يتيم آل محمد
06-12-2006, 04:55 PM
بسم الله الهادي إلى سواء السبيل واالصلاة والسلام على من بعثه الرب الجليل رحمة للعالمين محمد وآله الغر الميامين الذي ينجو من ركب سفينتهم وتعلق بحبلهم صلوات الله وسلامه عليهم
السلام عليكم سماحة الشيخ ورحمة الله وبركاته
شكرا لتجاوبكم السريع معي ونفعنا الله بعلمكم وجعلكم الله ممن يهتدى بهم لواضح طريقه ورزقني الله الاطمئنان واليقين على يديكم. ورضوخا عند طلبكم بل أمركم فنبدأ بعون الله الحلقة الأولى من البحث ببركة سيدنا ومولانا صاحب العصر والزمان ومن به وبولايته تقبل الأعمال.
سؤالي الأول يتعلق بنظرية الخلق أو مايسمى بالنشوء والارتقاء وسفينة نوح عليه السلام وسأطرحه على شكل نقاط حتى يسهل البحث:
1. يستند التطوريون في نظريتهم إلى السجل الإحاثي منذ ملايين السنيين حيث اكتشفوا كائنات شبيهة بالبشر ولكنها أقصر قامة وتختلف بعض الاختلاف عن البشر الحاليين ويدعون أنها هي الحلقة الوسطى بين القردة والبشر في تفصيل ليس هذا محله ولهؤلاء عدة نماذج يعتمدون عليها كإنسان جاوة وإنسان نبراسكا وبلتداون والأوتابينغا وإنسان رودولف ومن الاكتشافات الأخيرة الهيكل الذي عثر عليه في شرق أفريقيا وهو لسيدة أطلق عليه اسم لوسي ويروج الإعلام لهذه النظرية كثيرا حتى الإعلام العربي مع شدي الأسف وآخرها كان عرض العربية تقريرا عن عائلة تركية في جنوب تركيا خمسة من أفرادها يمشون على أربع كالدواب واستغل التطوريون هذا الخلل ليروجوا لادعاءاتهم بأن ذلك دليل على التطور وأن الإنسان في مرحلة من المراحل كان يستخدم أطرافه الأربعة للمشي قبل أن تنتصب قامته ويقف على رجليه ويستخدم يديه في الأكل والقتال وغيرها وأن هذه العائلة تمثل حلة انتكاسة في مسيرة التطور وأن الإنسان قد ينتكس ويرجع إلى أصول سابقة بدل أن يتطور. وقد تبنى النظرية بعض علماء الإسلام أو على الأقل لم يبدو أية معارضة في تقبلها في إطار إسلامي طبعا وبد الإيمان بأن التطور إن وقع قهو بإرادة الله كمثل المرحوم الشيخ نديم الجسر مفتي طرابلس سابقا وذلك في كتابه الرسالة الحميدية في أواخر العهد العثماني في بدايات القرن الميلادي الماضي ولعل الشيخ محمد عبده ممن تفهم النظرية أيضا ومن المفكرين الحاليين الدكتور المصري عبد الصبور شاهين والدكتور مصطفى محمود كما في كتابه القرآن محاولة لفهم عصري ومن علماء الشيعة الشيخ علي حب الله في كتابه الإسلام وتطور الأحياء والذي لم يمانع في تقبلها وإن كان لم يجزم في نهاية كتابه بصحة النظرية أو عدمها ولم أر من علماء الإسلام من اهتم بهذا الموضوع الاهتمام الكافي وأعطاه حقه إلا كاتب تركي يدعى هارون يحيى وله عدة مؤلفات في هذا الجانب كما له عدة أفلام وثائقية وبعدة لغات أوروبية بالإضافة للغات الإسلامية كالتركية والفارسية والإندونيسية والعربية طبعا وللكاتب المذكور موقع على الإنترنت من خلاله يمكن تنزيل الكتب والمواد الأخرى وموقعه هو http://www.harunyahya.com ويعد كتابه خديعة التطور أهم كتاب تناول فيه هذا الموضوع