PDA

View Full Version : حديث من رآنا ...


أبو حسن
07-02-2004, 06:58 AM
سمعت من بعض خطيب حسيني أن حديث " من رآنا فقد رآنا فإن الشيطان لا يتمثل بنا " أنه غير وارد من جهتنا نحن الشيعة وانما هوه وارد من أهل السنة وأصله قوله " ص" ( من رىني فقد رآني .. ) فهل هذا الكلام صحيح ؟

رد المدرسة
07-02-2004, 11:58 PM
بسمه تعالى
قد أوردنا الجواب على ذلك في كتابنا بلغة الشيعة الكرام في تعبير رؤيا المنام
هذا نصه :
إضطربت كلمات علمائنا الأعلام في إثبات صحة رؤية النبي (ص) أو أحد المعصومين عليهم السّلام في الرّؤيا على جهة الحقيقة فمنهم من منع من ذلك ومنهم من أجاز على بعض قيود ذكرها في المقام وثمرة هذا الخلاف ترتب التكاليف الشّرعية عن طريق النّوم ولزوم الإمتثال بالأوامر الصادرة عنهم عليهم السّلام لما هو المعلوم بالضرورة من أنّ قولهم عليهم السّلام وتقريرهم وفعلهم حجة كاشفة عن الحكم الشّرعي المأمور به من قبل الشّارع المقدس.
وأمّا تفصيل من فرّق في البين بأنّ الحجة ما ورد عنهم ( ع ) انّما هو ما كان مدركاً عن طريق العقل الظاهري واما ما كان كذلك عن طريق العقل الباطني فهو سراب بقيعة يحسبه الظمان ماءً فليس مما يشهد به برهان فضلاً عن مخالفة للوجدان ولخفاء حقيقة الحال في خضم هذا المرام على كثير من أولى الأفهام إقتضى المقام تسريح النّظر وإجالة الفكر وإطلاق عنان البيان لجلاء الحقيقة لجملة الأعيان.
ولذا فنحن نذكر ههنا ما توفر لدينا من تحقيق الحال في رؤيته صلّى الله عليه وآله وإثبات دليل هذه الدّعوى ومستندها ونعقب ذلك بذكر الأقوال في المسألة في المقام الثاني بتحقيق رشيق وتنميق أنيق . فنقول : إنّ عمدة ما يستدل به في البين الخبر النّبوي الذّي رواه رئيس المحدثين الشّيخ الصّدوق عطّر الله مرقده في كتاب عيون أخبار الرّضا عليه السّلام وفي كتاب المجالس بسنده عن الحر إبن فضّال عن الرّضا عليه السّلام إنّه قال: لقد حدثني أبي عن جدي عن أبيه عليهما السلام أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال من رآني في منامه فقد رآني لأنّ الشّيطان لا يتمثل في صورتي ولا في صورة أحد من أوصيائي ولا في صورة أحد من شيعتهم الخبر.
وقد وصفه علم الهدى السّيد المرتضى قدّس سرّه بأنّه من أضعف أخبار الآحاد وكذا شيخنا المفيد رضوان الله تعالى عليه كما سيأتي نقل كلامه في ذلك وهذا الكلام خلاف المشهور حيث عقدوا الفصول لشرحها وابرام النقض في شأنها ونقض الابرام في مصنفات جلّ من ذكرها أو أشار إليها وذلك مما يؤذن بظهور القرائن المسوّغة لديهم للأخذ بها والإعتماد عليها كما سيشهد لك بذلك ما ننقله من اشارة كلماتهم رضوان الله عليهم فيما سيأتي عما قريب.
قال المحدث النوري بعد نقله لكلام المرتضى من منع العمل بخبر الواحد: لا معول على مثل ذلك فإنّه كسائر مقالاته في أمثال المقام مما منا ينبغي الإصغاء إليه إنتهى.
لكن ظاهر المحقق الحدائقي في حدائقة المنع من نسبة هذا القول إليه قدّس سرّه وما حكاه المانعون للعمل بالخبر الواحد من انه مرتضى المرتضى سهو وغفلة أو جبهما عدم الفهم والنظر الدقيق بعين التحقق لعبارته في الذّريعة.
ومما يناسب ذكره في هذا المقام ما حكاه الكراجكي ( ره ) في كنز الفوائد ما عن شيخنا المفيد رضوان الله تعالى عليه إنّه قال: أمّا رؤية الإنسان للنبي ( ص ) أو لأحد الأئمة عليهم السلام في المنام فإنّ ذلك عندي على ثلاثة أقسام قسم أقطع على صحته وهو كل منام رأى فيه النبي أو أحد الأئمة وهو فاعل لطاعة أو آمرُُ بها أو ناهٍ عن معصية أو مبيّنُُ لقبحها وقائلُُ بالحقّ أو داعٍ إليه وزاجرُُ عن باطل أو ذامُُّ لمن هو عليه.
وأمّا الّذي أقطع على بطلانه فهو كل ما كان بضدّ ذلك لعلمنا أنّ النبيّ والإمام صاحبا حق وصاحب الحق بعيد عن الباطل.
وأمّا الّذي يجوز فيه الصّحة والبطلان فهو المنام الذي يرى فيه النبي والإمام وليس هو آمراً ولا ناهياً ولا على حال يختص بالدّيانات مثل ان يراه راكباً أو ماشياً أو جالساً أو نحو ذلك.
