PDA

View Full Version : رجل العلم الديني - خصائصه وموقف الأمة معه - سماحة الحّجة الشيخ ضياء الدين زين الدين


غير مسجل
06-06-2005, 09:26 AM
رجل العلم الديني
خصائصه وموقف الأمة معه


محاضرة ألقيت في الذكرى السنوية
الأولى لرحيل فقيد الأمة الإسلامية
آية الله العظمى الشيخ محمد أمـين
زين الدين ( قدس سره ) في البصرة
_أبي الخصيب_ نهر خوز في اليوم
الثالث لربيع المولد_ سنة 1420

بسم الله الرحمن الرحيم
أحمدك اللهم أهل الحمد ، وأثني عليك بما أثنيت به على نفسك ، وأستعينك بما استعانك به حملة عرشك ، وأصفياؤك وأدلاء خلقك ، وأصلي وأسلم على خيرتك من بريتك ، محمد وآله المنتجبين و خلصاء أوليائك إلى يوم الدين .

مقدمة
السلام عليكم أيها الاخوة المؤمنون ورحمة الله وبركاته .
عام مضى على توديعنا لهذا المشعل الخالد من مشاعل دين الله ، والنور العظيم من أنوار بصائره ، و العَلم الكبير من أعلام كلمته في هذا الجيل ، وما سيعقبه من أجيال .
عام مضى على فقدنا لهذا الأب البارّ ، و المربّي الفذّ ، الذي نذر نفسه ووجوده وحياته لبارئه ، ولدينه القويم والذبّ عن حياضه ، والذود عن كلمته ، فاستقام به سلوكه ، وأنارت به مقولته ، و تجسّدت به بصائره .
نعم - أيها الأحبة - فقدناه نوراً ، ونحن أحوج ما نكون إلى مثله في هذه الدياجير المظلمة التي نعيشها .
وفقدناه مثلاً رفيعاً للحق ، في وقت عزّت به مثله ، وتهاوت به صروحه ، فكان الألم بفقده امضّ و أنكى .
وفقدناه قبساً من قبسات الرحمة الإلهية في عالم تكتنفنا فيه الصعاب وشدائد الحياة ، حيث أنشبت الإحن والضغائن مخالبها فينا من كل الاتجاهات.
وسلام الله عليك يا سيدي يا أبا الحسن الكاظم ) فما أصدق مقولتك الخالدة !!: (إذا مات المؤمن ( الفقيه ) بكت عليه‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍ الملائكة وبقاع الأرض التي كان يعبد الله عليها ، وأبـواب السماء التي كانت تصعد منها أعماله ، وثلم في الإسلام ثلمة لايسدّها شيء .. لأن المؤمنين الفقهاء حصون الإسلام كحصن سور المدينة لها ) .
ولكن رضىً بقضاء الله . وصبر على جميل بلائه ، ولنا بمصائبنا بمحمد (ص) وآله المطهّرين خير عزاء ، فقد :
أنست رز يتهم رزايانا التي سلفت وهونت الرزايا الآتية
و إنا لله وإنا إليه راجعون .

الفقهاء حصون الإسلام
أيها الاخوة الأعزاء ..
وبعيداً عن مقتضيات آلام العاطفة وإن كانت حرّى ، لنغتنم هذه اللحظات الثمينة لاجتماعنا هذا في هذه الذكرى العزيزة ، ولنقف قليلا عند الفقرة الأخيرة من حديث الإمام الكاظم ( ع ) .. عند قوله (ع) : (لأن المؤمنين الفقهاء حصون الإسلام كحصن سور المدينة لها) .
وهذا المضمون مما يؤكد عليه المعصومون (ع) في العديد من الأحاديث ، إذ يقول الإمام الصادق (ع) : (علماء شيعتنا مرابطون بالثغر الذي يلي إبليس وعفاريته ، يمنعونهم عن الخروج على ضعفاء شيعتنا ، وعن أن يتسلط عليهم إبليس وشيعته النواصب ، ألا فمن انتصب لذلك من شيعتنا كان افضل ممن جاهد الروم والترك والخزر ألف مرة ، لأنه يدفع عن أديان محبينا وذلك يدفع عن أبدانهم ) .
ويقول الإمام أبو الحسن علي بن محمد الهـادي (ع) : ( لولا من يبقى بعد غيبة قائمنا من العلماء الداعين إليه ، والدالين عليه ، والذابين عن دينه بحجج الله (تعالى) ، والمنقذين لضعفاء عباد الله من شباك إبليس (لعنه الله) ومردته ، ومن فخاخ النواصب لما بقي أحد إلا ارتد عن دين الله (تعالى) ، ولكنهم الذين يمسكون أزمة قلوب ضعفاءِ الشيعة كما يمسك صاحب السفينة سكانها ، أولئك هم الأفضلون عند الله (عز وجل).) .
وهذا الموقع الرفيع الذي تضع فيه هذه الأحاديث المباركة وأشباهها علماء الأمة كما يعيّن المهمة الدقيقة المنوطة بهذه الكوكبة الزكية من حملة الحق في الدين ، وقيام حجته في الحياة ، تشير إلى الكثير من الآفاق والحدود التي تتجلى ضمنها مسؤولياتهم في المجتمع أيضاً ، وكذلك هي تلفت الأمة إلى أسس علقتها المباركة بهم ، وطبيعة الرابطة فيما بينها وبينهم ، ولئن خصّ بعض الأحاديث الفقهاء بالذكر فذلك لكونهم القمة في هذا السلك ، إلا أن تلك المهمة ومسؤوليتها مشتركة بين حملة العلم عامة ، كل بحسب طاقته ، وكل بحسب موقعه في المجتمع.
ونحن نقف عند نقاط سريعة ومهمة من هذه النواحي التي ذكرت، حيث لا يمكننا الاستيعاب في موقف ضيق وسريع كالذي نحن فيه .
* * *

مسؤوليات رجل العلم

النقطة الأولى:
في بيان عظم المسؤولية التي يرسمها لسان العصمة لرجل العلم ، سواء في قيام معالم الدين ذاتها ، أم في تمام حجته أمام البصائر ، أم في شد المجتمع إليه ، وبناء حياته على حقائقه .
فليس رجل العلم الديني هو ذلك الشخص الذي يملك الإحاطة بأحكام الدين والإطلاع على شرائعه فقط ، وليس الفقيه هو الرجل الذي يملك إرجاع الفروع إلى الأصول فحسب كما تعارف بين الناس في إطلاق أمثال هذه الكلمات ، بل إن رجل العلم الديني - قبل هذا وبعده - طليعة الذائدين عن حياض الدين الحق ، والمحامي الأول عن سلامة أركانه ، والكافل العام للرابطـة ما بينه وبين الأمة المؤمنة ، والنصوص السابقة _كما قرأناها _ تؤكد هذه المسؤولية بصريح العبارة ، وهي _ في الوقت نفسه _ مضمون متواتر في أحاديث العصمة . إذ يقول النبي (ص) : ( العلماء رجلان : رجل عالم آخذ بعلمه فهذا ناج ، وعالم تارك لعلمه فهذا هالك ، وإن أهل النار ليتأذون من ريح العالم التارك لعلمه ) . ( المحجة ص 126 ) .
وعن أبي عبد الله (ع) قال : ( إن من العلماء من يحب أن يجمع علمه ولا يحب أن يؤخذ منه ، فذاك في الدرك الأول من النار .. ) . ( المحجة ص129 ج1 ) .
وحين نلتفت إلى أن الصراع بين الحق والباطل هو سنة الحياة منذ أن خلق الله آدم (ع) ، وهو ابدي دائم حتى آخر بشري على الأرض، كما انه شامل لمختلف ميادين الحياة ، منذ الأعماق الأولى في نفس الإنسان ، ومما يملكه من ميول وأهواء تقود إرادته وقناعاته ، وحتى آخر علاقة للإنسان مع غيره من المجتمعات والأفراد بل والأشياء الأخرى أيضاً .كما انه تصاعدي في حدّته ودقّته مع التطور العلمي والحضاري للبشرية .
أقول : وحين نلتفت إلى الصراع وطبيعته هذه نعلم ما يلي :
أولا : مدى عظم هذه المسؤولية ودقتها ، وكذلك أهميتها ، إذ ما لم تتعهد طائفة مختارة وزكية من أبناء الإسلام في كل عصر الذود عنه ، وبمستوى الصراع ومتطلباته ، وخصوصاً في عالم الفكر والمذاهب، وبالدرجة التي تقتضيها العصور ، وباللغة التي تفهمها الأجيال ، لا يمكن أن تقام به الحجة على العقول ، أو تسلم له قاعدة بين الأديان .
والإمام الصادق (ع) يبين بعض دلائل هذه الناحية وأهميتها في حديثه المعروف : ( إن العلماء ورثة الأنبياء ، إن الأنبياء لم يورثّوا درهماً ولا ديناراً ، وإنما ورّثـوا أحاديث من أحاديثهم ، فمن أخذ بشيء منها فقد اخذ حظاً وافياً ، فانظروا علمكم هذا عمن تأخذونه ، فإن فينا_أهل البيت_في كل خلفٍ عدولاً ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين ) .
ثانياً : ضرورة الحذر الشديد من الباطل وأدعيائه في هذا الميدان..
فمن المعروف أن للشيطان مداخله في النفوس ، ولأعوانه تأثيرهم الفعال في المجتمع ، وفي مختلف طبقاته ومستوياته _بمن فيهم السلك العلمي ، وطلاب العلوم الدينية _ .
وهي إحدى الحقائق المرة التي يجب التسليم بها ، والانتباه إليها بكل تبصر ووعي .. وهي ليست وليدة هذه العصور ، بل هي قد واكبت الإسلام في مختلف عصوره وأجياله ، منذ بدء الدعوة وحتى اليوم ، وقد حذّرت منها نصوصه المختلفة وبألسن متفاوتة ، وسنقرأً بعضاً منها _فيما بعد إن شـاء الله _ وأما هنا فنقرأ منها ما روي عن الإمام الصادق (ع) : ( إذا رأيتم العالم محباً لدنياه فاتهموه على دينكم ، فإن كل محب لشيء يحوط ما أحب . وقال (ص): ( أوحى الله إلى داود (ع) : لا تجعل بيني وبينك عالماً مفتوناً بالدنيا فيصدّك عن طريق محبتي ، فان أولئك قطاع طريق عبادي المريدين ) . (أصول الكافي :ج1 ص46 ) .
ولكن _ وكما نعلم _ إن للصراع الأبدي بين الحق والباطل حكمه ، وكما أن للحق كلمته ورجاله الذائدين عن قدسه ، المضحّين في سبيله ، فان للباطل بدعـِه والتواءاته ورجاله أيضا ..
وهو قد يتخذ القناع العلمي وسيلة فعالة لهدم أركان الحق في النفوس ، وطمس دلائله في عقول أبنائه ، ولا سيما بعد أن أدرك أهمية الدور الذي جعله الإسلام لرجال العلم _ والفقهاء منهم خاصة _ في إقامة حجته ، وتربية أبنائه ، وبعد أن علم سمو موقع هؤلاء الرجال في قيادة المجتمع المؤمن ، وعمق تأثيرهم في النفوس الطالبة للحق .
بل وهو قد يرى _ وللأسباب السابقة وغيرها _ أن هذا القناع يمكن أن يكون من أقرب السبل لتحقيق مآربه ، فهو قد يستطيع من خلاله _ وبأيسر وسيلة _ أن يموّه على العقول من حيث تتطلع الى كلمة الحق ، ويستقطب الأذهان من حيث تنتظر بصائر الهدى ، ولو لفترة من فترات الغفلة ، أو استسلام أبناء المجتمع للعصبية أو لظروف أبعدتهم عن بصائر الله وجليّ بيناته .
وعلينا هنا أن لا نغفل الشيطان ووسوسته ومداخله الخفية في النفوس عامة دون استثناء ، إلا في تلك الذوات التي أخلصت نفسها لله ( تعالى ) ، وهذا مما يضعنا أمام تداخل في الصراع وشدة وشمولية تفوق كل تصور، مما يعني ضرورة التمحيص الدقيق لكل شخصية تضع نفسها في ذلك الموضع الرفيع ، بل ولكل موقف يصدر منها وقياسهما _معاً_ بمقاييس الحق الثابـتة ، وموازين الإسلام الرصينة ، حيث لا تستبعد الكبوة والانحراف _حتى ممن نذر نفسه للحق والعلم والذود عن حياضهما _ ولو في بعض المواقف . ولكن الميزان الإسلامي الثابت ( اعرف الحق تعرف أهله ) _ كما يقول الإمام أمير المؤمنين (ع) هو السبيل الواضح والمستقيم في هذا المجال .
وعن الإمام أبي جعفر الباقر (ع) قال : (خطب أمير المؤمنين (ع) الناس فقال : أيها الناس ؛ إنما بدء وقوع الفتن أهواء تتّبع ، وأحكام تبتدع ، يخالف فيها كتاب الله ، يتولّى رجال رجالاً فلو أن الباطل خلص لم يخف على ذي حجى ، ولو أن الحق خلص لم يكن اختلاف ، ولكن يؤخذ من هذا ضغث ومن هذا ضغث فيمزجان فيجيئان معاً ، فهناك استحوذ الشيطان على أوليائه ونجا الذين سبقت لهم من الله الحسنى ) . (أصول الكافي ج1 ص54 ) .
ولكن _ ومع كل هذا وأشباهه _ فان للحـق جلاءه ، ولكلمة الله تمامها ، ولهدى الإسلام وضوحه ، ولموازينه أحكامها ، سواء في بناء الشخصيات أم في دلائل السلوك وغاياته ، فان الله _عز وجل _ الذي تعهّد بان يكون الإسلام _دينه القيّم _هو فطرته التي فطر الناس عليها وان يكون صبغته التي طبع بها العقل الإنساني وتوجّهات إدراكه إذ قال (تعالى) :
( فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ). ( الروم : 30 ) .
وقال ( عز من قائل ) أيضاً : ( صبغة الله ومن احسن من الله صبغة ونحن له عابدون . ) . (البقرة : 138 ) .
أقول : ان الله الذي تعهد هذه الفطرية في الإسلام والصبغة التي أنشأ عليها توجهات العقول جعل لتلك الفطرة كلمتها الأولى في تمييز الحقائق من الدعاوى بعد أن أنار للعقل موازين القياس والتدبّر في الأمور بسهولة ودون أدنى عسر لمن يخلص للحق تطلعه ، ويقيم عليه موازينه .
فعن الرسول (ص) أنه قال : ( إن على كل حق حقيقة ، وعلى كل صواب نوراً ، فما وافق كتاب الله فخذوه ، وما خالف كتاب الله فدعوه ) . ( الوسائل :ج18 ص78 ) .
وعن الإمام أبي جعفر الباقر (ع) : ( لما خلق الله العقل استنطقه ، ثم قال له : أقبل ، فأقبل ، ثم قال له : أدبر ، فأدبر ، ثم قال : وعزتي وجلا لي ما خلقت خلقاً هو أحب إلي منك ، ولا أكملتك إلا فيمن احب . أما إني إياك آمر، وإياك أنهى ، وإياك أعاقب ، وإياك أثيب ) . (أصول الكافي ج1 ص10) .
وفي الحديث عن الإمام الصادق (ع) _ كما يروي المفضل بن عمر_ قال : ( سمعت أبا عبد الله (ع) يقول : أما والله ليغيبنّ إمامكم سنيناً من دهر كم ولتمحصن حتى يقال : مات ؟ قتل ؟ هلك ؟ بأي واد سلك ؟ ولتدمع عليه عيون المؤمنين ، ولتكفؤن كما تكفأ السفن في أمواج البحر ، فلا ينجو إلا من اخذ الله ميثاقه ، وكتب في قلبه الإيمان وأيده بروح منه . قال (المفضل) : فبكيت ، ثم قلت : فكيف نصنع؟، فنظر إلى شمس داخلة في الصفة ، فقال : يا أبا عبد الله ترى هذه الشمس ؟، فقلت : نعم ، فقال : والله لأمرنا أبين من هذه الشمس ). (الكافي ج1 ص336) .
* * *
ثالثاً : ضرورة النظرة الموضوعية ، والتمييز الدقيق بين ركام المدّعيات ، والإشاعات التي تطرح في تقويم الشخصيات العلمية وسلوكها ومواقفها ..
إذ_كما أن للحق كلمته في هذا المجال _للباطل كلمته أيضاً . بل _ وحين لا تتصور للحق إلا كلمة واحدة وموازين مقررة ثابتة ، اعتمدت العقل والفطرة أصلا في بناء الفرد والمجتمع والاستقامة والوضوح سبيلاً للقناعة والإيمان _ فان للباطل تداخلاته الواسعة ، ومتاهاته العمياء ، والتواءاته غير المحدودة التي تزيغ بالبصائر ، وتوهن العزائم ، وتحيد بفكر الإنسان عن قويم المسالك .. ولا سبيل للتسامي على هذه التداخلات والالتواءات ومجابهة هذه المتاهات غير الانطلاق معها من كلمة الله ( تعالى ) وحدها ، وموازين الحق الثابتة فقط .
بل ، وتضطرد أهمية هذه النظرة الموضوعية الصارمة وضرورة الالتزام بمقاييس الحق ، والوعي الكامل لحقائق الأمور ، مع تطور الصراع ، وتصاعد حدته ، إذ كلما ازدادت هذه الحدة فرض الباطل جوانب جديدة من تداخلاته ، وفتح منافذ أخرى للزيغ بالبصيرة لم تكن بالحسبان ، وواتر من التواءاته أمام الفكر لينفرد به وبتوجّهاته ، سواء في صعيد الفرد ام في صعيد المجتمع .
وفي المقابل فان للحق كلمته ومقاييسه في هذه الجوانب أيضا_كما قلنا _ .
وطبيعي ان يكون رجال العلم الديني في المقدمة من قضايا هذا الصراع ، سواء في آفاق مسؤولياتهم الدينية والاجتماعية ، أم في كونهم بعض الأهداف المهمة لحرب الباطل ، ومحاولاته لطمس معالم الحق فيهم.
وهكذا فحين يضع الحق أصوله وموازينه الإسلامية التي يعيّن من خلالها الشخصيات العلمية التي يمكن أن تحتسب عليه، والمواقف النبيلة التي يلتزمها منهم .
وحين يضع _على أساس واضح من حدوده ومناهجه _ دورهم المطلوب ، ويعيّن مهماتهم الكبرى في بيان حجته والوفاء بمسؤوليته ، قبل أن يشرّع سبل العلاقة المناسبة بين الأمة المؤمنة وبينهم ..
وحين يسعى في الوقت نفسه إلى الذّود عن مقدساته وكشف الزيف في المدعيات الأخرى التي تنتسب إليه زوراً ، أو المواقف التي تحتسب عليه بهتانا ، أو الشخصيات التي تتسمى باسمه دون سند من واقع .
أقول : فحين يفعل الحق كل هذا _ ليقود البشرية إلى حيث السعادة الكمال اللذين تطمح إليهما البشرية في أصول نشأتها ، واللذين جسدهما الله في دينه القويم _ فان للباطل فاعليته المعاكسة أيضاً .
إذ أن له جهوده الكبيرة في طرقه الخاصة نحو غاياته الخاصة كذلك، سواء في الطعن على شخصيات الحق ، أم في التشويش على منابع النور فيها ، أم في الانحراف بنظرة المجتمع إليها ، أم في توهين موقعها الكبير في حجة الله على العباد ، وقيادة الأمة في سبيله ، أم في علاقة الناس المؤمنين بهم .
كل هذا في الوقت الذي يسعى فيه إلى فرض رجاله ومواقفه وغاياته وطرائقه في الحياة على النفوس والعقول ، إما عن طريق القوة أو عن طريق الإغراء ، أو غير ذلك مما عرف عن الباطل ومداخله اللامحدودة ، وهي مداخل يجب أن لا يستهان بها في حال من الأحوال، فهي من الخطورة والخفاء بدرجة لا يستبعد منها أحد إلا من ( سبقت لهم من الله الحسنى ) _ كما في الحديث عن أمير المؤمنين (ع) _ .
وكل هذا مما يفرض على المؤمنين عامة _ ورجال العلم المخلصين خاصة_ الارتفاع بالنظرة والسلوك إلى مستوى المسؤولية ، والاستشراف على جميع المدعيات ، وملاحظة الحقائق برؤية إسلامية واضحة ، تضمن لكل منهم سهولة إدراك الحق في معالمه، وبالأخص في الموضوع الذي نتحدث فيه ، أي في تمييز الشخصيات العلمية التي ينبغي الركون إليها ، أم في دورها المطلوب ، أم في بناء العلاقة الرشيدة بها .
وعلى الجميع أن يثقوا _ قبل هذا وبعده _ بعون الله ومدده ، وضمانه لنصرة من نصره ، وتثبيته بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ، وهي وعود أخذها الله على نفسه المقدسة بصريح كتابه الكريم ، إذ قال (تعالى) :
( ولينصرن الله من ينصره ان الله لقوي عزيز .) . (الحج:40) .
وقال (تعالى) : ( ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمةً طيبةً كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء ، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ، ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض مالها من قرار . يثبّت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء . ) (إبراهيم :24 _27 )
وأعتقد أن عطاء السياق المبارك في إيضاح ما نحن فيه أجلى من ان يحتاج إلى تعليق .

