PDA

View Full Version : التحسين و حكم العقل


أسدي
14-01-2004, 06:40 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
قال تعالى "الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ"، وقال "اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيث"
القرآن يؤكد على ان الحسن من الله بدلالة انزاله على الرسول فأحسن الحديث يفترض ان يدل على أحسن الاشياء، أليس في ذلك دلالة على أن الاصل في الحسن هو الشرع قبل العقل، وما العقل السليم الا ذلك الذي استوعب أحسن الحديث فميز به بين الاشياء الحسنة والقبيحة وان وجدنا أحكام حسنة لدى الناس من غير المسلمين فهو مما تبقى من تعليم الانبياء الذي تناقله الناس عنهم.
أما المؤمنين الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه وهو طبعا كلام الله بدلالة الآية الثانية فانما يفعلون ذلك بأن الله هداهم للايمان فايمانهم هو الذي هداهم الى تمييز الحسن ثم اتباعه
اولا: السؤال هو : أين استقلال العقل عن الشرع بالحكم على الاشياء بالحسن والقبح؟

ثانيا: متى كان الاحتجاج بالعقل:
ان كان الله قد احتج بالعقل وجعله حجة باطنة (في معرفة الاوليات ومنها معرفة الله بالتوحيد ومعرفة حجته بالمعروف والعدل والاحسان) فذلك بعد التبليغ وليس قبله فليس لله على الناس حجة قبل التبليغ لا عقل ولا غيره وليس للناس على الله حجة بعد التبليغ قال تعالى "رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً" وقوله "ما كنا معذبين حتى نبعث رسولا"، فأقيمت الحجة على الناس بعد التبيلغ حصراً. قال أمير المؤمنين ع:
وَ اصْطَفَى سُبْحَانَهُ مِنْ وَلَدِهِ (أي من ولد آدم ع) أَنْبِيَاءَ أَخَذَ عَلَى الْوَحْيِ مِيثَاقَهُمْ وَ عَلَى تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ أَمَانَتَهُمْ لَمَّا بَدَّلَ أَكْثَرُ خَلْقِهِ عَهْدَ اللَّهِ إِلَيْهِمْ فَجَهِلُوا حَقَّهُ وَ اتَّخَذُوا الْأَنْدَادَ مَعَهُ وَ اجْتَالَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ عَنْ مَعْرِفَتِهِ وَ اقْتَطَعَتْهُمْ عَنْ عِبَادَتِهِ فَبَعَثَ فِيهِمْ رُسُلَهُ وَ وَاتَرَ إِلَيْهِمْ أَنْبِيَاءَهُ لِيَسْتَأْدُوهُمْ مِيثَاقَ فِطْرَتِهِ وَ يُذَكِّرُوهُمْ مَنْسِيَّ نِعْمَتِهِ وَ يَحْتَجُّوا عَلَيْهِمْ بِالتَّبْلِيغِ وَ يُثِيرُوا لَهُمْ دَفَائِنَ الْعُقُولِ وَ يُرُوهُمْ آيَاتِ الْمَقْدِرَةِ مِنْ سَقْفٍ فَوْقَهُمْ مَرْفُوعٍ وَ مِهَادٍ تَحْتَهُمْ مَوْضُوعٍ وَ مَعَايِشَ تُحْيِيهِمْ وَ آجَالٍ تُفْنِيهِمْ وَ أَوْصَابٍ تُهْرِمُهُمْ وَ أَحْدَاثٍ تَتَابَعُ عَلَيْهِمْ (النهج ص 46)

ثالثا: حكم العقل
من المعلوم ان الله يأمر بالحسن (ومنه الاحسان) وينهى عن فعل السيء وهو ‘القبيح’ فاذا كان الحسن والقبح عقليين وان العقل قادر على التمييز بينهما والفصل بدقة فلماذا لم يجب على الانسان ان يتعبد لله بفعل الحسن وترك القبيح ولماذا لم يتوجب ذلك عليه قبل قيام الحجة ولم تكن حاجة لقول المعصوم ع: "الناس في سعة مالم يعلموا"؟، فمن أين يأتي ذلك العلم ان لم يأتِ من الشريعة؟
وكيف يمكن التعبد بمبدأ أصالة البراءة او الاباحة في الاشياء مالم يأت فيها نهي، فأين الحكم العقلي السابق والقادر على تمييز الحسن عن القبيح فيؤاخَذ صاحبه بترك الحسن وفعل القبيح؟
وأين كل ذلك من الرواية التالية:
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَكِيمٍ قَالَ قُلْتُ لأَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ع جُعِلْتُ فِدَاكَ فُقِّهْنَا فِي الدِّينِ وَ أَغْنَانَا اللَّهُ بِكُمْ عَنِ النَّاسِ حَتَّى إِنَّ الْجَمَاعَةَ مِنَّا لَتَكُونُ فِي الْمَجْلِسِ مَا يَسْأَلُ رَجُلٌ صَاحِبَهُ تَحْضُرُهُ الْمَسْأَلَةُ وَ يَحْضُرُهُ جَوَابُهَا فِيمَا مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا بِكُمْ فَرُبَّمَا وَرَدَ عَلَيْنَا الشَّيْ‏ءُ لَمْ يَأْتِنَا فِيهِ عَنْكَ وَ لا عَنْ آبَائِكَ شَيْ‏ءٌ فَنَظَرْنَا إِلَى أَحْسَنِ مَا يَحْضُرُنَا وَ أَوْفَقِ الأَشْيَاءِ لِمَا جَاءَنَا عَنْكُمْ فَنَأْخُذُ بِهِ فَقَالَ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ فِي ذَلِكَ وَ اللَّهِ هَلَكَ مَنْ هَلَكَ يَا ابْنَ حَكِيمٍ...
(الكافي ج1 ص56 باب البدع و الرأي و المقاييس...)
والسلام عليكم