ثم قال فأمّا الخبر الذي روي عن النبي ( ص ) من قوله من رآني فقد رآني فإنّ الشّيطان لا يتشبه بي فإنّه إذا كان المراد به بالمنام يحمل على التخصيص دون أن يكون في كل حال ويكون المراد به القسم الأوّل من الثلاثة الأقسام لأنّ الشّيطان لا يتشبه بالنّبي ( ص ) في شيء من الحق والطّاعات وأمّا ما روي عنه ( ص ) من قوله ( ص ) مَنْ رآني نائماً
فكانما رآني يقظاناً فإنّه يحتمل وجهين:
( أحدهما ) أن يكون المراد به رؤية المنام ويكون خاصاً كالخبر الأوّل على القسم الّذي قدمناه.
( والثّاني ) أن يكون المراد به اليقظة دون المنام ويكون قوله صلّى الله عليه وآله نائماً حالاً للنّبي وليست حالا لمن (راه) فكانما قال:من راني وانا نائم فكانما راني وأنا منتبه والفائدة في هذا المقال إن يعلمهم بأنّه يدرك في الحالين إدراكاً واحداً فيمنعهم ذلك إذا حضروا عنده وهو نائم أن يلفظوا فيما لا يحسن ان يذكر بحضرته وهو منتبه وقد روي عنه ( ص ) إنّه غفى ثم قام يصلي من غير تجديد وضوء فسئل عن ذلك فقال إنّي لست كأحدكم تنام عيناي ولا ينام قلبي وجميع هذه الرّوايات آخبار آحاد فإن سلمت فعلى هذا المنهاج.
ثم قال وقد كان شيخي يقول إذا جاز من بشر أن يدعي في اليقظة انه اله كفرعون ومن جرى مجراه مع قلة حيلة البشر وزوال اللبس في اليقظة فما المانع من أن يدّعي إبليس عند النّائم بوسوسة له انّه نبي مع تمكن إبليس مما لا يتمكن منه البشر وكثرة اللبس المعترض في المنام ومما يوضح لك أنّ من المنامات التي يتخيل للإنسان أنّه قد رأى فيها رسول الله صلّى الله عليه وآله والأئمة ما هو حق وما هو باطل إنّك ترى الشّيعي يقول رأيت في المنام رسول الله ( ص ) ومعه أمير المؤمنين عليه السّلام وهو يأمرني بالإقتداء به دون غيره ويعلمني أنّه خليفته من بعده وأنّ أبا بكر وعمر وعثمان هم ظالموه وأعداؤه ينهاني عن موالاتهم ويأمرني بالبراءة ونحو ذلك مما يختص بمذهب الشّيعة ثم ترى النّاصبي يقول رأيت رسول الله ( ص ) في النّوم ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وهو يأمرني بمحبتهم وينهاني عن بغضهم ويعلمني أنّهم أصحابه في الدّنيا والآخرة وأنّهم معه في الجنّة ونحو ذلك مما يختص بمذهب النّاصبية فنعلم لا محالة إنّ أحد المنامين حق والآخر باطل فأولى الأشياء منها أن يكون الحق منهما ما ثبت بالدليل في اليقظة على صحة ما تضمنه والباطل ما أوضحت الحجة عن فساده وبطلانه وليس يمكن للشيعي أن يقول للنّاصبيّ أنّك تكذب في قولك إنّك رأيت رسول الله ( ص ) لأنّه يقدر أن يقول له مثل هذا بعينه وقد شاهدنا ناصبياً تشيع وأخبرنا في حال تشيّعه انّه يرى منا مات بالضد مما كان يراه في حال نصبه فبان بذلك أنّ أحد المنامين باطل وأنّه من حديث النّفس أو من وسوسة إبليس ونحو ذلك وأنّ المنام الصّحيح هو لطف من الله بعبده على المعنى المتقدم وصفه .
وقولنا في المنام الصّحيح أنّ الانسان رأى في منامه النبي ( ص ) إنّما معناه أنّه كان قد رآه وليس المراد به التّحقيق في إتصال بصره بجسد النّبي ( ص ) وأيّ بصر يدرك به في حال نومه وانّما هي معانٍ تصورت في نفسه يخيل له فيها سرّ لطف الله تعالى وليس هذا بمنافٍ للخبر الّذي روي من قوله ( ص ) من رآني فقد رآني لأنّ معناه فكأنّما رآني إنتهى كلامه.
وقال السّيد المرتضى علم الهدى على ما نقله العلامة المجلسي رحمهما الله فإن قيل ما تأويل ما روي عنه ( ص ) من قوله من رآني فقد رآني فإنّ الشّيطان لا يتمثل بي وقد علمنا أنّ المحق والمبطل والمؤمن والكافر قد يرون النبي ( ص ) في حال النّوم ويخبر كلّ واحد منهم عنه ( ص ) بضد ما يخبر الآخر فكيف يكون رآئياً له في الحقيقة مع هذا قلنا هذا خبر واحد ضعيف من أضعف أخبار الآحاد ولا يعول على مثل ذلك إنتهى كلامه.
المقام الثاني
في تحقيق الحال في حجية قول المعصوم عليه السلام الوارد عن طريق عالم الرؤيا:
إعلم إنّه قد بيّنا لك فيما سبق في بيان ماهيّة الرّؤيا حسبما دلت عليه الأخبار المعصومية وعليه فإنّ الظّاهر من تلك الأخبار أنّ من رأى أحداً في المنام وعرف فيه أنّه النّبي ( ص ) أو أحد الأئمة عليهم السّلام بما يخلقه الله تعالى في قلبه حينئذٍ أو يعرفه له غيره أو بما يظهر له منه من الخوارق فيه فقد رآه حقيقة والمرئي روحه المقدّسة الشّريفة ويكون كما لورآه حقيقة في اليقظة فكل ما يظهر منه من الحركات والأقوال والأوامر والنّواهي فيه مثل ما يبرز منه فيها أي اليقظة لعصمة وطهارته وتنزهه عن الجهل حياً وميتاً.