خصائص رجل العلم ومميزاته

النقطة الثانية :
ما تفرضه المهمة الكبرى السابقة على رجل العلم من المزايا والخصائص الذاتية التي يجب أن يستوفيها _ وفي أسمى ما يكون الاستيفاء _ في تكوين شخصيته وفي بناء سلوكه ، إذ لا يمكن أن تتحقق منه تلك الغاية بدونها .
وهي مزايا وخصائص _ كما يجب على رجل العلم أن يحققها لنفسه _ يجب على الأمة _ عامة _ أن تلحظها _ وبأدق ما تكون الملاحظة _ فيمن تأخذ عنه دينها ، وتجعلها ميزاناً ثابتاً ودائماً ، تقيس _ على أساسه _ سلوكه ومواقفه على طول الخط في علقتها معه ، دون أدنى مجاملة أو تهاون ، فالموضوع اكبر من ان يتهاون به ، والمسؤولية أدق من أن يجامل فيها أو عليها.
وهي أمور وراء ما ينبغي أن يكون عليه رجل الدين من درجات في العلم ، أو قدرة على فهم الأحكام الشرعية أو إحاطة بالأصول التي يستند إليها في هذا الفهم ، أو غور إلى دقائق التصورات والحقائق والعقائد الإسلامية المختلفة ، كما أنها وراء الشجاعة التي يجب أن يكون عليها قائد الحق .
فالوحدة العامة في الإسلام تعني _فيما تعنيه من دلائل _ وحدة شخصية المؤمن بشكل عام ، ووحدة ما بين الكلمة والسلوك فيها ، ووحدة ما بين الوسيلة والغاية في مواقفها ، وهي أمور بدهية من الإسلام ، وعليها قامت بيناته كافة ، وعليها بنيت شخصيات منتجبيه، والمصطفين لحمل رسالته ، وإبلاغ حجته ، وإن تفاوتت الدرجة لتفاوت الموقع _طبعاً_، فهي في المصطفين بدرجة العصمة الإلهية التي لا تحتمل الخطأ ولا النسيان _كما هو معروف _ بينما هي في رجل الدين لا ترقى إلى هذه الدرجة ، وإن كانت في اكبر درجات الإستقامة والضرورة
ونحن نقف هنا عند خصائص خمس ، لها أهميتها الكبرى في مهمة رجل العلم ، وفي الموقع الذي وضعته فيه تلك النصوص السابقة ، والدور الذي أعدته له في الذود عن حياض الإسلام ، والدفاع عن كلمته ، وبناء عقول الأجيال ،وتزكية نفوسها به .
* * *
الإخلاص لله (تعالى)
الخاصة الأولى _ وهي الأكثر أهمية من بين الخصائص _: الإخلاص لله (تعالى) في كل صغيرة من حياته أو كبيرة .
فالإخلاص لله (تعالى)_قبل أي مهمة وأي دور يلتزمهما الإنسان_ هو الركن الأول للعبودية الصادقة لله، والإسلام المطلق إليه ، لا في مجال طلب العلم ، أو عالم الدعوة إلى الله فحسب ، وإنما في كل شأن من شؤون الإنسان ، وفي كل بعد من أبعاد علاقاته المطلقة ببارئه ، وفي كل سلوك يأتيه .
فما لم يكن هذا الإخلاص لله هو الركن الأول في شخصية الإنسان ، وما لم يكن عمله قائماً عليه كان وبالاً ليس على خصوص صاحبه فحسب ، وإنما على جميع من يتصل به من قريب أو حتى من بعيد ، حسب موقع المرء في المجتمع .
وطبيعي أن تزداد أهمية هذه الخاصة ( الإخلاص ) في رجل العلم المؤمن اكثر من غيره ، إذ هو لا يستطيع أن يحقق هويته الشخصية _ذاتها_ بدونها ، فما معنى أن يكون أحد من الناس حصناً للإسلام في وقت أنه لم يصفُ بواقعه لله (تعالى) ، ولم يسلم وجوده وعمله إليه ؟ ، بل وعن النبي (ص) أنه قال :-
( من تعلمّ علماً لغير الله وأراد به غير الله فليتبوأ مقعده من النار).
* * *
الاستقامة العامة
الخاصة الثانية :الإستقامة العامة مع شريعة الله ، في الإمتثال الشامل لكل أمر من أوامره ، والإنتهاء عن كل نهي من نواهيه ، وعدم تضييع حقّ من حقوقه ، في أي قولٍ يصدر منه ، أو عمل يأتيه او سجّية يتّصف بها . وهذا ما يسمى _ بالإصطلاح الشرعي _ بالعدالة .
فهذه العدالة -وبأرقى ما جعله الإسلام لها من معنى- كما أنها الوسيلة الكبرى التي تمكّن الداعية إلى الله من أداء تلك المسؤولية الكبرى ، هي الرصيد الأول الذي يجب أن تعتمده الأمة المؤمنة في علقتها برجل العلم واتّباعها لكلمته في الإستجابة لتلك المسؤولية ..
والتساؤل الكبير هنا هو : أيّ مهمة من تلك المهمات التي عيّنت له يستطيع القيام بها دون أن يملكٍ من القوة الذاتية في مضمار الحق ما يمكّنه من هذا القيام ؟. ونحن نعلم أن هذه القوة -في جوهرها-إنما هي هذه الاستقامة المطلقة مع الحق في كل حكم من أحكامه ، وكل منهج من مناهجه ، وكل حقيقة من حقائقه ، بمعنى أن لا يتجاوز حداً من حدود الله (عز وجل) ، أو ينحرف عن أمر من أوامره.
ثم أي طريق يمكنه أن يسلكه بالأمة وهو تابع ذليل لعامل الهوى ، خاضع لدواعي الشطط والانحراف ؟ ولا سيما بعد أن ملك من العلم والمنزلة في المجتمع ما يمكنه من تحقيق مآربه الخبيثة ؟.
واعتقد أن الإجابة أوضح من أن تحتاج الى مزيد تأمل.
ويقول الرسول (ص) في بيان هذه النقطة : ( من ازداد علما ولم يزدد هدى لم يزدد من الله إلا بعدا) .
* * *
نعم ، إن علينا أن لا ننسى _ ونحن في هذا الصدد _ أن الإسلام وبيّـناته وحججه هي في رعاية الله الأبدية ، وفي دقيق رقابته ودائم حفظـه .
فالله هو الذي تعهّد عصمة الرسول والرسالة من الناس ، اذ قال (تعالى ) له : (والله يعصمك من الناس ) .
وانه (ص) ورسالته بعين الله وحفظه وكلاءته حيث قال له أيضاً : (فاصبر لحكم ربك انك بأعيننا ) (الطور 48) .
وأنه قد تعهد الذكر الذي أنزله بالحفظ الأبدي ، نقيّ الحجة ، بيّن الهدى ، جليّ البصائر إذ قال (تعالى ) : ( إنّـا نحن نزّلنا الذّكر وإنّـا له لحافظون ) . (الحجر :9) .
كما تعهّد لكلمته_التي أتمّها صدقاً وعدلاً_أن لا مبدل لها: (وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً لا مبدّل لكلماته وهو السميع العليم) . (الأنعـام : 115) .
وكل هذا _وأشباهه من التعهّدات الإلهية _ تستوجب أن يلتفت من يحاول أن يضع نفسه في المنازل الإسلامية الرفيعة ، أو يدّعى لنفسه بعض تلك المقامات العليا ، إلى أن هذه المنازل والمقامات هي بعين الله (تعالى) ، ودقيق رقابته ، وبنظرة إمام العصر(ع) ، الذي عهدت إليه مسؤوليتها الأولى في زمان الغيبة ، ومحال أن تترك لأحد من الناس يتلاعب فيها أنى يشاء دون وازع ، أو رقيب ، أو سلطان يقف به عند حدّه ..
نعم هو قد يستطيع التمويه على عقول بعض العامة من الناس ..
وقد يستطيع الانتشاء بطاعة الرعاع وتفانيهم في خدمته.
وقد يستطيع الالتذاذ بما يناله من أموال ، أو جاه ، أو منـزلة اجتماعية خاصة باسم الدين ، بل هو قد يمدّ له في ذلك زمناً قد يطول، ولكنه ليعلم أن الأيام لا تمضي به إلا لتسلمه إلى ضربة من ضربات القدر فتوقعه في ما يحذر ، فإذا هو ركام من رماد ، عبرة للمعتبرين ، أو في موضع فتنة أبدية ، تصبّ على رأسه سيئات أولئك الرعاع المتّبعين لبدعه وأضاليله ، أو يصبح لعنة للاعنين إلى يوم يبعثون .
هذا بينما يبقى الحق ، ويبقى دين الله ، وتبقى حجته نقية صافية، بمنأى عن البدع والهذيان والممارسات القاصرة والمنحرفة التي تصدر منه أو من متّبعيه ..
ومن أوضح الشواهد على هذه القضية _ بعد الآيات الكريمة والروايات الواردة عن المعصومين (ع ) في هذا المضمون _ ما يشهده المتتبع للتأريخ الإسلامي ، وقيام حجة الله فيه ، بنقائها وصفائها الأبديين ، رغم كل الظروف والمتاهات والممارسات التي جعلها الباطل في طريقها ، ودأب على إقامتها_من جهة_، وقصور أو تقصير القائمين بمسؤوليتها خلال كل هذه العصور ، ولكن ( كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز. ) (المجادلة :21).
( ومن اظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام والله لا يهدي القوم الظالمين . يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون . هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. ) (الصف:6-9).
* ٍِ * *
الخلق الإسلامي الرفيع
الخاصة الثالثة : ان يكون الخلق الإسلامي الرفيع هو الصورة البارزة لشخصية العالم الديني في تعامله أو في علاقاته مع المجتمع .
فمثل هذا التخلّق بالأخلاق الإسلامية الفاضلة _ وبأرفع ما هو ممكن للمؤمن الحق _ ومجانبة الرذائل ، وداواني الصفات ، ضرورات أساسية ينتظرها المجتمع من رجل العلم ، ولا تستساغ منه المخالفة وإن كانت ضمن ما يسمح به الشرع الحنيف .
وهذه النظرة ليست _فقط_من أجل أن الأخلاق السامية هي بعض الحقائق الثابتة من الإسلام ، ويفترض في رجل العلم ان يكون عاملا بما يعلم ، فهذا مما يشترك به المسلمون عامة ، بل السبب فيها _قبل هذا _ما يعنيه ذلك الموقع الرفيع الذي أعدّه الإسلام لرجل العلم في إقامة حجته على الناس ، وما تستوجبه مسؤوليته الكبرى في المجتمع ..
فذلك الموقع وهذه المسؤولية _وكما بيّنتهما مصادر الإسلام المختلفة_ يتلخّصان في كون رجل العلم نبراسا هاديا لذلك المجتمع الذي يعيش فيه ، ومثلاً تربـوياً لرسالته التي التـزمها في الجيل الذي تعهّد هدايـته ، فهو المعـلّم الأمثل لهم في كلـماته ، وهو القدوة الصـالحة لهم في أفعـاله .