رد المدرسة
19-02-2004, 06:35 PM
بسمه تعالى
بسم الل الرحمن الرحيم
قال تعالى "الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ"، وقال "اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيث"
القرآن يؤكد على ان الحسن من الله بدلالة انزاله على الرسول فأحسن الحديث يفترض ان يدل على أحسن الاشياء


ــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولك :
أليس في ذلك دلالة على أن الاصل في الحسن هو الشرع قبل العقل، وما العقل السليم الا ذلك الذي استوعب أحسن الحديث فميز به بين الاشياء الحسنة والقبيحة
التعليق:
ليس العقل تلك القوى الهائلة التي أودها الله تعالى في الإنسان وميزه بها على غيره من الكائنات تخطئ دائماً وتتخبط بإستمرار ولا تدرك شيئاً ولا تعي مصالحها إذ لو كان الأمر كذلك لأنتفى هدف الخلق والإستخلاف للإنسان في عالم الدنيا حيث يقول سبحانه وتعالى: (إني جاعل في الأرض خليفة)
فهو أولاً مخلوق من الله تعالى , وثانياً أودع فيه من قوى الإدراك ما هيأه للإنتفاع بجميع نعم الوجود وتمييز النافع من الضار وتحقيق ما يصبو اليه من طموح وتطلعات
ولهذا أسس العلوم واستثمرها لتسخير نعم الوجود التي خلقها الله عزوجل له ومن أجله
والتمييز بين الأشياء شيء وإصابة الواقع شيء آخر
كما أن تشخيص العقل لا يكون تاماً في كل شيء بل هو ناقص في أشياء كثيرة منها :
* إدراك قيمه المعنوية والمثالية والروحية
وهي أهم جوانب الإنسان العالية ذات القيمة الحقيقية لوجوده وتميزه .
وكذلك ادراك القوانين الكفيلة بحفظ الحقوق الخاصة والعامة والمشتركة بشكل متكامل
وقيم ذوبان الفرد في الجماعة والنأي به عن حب الذات والأنانية
لا يكون المؤمن مؤمناً حتى يحب لأخيه المؤمن ما يحبه لنفسه
ولهذا بعث الله الأنبياء لهدايته فيما ليست له القدرة على الوصول اليه منفرداً
وأما العلوم والمعارف الدنيوية فكثير منها نشأ على يد الأنبياء والأوصياء ووضعوا قواعدها واسسوها وفتحوا الباب للبشر للسير على خطاها ونهجها واكتشاف أشياء أخرى بحسب حاجة الإنسان ومتطلباته على نحو ماورد في الحديث : من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم
لكن هذا العقل
ليست له القدرة على ادراك المقاصد الحقيقية لسعادته الدنيوية والأخروية وأداء حق العبودية
ومن هنا كانت الحاجة لتشخيص الشرع التام
ولزم أن يتمم نقص تشخيص العقل بتمامية تشخيص الشرع
ويسير العقل على هدي الشرع لبلوغ الغاية النبيلة وادراك النهاية السعيدة
قال تعالى : (وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً) الإسراء ـ 85