ولما كان ذلك يؤدي إلى الإلتزام بما يقوله ( ص) والقول بحجية ما يأمر به وينهى عنه بل تقدمه على كثير من الأدلّة ولا أقل من وجوب العمل به في مقام لا يعارضه دليل آخر وقع إضطراب لعلمائنا قدّس الله أرواحهم في توجيه ما ورد في ذلك كما أشرنا إليك في المقام الأوّل وكيف كان فالمقام يحتاج إلى بسط الكلام بنقل أقوال الأعلام وتحقيق المرام والله المستعان وأسأل الله عزّ وجلّ التّسديد بالإلهام وهو حسبي ونعم الوكيل:
قال السّيد نعمة الله الجزائري ( قده ) بعد أن أورد قوله ( ص ) من رآني فقد رآني فإنّ الشّيطان لا يتخيل بي . . الخ في كتابه الأنوار النعمانية:
إنّ هذا الخبر مروي عن الأئمة عليهم السّلام في شأن المنامات والأحلام وهو صريح في أنّ المراد أنّه من رآني في المنام فقد رآني لأن الشّيطان لا يتمثل بصورتي ولا بصورة أحد من أهل بيتي.
وأمّا قوله ( ص ) إنّ المؤمن والكافر يشاهده فالجواب عنه أنّ الظاهر أنّه خطاب للمؤمنين لأنّهم المنتفعون برؤيته وإنْ رآه واحد من الكفّار للإرتداع عن مذهبه الباطل فهو أيضاً مؤمن في القديم زاغ عن الحق أيّاماً أمّا بآبائه وأمهاته أو بالشّبهات ثم رجع إليه وأمّا أنّ المؤمنين يرونه بالصّور المختلفة فهو حق وذلك لأنّ النّبي ( ص ) ، والأئمة عليهم السّلام قد كانو يظهرون للناس في عالم اليقظة على صفات مختلفة وصور متضادّة على قدر ما تحتمله عقولهم وأوهامهم كما تقدّم سابقاً وأمّا انّهم يفتون النّاس بالأحكام المتضادّة فقد كان هذا في عالم اليقظة أيضا خصوصاً مولانا الصّادق عليه السّلام فإنّه كان يفتي شيعته بالفتاوي المتضادّة ويخالف بينهم لمصالحهم كما قال عليه السّلام أنا الّذي خالفت بينهم ولولاه لأخذ النّاس برقابهم فالمصلحة التي تكون في اليقظة تكون في النّوم أيضاً وذلك أنّ النّاس مرضى والامام الطّبيب الحاذق فهو يصف لكل داءٍ دواءًا.
ومن ثم ترى الأطياف قد إختلفت في الحشيشة الّتي يسمونها النّاس بالتتن فبعضهم نقل أنّه رأى الإمام عليه السّلام فنهاه عن شربها وإستعمالها وبعضهم نقل أنّه رأى الإمام عليه السّلام وقد أمره بإستعمالها وذلك أن حكمها يختلف بإختلاف الطّبائع والأمزجة فربما وافقت طبيعة واثرت بأخرى كبعض الأدوية والعقاقير فكلا من الطيفين حق.
ثم قال وحيث بلغ بنا الكلام إلى هذا المقام فلا بأس بإرخاء العنان لتحقيق هذا المرام.
فنقول: هذه الحشيشة المذكورة لم يردْ بخصوصها نص من الشّارع مثل غيرها من سائر النّبات فإنّه لم يصل إلينا في كل نبت حديث بخصوصه مع أنّ المنقول تواتراً أنّها لم تكن مستعملةً في قديم الزّمان وانّما حدثت في هذه المائة وهي المائة الحادية عشر والآن جماعة موجودون يقولون إنّنا لم نرها في أوّل أعمارنا وانّما حدث إستعمالها في العشرة بعد الألف إلى هذه الأعصار نعم ربما حفر النّاس الآبار والحفائر وأخرجوا من تحت الأرض الآلات إستعمالها وهذا لا يدل على ان تلك الالآت لهذا بخصوصه إذا ربما كانت آلةً لغيره ومن جهة إختلاف الأطياف والمنامات في تلقي الأحكام من المعصوم عليه السّلام أشكل الأمر في جعل الرّؤيا دليلاً شرعياً يجب العمل به إذ ليس له قاعدةً كلية يجب إطّرادها فيه.
وقد كان بعض المعاصرين يذهب إلى تحريم صلاة الجمعة ويشنع على من يفعلها بل ربما قال بكفره ثم بعده برهة من الزّمان مال إلى وجوبها وفعلها فقيل له في ذلك فقال إنّى رأيت الأمام عليه السّلام بالمنام وأمرني بفعلها فصلاّها مدة ثم تركها ولعله قال إنّ الإمام نهاني عنها في المنام وليس مثل هذا الاّ مفراً إذا أعيت عليه الأحكام.
ثم إذا عرفت هذا فاعلم أنّ جماعة من علماء العصر كالمولى علي نقي وشيخنا الشّيخ فخر الدّين الطّريحي والشّيخ التّقي الشّيخ على بن سليمان البحراني وبعض فضلاء البحرين وربما تابعهم بعض المتفقهين ذهبوا إلى تحريمه ( ) حتى انّ المولى على نقي تغمده الله برحمته صنّف كتاباً كبيراً في تحريمه وقد أطلعني عليه ولده لما كان يقرأ عليّ علم العربية في شيراز وكان مجلداً كبيراً والباقي على التحليل حتى أن التقي المجلسي طاب ثراه كان يشربه في صوم التّطوع ويترك إستعماله في الصّوم الواجب حذراً من كلام العوام ولهم ( ) على التحريم دلائل:
ثم سردها إلى أن قال رابع دلائلها التأويل على الرّؤيا والمنامات بأنّ بعض النّاس قد رأوا أحد المعصومين عليهم السّلام وقد نهى عنه وذمّ شاربيه ثم أتم الدّلائل المحتج بها في المقام وأجاب عن كل واحدٍ منها إلى أن وصل إلى ما خصصناه بالذّكر منها فقال وأمّا الجواب عن الدّليل الرّابع وهو المنامات فقد عرفته سابقاً وانّه يختلف الأشخاص فربّما كان نافعاً لبعض الأبدان ضاراً للبعض الآخر فلا يدخل تحت قاعدةٍ كلية فلا يكون مدركاً للأحكام الشّرعية إنتهى كلامه.