ولهذا فحين تعتبر الأخلاق الفاضلة من القضايا المكمّلة لشخصية الإنسان العادي ، تعتبر أحد الأركان الأساسية في شخصية رجل العلم المربّي، إذ بدونها قد يصبح سلوكه سببا ليس في إبعاد الناس عن الغاية التي التزم الوصول إليها في رسالته فحسب ، بل وربما في تنفيرهم عن ذلك الهدف الذي ينشده لهم ، وقد اعدّ نفسه لأن يصبح علماً في سبيله .
ولهذا فلا غرو أن نرى أن مدحة الله العظيم لرسوله الكريم إنما كانت بهذه الأخلاق الفاضلة ، إذ قال (تعالى) :
(وإنك لعـلى خلق عظـيم ) . ( ن :4 ).
وقد بيّن ( تعالى ) السبب في هذه المدحة بقوله : (ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضّوا من حولك ) (آل عمران :159 ).
وصدق الله العلي العظيم .
* * *
وعي المسؤولية
الخاصة الرابعة : أن يعي رجل العلم المؤمن مسؤوليته الكبرى بدقة _وكما يقتضيها موقعه الخاص في الحجة الإلهية والمجتمع -،وان يدرك أبعـادها كافة ، سواء من خـلال ما يلزمه به هذا الموقع من مواقف ، وأصول يجب أن تبنى عليها شخصيته ، أم من خلال ما أوجب الله على المجتمع تجـاهه ، إذ لعلقته معه طابعها المميز، ومقتضياتها الخاصة في الأمة ، وسنعرض لها فيما بعد _ إن شاء الله _ .
وحين نعلم أن من هذه المقتضيات : وجوب اتّباع المجتمع لمعالم الحق التي يحمل رجل العلم مسؤوليتها ومهمّة بيانها ، والاهتداء بدلائل الهدى التي يطرحها ندرك مدى ضرورة أن يلتفت إليها في نطاق مسؤولياته كافة ، حيث لا تكتمل الغايات التي يطمح إلى تحقيقها دون استيعاب مستلزماتها ضمن نظرة متكاملة مع مسؤولياته ومهماته عامة . ويمكننا هنا أن نلحظ بعض الآثار المهمّة لهذه الملاحظة :
1-ضرورة أن يزن رجل العلم كل ما يصدر منه من قول أو فعل من خلال الموازين العامة التي تقتضيها هذه المسؤولية . فهو لا يقول شيئا ، ولا يفعل فعلا قبل أن يعرضه على هذه الموازين ، وبأدقّ ما يكون العرض وبأسمى ما يتصور لها من أصول .
فلربّ قول أو فعل عفوي يصدر منه يحيد ببعض المطلعين عليه عن جادة الحق ، وإن لم يلتفت إلى انحراف الفعل أحد من الناس لو كان قد صدر هذا الفعل من غيره ، إما لعدم أهميته لديهم ، أو لعدم وضوح انحرافه لهم لقلته ، ولكن الخطأ منه _لو صدر_ لا يمكن تداركه ، والخطيئة منه قد لا يمكن تبريرها ، أو حتى التوبة منها ، لأنها قد تصبح سنّة تقتدى ، ومعروف أن من سنّ سنّة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها ، ومن سنّ سنّة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة . والأحاديث بهذا المضمون كثيرة .
ومنها_مما يمسّ موضوعنا _ما عن النبي (ص) : ( من دعا إلى الهدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً ، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً ) .
وعن الباقر (ع) قال : ( من علّم باب هدى فله مثل اجر من عمل به ولا ينقص أولئك من أجورهم شيئاً ، ومن علّم باب ضلالة كان عليهم مثل أوزار من عمل به ، ولا ينقص أولئك من أوزارهم شيئاً ) . (المحجة البيضاء: ص 26ج1) .
* * *
2_ أن ينتبه دائماً _ وهو يقول شيـئاً في المجتمع ، أو يقوم بعمل بين أفراده _ أن لكلمته أو فعله نتائج وآثاراً هي أبعد مما يقصده في نفسه كشخص .
ولرب كلمة عابرة تصدر منه تصبح سنّة حسنة يقتدى بها في سبيل الخير والصلاح الاجتماعي ، في وقت تكون كلمة أخرى مما تهدر به الدماء ، وتهتك الحرم ، أو_على الأقل _ قد يقطع بها من الصلات والوشائج الاجتماعية ما أمر الله به أن يوصل ، فليس كل الناس سواسية في إدراك الأمور ، وليس كل الناس بمستوى واحد في الإخلاص للحق ، وليس كل الناس ممن يستمع القول ليتبع أحسنه ، بل ولعل بعض الناس ممن يتصل بالدين ورجاله لتحقيق مآرب خبيثة، أو ليفرّق الكلمة بين المؤمنين ، أو حتى ليهدم الدين ذاته .
فهناك تفاوت الغايات واختلاف المآرب واضطراب الاتجاهات ، و يجب على رجل العلم أن يأخذها جميعاً بالحسبان وهو يلقي كلمته بين أبناء المجتمع ، أو يفعل فعلاً بينهم ، ليؤدي دوره بكفاءة تامة ، في الوقت الذي يقطع فيه الطريق أمام المتصيدين بالماء العكر .
3_ أن يلتفت إلى أنه نفسه _ ومن خلال موقعه الخاص في المجتمع ، ومن خلال مسؤوليته التي أخذها على نفسه بين أبنائه _ يشكّل عاملاً مهمّاً في وحدة المجتمع المسلم أو في تفرّقه ، وشدّ أواصر الأخوة المؤمنة فيه أو انحلالها ، وقيام الحب الإلهي بين أفراده أو إشاعة البغض أو الشحناء بينهم .
وهذا يعني أن عليه أن يعلم أن لكل مقولة منه أو موقف أثراً إيجابياً أو سلبيأ في هذه الوحدة ومستلزماتها .
وهذه الناحية تحتّم على رجل العلم الديني أن يتّخذ كلا من هذه الأمور _وبما لها من حدّية إسلامية دقيقة _ بعداً من أبعاد مسؤوليته الكبرى في المجتمع _ وراء دوره كداعية إلى الله ومرشد إليه _ لئلا ينصدع المؤمنون بتهاونه ، وتتفرق كلمتهم بانفعاله ، وتنقطع الصلات ما بين بعضهم وبعض ببعض ما يصدر منه ، والمعروف في الحديث من سنة أهل البيت (ع) أن من كسر مؤمناً فعليه جبره .
ومن هنا كان عليه أن يحرص _وبأشد ما يكون الحرص _على :
أ_التأكيد الدائم على الألفة في المجتمع المؤمن ، ومحبة أفراده بعضهم للبعض الآخر، بشكل يصبح منه ظاهرة يقتدي به المؤمنون .
ب _ لين الجانب وعدم الانفعال السريع ، وان رأى التقصير من بعض الناس إزاءه ، أو إزاء من هو قريب منه .
ج _ التواصل والتشاور مع إخوانه المؤمنين ورجال العلم منهم بالخصوص في هذا المضمار حين تجدّ فتنة ، أو يحدث حدث يمكن أن يكون له اثر سلبي على المجتمع ووحدته .
د_ مواصلة الركون إلى المراجع العظام ، وإطلاعهم على الطريقة التي يتّبعها في عمله الاجتماعي ، وعلى النتائج التي بلغها في هذا العمل، وعلى مختلف حاجاته الفكرية وغيرها ، دون مبالغة أو تهويل ، ليصبح المراجع على قدر كاف في الرؤية الاجتماعية ، والعلم بما ينبغي علمه في مراعاة الأولويات ، وتعيين أدور الوكلاء ، وتوجيه علماء المناطق، وتقديم الإرشادات اللازمة لهم ، فالفقهاء هم أولياء الأمور ، وقادة الأمة في سبيل الخير والصلاح .
4_ على رجل العلم أن يلتفت إلى انه لا يمكن ان يجرّد نفسه أمام الله وأمام رسالته من أي سلبية تتأتى من موقف يتخذه في المجتمع الذي يرتبط به ، ويقتدي بقوله أو فعله ، وخصوصا حين يكون هذا الموقف نتيجة تقصير أو انفعال ، لا مبرر له أو انحراف في السلوك لا يستند إلى حجة شرعية.
مثل أعلى ومربّ
الخاصة الخامسة: أن يتذكر دائما أن علقته بالمجتمع الذي يقع ضمن مسؤوليته ذات بعدين أساسيين :
أولهما:كونه مربّيا له ، ومعلّما يسعى للأخذ بيده في هذا الطريق .
ثانيهما: كونه مثلاً أعلى له في طريق الهدى حيث وضع نفسه في هذا الموقع الخاص .
ومع أن لكل من البعدين مسؤوليته الخاصة ، إلاّ أن تكامل ما بين المسؤوليتين ضرورة مهـمة أيضا ، وإلاّ لم يدرك الغاية في أداء رسالته _ كما هو واضح _ .
وحيث كان من مسؤولية البعد الأول ما لاحظناه في الخصائص السابقة ، فإن من مسؤولية البعد الثاني أمورا لها أهميتها أيضاَ .
ويمكننا هنا ملاحظة ما يلي منها :
أن يحيا عصره
1 _أن يعيش عصره الذي يحيا فيه ، بما في معنى العيش من أبعاد، وبما يتطلّبه العصر من ضرورات ، فالإنسان_وقبل أن يتخذ أي دور له في الحياة ، أو يتخصص في أداء مهمة معينة له بين الناس _ إنما هو ابن للعصر الذي يعيش فيه ، إذ هو لا يستطيع ان يتجاوز _ بفهمه وإدراكه وتوجهاته الفكرية_ مقتضيات العصر ومتطلباته .
ولئن تمحض رجل الدين للدراسات الدينية ، واختصّ بالمعارف الإسلامية ، إلا أن هذا يجب أن لا يقطع ما بينه وبين عصره في النمو الثقافي والتطور العلمي ، وملاحظة الأولويات التي يجب ان يتوجه إليها بالمجتمع الذي يقوده ، بل العكس هو الصحيح ..
فدور الريادة الذي أكد عليه الإسلام لأبنائه بين المجتمعات الإنسانية يقتضي أن تكون المرجعية والصفوة من رجال العلم الديني هم القادة في هذا الطريق ، وعليهم فرض كلمة الإسلام على الفكر البشري في مختلف الآفاق ، واستقامته في التوجهات الحضارية الإنسانية لتصبح المجتمعات الإسلامية _من ثم _ هي القدوة الطيبة للمجتمعات الأخرى في أي صعيد من أصعدة الحياة ، إذ لا يمكن ان ترتفع للحجة الإسلامية راية تلفت البصائر ، أو يمتنع هداه عن عاديات الباطل ، أو تستقيم له عزته الإلهية بين الأديان والمذاهب ، بدون هذه الدرجة المتقدمة للمجتمعات الإسلامية بين الشعوب .