ـــــــــــــــــــــــــــــ
قولك :
وان وجدنا أحكام حسنة لدى الناس من غير المسلمين فهو مما تبقى من تعليم الانبياء الذي تناقله الناس عنهم.
أما المؤمنين الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه وهو طبعا كلام الله بدلالة الآية الثانية فانما يفعلون ذلك بأن الله هداهم للايمان فايمانهم هو الذي هداهم الى تمييز الحسن ثم اتباعه
التعليق :
هناك دقائق لطيفة ومعاني غزيرة تتعلق ببعثة الرسالات السماوية وأنها كانت على مراحل مخطط لها في حكمة تقدير الخالق جلت قدرته وأن اللاحق منها يكمل السابق وفق تسلسل مرحلي لتكامل عقل الإنسان وتكامل مداركه وخصوصياته
قولوا آمنا بالله وما أنزل اليّنا وما أنزل الى ابراهيم واسماعيل واسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيّون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون (البقرة ـ 136)
آمن الرسول بما أنزل اليه من ربّه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير ( البقرة ـ 285)
نزل عليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان ( آل عمران 3 ـ 4 )
إن جميع الأنبياء وخلال عهودهم المتعاقبة من خلال سلسلة أدوارهم الرسالية قد غرسوا في عقل الإنسان ما كان سبباً لتكامله وتنميته وتطوره خلال عهوده المتلاحقة المتعاقبة حتى انتهت النوبة به بإسهامات الشريعة المحمدية الغراء الخاتمة التي كانت الرائدة في بلوغه أوج النضج والتكامل
بل حتى أولئك الذين لم يؤمنوا بها قد استفادوا بها ومنها في شقها التقني والعلمي والمادي من خلال الحضارة الإسلامية التي انبثقت من نهج الفكر الإسلامي و ما فتأت تقدس العلم والعلماء بما لم يسبق اليه سابق الأمر الذي نتج عنه إسهامات كبرى وعظيمة في وضع لبنات الطفرة التكنولوجية والعلمية الحديثة بكل شقوقها ومصاديقها وصورها وميادينها .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـ
قولك :
اولا: السؤال هو : أين استقلال العقل عن الشرع بالحكم على الاشياء بالحسن والقبح؟
الجواب :
هناك أصل منصوص عليه وهناك مستقلات مخترعة لا حصر لها في علم الأصول المخترع المبتدع المناهض لا للثوابت في الشريعة الخاتمة بل لأصالة ربانية التشريع برمته , و بإمكانك الوقوف عليها بنفسك من خلال نظرة واحدة الى فهرس كتاب من مصنفات علم الأصول وخصوصاً الحديثة منها وعليك أن توجه سهام نقضك وابرامك الى مصنفيها وتتفحص عن اجاباتهم التي ربما يصادفك فيها تدليس وتلبيس ومكائد ومصائد ابليس .
فأما المنصوص عليه فقوله تعالى :
(إنا هديناه النجدين إما شاكراً وإما كفورا)
( ونفس وما سواها فألهما فجورها وتقواها)
حيث يستفاد منها بأن الله جلت قدرته قد فطر الإنسان على مبادىء ارتكازية اساسية تعتبر منطلقاً لتأطير سلوكياته ومعارفه وذلك لإدراك مبادىء الحقائق الأولية التي يترتب عليها الهداية والضلال واستحقاق الثواب والعقاب , وتكون لبنات قاعدة مداركه وأصول معرفته وأسس تفكيره وذلك لتقرير :
1 ـ حسن الإيمان وقبح الكفر
2 ـ حسن وحدة الآلهة وقبح تعددها
( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا )
3 ـ حسن العدل وقبح الظلم
4 ـ حسن الصدق وقبح الكذب .
5 ـ حسن السخاء والكرم وقبح البخل والعدم
6 ـ حسن التواصل وقبح التدابر والتقاطع
7 ـ حسن العلم والمعرفة وقبح الجهل
8 ـ حسن الطاعة وقبح المعصية
9 ـ حسن الإستقامة وقبح الإنحراف والزيغ والتيه والضياع
10 ـ حسن النظام والإنتظام وقبح البعثرة و التشرذم
ولهذا نجد في بعض الأحاديث القدسية و النصوص المروية من أمثال هذه المقاطع التغبيرية :
(أول ما خلق الله العقل فقال له أقبل فأقبل ثم قال له أدبر فأدبر
وعزتي وجلالي بك أعاقب وبك اثيب ).
(العقل لإقامة رسم العبودية لا لإدراك الربوبية)
وأن الشريعة الخاتم التي هي الإسلام عبارة عن إنقياد وتسليم للأوامر والنواهي الإلهية وتلقيها بالقبول والطاعة وبذل الجهد والطاقة .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولك :
ثانيا: متى كان الاحتجاج بالعقل:
ان كان الله قد احتج بالعقل وجعله حجة باطنة (في معرفة الاوليات ومنها معرفة الله بالتوحيد ومعرفة حجته بالمعروف والعدل والاحسان) فذلك بعد التبليغ وليس قبله فليس لله على الناس حجة قبل التبليغ لا عقل ولا غيره وليس للناس على الله حجة بعد التبليغ قال تعالى "رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً" وقوله "ما كنا معذبين حتى نبعث رسولا"، فأقيمت الحجة على الناس بعد التبيلغ حصراً. قال أمير المؤمنين ع:
وَ اصْطَفَى سُبْحَانَهُ مِنْ وَلَدِهِ (أي من ولد آدم ع) أَنْبِيَاءَ أَخَذَ عَلَى الْوَحْيِ مِيثَاقَهُمْ وَ عَلَى تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ أَمَانَتَهُمْ لَمَّا بَدَّلَ أَكْثَرُ خَلْقِهِ عَهْدَ اللَّهِ إِلَيْهِمْ فَجَهِلُوا حَقَّهُ وَ اتَّخَذُوا الْأَنْدَادَ مَعَهُ وَ اجْتَالَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ عَنْ مَعْرِفَتِهِ وَ اقْتَطَعَتْهُمْ عَنْ عِبَادَتِهِ فَبَعَثَ فِيهِمْ رُسُلَهُ وَ وَاتَرَ إِلَيْهِمْ أَنْبِيَاءَهُ لِيَسْتَأْدُوهُمْ مِيثَاقَ فِطْرَتِهِ وَ يُذَكِّرُوهُمْ مَنْسِيَّ نِعْمَتِهِ وَ يَحْتَجُّوا عَلَيْهِمْ بِالتَّبْلِيغِ وَ يُثِيرُوا لَهُمْ دَفَائِنَ الْعُقُولِ وَ يُرُوهُمْ آيَاتِ الْمَقْدِرَةِ مِنْ سَقْفٍ فَوْقَهُمْ مَرْفُوعٍ وَ مِهَادٍ تَحْتَهُمْ مَوْضُوعٍ وَ مَعَايِشَ تُحْيِيهِمْ وَ آجَالٍ تُفْنِيهِمْ وَ أَوْصَابٍ تُهْرِمُهُمْ وَ أَحْدَاثٍ تَتَابَعُ عَلَيْهِمْ (النهج ص 46)
الجواب :
لو أردنا التبسيط في الجواب
لنتصور لو أن هناك محطات بث اذاعي وتلفزيوني لكن لا يوجد أجهزة راديو لإستقبال موجات البث ولا أجهزة تلفزيون لمشاهدة البرامج التي تبثها تلك المحطات التلفزيونية
لو كان الأمر كذلك لم تكن هناك أي جدوى من تلك المحطات
كذلك الإنسان وأهمية العقل
ولهذا نجد أن الله تعالى خلق في الإنسان أربعة أمور:
أولها التركيب العضوي الذي يؤهله القيام بدوره المرسوم له في الحياة
القوانين والغرائز الفطرية
وثانيها العقل لثلاثة أمور: لتدبير جسمه وحياته وتسخير الموجودات في عالم الطبيعة لمنافعه و للبيان ولتعقل الخطاب وللتميز والإنطلاق في الحياة .
وثالثها النفس لتتجاذب عالم الدنيا ومادياته ولذائذه
ورابعها الروح لحياته وسمو معنوياته وتشبهه بعالم الملكوت والتجرد عن شوائب الماديات وإغراءاتها .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولك :
ثالثا: حكم العقل
من المعلوم ان الله يأمر بالحسن (ومنه الاحسان) وينهى عن فعل السيء وهو ‘القبيح’ فاذا كان الحسن والقبح عقليين وان العقل قادر على التمييز بينهما والفصل بدقة فلماذا لم يجب على الانسان ان يتعبد لله بفعل الحسن وترك القبيح ولماذا لم يتوجب ذلك عليه قبل قيام الحجة ولم تكن حاجة لقول المعصوم ع: "الناس في سعة مالم يعلموا"؟، فمن أين يأتي ذلك العلم ان لم يأتِ من الشريعة؟
التعليق :
يجب أولاُ على كل مكلف الإحاطة والعلم بما هو محل ابتلاء ويتوجه اليه الخطاب بالتكليف ولا يعذر الجاهل بسبب جهله بالأحكام ولذا قسم الفقهاء الجاهل الى قسمين:
1 ـ قاصر
2 ـ مقصر
ويعذر الجاهل القاصر لعدم تعقله للتكليف إلا في حدود ما يمكن أن يتصوره من التكاليف بحسب قصور ادراكه فيصح منه ما
ولا يعذر الجاهل المقصر إلا في موارد محدودة ورد النص عليها
النجاسة مع عدم العلم بها
القصر في مقام التمام والتمام في مقام القصر
والجهر في مقام الإخفات والإخفات في مقام الجهر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولك :
وكيف يمكن التعبد بمبدأ أصالة البراءة او الاباحة في الاشياء مالم يأت فيها نهي، فأين الحكم العقلي السابق والقادر على تمييز الحسن عن القبيح فيؤاخَذ صاحبه بترك الحسن وفعل القبيح؟
التعليق :
هناك ملاحظتان
الأولى : اعلم أن الأحكام الإلهية التكليفية خمسة
الوجوب
الحرمة
الإستحباب
الكراهة
الإباحة
ولو امعنا النظر لإتضح لنا أن ذلك التصنيف إنما كان من باب السهولة واليسر في التشريع والتكليف ورعاية
أما من ناحية التشريع فلو كانت أحكام الشريعة المنصوص عليها استغرقت كل حالات وسلوكيات بحيث لا يكون هناك اباحة لإنجر ذلك وأدى الى مصادرة صفة الحرية والإختيار وتكبيله بالإكراه والإجبار .
وأما من ناحية التكليف فلو وجب على المكلف الرجوع في كل حركة أو طرفة الى أحكام بعدد حركاته وسكناته وطرفاته لإستلزم ذلك العسر والحرج والتكليف بما لا يطاق
الملاحظة الثانية :
إن أصالة البراءة يختلف مفهومها بإختلاف المشرب الأصولي والأخباري
فمعناها عند الإخباريين هو ما ذكر في الملاحظة الأولى وهو داخل ضمن التشريع في بيان فعل المكلف لخلو المسألة من دليل بعد الفحص والتتبع
ومعناها عند الأصوليين يبدأ من نسف الأدلة بعد وجودها وتزييفها وردها واسقاطها عن حجية التعبد بها بالطعن في الدلالة تارة وبسند النصوص المروية تارة أخرى ولو كانت موجودة في أمهات المصادر الروائية المعتمدة
فهم بذلك يكونون قد وسعوا دائرة البراءة وأخرجوا أنفسهم من دائرة التعبد بأحكام كثيرة منصوص عليها في الشريعة .
ومن هنا يأتي الإشكال و الداء العضال.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولك :
وأين كل ذلك من الرواية التالية:
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَكِيمٍ قَالَ قُلْتُ لأَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ع جُعِلْتُ فِدَاكَ فُقِّهْنَا فِي الدِّينِ وَ أَغْنَانَا اللَّهُ بِكُمْ عَنِ النَّاسِ حَتَّى إِنَّ الْجَمَاعَةَ مِنَّا لَتَكُونُ فِي الْمَجْلِسِ مَا يَسْأَلُ رَجُلٌ صَاحِبَهُ تَحْضُرُهُ الْمَسْأَلَةُ وَ يَحْضُرُهُ جَوَابُهَا فِيمَا مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا بِكُمْ فَرُبَّمَا وَرَدَ عَلَيْنَا الشَّيْ‏ءُ لَمْ يَأْتِنَا فِيهِ عَنْكَ وَ لا عَنْ آبَائِكَ شَيْ‏ءٌ فَنَظَرْنَا إِلَى أَحْسَنِ مَا يَحْضُرُنَا وَ أَوْفَقِ الأَشْيَاءِ لِمَا جَاءَنَا عَنْكُمْ فَنَأْخُذُ بِهِ فَقَالَ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ فِي ذَلِكَ وَ اللَّهِ هَلَكَ مَنْ هَلَكَ يَا ابْنَ حَكِيمٍ...
(الكافي ج1 ص56 باب البدع و الرأي و المقاييس...)
التعليق :
هذه الرواية من الأدلة الوارد في أنه لا يؤخذ الدين بالقياس وأنه إذا أخذ محق الدين