ومثله ما نقله المحدّث النّوري في دار السّلام عن الشّيخ جعفر النّجفي في رسالة المبين الحقّ المبين من أنّه حكى فيها عن بعض العلماء أنّه رأى الإمام عليه السّلام في المنام وقد نهاه عن شرب الغليان وعن آخر انّه رآه عليه السّلام يشربه فيه فلم ينهه.
وحكى السيد شبّر في مصابيحه عن الفاضل الصفدي أّنّه قال : قد تكلم الفقهاء فيمن رأى النبي ( ص ) وأمره بأمر هل يلزم العمل به أم لا ؟ قالوا إنّ أمره بما يوافق أمره يقظةً فلا كلام فيه وإن أمره بما يخالف أمره يقظة فان قلنا ان من رآه على الوجه المنقول في صفته فرؤياه حق فهذا من قبيل تعارض الدليلين والعمل بأرجحهما وما ثبت في اليقظة فهو أرجح فلا يلزمنا العمل بما خالف أمره يقظةً.
ثم قال العلاّمة الحلي ( ره ) يجوز العمل بما يسمع في المنام عن النبي والأئمة إذا لم يكن مخالفاً للإجماع لما روي من أنّ الشّيطان لا يتمثل بصورتهم . ثم قال بعده ومثل هذه المنامات الحسنة تصلح مؤكدة ومرجّحة إنتهى كلامه .
وفي المسائل المهنائية سأل السّيد مهنا بن سنان العلامة الحلي قدّس الله روحه بقوله : ما يقول سيد نا فيمن رأى في منامه رسول الله صلّى الله عليه وآله أو بعض الأئمة وهو يأمره بشيء وينهاه عن شيء ؟ هل يجب عليه إمتثال ما أمره به وإجتناب ما نهاه عنه أم لا يجب ذلك مع ما صحّ عن سيدنا رسول الله صلّى الله عليه وآله إنّه قال من رآني في منامه فقد رآني فإنّ الشّيطان لم يتمثل بي وغير ذلك من الأحاديث ؟ وما قولكم لو كان ما أمر به أو نهى على خلاف ما في أيدي النّاس من ظاهر الشّريعة ؟ هل بين الحالين فرق أم لا ؟ إفتنا في ذلك مبيّناً جعل الله كلّ صعب عليك هيناً.
فأجاب نوّر الله ضريحه بقوله : أمّا ما يخالف الظاهر فلا ينبغي المصير إليه وأمّا ما يوافق الظّاهر فالأولى المتابعة من غير وجوب لأنّ رؤيته عليه السّلام لا تعطي وجوب الإتباع في المنام إنتهى كلامه.
وقال المحقق البحراني الشّيخ يوسف قدّس سرّه في الدّرر النّجفية بعد ما نقل كلام العلامة المتقدم ما نصه : لا يخفى ما في كلام السّائل والمسؤول من التأييد لما قدمناه من كون رؤيته صلّى الله عليه وآله في المقام رؤية حقيقية لا أنّها عبارة عن مجرد حصول الصّورة في الحسّ المشترك الّذي هو عبارة عن مجرد تخيّله وتصوره إذ مجرد التّخيل والتّصور لا يصح أن يترتب عليه حكم شرعي لا وجوباً ولا إستحباباً ثم قال وحاصل جواب العلاّمة رحمه الله إنّه وإن كان قد رآه في المنام إلاّ إنّه لم يقم دليل على وجوب الإتباع في الرّؤية اليومية وهو جيد:
أمّا ( أوّلاً ) فلأن الأدلّة الدّالة على وجوب متابعتهم وأخذ الأحكام منهم عليهم السّلام إنّما تحمل على ما هو المعروف المتكرر دائماً من الأفراد الشائعة التي ينصرف إليها الإطلاق دون النّادرة.
وأمّا ( ثانياً ) فلأنّ الرؤيا وإن كانت صادقة فإنها قد تحتاج إلى تأويل وتفسير وهو لا يعرفه فالحكم بوجوب العمل بها والحال هذه مشكل.
وأمّا ( ثالثاً ) فلأن الأحكام الشّرعيه إنّما بنيت على العلوم الظّاهرة لا على العلم بأيّ وجه إتّفق ألا ترى إنّهم عليهم السّلام إنّما يحكمون في الدّعاوي بالبيّنات والأيمان وربّما عرفوا المحقّ من المبطل واقعاً وربّما عرفوا كفر المنافقين وفسق الفاسقين ونجاسة الأشياء بعلومهم المختصة بهم إلاّ أنّ الظّاهر أنّهم ليسوا مأمورين بالعمل بتلك العلوم في الأحكام الشّرعية بل إنّما يعملون على ظاهر علوم الشّريعة وقد روي عنه صلّى الله عليه وآله إنّه قال إنّا نحكم بالظّاهر والله المتولي للسرائر وروى عنه صلّى الله عليه وآله انّه قال : إنّما أنا بشر وإنّكم تختصمون إليّ ولعلّ بعضكم ألحن بحجته من بعض فأقضي له نحو ما أسمع فمن قضيت له حق أخيه شيئاً فلا يأخذه فإنّما أقطع له قطعةً من نار.