السعي للنمو الذاتي
2_ ان يسعى في ذات نفسه إلى النمو العلمي ، والارتفاع بمعرفته الدينية والعصرية معاً إلى القدر الذي يجعله يملك الرؤية الواضحة والمتكاملة فيما يطرحه بين أبناء المجتمع من مسائل وأحكام وحقائق ، وبالقدر الذي يحتاجه في تربية مجتمعه في طريق الهدى _على الأقل_ ، إذ القصور في هذه الناحية قد يوقعه في أمور هو في غني عنها ، وكما قال بعض الفضلاء : ( من تصدّر قبل أوانه فقد تصدّى لهوانه ) . وهي حقيقة مشهودة ، يدركها كل أحد من نفسه قبل غيره .
وهذا الارتفاع بالمعلومات وإنماء المعرفة إنما يتحققان بمواصلة التعلم ، والمراجعة الدائبة لمختلف المصادر العلمية والثقافية التي يحتاجها، والاتصال الروحي بالعلماء الآخرين _ وخاصة المراجع منهم، وقادة الفكر الإسلامي _ ليستلهم منهم المزيد .
ولا بدّ له _ مع هذا _من احترام الوقت بشكل حدّي وحازم، وعدم ترك الأمور الاجتماعية أو عوامل الكسل _ أو غيرها من الصوارف_تأخذ منه أي مأخذ ، فهناك تزاحم بين رسالته تلك وهذه الأمور وعليه أن يوازن بينها ، ولا ريب ان للرسالة أهميتها على كل شيء في الحياة ، وعجلة الزمن تتقدم ، والصراع حاد وشامل ومتصاعد .
ان لا يتجاوز قابلياته
3_أن لا يتجاوز_فيما يطرحه من المسائل والقضايا_ قابلياته الذاتية ، وما يملكه من حدود ثقافية وآفاق علمية ، فهذا التجاوز في حقيقته من القول بغير علم ، ومن حق الله على العباد_كما يقول الإمام الباقر (ع) _ (ان يقولوا ما يعلمون ويقفوا عند ما لا يعلمون).
وعن الإمام الصادق (ع) : ( ان الله _عز وجل _خصّ عباده بآيتين من كتابه : ان لا يقولوا حتى يعلموا ، ولا يردوا ما لم يعلموا . قال الله (عز وجل) : ( ألم يوخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق)، وقال : (بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله) .
وعن الإمام أبي جعفر الباقر (ع) أيضا : (ما علمتم فقولوا ، وما لم تعلموا فقولوا : (الله أعلم) ، ان الرجل ليسترعي بآية من القران يخرّ فيها أبعد مما بين السماء والأرض ) .
ضرورات العملية التربوية
4-يفترض في رجـل العلم أن يلاحـظ أن عملية التربيـة الاجتماعيـة لا تقف ضروراتها في حدود إلقاء المسائل الشرعية والحقائق الإسلامية بشكل عام ، وبأي كيفية كانت .
فهناك الطرق التي تلقى فيها هذه المسائل والحقائق .
وهناك الطرق التي تشدّ انتباه المجتمع إلى ما يلقيه المربي حين الإلقاء .
وهناك الطرق التي تطبع المعلومات في ذاكرة المستمعين .
وهناك المتابعة في التذكير ومراجعة المعلومات بين الفينة والأخرى.
وهناك ملاحظة إلى أي حدّ تغلغلت هذه المعلومات في إيمان الأفراد ، وأوليات سلوكهم الشخصي والاجتماعي، لتصبح _من ثم _ ظاهرة اجتماعية وإنسانية عامة _كما هو المطلوب _ .
ولا ريب أن كلا من هذه الأمور له أولياته في العطاء القرآني وهدى العصمة _ أولاً _وفي الخبرة الإنسانية بشكل عام _ثانياً _.
فيجب أن لا تنسى نتائج الدراسات التربوية ، وعلم النفس ، وعلم الاجتماع ، وسائر العلوم الإنسانية ، فهي نتائج ثرّة ومهمة في هذا المضمار .
بل ولا ننسى التجربة الخاصة لرجل العلم ذاته خلال ممارساته الخاصة لمهمته في المجتمع ، ومدى نجاحه أو فشله خلال مسيرته معه ، فهي مصدر مهم لخبرته الخاصة في هذه الناحية ، وعليه ان يعير لها أهمية كبرى قد لا تقلّ عن تلك المقررات العامة للعلوم الإنسانية ، بل إن تلك المقررات العامة لا تعطي ثمارها المرجوة إلاّ إذا صهرت في بوتقة الخبرة الشخصية ، فلكل عامل خطته ، ولكل مجتمع مشخصاته وضروراته _كما هو معلوم _.
وعلى أي حال ، فعليه أن يسعى لتكوين تصورات مناسبة له في هذه الأمور كافة ، ليستـعين بها في عمله ، حين يريد لنفسه ان يدرك الغاية في جهوده ضمن الوفاء بمسؤوليته ، وعليه أن لا يحمّل الآخرين تبعة فشله في هذا الميدان أو ذاك ، قبل أن ينظر الخلل في طرائق عمله، وملاحظة ما إذا كان قد وقع في أخطاء .
وقد اجمل القران هذه الضرورات كافة حين جعل الحكمة والموعظة الحسنة ، والجدال بما هو احسن شرائط للدعوة إلى الله (تعالى) ، وسبلاَ مشرعةً في أداء هذه المسؤولية ، إذ قال (تعالى): (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن).
ويقول صاحب الميزان (قدس سره) في تفسير الآية الكريمة :
وقد فسرت الحكمة _كما في المفردات _بإصابة الحق بالعلم والعقل . والموعظة _كما عن الخليل _بأنه التذكير بالخير فيما يرقّ له القلب . والجدال _كما في المفردات _بالمفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة .
والتأمل في هذه المعاني يعطي ان المراد بالحكمة _ والله اعلم _ الحجة التي تنتج الحق الذي لا مرية فيه ولا وهن ولا إبهام ، والموعظة هو البيان الذي تلين به النفس ويرق القلب لما فيه من صلاح حال السامع لما فيه من الغبر والعبر ، وجليل الثناء، ومحمود الأثر ، ونحو ذلك .
والجدال هو الحجة التي تستعمل لفتل الخصم عما يصرّ عليه ، وينازع فيه من غير ان يريد ظهور الحق ) . ( يراجع تفسير الميزان في تفسير الآية المباركة ) .
ولان من الموعظة ما هو حسن وما هو غير حسن ، ولان من الجدال مالا يراد به الحق ، أو لا يؤدي إلى الحق وان قصده صاحبه ، فان الآية الكريمة قيدت الموعظة بالحسنة ، والجدال بما هو احسن لمناسبة هذه الأوصاف لمهمة الداعية إلى سبيل الله ، ولا ريب ان الضرورات السابقة هي العدة التي لابد له منها ، لكي يصل إلى هذا الهدف الأسمى _كما هو واضح _.
* * *
فضائل العلم
ولنختم حديثنا في هذه الخصائص بقراءة متأنية متدبّرة لحديث رواه الشيخ الكليني ( ره ) في الكافي ، فيه مجتمع هذه الخصائص وغيرها ، بلغة مشرقة معجزة البيان والدقة، فعن أبي بصير قال : سمعت أبا عبد الله الصادق (ع) يقول :كان أمير المؤمنين (ع) يقول :
( يا طلب العلم، ان العلم ذو فضائل كثيرة ، فرأسه التواضع ، وعينه البراءة من الحسد ، وأذنه الفهم ، ولسانه الصدق ، وحفظه الفحص ، وقلبه حسن النية ، وعقله معرفة الأشياء والأمور ، ويده الرحمة ، ورجله زيارة العلماء ، وحكمته الورع ، ومستقره النجاة ، وقائده العافية ، ومركبه الوفاء ، وسلاحه لين الكلمة ، وسيفه الرضا ، وقوسه المدارة ، وجيشه محاورة العلماء، وماله الأدب ، وذخيرته اجتناب الذنوب ، وزاده المعروف ، ومأواه الموادعة ، ودليله الهدى ، ورفيقه محبة الأخيار ) . (المحجة البيضاء ص157ج1) .

