PDA

View Full Version : الجلود المستوردة من الدول غير الإسلامية


رد المدرسة
04-05-2003, 09:54 PM
سؤال : ما هو حكم الجلود المستوردة من الدول غير الاسلامية بمصاديقها المتعددة كالأحذية والحقائب ومعاصم الساعات ومقاعد السيارات الفخمة وغيرها؟ وهل يمكن الاستناد إلى قاعدة أصل الطهارة للحكم بطهارتها أو إلى العلم الاجمالي حيث نعلم من بعض التقارير التجارية أن هناك بعض الدول الاسلامية كدول الشمال الأفريقي وتركيا تقوم بتصدير الجلود إلى بعض الشركات الأوربية التي تقوم بدورها بتصنيعها بعد دباغتها وتصديرها ثانياً إلى الدول الاسلامية؟

رد المدرسة
04-05-2003, 09:55 PM
بسمه تعالى
اعلم أن الأصل في كل شيء انه طاهر حتي تعلم النجس بعينه فتجتنبه ماعدى متعلق التذكية أي أن اللحوم والجلود التي يتوقف حلها واباحتها على التذكية الشرعية فالأصل فيها الحرمة والنجاسة حتى يثبت العكس وطريق معرفة ذلك أحد أمرين : الأول ان تقوم انت بنفسك بإجراء التذكية الشرعية أو تشاهد من يؤديها ويقوم بها من أحد المسلمين وانه تم ذلك وفقاً لأحكام الشرعية الإسلامية من استقبال للقبلة رالتسمية وفرى للأوداج المعينة وكون آله الذبح من حديد عير مسننة وحادة ونحو ذلك ، ولافرق في ذلك بين أن يكون ارتكاب هذه التذكية في دولة اسلامية أو غير اسلامية من سائر البقاع .
الأمر الثاني : أن يقوم غيرك بالذبح لكن في غير حضورك وعلمك وفي مثل ذلك ترد عدّة احتمالات :
الأول : ان يكون ذلك في دولة اسلامية وتجد مثل هذا اللحم أو الجلد في يد المسلم وفي سوق المسلمين ،وليست عليه أي علائم تشير إلي استناده إلي الجهة التي قامت بتذكيته (مجهول الحال ) أو تشير إلي اليد المسلمة بأي انحاء الدلالات المورثة للإطمئنان فالحكم في هذا الاحتمال هو الطهارة والحل اكلاً ولبساً لكن لامن باب أصالة الحل والطهارة فقط ولكن بمعية باب بناء عمل المسلم على الصحة ومن باب التوسعة واليسر والسهولة في الشريعة الإسلامية .
الإحتمال الثاني : ان يكون ذلك في دولة اسلامية وفي سوق المسلمين وفي يد المسلم الا أنه يوجد عليه علائم (معلوم الحال ) تفيد النسبة لغير المسلم كالدجاج المثلج وعلب النقانق والسجق ولحوم البقر والغنم المستوردة من الدول غير الإسلامية ،مضافاً إلى الجلود المشار اليها في مفروض السؤال ،وكثرة مصاديقها المتداولة في اللبس والإقتناء كالأحذية والحقائب ومقاعد السيارات وغير ذلك فإنه والحال هذه يحكم بنجاستها وعدم جواز الشراء سواء كانت لحماً أو جلدًا لأنها ميتة او بحكم الميتة ونجسة غير قابلة للإنتقاع بإجماع المتشرعة والمتفقهين ، لايجوز للمسلم بيعها فضلاً عن اقتنائها إلا لغير المسلم ممن يستحلها.
أما للمسلم فلايجوز وإن كان فاسقاً ،وثمنها سحت يحرم التصرف فبه ،نعم يستثني من ذلك التحريم مالا تحله الحياة كالوبر والشعر والصوف والعظم والقرن مالم يكن من نجس العين كالكلب والخنزير .