بإسهاب وبين فيه أساليب التطوريين في تبرير خدعهم وكيف أنهم استخدوا الكذب والتلفيق في دعم نظريتهم ولكن التطوريين مازالوا يجمعون المواد الأحفورية في سبيل دعم نظريتهم وكل يوم يعلن عن اكتشاف جديد في هذا المضمار وفي عدة دول ولعل كاتبا واحدا كهارون يحيى ليس باستطاعته أن يواجه تيارا بكامله له العديد من المعاهد التي تدعمه وتتبنى فكره في أمريكا وأوروبا وفي كثير من البلدان. وفي حين تصدى علماء الإسلام سابقا لمواجهة الفكر الإلحادي وبصورة كثيفة عن طريق الفلسفة تارة وعن طريق الكلام والعرفان تارة أخرى كما فعل ابن الخياط المعتزلي حين رد على الملحد ابن الراوندي الذي هاجم الإسلام وشكك في النبوة ووجود الله وكما فعل أبو حاتم الرازي حين رد على الطبيب الملحد أبي بكر الرازي في كتابه "معجزة النبوات" وكذا بقية الفلاسفة والمتكلمين كابن سينا والعلامة الحلي في الباب الحادي عشر ونصير الدين الطوسي وغيرهم هذا عدا عن مناظرات زعيم المذهب وإمام الفقهاء الإمام الصادق عليه السلام مع الملاحدة ومنكري النبوات والمعاد في عصره كعبد الملك الزنديق وابن أبي العوجاء الملحد إلا أنهم استهانوا بهذه النظرية ولم يوفوها حقها من البحث رغم أن الاستشكالات والحجج التي كان يطرحها الملاحدة لإنكارهم البعث والنبوات والأديان وإنكارهم حتى الله عز شأنه ماعادت تطرح من قبل ملحدي هذا العصر وإن كان بعضها مازال يلفى الاهتمام إلا أنهم يرتكزون على استشكالات جديدة كمثل نظرية التطور.
2. يستند المنكرون للنظرية على عدة نقاط أهمها أن النصوص الدينية لا تذكر شيئا عن التطور وإنما تتحدث عن الخلق كما في قصة آدم عليه السلام وأنه خلق من طين كقوله تعالى (إني خالق بشرا من طين) وقوله (من حمأ مسنون) وقوله (من طين لازب) ولكن المساندين للنظرية يرفضون هذه النصوص بحجة أنها نصوص دينية والبحث علمي فلايمكن الاعتماد على نصوص دينية قابلة للتأويل قبالة الأبحاث العلمية المستندة على السجل الأحفوري وعناصر البحث العلمي الحديث فكيف نناقشهم إذن؟ بالإضافة إلى أن البشرية حسب النصوص الدينية كما يقول الشيخ علي الكوراني لا ترقى لأكثر من خمسين ألف أو سبعين ألف سنة على الأكثر بينما يرجعها التطوريون حسب ماتوصلوا إليه لملايين السنين فبعض الهياكل المكتشفة وبجانبها أدوات للصيد والسهام تتعدى ثلاثة الملايين سنة فكيف نحل هذا الإشكال؟ ومن أنكر النظرية أيضا من علماء الإسلام وهم الأغلب قال بأن النصوص الدينية صريحة في الخلق المباشر كما في الآيات السابقة وغيرها من النصوص الواردة عن أهل البيت وأن القول بأن الإنسان تطور عن قرد فيه إهانة للإنسان عامة وللرسل والأنبياء والأئمة خاصة بينما يقول تعالى (ولقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم). ولكن من تقبل النظرية من المسلمين يحاول أن يأول هذه الآيات والنصوص بطريقة لا تتصادم مع القول بنظرية التطور كما يفهم من الشيخ حسين الجسر في كتابه الإيمان وكما يفهم من الشيخ علي حب الله في كتابه الإسلام وتطور الأحياء. ويذكر الشيخ حسين الجسر في كتابه المزبور بأن عددا من علماء الإسلام السابقين قد يفهم من كلامهم القول بالتطور كما قد يفهم من كلام ابن مسكويه وهو مؤرخ ومفكر شيعي ويذكر كذلك الشيخ علي حب الله بأن بعض الفلاسفة كالملا صدر الدين الشيرازي المعروف بالملا صدرا قد يفهم من كلامه القول بذلك. وفي معرض سرده للحجج التي يمكن الرد بها على من أنكر التطور يقول الشيخ علي حب الله بأن القول بأن الإنسان قد خلق من طين لايعني بأنه لم يمر بمراحل أخرى حتى أصبح بشرا فكونه تطور عن قرد والقرد تطور عن مخلوق آخر وهكذا حتى نصل للخلية الواحدة كما يزعم بعض أنصار التطور هو شبيه بخلق الإنسان من نطفة واحدة والتي تستقر في الرحم ثم تنقسم مكونة عدة خلايا وهكذا حتى يتكون البشر في بدايته وهو شبيه بيرسوع الضفدعة ثم يستمر في التكون حتى يكون إنسانا كاملا مع أن الله قد ذكر بأن خلق الإنسان من طين إلا أن ذلك لايعني تكونه من الطين مباشرة ثم أن النطفة والبويضة تتكونان من الغذاء أيضا والغذاء جاء من مكونات لأشياء أخرى بالإضافة إلى أن القول بأن الإنسان قد تطور عن قرد لا يعني إهانة المعصومين فمعلوم أن الإنسان تكون في أصله من نطفة قذرة كما يقول أمير المؤمنين والنطفة نجسة ومع ذلك لم يقل بأن ذلك إهانة كما أن التراب والطين والحمأ المسنون تدل على أن أصل الإنسان شيء حقير ويذكره الله بهذه الأوصاف حتى يعرف قدره ولا يتجبر أو يتكبر ولم يقل أحد بأن الحمأ السنون إهانة.
3. تذكر النصوص الدينية بأن الله قد أغرق الأرض بمن عليها ماعدا نوح عليه السلام ومن آمن معه وأن نوحا قد أخذ في سفينته من كل صنف زوجين من المخلوقات ولكن يستشكل الملحدون والزنادقة وأصحاب نظرية التطور على هذا الكلام بعدة إشكالات منها: ما مقدار حجم السفينة التي تستوعب هذا الكم الهائل من المخلوقات من أنعام ووحش وطير ونبات وأسمك وحشرات؟ ثم هل أخذ النبي معه في سفينته الديناصورات ذات الحجم الهائل والتي يتعدى بعضها حجم عمارة من عدة طوابق؟ هذا عدا عن أن أوصاف السفينة الواردة في النصوص لايمكن بحال أن تكون من الضخامة بحيث تستوعب كافة المخلوقات كما أن الآثار المتبقية والتي يزعم البعض أنها لسفينة نوح كما في روسيا وتركيا لا يمكن أن تستوعب هذا الكم الهائل. ولو قلنا بأن المخلوقات التي أخذها النبي معه كانت محدودة في عدد معين بحيث لا تشمل بقية المخلوقات من نبات وحيوان فمن أين جاءت بقية المخلوقات حينئذ؟ فلابد من أنها تطورت عن المخلوقات التي قبلها. ثم لوقلنا مثلا بأن نبي الله قد أخذ معه في سفينته زوجا من البقر وزوجا من الماعز وزوجا من الغنم وزوجا من الخيول وزوجا من الحمام وهكذا فمن أين جاءت بقية الأصناف؟ فالبقر مثلا له عدة أصناف وكل صنف له صفات تميزه عن الآخر فالبقر الأوروبي يمتاز مثلا بضخامة الجثة بينما البقر الآسيوي أصغر منه حجما وكذا الأغنام والماعز والخيول والحمام وغيرها من الحيوانات والتي ينقسم كل نوع منها لعدة أصناف متفاوتة في الشكل والحجم واللون فكأننا بقولنا هذا نؤيد نظرية التطور.