* * *

موقف الأمة من رجل العلم

النقطة الثالثة :
وهي موقف الأمة المؤمنة ودورها المطلوب منها تجاه علماء دينها .
وطبيعي ان لا يتبلور هذه الدور ولا تتضح معالمه الإسلامية قبل ان تضمن الأمة في رجل العلم الديني _ إضافة إلى سمة العلم _ جميع الخصائص التي سبق ان قدّمناها ، إذ لا يمكن ان تطالب الأمة بموقف إيجابي تجاه من لا يستوفي شرائط مقامه ومسؤوليته التي أخذها على عاتقه ، بل العكس ، ولاسيمّا في هذا المقام الجليل ، والمسؤولية العظمى .
إذ تواترت الأحاديث ، ونصوص العصمة في وجوب اليقظة والحذر من علماء السوء ، وان كان لهم الباع الطويل في الإحاطة بكوامن العلم ، والغور إلى أعماق المطالب ، كما بينت اوجه السوء التي يجب على الأمة الحذر منها ومن تبعاتها ..
ومن هذه النصوص ما رواه الشيخ الصدوق ( قده ) في الخصال بسنده عن أبي عبد الله (ع) قال : ( ان من العلماء من يحب ان يجمع علمه ولا يحب ان يؤخذ منه فذاك في الدرك الأول من النار ، ومن العلماء من إذا وعظ أنف، فذاك في الدرك الثاني من النار ، ومن العلماء من يرى ان يضع العلم عند ذوي الثروة والشرف ، ولا يرى له في المساكين وضعاً ، فذاك في الدرك الثالث من النار ، ومن العلماء من يذهب في علمه مذهب الجبابرة والسلاطين ، فان ردّ عليه من قوله أو قصّر في شيء من أمره غضب فذاك في الدرك الرابع من النار ، ومن العلماء من يطلب أحاديث اليهود والنصارى ليغزر به علمه ويكثر به حديثه فذلك في الدرك الخامس من النار ، ومن العلماء من يضع نفسه للفتيا ويقول : (سلوني) ، ولعله لا يصيب حرفاً واحداً ،_ والله لا يحب المتكلفين _فذلك في الدرك السادس من النار ، ومن العلماء من يتخذ العلم مروة وعقلاً (أي يطلب العلم ليعده الناس من أهل المروة والعقل ) فذلك في الدرك السابع من النار (المحجة :129 ج 1)
كما سبق ان قرأنا ما ورد عنه (ع) أيضا : (إذا رأيتم العالم محباً لدنياه فاتهموه على دينكم ، فان كل محب للشيء يحوط ما أحب )
إلى غير ذلك من الأحاديث وهي كثيرة ، ويراها المتتبع في مختلف كتب الحديث .
ولكن وحيث تتبلور الخصائص المطلوبة لرجل العلم الديني في شخص معين ، وبشكل متيقن ، فيتلخص دور الأمة منه ضمن خطوط وضوابط أستطيع أن أقدم بعضها في جوانب .
* * *
العلقة إسلامية
الجانب الأول : أن يدرك المؤمن أن الأصل الذي تنبع منه علقته مع رجل العلم الديني إنما هو الإسلام ، وهدى الله وبصائره التي أخذ رجل الدين على عاتقه التبشير والإنذار بها في المجتمع ، وهي منابع أعمق من أي منابع أخرى تقوم على أساس آخر ، اجتماعي أو أسري أو حيوي أو غير ذلك .
فبالإسلام يتجسد الكمال الذاتي للإنسان في هذا الوجود ، وبه تستقيم صلته الأولى بالله العظيم ، وهي أولى الصلات وأعمقها طراَ .
والإسلام هو النور الذي أنزله الله هدى للبشرية ومناراً لها لبلوغ مقتضيات حكمة الله فيها ، وليجنّبها مزالق السقوط في دركات الانحراف .
ومن هنا بدأت ضرورة الدين .
ومن هنا كان الدين الحق أحد الأمور الحتمية في حكمة الله .
ومن هنا وجب على الإنسان الاستمساك به مادام يريد لنفسه الخير والكمال في هذه الحياة ، والنجاة من عذاب الله في الدنيا والآخرة.
وبما أن المجتمع قد أحرز في رجل العلم الديني التزامه بما أخذه على نفسه من مسؤولية واستوفى جميع شرائط الموقع والمهمة التي تعهـّدها أمام الله وأمام مجتـمعه في أن يأخذ بيده _ وبالقدر الذي يستطيع _ في السبيل الأمثل ، فيجب على المجتمع أن يبني أي علاقة له معه من خلال هذه الأصل خاصة أيضا ،ويقيم أي موقف يتخذه تجاهه على هذه العلاقة قبل أي علاقة أخرى ، وان رآها العرف الإجتماعي مهمة ، وذات أثر كبير .
وهذا يعني أن لا تقف حدود القرابة ، أو العشائرية ، أو الطائفية، أو غيرها من العلاقات ، حاجزاً ما بين أحد الناس وبين رجل العلم ، لأن علقة الإسلام _كما قلت _ أكبر وأعمق في موازين الحقائق الواقعية ، ويدركها الإنسان بوضوح تام حين يريد لذاته الكمال والسعادة في الدنيا ، والنجاح غدا في الآخرة ، إذ لا سبيل له يوفّر له هذه الضرورات غير الإسلام.
* * *
شمولية العلقة مع رجل العلم
الجانب الثاني : مما يتبع النقطة المتقدمة ويتفرع عنها : ملاحظة أن أحكام دين الله شاملة تستوعب أبعاد الحياة كافة ، (وأن لله في كل واقعة حكماً ..)_ كما في التعبير الوارد في بعض النصوص _
هذا من جانب ، ومن جانب آخر فإن ما يستجدّ من القضايا والحوادث يجب الرجوع _للتعرف على أحكامها_ إلى فقهاء أهل البيت (ع) ورواة أحاديثهم .
ففي المكاتبـة المعروفة المرويـة عن إمام العصر (عجل الله فرجه): ( وأما الحوادث الواقعة فارجعوا بها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله ).
وهذا يعني أن دور رجل العلم الديني شامل لجميع آفاق الحياة ، ومهمته عامة لجنباتها كافة ، سواء الشخصية منها أم الاجتماعية أم الاقتصادية أم النفسية أم غيرها .
وعليه فيجب أن يكون هذا العموم في جميع جوانبه طبيعة متأصلة في أي علاقة رابطة بين أحد من الناس ورجل الدين ، فلا تقف _ دون هذه الرابطة أو الإستظلال بها _عوامل تحدّ من الاستفادة منه بأي حال من الأحوال .
فلا يجوز أن يجعل فيها مجالاً لعامل الخجل والحياء ، ولا يستكبر بعض الأمور أو يستهين بها ، ولا يستبعد بعض الحقائق ، فالحدود الإسلامية مقامة ، وكلمة الله يجب أن تستلهم ، والمسؤولية أدق من يتغاضى عنها ، وليدرك المرء أنه حين يقف بين يدي الله العظيم ، لا يشفع له _ حين يكون من المقصّرين _ أن يعتذر بخجل ، أو عدم علم، أو استبعاده لأمر، أو تهاونه في قضية .
* * *
الأدب الإسلامي الرفيع
الجانب الثالث : أن يتأدب مع رجل العلم بكل ما سنّه الشرع الحنيف ، وفرضه العلم على المتعلم من آداب مع معلّميه ومربّـيه .
فهذا التأدّب هو بعض دلائل التزام الإنسان بالشريعة الإلهية _ أولاً _ .
وهي الأساس لاستزادة من العلم والمعرفة ممن يتعلّم منه_ثانياً _ .
وهي المظهر الأسمى لشعور الإنسان بإنسانيته الكاملة _ ثالثاً _ .
ومن أوضح تلك الآداب التي ينبغي مراعاتها :
العلقة والمسؤولية :
أ_ أن يبني ارتبـاطه به على أساس من شعوره بمسئوليته تجاه رسالـته الكبرى في هذه الحياة ، قبـل أي علـقة أخرى ، وعلى عمق هذه الرسـالة في فكره وحياته ، وعظم دورها في استقامته وسعادته في دنيـاه وآخرته ، بمعنى أن يدرك أن العلم الذي يحمله رجل الدين هـو سبب نجاحه وسعـادته تلك ، وان دوره في حياته ينبثق من هذا المنـطلق خاصة ، ولا ريب انـه دور يفوق أي دور آخـر .
وعليـه فينبغي أن يشعر المؤمـن أن الأبوة الروحية في رجل الدين له هي عنوان صلته به ، وان حقوق هذه الأبوة وواجباتها هي الصورة التي يجب أن تتجسد فيها ، إذ لا ريب أن لهذه الأبوة حدودها في الشرع الحنيف ، وحقوقها وواجباتها ، وما عليه إلاّ أن يرجع إليها هناك ليستوفيها حق الاستيفاء .