أسدي
27-02-2004, 09:10 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
سماحة الشيخ محسن أشكركم على تعليقكم على الموضوع وإبداء الرأي وأعتذر عن إشغالكم بمسائلي.

في محضر تعليقكم أرجو أن تسمح لي بتوضيح بعض المسائل بخصوص مقصودي وكذلك بخصوص جوانب من التعليق
أولا أردت أن استدرك على إستدلال سماحتكم بالاية الكريمة "اني جاعل في الارض خليفة"
فأقول ان المقصود ليس جنس الانسان عموما وإنما هو آدم ع النبي المعصوم وما خلف آدم ع من بعده من أنبياء وأوصياء الى خليفة الله المهدي من آل محمد عليهم السلام، ولفظ الخليفة في القرآن لا يُراد به مجرد الانسان كجنس وانما كنوع اصطفاه الله واجتباه، اما نحن فلم يصطفينا الله ولم يجتبينا على عباده فلا يجوز أن يُقال أن عقولنا من مصادر التشريع والحكم بالتحسين والتقبيح مستقلة بذلك عن الشرع، وقد قيل أن من يحكم في دين الله بعقله فأصاب فقد أخطأ
في الكافي ج1 ص 583 "ان الله تبارك جعل الدنيا كلها لخليفته حيث يقول للملائكة (أني جاعل في الارض خليفة) فكانت الدنيا بأسرها لآدم وصارت بعده لأبرار وُلده وخلفائه..."