4. يزعم التطوريون بأن مايسري على الحيوانات يسري على الإنسان فنحن نعلم يقينا بأن البشر جميعا قد نتجوا عن زوجين اثنين وهما أبونا آدم عليه السلام وأمنا وحواء ولابد من أن شكلهما كان واحدا بميزات واحدة وأن لغتهما واحدة ولا نعلم ماهي ثم تنوع البشر لعدة أعراق وأجناس وشعوب ويتكلمون عدة لغات بعدة لهجات ولكنات ولهم عادات مختلفة فهناك العرق الأسود مثلا والعرق المغولي والعرق القوقازي وفي كل عرق هناك عدة قوميات وشعوب. فالياباني مثلا والإندونيسي والهندي الأحمر هما من العرق المغولي ولهم جميعا صفات عامة متشابهة كحدة العيون ونعومة الشعر ولكن لكل منهم صفات تميزه عن الشعب الآخر فقامة الياباني أكثر طولا من قامة الإندونيسي وبشرته أكثر بياضا بينما بشرة الهندي الأحمر تشوبها حمرة ولذلك سماهم المكتشفون الإسبان ككولومبوس وغيره بالهنود الحمر عندما ظن أنه قد وصل إلى الهند بعد رحلته نحو الغرب عندما أقلع من أسبانيا. وكذا اللغات السامية من العربية والعبرية والبابلية والآشورية كلها تنحدر من مجموعة لغوية واحدة تسمى اللغات السامية ولها سمات لغوية متشابهة تدل على أصلها الواحد مثل الكتابة من اليمين إلى الشمال وتشابه تصريف الأفعال واكثير من الكلمات والجذور اللغوية فكلمة شمس بالعربية تقابلها شمش بالبابلية وهكذا. فكيف تنوع البشر من نوع واحد لأنواع مختلفة ولغات مختلفة وعادات مختلفة وكيف أصبح البشر شعوبا وأقواما متغايرة فإن ذلك لابد أنه ناتج عن التطور وبما أننا موحدون فلابد من القول بأن ذلك التطور تم بإرادة الله طبعا وبقدرته بينما يقول التطوريون بأن الحاجة والظروف البيئية والمناخية هي التي أدت إلى التطور فالأسود أصبح أسودا لأنه عاش في بيئة حارة والفأر طار وتحول إلى خفاش بسبب حاجته للطيران وهكذا. فهل يمكن القبول بنظرية التطور والنشوء والارتقاء تحت غطاء إسلامي؟
شكري الجزيل لكم سماحة الشيخ لرحابة صدركم وآسف لطول السؤال ولكن هذا البحث معقد وله عدة جوانب لم يلق عليها الضوء بعد من قبل العلماء المسلمين
السلام عليكم سماحة الشيخ ورحمة الله وبركاته
شكرا لتجاوبكم السريع معي ونفعنا الله بعلمكم وجعلكم الله ممن يهتدى بهم لواضح طريقه ورزقني الله الاطمئنان واليقين على يديكم. ورضوخا عند طلبكم بل أمركم فنبدأ بعون الله الحلقة الأولى من البحث ببركة سيدنا ومولانا صاحب العصر والزمان ومن به وبولايته تقبل الأعمال.
سؤالي الأول يتعلق بنظرية الخلق أو مايسمى بالنشوء والارتقاء وسفينة نوح عليه السلام وسأطرحه على شكل نقاط حتى يسهل البحث:
1. يستند التطوريون في نظريتهم إلى السجل الإحاثي منذ ملايين السنيين حيث اكتشفوا كائنات شبيهة بالبشر ولكنها أقصر قامة وتختلف بعض الاختلاف عن البشر الحاليين ويدعون أنها هي الحلقة الوسطى بين القردة والبشر في تفصيل ليس هذا محله ولهؤلاء عدة نماذج يعتمدون عليها كإنسان جاوة وإنسان نبراسكا وبلتداون والأوتابينغا وإنسان رودولف ومن الاكتشافات الأخيرة الهيكل الذي عثر عليه في شرق أفريقيا وهو لسيدة أطلق عليه اسم لوسي ويروج الإعلام لهذه النظرية كثيرا حتى الإعلام العربي مع شدي الأسف وآخرها كان عرض العربية تقريرا