التواضع للعلم
ب _ التواضع لمقام العلم الذي يحمله رجل العلم ، وأقول : التواضـع لمقام العلم ؛ لأشير إلى إن التـواضع هنا لا يعني خنوعاً أو ذلة ، أو استجابة عمياء لأحد من الناس بما يتنافى وعزة الإيمان أو كرامة الإسـلام ، بل أقصد بالتـواضع هنا هو ذلك التطلّع الموضـوعي الواعي لكلمة الله التي يلقـيها رجل العلم ، والتزامها قبل الاستجـابة لها استجابة مطلقة من اجل النهوض بأعباء مسؤولـيته الإلهية ، والوفـاء بها أكمـل وفاء .
بل إن هذا التواضع _ وحده_ هو الذي يحقق له حاجته من المعاني والمثل التي يتلقاها من رجل العلم ، ومن خلالها يستطيع أن يسمو في سلّم الكمال ، وترتفع درجته في المعرفة .
وفي المقـابل؛ فان التـكبر إزاء ذلك المقام _ لا لحق_ يمكن أن يكون أول الأسباب في إيصاد أبواب الخير، وغلق منافذ الوعي والتفكير عن استماع كلمة الحق وهي تصدر من داعيته ، ورؤية أنوار الهدى وهي تشرق فيها .
وفي هذا التواضع يقول الرسول (ص) :
( من علّم أحدا مسألة ملك رقّـه ، قيل أيبيعه ويشتريه ؟ ، قال (ص) : بل يأمره وينهاه ) .
ويقول (ص) : ( تعلّموا العلم ، وتعلّموا_ للعلم _ السكينة والوقار ، وتواضعوا لمن تتعـلّمون منه ) .
الحرص على لحظات اللقاء
جـ : أن يحرص _ أشد الحرص _ على كل لحظة من لحظات لقائه برجل العلم ، واجتـماعه به ، واستغلال كل بادرة للاستزادة من نمير علمه وعطـائه التربوي الإسـلامي ، دون أي تفريط أو تهاون . وخصـوصاً إذا كان رجل العلم ممن يملك من المؤهلات العلمية والدينـية ما يحقق للمؤمن بغيته من التربية الذاتية ، والسمو الثقافي ، ويتبـلور هذا الحرص عادة بمواصـلة السؤال منه عما يحتاجه من معـالم دينه ، والتعرف على حقـائق عقيدته ، ومناهج تربيـته وتعـاليم أخلاقه ، وغـير ذلك .
والأحاديث الواردة عن أهل البيت (ع) في وجوب السؤال لتحصيل العلم كثيرة جداً ، نقرأ منها :
1_ ما ورد عن الإمـام أبى عبد الله الصادق (ع) انه قال لحمران بن أعين في شيء سأله : ( إنما يهلك الناس لأنهم لا يسألون ) .
2_ وعنه (ع) أيضا انه قال : ( إن هذا العلم عليه قفل ومفتاحه السؤال ) . ( أصول الكافي ج1ص200 ) .
* * *
وهنا ينبـغي الوقـوف قليلاَ لنلـتفت إلى أمور غريبة تدخّلت في هذا الأدب الإسـلامي الرفيع فاستوجبت التخبط فيه .
ومن هذه الأمور الغريبة خفاء في بعض القضايا الأساسية فيه مما استوجب التباساَ على كثير من الناس ..
وهنـاك محاولات الدخلاء وبعض ذوي الغايات القاصرة للانـحراف بتلك اللحظات الثمينة _ لحظات لقاء المجتمع مع رجل العلم الديني _ عن مسارها المجدي الصحيح ..
وهناك القـضايا الهامشية التي تشغل اهتمامات بعض الناس فيحـاول أن يفرضها على تلك اللحـظات فيحيد بها عن جديتها المطـلوبة ، وإن كان هـذا الإنسان من المؤمنـين الطيـبين .
إلي غير ذلك من دواعي الإنحراف .
وكل هذه الأمور وأمثالها نفرض علينا الوقوف على بعض الأسس المطلوبة في هذا المضمار ، لتؤخذ ميزاناً واضحاً يستبين من خلاله كلً من رجل العلم الديني نفسه ، ومن يتصل به من المؤمنين ، دوره المطلوب في كل لقـاء ، وليقيس على أساسه النتائج المتحصّلة منه دون خفاء ..
التركيز على موضع الحاجة من المطالب
1_ أن يهتم السائل _ قدر الإمكان _ بخصوص ما يحتاجه فعلاً من نواحي عقيدته أو أحكامه الشرعية ، أو غيرها من مناهج الإسلام وتعاليمه ، فيستوضحها قبل غيرها مما لم يدخل تحت ابتلائه الفعلي ، إذ لا ريب أن ما يحتاجه حينها _ هو مورد مسؤوليته الأولى ، وهو الذي له الأثـر الأبلغ في حياته الخاصـة قبل غيرها .
نعم هذا لا يعني عدم أهمية الأحكام والحقائق الإسلامية الأخرى في نفسها ، بل هي نور الله وكلمته وهداه ، ولكن لكل من الناس حاجته وابتلاؤه ومسؤوليته كما هو معلوم .
استبعاد الشواغل
2_ أن يستبعد عن فكره _حين يلتقي برجل أو حين يلقي عليه سؤاله _ جميع ما يشغل باله أو يعيقه عما ينبغي له معرفته منه ، ويتجنّب كل ما يصرفه عن متـابعة حديثه وإجاباته عن الأسئلة المطروحة ، وخصوصاً حين يبلغ الحديث إلي أمور تهمه أو كانت من الدقة بشكل يستوجب شدة الإنتباه ، إذ الفرصة قد لا تعود ، والمسؤولية الإلهـية لابد من الوفـاء بها ، وجوانب الحياة كلها _الخاصة منها والعامة _ لا تعدو هذه المسؤولية _ كما قلنا في سابق الحديث _ ، وما لم يستوضح الإنسان كلمـة الله كما ينبغي له فيها وقع في التخبّط في عقيدته وسلوكه معاً ، وهوى في دركات السقوط والانحراف من حيث يعلم أو لا يعلم .
عدم التكلف في الأسئلة
3_ أن لا يتكلف المرء في أسئـلته وما يطرحه من الموضوعات على رجل العلم ، أو يقصـد بها المماراة أو الامتحان ، أو التوهين لمكانته في النفوس ، أو إظهـار عجزه أمام الآخرين ، فكل هذا مما تواتر فيه النهي الشديد عن المعصومين (ع) .
فعن أبي جعفر الباقر (ع) قال : ( من طلب العلم ليباهي به العلماء ، أو يماري به السفهاء ، أو يصرف به وجوه الناس ، فليتبوأ مقعده من النار . إن الرآسة لا تصلح إلا لأهلها ). (أصول الكافي ص47 ).
وعلى المؤمن أن يعـلم هنا أن رجال العلم متفـاوتون في الطاقات والقابليـات ، وأن هناك المبتدئين في طلب العلم ، وهناك اختلاف الإهتمـامات لدى طلبة العلوم الدينية والمراحل التي يقطعها كل منهـم في مسيرته الدراسية ، وهكذا ..
وما دام المؤمن يعلم أن رجل العلم ممن تجلت فيه الخصائص السابقة بشـكل قاطع ، وما دام يرى أن المجتـمع يستفيد مما لديه من معلومات ، ويكتسب مما يتصف به من استقامة في السلوك ، فلا يجوز له أن يتصدى للقـطع ما بين إشعـاعه _وإن كان محدودا_ وبين المجتمع ، لئلا يكون مشمولاً بقوله (تعالى) :
(يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون).
* * *
احترام الوقت
د _: على المؤمن أن يحـترم وقت رجل العـلم _ كأي حق آخر من حقوقـه _وليعلم أن لرجل العلـم اهتماماته ومشاغله الخاصة والعامـة ، وله مراجعاته العـلمية وطموحاته في ميدان التكامل العلمي والديني ، وله مسؤولياته ضمن بيئته ومجتمعه ، وليلتفت إلى أن التزام رجل العلم لتربية المجتمع وتبليغ الأحكام الشرعية لا يعني أن وقته مباح لكل أحد ، دون ضوابط أو حدود .
وعليه ؛ فينبغي أن لا يحاول إشغاله في غير الأوقات التي هيأ نفسه فيها لذلك ، ولا يستـغل أحد من الناس خجله وحياءه عن المصارحة في أن يفـرض نفسه عليه ، فهذا لا يعدو كونه إما من سوء الأدب ، أو مضيعـة للوقت ، أو منعاً لبركات الغايـات الكبرى التي يطمح إليها رجل العـلم في متابعـاته واهتمـاماته السامية .