وأما ( رابعاً ) فلما ورد بأسانيد متعددة عن الصّادق عليه السلام في احاديث الاذان ان دين الله تعالى أعزّ من أن يرى في النّوم إنتهى كلامه زيد إفضاله ومال إليه السّيد عبد الله شبر حيث إستحسنه واستقواه في مصابيح الأنوار في حلّ مشكلات الأخبار وهو ظاهر المحدث النوري في دار السّلام أيضاً . أقول : انّ كلامه قدس سره لا يخلو من نظر والكلام لبيانه يقع في وجوه:
( الأوّل ) ينبغي الإلتفات إلى أنّ الخبر المذكور ( من رآني الخ ليس من أخبار الآحاد في شيء بل ورد بمضمونه روايات عديدة منها ما رواه سليم ين قيس الهلالي في كتابه عن عبد الرحمن بن غنم الأزدي في قصة وفاة معاذ بن جبل والطاغوت الأوّل إلى أن قال دعا بالويل والثبور وقال : هذا محمّد وعليّ يبشراني بالنّار بيده الصّحيفة الّتي تعاهدنا عليها في الكعبة وهو يقول لقد وفيت بها فظاهرت عَلِيَّ وليَّ اللهِ وأصحابك فابشر بالنّار في أسفل السّافلين قال سليم فقلت لمحمد بن أبي بكر فمن ترى حدّث أمير المؤمنين عليه السّلام عن هؤلاء الخمسة بما قالوا قال: رسول الله ( ص ) في منامه كلّ ليلة وحديثه إيّاه في المنام مثل حديثه إيّاه في اليقظة فإنّ رسول الله ( ص ) قال : من رآني في المنام فقد رآني فإنّ الشيطان لا يتمثل بي في النّوم ولا يقظة ولا بأحد من أو صيائى إلى يوم القيامة.
قال سليم فقلت لمحمد بن أبي بكر من حدّثك بهذا قال عليُُ عليه السّلام فقلت : سمعت أنا أيضا كما سمعت أنت قلت لمحمد فلعل ملكاً من الملائكة حدثه قال : أو ذاك.
وساق الحديث إلى أن قال سليم فلما قتل محمد إبن أبي بكر بمصر وعزّينا أمير المؤمنين عليه السّلام حدثته بما حدثني به محمّد وخبّرته بما خبّرني به عبد الرّحمن بن غنم قال عليه السّلام صدق محمّداً أما أنّه شهيد يرزق.
( ومنها ) ما فيه أيضاً قال سليم قال أمير المؤمنين عليه السّلام لعبد الله بن الجبت الثّاني ما قال لك أبوك حين دعانا رجلاً رجلاً؟
فقال أمّا أدنى شهادتي فإنّه قال أن بايعوا أصلح بني هاشم حملهم على المحجة البيضاء وأقامهم على كتاب ربّهم وسنّة نبيّهم ؟ ثمّ قال يا إبن عمر فما قلت أنت عند ذلك ؟ قال قلت له : فما يمنعك أن تستخلفه ؟ قال فما ردّ عليك ؟ قال : وردّ علي شيئاً أكتمه قال علي عليه السّلام فإنّ رسول الله ( ص ) قد أخبرني به ليلة مات أبوك في منامي ومن رأى رسول الله صلى الله عليه وآله فقد رآه في اليقظة الخبر.
( ومنها ) ما رواه الشّيخ أبو طالب إبن شيخ الطّائفة في مجالسه بسنده عن أبي بكر عياش في حديث طويل في رؤياه زيارة أبي عبد الله الحسين عليه السّلام إلى أن قال له إنّ أبا حصين حدثني أنّ رسول الله ( ص ) قال : من رآني في المنام فإيّاي رأى فإن الشّيطان لا يتشبه بي .
( ومنها ) ما في جامع الأخبار عن كتاب التّعبير عن بعض الأئمة عليهم السّلام قال عليه السّلام ولقد حدثني أبي عن أبيه أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله قال : من رآني في منامه فقد رآني فإنّ الشّيطان لا يتمثل في صورتي ولا في صورة أحد من أوصيائي ولا في صورة أحد من شيعتهم .
ومما يشهد لك بإستفاضة الأخبار في هذا الباب وإطّلاع كثير من المتقدمين عليها وأنّها كانت متداولةً لديهم ما مرّ في قول السّيد مُهنّا عند سؤاله من العلاّمة الحلي ( قده ) بعد أن أورد خبر من ( رآني فقد رآني الخ ) حيث قال : ( وغير ذلك من الأحاديث ).
( الوجه الثاني ) فيما قد يتوجه إلى كلامه قدس سره من سهام النقض ونقض الإبرام. من ذلك ما ذكره في الوجه الأول من الحمل على ما هو الشّائع المتكرر دائماً إلى آخر كلامه إذ اللازم أن يعلم أنّ الكلام ههنا ليس في تعيين إنحصار متابعتهم وأخذ الأحكام عنهم عليهم السّلام لكي يتوجه ما ذكره ويرجح أحدهما على الآخر بما هو معلوم بالضرورة من الدّين ولكن الكلام في شمول المتابعة وأخذ الأحكام عنهم عليهم السّلام عن طريق النّوم مضافاً إلى ما تواتر نقله بما هو مدرك بالعقل الظّاهري وظاهر مقتضى الجمع عدم المنافاة لما سمعت من الرّوايات ولكن المقام يحتاج إلى توفيق وسيأتي التّنبيه عليه عمّا قريب.