عن عائلة تركية في جنوب تركيا خمسة من أفرادها يمشون على أربع كالدواب واستغل التطوريون هذا الخلل ليروجوا لادعاءاتهم بأن ذلك دليل على التطور وأن الإنسان في مرحلة من المراحل كان يستخدم أطرافه الأربعة للمشي قبل أن تنتصب قامته ويقف على رجليه ويستخدم يديه في الأكل والقتال وغيرها وأن هذه العائلة تمثل حلة انتكاسة في مسيرة التطور وأن الإنسان قد ينتكس ويرجع إلى أصول سابقة بدل أن يتطور. وقد تبنى النظرية بعض علماء الإسلام أو على الأقل لم يبدو أية معارضة في تقبلها في إطار إسلامي طبعا وبد الإيمان بأن التطور إن وقع قهو بإرادة الله كمثل المرحوم الشيخ نديم الجسر مفتي طرابلس سابقا وذلك في كتابه الرسالة الحميدية في أواخر العهد العثماني في بدايات القرن الميلادي الماضي ولعل الشيخ محمد عبده ممن تفهم النظرية أيضا ومن المفكرين الحاليين الدكتور المصري عبد الصبور شاهين والدكتور مصطفى محمود كما في كتابه القرآن محاولة لفهم عصري ومن علماء الشيعة الشيخ علي حب الله في كتابه الإسلام وتطور الأحياء والذي لم يمانع في تقبلها وإن كان لم يجزم في نهاية كتابه بصحة النظرية أو عدمها ولم أر من علماء الإسلام من اهتم بهذا الموضوع الاهتمام الكافي وأعطاه حقه إلا كاتب تركي يدعى هارون يحيى وله عدة مؤلفات في هذا الجانب كما له عدة أفلام وثائقية وبعدة لغات أوروبية بالإضافة للغات الإسلامية كالتركية والفارسية والإندونيسية والعربية طبعا وللكاتب المذكور موقع على الإنترنت من خلاله يمكن تنزيل الكتب والمواد الأخرى وموقعه هو http://www.harunyahya.com ويعد كتابه خديعة التطور أهم كتاب تناول فيه هذا الموضوع بإسهاب وبين فيه أساليب التطوريين في تبرير خدعهم وكيف أنهم استخدوا الكذب والتلفيق في دعم نظريتهم ولكن التطوريين مازالوا يجمعون المواد الأحفورية في سبيل دعم نظريتهم وكل يوم يعلن عن اكتشاف جديد في هذا المضمار وفي عدة دول ولعل كاتبا واحدا كهارون يحيى ليس باستطاعته أن يواجه تيارا بكامله له العديد من المعاهد التي تدعمه وتتبنى فكره في أمريكا وأوروبا وفي كثير من البلدان. وفي حين تصدى علماء الإسلام سابقا لمواجهة الفكر الإلحادي وبصورة كثيفة عن طريق الفلسفة تارة وعن طريق الكلام والعرفان تارة أخرى كما فعل ابن الخياط المعتزلي حين رد على الملحد ابن الراوندي الذي هاجم الإسلام وشكك في النبوة ووجود الله وكما فعل أبو حاتم الرازي حين رد على الطبيب الملحد أبي بكر الرازي في كتابه "معجزة النبوات" وكذا بقية الفلاسفة والمتكلمين كابن سينا والعلامة الحلي في الباب الحادي عشر ونصير الدين الطوسي وغيرهم هذا عدا عن مناظرات زعيم المذهب وإمام الفقهاء الإمام الصادق عليه السلام مع الملاحدة ومنكري النبوات والمعاد في عصره كعبد الملك الزنديق وابن أبي العوجاء الملحد إلا أنهم استهانوا بهذه النظرية ولم يوفوها حقها من البحث رغم أن الاستشكالات والحجج التي كان يطرحها الملاحدة لإنكارهم البعث والنبوات والأديان وإنكارهم حتى الله عز شأنه ماعادت تطرح من قبل ملحدي هذا العصر وإن كان بعضها مازال يلفى الاهتمام إلا أنهم يرتكزون على استشكالات جديدة كمثل نظرية التطور.