الإحتمال الثالث : أن يوجد ذلك في دولة اسلامية أو غير اسلامية وفي يد غير المسلم خاصّة إلا أنه يقطع بكون اللحم أو الصناعات الجلدية منسوبة للمسلمين لمعلومية حالها وجهة تصنيعها واشتهار أمرها كما هو المتعارف عليه لدى المحلات التجارية الغذائية التى يمتلكها ويديرها غير المسلمين والتي تستورد السلع والمعلبات من الشركات والمصانع الاسلامية المشهورة وتسوق لزبائنها المسلمين كل مايتفق مع معتقدهم ويطمأنون إليه، وحكم حلّ وطهارة مثل ذلك مما لااشكال فيه ولاشبهة تعتريه ،ولاتثبت له الا النجاسة العرضية بفعل سرياتها وتعديها برطوبة ونحوها لو علم بطروها عليها بالطريق القطعي بمباشرة المذكور لها برطوبة .
اما دعوى الاستناد إلى العلم الإجمالى في المقام بالنحو المشار إليه فهو مما لاينبغي الركون أو الأصغاء إليه وذلك لأمور :
الأول : إن العلم الإجمالى ليس قاعدة ً شرعية تؤسس عليها الأحكام الشرعية ولهذا ورد ذكره في بعض الموارد الشرعية مسوراً بسور الجزئية لا الكلية ،وبالأخص في أحكام الطهارة والوضوء والصلاة خاصّة.
الثاني : إن ذكر مفهوم العلم الإجمالى في هذا المقام لاوجه له بل إغراب واضراب عن المنحي الفقهي وعزوف عن النهج الصحيح في الاستدلال وإن استسلقه من إستسلقه غفلة وسهواً ،وذلك لان المستورد من الصناعات الجلدية من الدول الكافرة التي نفترض انها تستورد الجلود من بعض الدول الإسلامية ،وتقوم بتصنعيها لا يكون مقطوعاً بالقطع اليقيني كونها من تلك الجلود اإجمالاً ولاتفصيلاً بل مشكوكاً في الأغلب الأعم أو مظنوناً على أفضل التقادير.
ومعلوم أن الظن او الشك لايمكنهما رفع الحكم بعدم التذكية والنجاسة المقطوع بها سلفاً بأصالة عدم التذكية ،لأن المحقق لدى نظر الشارع المقدس انه اعتمد وارتكز صراحةً على القطع واليقين في مسألتي الطهارة والنجاسة ،بمعنى أن ماعلمت يقيناً انه نجس فلاتحكم عليه بالطهارة إلا بالبينة القطعية وكذلك العكس ، ونفس الأمر يرد في الحلال والحرام .
الثالث : ان المقطوع به والمتعارف عليه بنحو لايختلف فيه اثنان ان المتبع في جميع مصانع الذبح في الدول غير الاسلامية انها تستخدم انظمة سريعة كوسائل الخنق والصعق الكربائي والذبح الآلي المخالفة جميعها للأحكام الشرعية الخاصة بالذبح لدى المسلمين .
الرابع : انا لو سلمنا بالعلم الإجمالي المزعوم وحاولنا المصير إلى الحكم بالطهارة أو الحل فإنه والحال هذه لابد أن يدور الأمر مدار الشبهة المحصورة والشبهة غير المحصورة ،ومن المعلوم أن الفقهاء في الفرض الأول أوجبوا الترك والإمساك عن استعمال الكل ،وفي الفرض الثاني جوزوا الإستعمال للجميع وعدم الإعتناء والإلتفات الى ذلك النادر المجهول الهوية المختبىء بين الأفراد المتكاثرة الطاهرة ،فالجواز هنا مرهون ومتوقف على غلبة الطاهر والحلال وقلة النجس والحرام بل ندرتهما لا غلبتهما وتفوقهما على الطاهر والحلال .
يضاف إلي ذلك أن الدول الأوربيّة لا تعتمد إعتماداً كليّاً على الجلود المستوردة من الدول الاسلامية بل لها مصادرها الداخلية الطبيعة ،وبالأخص بريطانيا التي تقوم بتصدير من لحم البقر فقط بما قيمته ثمان مليارات دولار سنوياً كما أفادت آخر الإحصائيات، فياترى اين تذهب بجلود تلك اللحوم اذا لم تقم بتصنيعها داخلياً ثم تصديرها إلى الخارج وعامة الدول الأخرى، ناهيك عن اللحوم التي تستهلكها داخلياً وقس على ذلك بقية الدول الأوربية الأخرى.