ومن ذلك ما ذكره في الوجه الثّاني من إحتياج الرّؤيا إلى تأويل وتعبير وبطلانه ظاهر لما بيّنّاه من أنّ رؤيتهم عليهم السّلام إنّما هي على الحقيقة وانّها من القسم الّذي لا يحتاج إلى تعبير ولو سلمناه فالنّاس ليسوا سواسيةً في العلم فوجود الجاهل بالتعبير لا يقتضي إتّصاف عموم النّاس بهذه الحالة وكم من مطّلع على أسرار التّعبير وعليه فلابد من إنقسام النّاس إلى عالم وجاهل والّذي يدفعه أنّ الجاهل في قوة العالم متس ما رجع إلى العالم وعبّرها له والذي نرجّحه في المقام زيادةً على ما تقدم من أنّه لا دليل على إحتياج ما يذكرونه عليهم السّلام إلى تعبير كسائر المرئي في الرؤيا للمروي عنه ( ص ) من قوله إنّا معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلم النّاس على قدر عقولهم فَلِمَا لا يُحتمل أن يكون ذلك خاصيةً أخرى مضافةً لما سبق من عدم تمكن الشّيطان من التّمثل بصورهم.
وقد أفرد المحدث النّوري في كتابه دار السّلام الباب الأوّل منه لذكر الأخبار المتواترة في منامات جماعة رأوهم عليهم السّلام فيها معاجر غريبة كقفتل إنسان وفكّ أسير وإعطاء مال وأمثال ذلك مما ظهر أثره في الخارج ولم يقدر عليه غيرهم ( ع ) ومثل ذلك منامات الأئمة عليهم السّلام واستشهادهم بقول جدّهم صلّى الله عليه وآله وسلّم فيها ومنامات نرجس رضي الله عنها وغيرها مما لا يقبل التّأويل أصلاً.
ومن ذلك أيضا ما ذكره في الوجه الثّالث من أنّ الأحكام الشّرعيّة إنّما بنيت على العلوم الظّاهرة لا على العلم بأيّ وجه إتّفق إلخ والدّليل على وهنه أن الرّوايات المتقدمة إنّما هي واردة عن الشّارع المقدس وبحكم التّسليم القول بما أدّت إليه الجملة من الأخبار الواردة عن الأئمة الأطهار عليهم السّلام لا التمّسك بطائفة دون أخرى على غير هدى وأما ما ذكره من الأمثلة في ذلك فهو مصادرة على المطلوب لأن الّذى نحن بصدد الحديث عنه ما يعمّ سائر المكلفين قاطبة لا ما يخصّ الأئمة المعصومين عليهم السّلام وما هم عليه من العلم بالعلوم الواقعية والنّفس أمريّة وغير ذلك مما هو مختصّ بهم لا غير ولا علاقة له فيما نحن فيه بوجه من الوجوه كما لا يخفى .
ومن ذلك ما ذكره في الوجه الرّابع من أن دين الله أعزّ من أن يرى في النّوم حسبما صرّح به الحديث وجوابه أن ما دلّ عليه هذا الخبر الّذي رواه ثقة الاسلام الكليني في كافيه بسنده عن إبن أذينة عن الصّادق عليه السّلام قال قال ما تروى هذه النّاصبة فقلت جعلت فداك في ماذا ؟ فقال في أذانهم وركوعهم وسجودهم فقلت إنّهم يقولون أنّ أبي بنَ كعب رآه – أي النّبي ( ص ) – في النّوم فقال كذبوا فإنّ دين الله أعزّ من أن يرى في النّوم الحديث . لا ينافي الأخبار المتقدمة لِمَا هو المستفاد من المناسبة الّتي قيل فيها إذ يمكن توجيه معناه بما حاصله أن دين الله أعزّ من أن يرى في النّوم مع وجود الإمام المعصوم وظهوره الموكل بإبلاغ الدّين وبيانه فلو ادّعى شخص أنّه قد رأى النّبي ( ص ) يأمره أو ينهاه عن أمر في عالم الرّؤيا مع تصريح الامام ( ع ) الموجود بين يديه بخلافه الّذي هو بمرئي منه ومسمع فقول الرّائي ظاهر البطلان كما يشهد به قرينة المقال ودلالة الحال وأمّا مع غيبته عليه السّلام واختفائه فالحمل على ما دلت عليه الأخبار المتقدمة أظهر ظهور في المقام على وجه لا يتطرق اليه سهام النّقض والابرام . وبالجملة فالّذي يترجّح الإلتفات إليه والعمل به أنّه ينبغي الأخذ بما ذكره له النبي ( ص ) في عالم الرّؤيا أو أحد المعصومين ( ع ) تقديم ما يسمعه منهم على جميع ما ورد من الأدلة النّقلية والسّمعية كما أوضحنا لك ذلك فيما تقدم لكن لا في مطلق المنامات الّتي يحتمل فيها غلبه الأخلاط البدنية ووسوسة الشّيطان الرّدية بل اللازم العمل بكل منام رأى فيه النبي ( ص ) ، أو أحد الائمة ( ع ) وهو فاعل لطاعة أو آمر بها أو ناه عن معصية أو مبين لقبحها وقائل بالحق أو داع إليه وزاجر عن باطل أو ذام لمن هو عليه على نحو ما صرح به شيخنا المفيد رضوان الله تعالى عليه وطابق ما سنذكره من شروط الرّؤيا الصّحيحة فيما يأتي ذكره في الفصل الثّامن إن شاء الله تعالى .
الوجه الثالث : أن جلّ ما يذكر في أمثال هذا المقام على إطلاقه ممنوع وقد خطر بالفكر الفاتر تفصيل يليق بذوى التحقيق والتدقيق نورده لكي يتبيّن به غاية المرام على وجه يزيل الإبهام فنقول:
إنّ الكلام الحق الّذي بهذا المقام يليق أن يقال أنّ الرّؤيا ينبغي أن تلحظ بلحاظين:
( الأوّل ) ما يرى ويدرك بالعقل الباطني للرائي.