وليس معنى خليفة الله الذي يخلف الله كما يخلف أحدنا أبيه بعد مماته وأنما الذي يخلف في الارض وتختلف اليه الملائكة ويختلف اليه الناس في الحكم فيما بينهم، أي المرجع في احكام التحسين والتقبيح على الاشياء ومنها أفعال العباد للفصل بينها. جاء عنهم ع أن معنى حديث "إختلاف أمتي رحمة" هو الاختلاف الى ولي الأمر فهو خليفة الله أي مجعول من الله بأمره وإذنه.

وقولكم سددكم الله (ليس العقل تلك القوى الهائلة التي أودعها الله تعالى في الإنسان وميزه بها على غيره من الكائنات تخطئ دائماً وتتخبط بإستمرار ولا تدرك شيئاً ولا تعي مصالحها)
إنما يدل على ما أردتُ أنا أن أقوله وهو أن عقول الناس طالما تخطيء أحيانا كما هو معنى قولكم وتتخبط في أحيان أخرى والخ فلا يمكن أن تُعَد من مصادر الحكم بحسن الاشياء وقبحها اذ لا يُؤمَّن منها أن تعكس الاحكام أي تُحسّن القبيح وتُقبح الحسن أحيانا، فكلمة أحيانا ترفع الثقة عن تلك العقول الناقصة والمعرضة للخطأ ولا بد لها من الشرع لكي يسددها في حالة زيغها.
ولذلك جعل الله مناط أحكامه فيمن أكمل لهم العقل وسددهم بعد ذلك بالوحي، في الحديث "ما بعث الله نبيا حتى أكمل له عقله" وأولهم آدم ع فهو أول عقل كاشف عن الحسن والقبح شرعيا وتاريخيا، أو نقلا و نقلا،
فكيف اذن يُقال أنه يتم إدراك الحسن والقبح في الاشياء بالعقل المجرد المستقل عن الشرع ومتى أستقل ذلك العقل عن الشرع وكان يحكم ويميز ولماذا سلب الله صفة العقل عن أصحاب النار اذ قالوا "لو كنا نسمع او نعقل ما كنا في أصحاب السعير"، وهل لنا كمسلمين او أهل دين ان نأخذ الاحكام بحسن الاشياء وقبحها من الفلاسفة وعلماء الطبيعة وأمثالهم، إذ قد عدهم أحد الاصوليين من العقلاء غير المتدينين وبذلك تشملهم السيرة العقلائية، ولو صح ذلك الكلام فعلينا أن نعرض دينا وحديث أوليائنا على عقول اولئك بحسب المقولة الشهيرة : العقل ثم النقل.

أما ألاية الكريمة "إنا هديناه النجدين إما شاكراً وإما كفورا" التي ذكرتموها فيُفهَم منها أن الله هدى الانسان بهداية الانبياء له، ليبتليه فيرى أيكفر ام يشكر (أي يؤمن لله ويؤدي حق نعمة الهداية أولا)
فلا يُسمى الانسان كافرا الا بعد العلم والتبليغ والغير مدرك للتبليغ يُسمى جاهلا والمقصر في المعرفة يُسمى ضالا. فهو إذَن كُفر الانكار بعد الهداية للمعرفة.

العقل حفظ التجارب:
أن مفهوم العقل المصطلح عليه لدى الناس هو غير العقل الكلي الذي اودعه لله لدى الانبياء والاوصياء الذين أكمل لهم عقلهم، بل هو العقل العرفي او الشعبي ويصدُق عليه قول أمير المؤمنين ع أن "العقل حفظ التجارب"
ولكن هل تصلح التجارب التي تكاد ان تكون مختلفة بحسب الفروقات الفردية أن تكون مصدرا للحكم بالتحسين والتقبيح؟

أن الله تبارك وتعالى خلق للناس القابلية والاستعداد للتعقل بهدف استثمارها على نحو سليم، ولم نجد انسانا عاديا وُلِد بعقل بالمعنى الذي ذهبوا اليه من العقل وانما خُلق بدفينة عقل أي قوى كامنة للتعقل والاستفهام ثم الفهم والعلم وحفظ التجارب فمهم من تعلم علوما غير مشروعة وحفظ تجارب أهله وشعبه وصار يحكم على الاشياء بذلك العقل العرفي (او الشعبي)
ومنهم من أثارَ الانبياء وأهل البيت عليهم السلام دفينة عقله بالشريعة فعقل بها ومنها الاسس والاصول وأبقى ما صح من تجاربه العرفية بعد مطابقتها مع الشرع واستحسان الشرع لها ثم صار بعد ذلك يفرع على ضوء ما عقل عن الله وعن رسوله وأهل بيته ع على نحو ما قالوا "علينا بالاصول وعليكم أن تفرعوا"

قولكم أن (العقل لإقامة رسم العبودية لا لإدراك الربوبية) هو ما أريد قوله بالفعل أي أن العاقل يحثه عقله على طاعة من هو أكمل منه عقلا والتسليم له بكل ما ورد عليه منه من غير شك أو شبهة. فمن عرف نفسه بالنقصان والذلة والفقر عرف ربه بالكمال والعظمة والغنى ومن عرف نفسه بمصدر السيئة عرف ربه بالبراءة من عمل السوء بل هو مصدر الحسن والاحسان ولكن سيئة العبد تردُ عليه من عند الله فيصيبه بسوء عمله "وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير"

وللحديث فصولا وفروعا أقتصرنا منها ما تيسر وحسب سعة المقام

الخلاصة:
أريد أن أقول أن الحسن والقبح شرعيان من حيث المبدأ والأصل والتاريخ
وعقليان من الادراك والعلم والمعرفة الناتجة عن الشرع الحنيف او العرف السليم والأصيل ذلك بأن العقل النظري او العملي لايمكن إكتسابه الا بعد الولادة اما العقل الفطري فهو القدرة الكامنة لإكتساب العلوم والأعراف من الشرع او المجتمع مع استثناء حالات النبوة المبكرة كعيسى عليه السلام الذي كلم الناس في المهد ويحيى الذي آتاه لله الحكم صبيا وكذلك الامامة المبكرة كالامام المهدي عليه السلام علما بأن قولنا بأن جميع الانبياء والاوصياء معصومون منذ الولاية يعني أن عقولهم كاملة وشرعية منذ الولادة وليست مكتسبة من المجتمع او العرف المحيط بهم وبذلك تكون أحكام الانبياء والاوصياء بالتحسين والتقبيح على الاشياء شرعية من حيث تشربهم تمسكهم بالشرع منذ الصبا وعقلية من حيث الشرع قد صار عقلا لهم من الداخل وما بعث الله أحدا من الانبياء او اجتبى احدا من الاصفياء والاوصياء الا بعد أن أكمل له عقله النظري والعملي (بالشرعة والمنهاج الالهي) وقد جاء في الحديث "كتاب الله تبصرون به وتنطقون به وتسمعون به وينطق بعضه ببعض..."