الخامس : هناك جملة من الأحكام الشرعية خاصة بالمقام يترتب عليها آثار منصوصة أيضاً كحرمة لبس جلود غير مأكول اللحم في الصلاة كالجاكيتات واحزمة ربط البطن ، وسير معصم للساعة وغيرها فكيف بك إذا كانت نجسة العين، ومعلوم أن الشهرة بين الفقهاء منعقدةعلى ثبوت النجاسة والتنجيس للأعيان النجسة كافة المترتب عليه عدة أمور :
1- نجاسة اعضاء الوضوء ،حيث اعتاد الكثير في ميضاة المساجد غسل أرجلهم بالأحذية أو النعال الجلدية المستوردة من الدول غير الاسلامية ،وكذلك حال لبس الساعات ذات الأحزمة الجلدية الطبيعية.
2- نجاسة ماء الوضوء في موضعي الغسل والمسح المترتب عليه بطلان الوضوء.
3- بطلان الصلاة لبطلان شرطها ، وهو الوضوء والطهارة من النجاسات.
4- نجاسة موضع السجود لنجاسة الماء الموجود على اعضاء الوضوء ،والذي لايغتفر فيه وجودها العيني المتعدي أو العفوي غير المتعدي.
5- تنجيس التربة الحسينية التى ورد الحث النبوي بحرمتها وإحترامها،ووجوب تجنيبها من النجاسات .
6- تنجيس ارضية المسجد وفرشه لدخوله بأحدية الجلد النجسة المبتلة على الرغم من ورود التحفظ حتى في الأحذية الطاهرة واستحباب النظر إلى باطنها لئلا يعلق فيها شيء من النجاسات من دون علم فيتوقى ويتحفظ من انتقالها إلى المساجد، وما ورد من وجوب تطهير المساجد من كلّ نجاسة معلومة .
السابع : ورود النص الصريح بأن جلود الميتة لاتطهر بالدباغة ،ولو دبغت سبعين مرّة، المؤكد على ضرورة التحفظ الزائد .
الثامن : هناك قاعدة فقهية تنص على أن الإشتغال اليقيني يستلزم ويستوجب الفراغ اليقيني، ومن توجّه إليه الخطاب بالإتيان بالفرائض والطاعات المشروطة بالطهارة وجب عليه للإمتثال بالنحو المطلوب شرعاً الإتيان بجميع المقدمات المصححة للعبادة لمقام الشرطية والجزئية من طهارة ونحوها مما يقطع بأن الإخلال بمايصحح إرتفاع الإشتغال اليقيني يستلزم عدم الفراغ اليقيني ،ويؤيد ذلك الكثير من النصوص الحاثة على الاحتياط والتحفظ والضبط لبراءة الذمة من التكليف بيقين ،إذ ليس كل ما امكن اصطناع الحيلة والتذرع له بالمصطلحات الكلامية المعسولة الرنانة امكن الفرار من تبعاته يوم القيامة وتجاوز الله سبحانه وتعالى عنه ،وكيف يمكن للمرء والحال هذه أن يصحح اعماله وعلى وجه الخصوص الصلاة المفروضة اليومية التي هي عمود الدين وانه لاتقبل من اعمال المرء الخطير ولا القطمير ولا ينظر إليه الابعد ضمان صحة صلاته .
وهل هناك مجازفة ومخاطرة اعظم من هذه ، فاللائق بأهل الدين والفضل ان يدعوا التجار المسلمين في الدول الاسلامية إلى تأمين الاحتياجات التي هي موضع ابتلاء للملبس والمأكل من الصناعات الجلدية كافة من الدول الاسلامية الأخرى ،وتوفيرها في متناول الجميع ليرتفع الإشكال من أصله وتنحسم مادة النزاع المحتدمة من أساسها .
التاسع : ورود الحث علي التحفظ من امرين اولهما الحيوانات الجلالة التي تغتذي على النجاسات ووجوب استبرائها بالطرق التي نص عليها الشارع، وثانياً كراهة معاشرة كل من يتهاون ولايبالي ولايتورع عن النجاسات والطهارة منها ،وكل المحرمات بل ورود الحث على كراهة الأكل من طبخ الحائض التى لاتتحفظ من دم الحيض ،وكذلك الحث على تطهير كل مايلا قيه ذلك الشخص برطوبة ونحوها .
العاشر: إن كل ماذكره الفقهاء في مطولاتهم ومختصراتهم الفقهية يرجع إلى ماذكرناه لك في هذا الجواب المقتضب فلا ينبغي الركون والإخلاد إلى بعض العبارات الموهمة بخلافه.