض الأنواع ما يناسب مصطلحلهم ، وبقي منه كثير على حكم محض الفرض ، ولا يخفى أن البحث عما ليس بواقع واتباعهم في إثبات الاصطلاح له قليل الجدوى بعيد عن الاعتبار ومظنة الاتهام )) .
ومما يثبت أيضاً أن أصول الفقه عند الأصوليين منها ما أصله عامي أن كتاب العلامة الحلي ( قواعد الأحكام الفقيهية ) ؛ هو ملخص من كتاب العزيزي الرافعي من الشافعية ؛ وربما علق عليه بعض العامة حواشي وقيوداً كما وقع للبيضاوي ، وكذا كتابه نهاية الأصول ، وكذلك من تأمل كتاب الشهيد الثانِي أو رسالته في الدراية ؛ فقد اختصر دراية ابن الصلاح الشافعي ثم شرحها ، وكذا من تأمل كتابه تمهيد القواعد قد سلك فيها مسلك عبد الرحيم الأسنوي الشافعي في كتابه الكوكب الدري ، وكذا من تأمل كتاب زبدة الأصول لشيخنا البهائي ؛ رأيت مباحثها كمختصر الحاجبي . بل أتَى وقت كما ذكر وشاهد الشيخ حسين بن شهاب الدين أنه لا يعدون من لم يقرأ العضدي أصولياً ، ولا من لا يقرأ تفسير البيضاوي والكشاف مفسراً ، ولا من لم يصرف عمره في ما ألفه الدوانِي وأضرابه من الكتب الحكمية والكلامية حكيماً .
وقد بين جانب من الحقيقة شيخنا في المحاسن النفسانية بقوله : (( وما زال الأمر كذلك حتى انتهت النوبة إلى المحقق الشيخ حسن بن الشهيد الثاني ؛ فاطلع على رسالة المحقق في الأصول ، وعرف مذهب المتقدمين في أخبار آل الرسول ، واستبان له أنه الصواب ، وقال إنه الطريق الذي ينبغي أن يسلك في كل باب ؛ فتكلم مع والده في تلك المدارك ، ومال إلى العمل بالأخبار في أكثر المسالك ؛ حتى أنه اعتمد مراسيل الصدوق في كتابه ( من لا يحضره الفقيه ) اعتماداً على شهادة مؤلفه الفاضل النبيه ؛ لكنه لم يجسر على المخالفة لصيرورة طريقته هذه غريبة الصدور في تلك الأزمنة والدهور ؛ فقارنه جماعة في ذلك كشيخه الأردبيلي ومعاصره سيد المدارك ؛ وهما كانا في الدرس كفرسي رهان ، وما زال ذلك الأمر شايعاً في تلك الأزمان حتى صغى إليهم من بعدهم جماعة من الفضلاء الذين تعلقوا بأهداب الأخبار ؛ ونشروا علم الأحاديث في الأصقاع كمولانا الأمين محمد أمين الأسترآبادي ، والفاضل ملا خليل القزويني ، والفاضل ملا محسن الكاشي ، والمحقق الشيخ حسين بن شهاب الدين العاملي وأمثالهم ؛ فصرحوا بما لوح به غيرهم من الأعاظم ولم تأخذهم في الله لومة لائم ؛ لأنهم عرفوا الحق ؛ فلم يسعهم إلا القبول والتسليم بما جاء عن آل الرسول ( ص) ؛ وحيث قد حققوا ذينك المُسلَّمين ؛ وانكشف لهم حال الفريقين ؛ فهناك تنكبوا طريقة الاجتهاد بالمرة ، وطعنوا هناك فيما يتعلقون به من إجماع أو شهرة ؛ وصغت قلوبهم إلى قواعد الأخبار ... )) .
كتبه : ع . ج. م. جسا ، خلد الخط