( الثاني ) ما يرتبط بالرّائي وذاته مجرداً.
إذا علمت ذلك فالتفصيل كالاتي:
أمّا اللحاظ الثاني منهما والّذي نريد منه النّظر إلى ذات الرّائي ونوعه فاعلم انّ الصّور المحتملة فيه لا تخرج عن أحد هذه الأمور فإنّه امّا أن يكون نبياً أو غير نبي والأوّل منهما إمّا أن يكون مرسلاً أو غير مرسل وعلى كلا التقديرين يكون لهما مراتب عشرة.
( الأولى ) أن يرى الشّيء مثالاً في المنام وفي مثل ذلك المثال يتبين له معناه وأي شيء أريد به.
( الثّانية ) أن يسمع كلاماً في المنام مشروحاً بيناً ولا ترى قائله.
( الثّالثة ) أن يكلمه إنسان كذلك.
( الرّابعة ) أن يكلمه ملك في المنام كذلك.
( الخامسة ) أن يرى في المنام كأنّ الله يخاطبه.
( السّادسة ) أن يأتيه وحياً في اليقظة ويرى مثالاً.
( السّابعة ) أن يرى كلاماً في اليقظة.
( الثّامنة ) أن يرى في اليقظة إنساناً يكلّمه.
( التّاسعة ) أن يرى ملكاً يخاطبه في اليقظة.
( العاشرة ) أن يرى الله يخاطبه.
ومما يناسب ذكره مما روي عنهم عليهم السّلام ما جاء في البصائر بسنده عن زرارة قال سألت أبا جعفر السّلام مَنِ الرّسول ومَن النّبي ومَن المُحَدّث ؟ فقال الرّسول الّذي يأتيه جبرئيل فيكلمه قبلاً فيراه كما يرى أحدكم صاحبه الّذي يكلمه فهذا الرّسول والنّبيّ الّذي يُؤْتَى في النّوم نحو رؤيا إبراهيم ونحو ما كان يأخذ رسول الله صلّى الله عليه وآله من السّبات إذا أتاه جبرئيل في النّوم فهكذا النّبي ومنهم من تجمع له الرّسالة والنّبوة فكان رسول الله ( ص ) رسولاً نبياً يأتيه جبرئيل قبلاً فيكلمه ويراه ويأتيه في النّوم وأمّا المُحَدَّث فهو الّذي يسمع كلام المَلَك فيحدّثه من غير أن يراه ومن غير أن يأتيه في النّوم الخبر.
والثّاني منهما امّا أن يكون عالماً فقيهاً أو غيرَ عالم ولا فقيه وأمّا اللحاظ الأوّل منهما والّذي نقصد به المَرْئي فاعلم انّه امّا أن يكون جماداً أو حياً والأوّل امّا أن يكون وضيعاً أو شريفاً والثّاني إمّا أن يكون نباتاً أو غيره وذلك الغير امّا أن يكون مخلوقاً علوياً ونريد به المَلَك وامّا أن يكون مخلوقاً سفلياً ونقصد به الانسان وغيره ، وينقسم الأخير إلى عاقل صحيح وإلى غير عاقل كما هو الحال في سائر العجماوات.
والعاقل ينقسم إلى ستّة أقسام:
( الأوّل ) نبيّ مبعث.
( الثّاني ) رسول مُرْسَل.
( الثالث ) إمام معصوم .
( الرّابع ) عالم فقيه يبلغ عن الرّسول ( ص ) أو المعصوم ( ع ).
( الخامس ) عالم لا يبلغ ذلك وهو من ليست له الأهليه لتحمل هذه الوظيفة.
( السّادس ) غير العالم بعلومهم عليهم السّلام كسائر النّاس على إختلاف أذهانهم قوةً وضعفاً.
وعند تصور واحتمال كل قسم من أقسام الرّائي المتقدمة لجملة الأقسام في المرئي المحتملة نخلص إلى هذه الإحتمالات والّذي يهمنا منها ما يتناسب وما نحن فيه فنقول:
إن كان الرّائي هو النّبي ( ص ) فإنّه يتعدد الإحتمال بملاحظة المرئي فإن رأى المَلَك فهو حق ثابت لا ريب فيه ويستحيل فيه وقوع اللبس أو الاشتباه أو كونه وسوسةً وخيالاً كما هو الثّابت في مذهبنا فما يسمعه منه فهو صدق وحقيقة واقعة وهو الوحي الّذي يأتيه بالأحكام والأخبار من المَلِكِ العَلاّم فعن الطّبرسي في مكارم الأخلاق قال كان رسول الله ( ص ) كثير الرّؤيا ولا يرى رؤيا إلاّ جاءت مثل فلق الصّبح وعن مجالس إبن شيخ الطّائفة عن أمير المؤمنين انّه قال رؤيا الأنبياء وحيّ. وان رأى نبياً آخر أو رسولاً من أنبياء ورسل الله تعالى الماضين وأمره بشيء فليس قوله بمعتبر لأن وجوب إمتثاله له قد نسخ ببعثته ( ص ) فلا طاعة لمخلوق عليه مضافاً إلى كونه سيد ولد آدم من النّبيين والمرسلين والصّديقين والصّالحين وكافة المؤمنين من الأوّلين والآخرين.
وان رأى عالماً أو فرداً من أفراد أمّته فإنّه مع القطع بصحة الرّؤيا إلاّ إنّه لا يتعقل صدور أمر منهم إليه ( ص ) .