فهذه حال أمثال الله العليا التي ضربها للناس وفرض عليهم اتباعهم والاقتداء بهم والاستنان بسنتهم فهل يُقرَن أحد او يلحقهم ليقول أن لعقلي الاستقلال بالحكم (1) على الاشياء وتمييز حسنها من قبيحها مجردا عن الشرع الذي أنزله الله وأمر النبيين والوصيين والناس أجمعين أن يحكموا بما انزل الله "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون" وقال تعالى "وأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُون"
أو يقول أن لعقول الرجال السبق في الحكم (2) على الاشياء ومعرفة حسنها من قبيحها
وتناسى قوله تعالى "أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ"

أخوتي الأعزاء في رد المكتب: هذا المنتدى الوحيد الذي أكتب فيه مثل هذا الموضوع و لا أكتب في المنتديات الاخرى رغبة عن الفوضى، فإن كان الموضوع مزعجا او غير ملائم لشروط المنتدى فلكم ان تنبهوا.
وقد طرقت هذا الموضوع على أحد كبار المجتهدين والمفسرين فأشار علي أن أرجع الى المؤلفات الكلامية وكأني لا أعلم بوجود مؤلفات كلامية أو كأننا آمنا بالله بفضل المتكلمين وتقليدهم العقيدة والدين
وكذلك سألت مرجعا له موقع اسمه ‘بينات’ فقال "نحن والمعتزلة نقول بأن الحسن والقبح عقليان أما أنت فتقول كقول الاشاعرة علما بأن الاشاعرة يقولون بالجبر وهو خلاف عدالة الباري"
مع أني لم أعلق على كلامه ولكني فهمت أنه بذلك يقول بالتفويض كالمعتزلة وان لم يعترف به فالمعتزلة حينما حكّموا العقل على الشرع وقالوا أن الله فوض لعباده الأمر والاختيار والخ
ولم يعلم أنني لا أقول بان العقل غير قادر تماما على التحسين والتقبيح وانما قادر بالشرع وانتهاج منهج الانبياء والاوصياء ويجب أن يتوقف في ما دون ذلك وخاصة فيما يخص الاحكام الشرعية ولا يحكم على الاشياء بالعقل المجرد والغير مسدد بالشرع وأن العقل السليم يحمله صاحب الدين السليم (أي دين الاسلام) والعالم هو الذي عقِل عن الله كما في الحديث الشريف، وأن القلب الأمين على أحسن الحكم هو القلب الذي دخله الايمان وأبصر بحقيقته
هدانا الله وإياكم لحقيقة الايمان ورضا الرحمن و ورود الجنان

----------
هوامش
1ـ أي ما يسمى بالمستقلات العقلية لدى الاصوليين
2ـ القاعدة العتيدة لدى الاصوليين القائلة بأن ما حكم به العل حكم به الشرع وهي ما تسمى بالملازمة العقلية وتقديم العقل على النقل في الحكم على السنة علما بان العقل السليم قد يشتكي من ذلك لا يرضى بتلك المغالاة وكأن لسان حاله يقول كيف يمكن أن أحكم على كلام من هو أكمل مني عقلا وأتم بصيرة فمن العدل أن تحتكم به اليه وتعرفه به لا بغيره فأن الكامل لا يُعرف بالناقص، ويشهد بذلك الحديث الشريف "كتاب الله تبصرون به وتنطقون به وتسمعون به وينطق بعضه ببعض..."
فإن قالوا لو سمحت لنا اذن أن نستعمل عقولنا في دراية الحديث على الأقل أي معرفة الرجال للتوصل الى معرفة الحق من الحديث وصدوره
وكأن العقل يرتجز ويقول أنكم قلبتم الموازين ونسيتم قول أميركم ع "لا يعرف الحق بالرجال، أعرف الحق تعرف أهله"

رد المدرسة
29-02-2004, 05:52 AM
بسمه تعالى
أشكر الأخ الفاضل الأسدي على ما تفضل به من تعليق وأحب أن ألفت عنايته الى أن هناك مباحث في قضية العقل بحاجة الى استطراق إن كانت لدينا الرغبة في الدخول للموضوع بنظرة شاملة ومستوعبة لأطرافه بسعة أكنافه فينبغي ملاحظة الكثير من الجوانب العلمية والمعرفية :
أولاً هل يصح وصف كمال الله عزوجل في الخلق والإيجاد والتكوين (العلم الإلهي )
بالعقل الكلي الكامل ثم يقسم الى عقل خالق وعقل مخلوق
حدود أبعاد العقل المخلوق وقواه الإدراكية والتصورية
التصديق الموجودة لدى العقل المخلوق هل هي مستفادة من قانون مودع في الفطرة
تصورات مما شاهده واختزنه في فكره
من تجارب مارسها
تبعية العقل المخلوق للعقل الخالق في موارد:
تبعيته له في العقيدة ( التوحيد ونفي مالايليق بذات الباري جل وعلا وما يتعلق برسله وخاتمهم وأوصيائه والبعث والمعاد وما يرتبط بكل منها من تفريعات وجزئيات)
تبعيته له في الحكم على الأشياء الحسن والقبح (الحسن ما حسنه الشرع والقبيح ما نهى عنه فكل ما ( تشريع الشرع فيما فيه حسن أو قبح ليس من قبل جهة غريبة عن الإنسان بل من نفس الجهة الخالقة له العالمة بكل ما يختص بقواه الإدراكية المودعة فيه ولهذا فلن تكون تتعارض مع القوانين الفطرية المرتكزة فيه
تبعيته له في العمل (اجتناب المحرمات ـ اجتناب المكروهات ـ اجتناب الشبهات ـ اجتناب مواطن التهمة ـ
مخاطبة العقل الخالق للعقل المخلوق بالأوامر والنواهي هي مبنية على مراعاة قدرة المخاطب على التنفيد ومبنية على السهولة والسماحة واليسر
وحيث أن هناك الكثير الكثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والأئمة من أهل البيت عليهم أفضل الصلاة والسلام لم يستوفى حقها حتى الآن بحاجة الى إعادة استقراء وتحليل وبحث وأنا على استعداد للتحاور بشأنها من الصفر لبناء النظرية المستنبطة من مصادر التشريع الأصيلة بشأنها للوصول الى الحق الذي يجب اتباعه
وفي الختام تقبلوا فائق التقدير والإحترام