2. يستند المنكرون للنظرية على عدة نقاط أهمها أن النصوص الدينية لا تذكر شيئا عن التطور وإنما تتحدث عن الخلق كما في قصة آدم عليه السلام وأنه خلق من طين كقوله تعالى (إني خالق بشرا من طين) وقوله (من حمأ مسنون) وقوله (من طين لازب) ولكن المساندين للنظرية يرفضون هذه النصوص بحجة أنها نصوص دينية والبحث علمي فلايمكن الاعتماد على نصوص دينية قابلة للتأويل قبالة الأبحاث العلمية المستندة على السجل الأحفوري وعناصر البحث العلمي الحديث فكيف نناقشهم إذن؟ بالإضافة إلى أن البشرية حسب النصوص الدينية كما يقول الشيخ علي الكوراني لا ترقى لأكثر من خمسين ألف أو سبعين ألف سنة على الأكثر بينما يرجعها التطوريون حسب ماتوصلوا إليه لملايين السنين فبعض الهياكل المكتشفة وبجانبها أدوات للصيد والسهام تتعدى ثلاثة الملايين سنة فكيف نحل هذا الإشكال؟ ومن أنكر النظرية أيضا من علماء الإسلام وهم الأغلب قال بأن النصوص الدينية صريحة في الخلق المباشر كما في الآيات السابقة وغيرها من النصوص الواردة عن أهل البيت وأن القول بأن الإنسان تطور عن قرد فيه إهانة للإنسان عامة وللرسل والأنبياء والأئمة خاصة بينما يقول تعالى (ولقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم). ولكن من تقبل النظرية من المسلمين يحاول أن يأول هذه الآيات والنصوص بطريقة لا تتصادم مع القول بنظرية التطور كما يفهم من الشيخ حسين الجسر في كتابه الإيمان وكما يفهم من الشيخ علي حب الله في كتابه الإسلام وتطور الأحياء. ويذكر الشيخ حسين الجسر في كتابه المزبور بأن عددا من علماء الإسلام السابقين قد يفهم من كلامهم القول بالتطور كما قد يفهم من كلام ابن مسكويه وهو مؤرخ ومفكر شيعي ويذكر كذلك الشيخ علي حب الله بأن بعض الفلاسفة كالملا صدر الدين الشيرازي المعروف بالملا صدرا قد يفهم من كلامه القول بذلك. وفي معرض سرده للحجج التي يمكن الرد بها على من أنكر التطور يقول الشيخ علي حب الله بأن القول بأن الإنسان قد خلق من طين لايعني بأنه لم يمر بمراحل أخرى حتى أصبح بشرا فكونه تطور عن قرد والقرد تطور عن مخلوق آخر وهكذا حتى نصل للخلية الواحدة كما يزعم بعض أنصار التطور هو شبيه بخلق الإنسان من نطفة واحدة والتي تستقر في الرحم ثم تنقسم مكونة عدة خلايا وهكذا حتى يتكون البشر في بدايته وهو شبيه بيرسوع الضفدعة ثم يستمر في التكون حتى يكون إنسانا كاملا مع أن الله قد ذكر بأن خلق الإنسان من طين إلا أن ذلك لايعني تكونه من الطين مباشرة ثم أن النطفة والبويضة تتكونان من الغذاء أيضا والغذاء جاء من مكونات لأشياء أخرى بالإضافة إلى أن القول بأن الإنسان قد تطور عن قرد لا يعني إهانة المعصومين فمعلوم أن الإنسان تكون في أصله من نطفة قذرة كما يقول أمير المؤمنين والنطفة نجسة ومع ذلك لم يقل بأن ذلك إهانة كما أن التراب والطين والحمأ المسنون تدل على أن أصل الإنسان شيء حقير ويذكره الله بهذه الأوصاف حتى يعرف قدره ولا يتجبر أو يتكبر ولم يقل أحد بأن الحمأ السنون إهانة.