وان كان الرّائي إماماً معصوماً فالّذي يناسب أن نذكره أمام المقصود ما جاء في مجالس ابن شيخ الطّائفة بإسناده عن هارون ابن حمزة قال سمعت أبا عبد الله عليه السّلام يقول انّ منّا لمَنْ ينكت في قلبه وإنّ منا لمَنْ يُؤْتَى في منامه وإنْ منّا لَمَنْ يسمع الصّوت مثل صوت السّلسلة في الطّشت وانْ منّا لمَنْ يأتيه صورة أعظم من جبرئيل وميكائيل عليهما السّلام الخبر وكيف كان فإن رأى النّبي ( ص ) فهو صدق وحق واقع وكل ما يقوله يكون ثابتاً في حقه عليه السّلام ولذلك أمثلة وشواهد كثيرة في الأخبار كما لا يخفى على من جاس خلال تلك الدّيار وأنس بالمروي من تلك الأخبار.
وان كان قد رأى أحد الرّسل والأنبياء الماضين فالحال كما ذكرناه في النّبي صلّى الله عليه وآله لأنّ شريعتهم قد نُسِخَتْ ولزوم طاعتهم قد إنتفى بغض النّظر عن شرفهم عليهم السّلام وعلوّ رتبتهم الثّابتة في مذهبنا على جميع الأنبياء والرّسل ما عدا جدّهم وسيّدهم الرّسول الأعظم والنّبي الأكرم محمّد بن عبد الله صلّى الله عليه وآله.
وامّا لو رأى أحد العلماء أو فرداً من المؤمنين أو المخالفين فإنّ ثبوت صدق الرّؤيا مما لا ريب فيه إلاّ انّه لا يتصور فيها أبداً صدور أمر منهم إليه عليه السّلام كما قدمناه في النبي (ص). وان كان الرائي عالماً فقيهاً:
فإن كان قد رأى النبي ( ص ) أو أحد المعصومين ( ع ) فإن ما راه صدق وحقيقة على نحو ما تقدم إثبات دليله والمناقشة فيه.
وان كان الرّائي فرداً من غير الفقهاء والأمناء الصّلحاء الأتقياء كسائر النّاس على إختلاف مداركهم فإنه إن كان قد رأى النّبيّ ( ص ) أو أحد المعصومين عليهم السّلام فالكلام ما تقدم في الرّائي إذا كان فقيهاً لكن يضاف إليه انّه إن كان قد رأى فقيهاً كان يرجع إليه فإنّه إنْ أمره بطاعة ونهاه عن معصية أو نحو ذلك مما لا يؤدي إلى إرتكاب جرم أو معصية فالقول بوجوب متابعته متجه وهذا المعنى هو الّذي نستظهره من قول النّبي صلّى الله عليه وآله في الحديث المتقدم من عدم تمكن الشيطان من التّشبه أو التمثل بصور شيعته مضافاً إليه والى أهل بيته الأئمة المعصومين الطّاهرين فإنّه لم يُرِدْ ( ص ) عامةَ أفراد أمّته وانّما عنى بهم الفقهاء المخلصين منهم خاصة حيث يتفق مفهوم الشّيعة عليهم على جهة الحقيقة بنحو ما ومما يشهد لك بذلك ويؤيده ما ذكرناه ما مر عليك في حديث سليم بن قيس حيث جاء فيه (ولا بأحد من أوصيائه) بدل (شيعته) وهو حينئذ شامل للأئمة من ذرّيّته ( ص ) ونّوابهم في عصر غيبة آخرهم عجّل الله تعالى له الفرج وجعلنا من أنصاره وشيعته ومن المُستشهدين بين يديه وامّا إحتمال عموم الشّيعة فإمتناعه ظاهر للعيان ولا يقول به إلاّ ناكر للوجدان.
ومما يؤيد ما ذكرناه أيضاً ويعزّز ما سطّرناه ما جاء في كتاب الغايات لجعفر بن أحمد القمّي قال قال رسول الله صلّى الله عليه وآله خياركم أولو النّهى قيل يا رسول الله ومن أولو النهى ؟ فقال أولوا الأحلام الصّادقة.
وما جاء في كتاب المجالس لابن شيخ الطّائفة باسناده عن النّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم قال إذا تقارب الزّمان لم تكذب رؤيا المؤمن وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثا.
وكيف كان فنخلص الى أن الخالق الحكيم اللطيف الخبير قد جعل لهداية عبادِهِ طرقاً كثيرةً لتكون له الحجة البالغة والكلمة العليا تنحصر في أربعة أصول:
( أوّلها ) إفاضة القوى الّتي بها يتمكن الإنسان من الإهتداء إلى صالحه مثل القوى العقلية والحواس الباطنة والمشاعر الظاهرة.
( وثانيها ) نصب الدّلائل المفرقة بين الحقّ والباطل والمميّزة بين الصّالح والفاسد واليه الإشارة في القرآن المجيد حيث يقول المولى جل وعلا : وهديناهُ النّجدَينِ وقوله : وهديناهمْ فاستحبّوا العمى على الهدى.
( وثالثها ) إرسال الرّسل وانزال الكتب السّماوية واليه الإشارة بقوله عزّ وجلّ : وجعلناهمْ أئمّةً يهدونَ بأمرنا وقوله تعالى : إنَّ هذا القرآنَ يهدي للّتي هي أقوم.
( ورابعها ) كشف السّرائر عن القلوب ليروا الاشياء إمّا بالوحي الإلهي أو الإلهام أو المقامات الصّادقة ولعلّ قوله تعالى ومن آياته منامكم بالليل إشارة إلى هذه المنامات الّتي لا ينالها إلاّ الأنبياء والأوصياء أو من أحبه الله تعالى وطهّر قلبه ووفقه لذلك.