أسدي
03-03-2004, 09:54 PM
.................... إستكمال البحث والنظر في الموضوع ................
أولا أشكر سماحة الشيخ على جوابه الكريم و ملاحظاته القيمة التي تبعث روح البحث والتحقيق في نفس طالب العلم والباحث عن الحقيقة كما واشكر مراعاته للموضوع برغم مشاغله الكثيرة
مع أني أخشى الاطالة عليه و الا فالمبحث كما قال بحاجة الى استطراق جميع أكنافه ومراجعة موارده وخاصة في الأثر الشريف، الأمر الذي لم يُشبَع بحثا كما يبدو.

لي توضيح على ملاحظاتكم وتساؤلاتكم التي أثرتموها آملا منكم النظر فيها:

الملاحظة الاولى: هل يصح وصف كمال الله عزوجل في الخلق والإيجاد والتكوين (العلم الإلهي ) بالعقل الكلي الكامل ثم يقسم الى عقل خالق وعقل مخلوق.
أن الحديث القدسي الشريف يدل أن العقل مخلوق وهو أحسن ما خلق الله وعليه لا يجوز أن يُقال عن الله أنه العقل الكلي وكذلك علمه لأن علمه غير مخلوق بل هو عليم لذاته
فالعقل بذلك مخلوق من حيث المبدأ
سمي العقل عقلا لأنه يُعقَل به، وذلك المعنى لا يجوز على الله سبحانه وهو خالق العقل وواهبه

والتساؤل هو هل ان ذلك العقل الذي خلقه الله بشكل خاص وجعله خير خلقه هو العقل العرفي المصطلح عليه أم أنه فقط القدرات والاستعدادات الفطرية (او الغريزية) المودعة في الانسان أم العقل الكامل المعصوم الذي كُلِّف الناس من ذوي العقول الناقصة والخليطة بالرجوع اليه والأغتراف من معينه.
أن لفظ العقل المعهود بالألف واللام في الحديث الشريف لا يجوز أن يستعمل ويُراد منه عقول الرجال فذلك عقل وتلك عقول وهو ليس بجنس لها اذ لو كان جنس لها لجعله الله مرجعا وإنما هو العقل الجامع او الكلي الذي ينبغي أن يكون محيطا بجميع عقول الناس ومهيمنا عليها ومبينا لها الآحكام بما في ذلك أحكام التحسين والتقبيح كما ان كتاب الله مهمينا على جميع الكتب ومبيّنا لها

سئل الإمام قائلاً: "ما الحجة على الخلق اليوم؟ فقال(ع): العقل، يعرف به الصادق على الله فيصدقه، والكاذب على الله فيكذبه".
تلك من أقوى حجج الاصوليين في تحكيم العقل والرجوع اليه في ظنهم ولا تكاد تسأل أحد منهم عن قيمة العقل في الحكم الشرعي الا وأستدل بذلك الحديث وقد كنت بالفعل أستصعب فهمه بخلاف مرادهم ولم أدرك له تفسيرا ممشتقا من مناسبة قوله مع قناعتي بأن المقصود غير ما ذهبوا اليه

ثم تسائلت أي عقل ذلك الذي يُعرَف به الصادق فيصدقه والكاذب فيكذبه؟
في الحقيقة أننا لم نكن في محضر قول الامام حينما أراد أن يعرّف لهم العقل بحقيقته وليس بنسبته الى الرجال او العرف. أنه بالفعل يستحق أن يُسمى عقلا ذلك الذي يعرف به الصادق على الله فيصدّق قوله ويعرف الكاذب فيكذّبه ولا يقبل قوله. لكن من ذا الذي يدعي أنه قد أكتسب ذلك العقل بسماته تلك اولاً ثم بدون الرجوع الى الشرع وعرفانه ثانيا
أن العقل (بالالف واللام) عندما يعرف بالاثر بأنه حجة لله علينا او شرعا من الداخل مقابل الشرع الذي هو حجة من الخارج فيعني ذلك العقل الكامل الذي استلهم العقل الخارجي بجميع تفاصيله ليقوم بطباعته وتخزينه او حفظه في ذاكرته قبل أن تمتلأ بحفظ الخليط من تجارب الناس والمشاهدات والنزعات الدنيوية وأمثال ذلك.
وقد جاء في الحديث الشريف ان "العقل نور يُفهم به الفريضة والسنة والجيد والرديء"
فنلاحظ ان القرآن اوالشريعة نور كما ان العقل نور
فالشرع والعقل اذن لا يفترقان من هذه الناحية والملازمة من هنا بإعتبار دخول الشرع بروح الايمان في القلب لإنشاء العقل المسلم (السليم) على أنقاض العقل العرفي القديم (او السقيم) ان لم ينشأ المرء منذ صباه على تربية الشرع كما حصل في بيوت الأنبياء والأوصياء ع
فمن يعقل عن الله فهو عاقل حقا وعالم رباني ومن يعقل عمن دونه فهو ناقص العقل وليس بعالم ولا يحتج بقوله فضلا عن أن يكون مصدرا لأحكام التحسين والتقبيح