3. تذكر النصوص الدينية بأن الله قد أغرق الأرض بمن عليها ماعدا نوح عليه السلام ومن آمن معه وأن نوحا قد أخذ في سفينته من كل صنف زوجين من المخلوقات ولكن يستشكل الملحدون والزنادقة وأصحاب نظرية التطور على هذا الكلام بعدة إشكالات منها: ما مقدار حجم السفينة التي تستوعب هذا الكم الهائل من المخلوقات من أنعام ووحش وطير ونبات وأسمك وحشرات؟ ثم هل أخذ النبي معه في سفينته الديناصورات ذات الحجم الهائل والتي يتعدى بعضها حجم عمارة من عدة طوابق؟ هذا عدا عن أن أوصاف السفينة الواردة في النصوص لايمكن بحال أن تكون من الضخامة بحيث تستوعب كافة المخلوقات كما أن الآثار المتبقية والتي يزعم البعض أنها لسفينة نوح كما في روسيا وتركيا لا يمكن أن تستوعب هذا الكم الهائل. ولو قلنا بأن المخلوقات التي أخذها النبي معه كانت محدودة في عدد معين بحيث لا تشمل بقية المخلوقات من نبات وحيوان فمن أين جاءت بقية المخلوقات حينئذ؟ فلابد من أنها تطورت عن المخلوقات التي قبلها. ثم لوقلنا مثلا بأن نبي الله قد أخذ معه في سفينته زوجا من البقر وزوجا من الماعز وزوجا من الغنم وزوجا من الخيول وزوجا من الحمام وهكذا فمن أين جاءت بقية الأصناف؟ فالبقر مثلا له عدة أصناف وكل صنف له صفات تميزه عن الآخر فالبقر الأوروبي يمتاز مثلا بضخامة الجثة بينما البقر الآسيوي أصغر منه حجما وكذا الأغنام والماعز والخيول والحمام وغيرها من الحيوانات والتي ينقسم كل نوع منها لعدة أصناف متفاوتة في الشكل والحجم واللون فكأننا بقولنا هذا نؤيد نظرية التطور.
4. يزعم التطوريون بأن مايسري على الحيوانات يسري على الإنسان فنحن نعلم يقينا بأن البشر جميعا قد نتجوا عن زوجين اثنين وهما أبونا آدم عليه السلام وأمنا وحواء ولابد من أن شكلهما كان واحدا بميزات واحدة وأن لغتهما واحدة ولا نعلم ماهي ثم تنوع البشر لعدة أعراق وأجناس وشعوب ويتكلمون عدة لغات بعدة لهجات ولكنات ولهم عادات مختلفة فهناك العرق الأسود مثلا والعرق المغولي والعرق القوقازي وفي كل عرق هناك عدة قوميات وشعوب. فالياباني مثلا والإندونيسي والهندي الأحمر هما من العرق المغولي ولهم جميعا صفات عامة متشابهة كحدة العيون ونعومة الشعر ولكن لكل منهم صفات تميزه عن الشعب الآخر فقامة الياباني أكثر طولا من قامة الإندونيسي وبشرته أكثر بياضا بينما بشرة الهندي الأحمر تشوبها حمرة ولذلك سماهم المكتشفون الإسبان ككولومبوس وغيره بالهنود الحمر عندما ظن أنه قد وصل إلى الهند بعد رحلته نحو الغرب عندما أقلع من أسبانيا. وكذا اللغات السامية من العربية والعبرية والبابلية والآشورية كلها تنحدر من مجموعة لغوية واحدة تسمى اللغات السامية ولها سمات لغوية متشابهة تدل على أصلها الواحد مثل الكتابة من اليمين إلى الشمال وتشابه تصريف الأفعال واكثير من الكلمات والجذور اللغوية فكلمة شمس بالعربية تقابلها شمش بالبابلية وهكذا. فكيف تنوع البشر من نوع واحد لأنواع مختلفة ولغات مختلفة وعادات مختلفة وكيف أصبح البشر شعوبا وأقواما متغايرة فإن ذلك لابد أنه ناتج عن التطور وبما أننا موحدون فلابد من القول بأن ذلك التطور تم بإرادة الله طبعا وبقدرته بينما يقول التطوريون بأن الحاجة والظروف البيئية والمناخية هي التي أدت إلى التطور فالأسود أصبح أسودا لأنه عاش في بيئة حارة والفأر طار وتحول إلى خفاش بسبب حاجته للطيران وهكذا. فهل يمكن القبول بنظرية التطور والنشوء والارتقاء تحت غطاء إسلامي؟
شكري الجزيل لكم سماحة الشيخ لرحابة صدركم وآسف لطول السؤال ولكن هذا البحث معقد وله عدة جوانب لم يلق عليها الضوء بعد من قبل العلماء المسلمين