واليكم اقتباسا من مبحث بسيط كتبته سابقا حول تكوين العقل العرفي له علاقة بما نبحث فيه الآن:

يتكون العقل العرفي عن طريق الردع او العقاب والثواب المادي والنفسي، حتى يصبح الرادع داخلي من نفس الانسان فيعرف به الشيء او العمل الحسن ويميزه عن الشيء القبيح والعمل السيء بحسب التحسين والتقبيح العرفي السائد في بيته وعشيرته او المجتمع الذي نشأ فيه ولا يشترط ان يتوافق مع الشريعة الا بقدر التزام ذلك البيت او العشيرة والمجتمع بالشريعة واحكامها و وعيها والتلبس بما جاء فيها علميا وعمليا، قال الامير ع "من لم يكن له من نفسه رادع وزاجر لم ينفعه من غيره رادع وزاجر" . فان كان الرادع والزاجر الداخلي مأخوذ من الدين كان عقل الانسان عقلا شرعيا، لقوله ع "أصل الانسان لبه وعقله دينه"، اي كيف ما يكون عقله يكون دينه فيـُدان به، فان كان عقلا اسلاميا كان دينه الاسلام وان كان عقله ‘بعثيا’ او ‘شيوعيا’ كان دينه ‘البعث’ او ‘الشيوعية’ وان كان عرفيا كان هو العرف الاجتماعي وهكذا.
فلم يكن الطفل مفطورا على معرفة الحسن والقبح الا بعد التنشأة على ذلك والا لا فائدة من التربية النفسية اذن. ولكن بقي ان صاحب الفطرة السليمة يتقبل تحسين أهل الاحسان أسهل من تقبل غيره لوجود الطاقات الكامنة لديه والاستعدادات الدفينة؟؟
ولاحظ أنه لم يقل (دينه عقله) لأنه في معرض تعريف العقل وليس الدين، كون الدين معروف لا اختلاف في تعريفه بخلاف العقل
فلذلك وجب تكليف الصبي بالعمل حين البلوغ العقلي فلا يكلف غير العاقل. ولكن ما معنى تكليف الصبي العاقل؟ اليكم حديث أبي عبد الله ع:
عَنْ عَبْدِ الأَعْلَى قَالَ قُلْتُ لأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع "هَلْ جُعِلَ فِي النَّاسِ أَدَاةٌ يَنَالُونَ بِهَا الْمَعْرِفَةَ قَالَ فَقَالَ لا قُلْتُ فَهَلْ كُلِّفُوا الْمَعْرِفَةَ قَالَ لا عَلَى اللَّهِ الْبَيَانُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا وُسْعَها وَ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها قَالَ وَ سَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِهِ وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ قَالَ حَتَّى يُعَرِّفَهُمْ مَا يُرْضِيهِ وَ مَا يُسْخِطُهُ"
أن ذلك يعني أن الصبي قد توصل الى المعرفة بالتبيلغ عن ولي أمره فلما عقِل ذلك وجب عليه التكليف أي التكليف بالعمل (وفق ما عقل مما علم وعرف)
فالحديث كذلك منطبق على حالة الصبي، وفي هذا المضمون ايضا نجد حديث لأمير المؤمنين عليه السلام في معنى العقل ينطبق كذلك على حال الصبي بعد التكليف"العقل أن تقول ما تعرف وتعمل بما تنطق به"
وأخيرا اليكم تلك الرواية عن سويد بن غفلة قال إن أبا بكر خرج ذاتَ يَومٍ فَاستَقبَلَهُ النَّبِيُّ صلّى الله عليه و آله فَقالَ لَهُ : بِمَ بُعِثتَ يا رَسولَ اللهِ ؟ قالَ : بِالعَقلِ ، قالَ : فَكَيفَ لَنا بِالعَقلِ ؟ فَقالَ النَّبِيُّ صلّى الله عليه و آله : إنَّ العَقلَ لا غايَةَ لَهُ ، ولكِن مَن أحَلَّ حَلالَ اللهِ وحَرَّمَ حَرامَهُ سُمِّيَ عاقِلا ، فَإِنِ اجتَهَدَ بَعدَ ذلِكَ سُمِّيَ عابِدًا ، فَإِنِ اجتَهَدَ بَعدَ ذلِكَ سُمِّيَ جَوادًا . فَمَنِ اجتَهَدَ فِي العِبادَةِ وسَمَحَ في نَوائِبِ المَعروفِ بِلا حَظٍّ مِن عَقلٍ يَدُلُّهُ عَلَى اتِّباعِ أمرِ اللهِ جلّ جلاله وَاجتِنابِ ما نَهَى اللهُ عَنهُ ، فَاُولئِكَ هُمُ الأَخسَرونَ أعمالا ، الَّذينَ ضَلَّ سَعيُهُم فِي الحَياةِ الدُّنيا وهُم يَحسَبونَ أنَّهُم يُحسِنونَ صُنعًا (حلية الاولياء 1: 21)
ان هذا من الاحاديث المهمة في الموضوع حيث عرّف العقل ووضع حدودة ثم ذكر درجاته والأهم هو أنه ص أكّد على أنه بُعث بالعقل والمعلوم أنه بُعث بالقرآن فالقرآن اذن هو العقل الذي به نعقل عن الله
ولم يكن أبو بكر مغفلا حينما سأله "فكيف لنا بالعقل"؟ معترفا بأنه لم يكن على ذلك العقل الذي بعث به رسول العقلاء ص فطمع أن يحضى به ولكن الشروط التي وضعها الرسول الأكرم ص لتُنال بها رتبة العاقل بأدنى درجات العقل ورتبة العاقل بأعلى درجاته فوتت الفرصة على الطامعين أن يدعوه

وللحديث بقية بعد تكرم الشيخ بملاحظاته وتعليقاته النافعة ان شاء الله