* * *

استيعاب البصائر والتحفظ عليها
الجانب الرابع : أن يتتبع المؤمن ما يسمعه من رجل العلم من دلالات إلهية ، ويتحفظ عليه قدر استطاعته .
وقد ذكر لهذا التحفّظ أسباب يمكننا تلخيصها فيما يلي :
1_ أن يتفـهم حديث رجل العلم قـدر إمكانه ويتابع ما يطرحه عليه نقـطة نقطة ، ولا يـخجل من استيضاح الغامض عليه ، إما من رجـل العلم ذاتـه أو من غيره ، ليخرج منه بمحـصّل مطابق لما أراده رجـل العلم تـماماَ دون تغيير .
2_ أن يكتب ما سمعه في مذكرات متناسقة يسهل عليه الرجوع إليها عند الحاجة ، وقد ورد الحث على الكتابة من أهل البيت (ع ) .
3_ أن يراجع ما كتبه بين الحين والآخر مراجعة متأملة ، يربط فيها بين مختلف المسائل والأحاديث التي استفادها من اجتماعاته مع رجال العلم ، أو من مطـالعاته الخاصة ، ويسـجل ملاحظاته التي تعنو له في كل مراجعة .
4_ أن يتذاكر ما استفاده من رجل العلم مع من يثق به من إخوانه المؤمنـين ليتـأكد من صحة المعلومات التي استوعبها ومن وضوحها ، قبل أن يتخذها رصيداَ فعلياَ له في سلوكه وعقيدته ، أو ينطلق منها إلى الآفاق الأرفع حين يشاء المزيد.
5_ السير مع رجل العلم بخطوات متصاعدة ، تشعر رجل العلم بثمرة غرسه في المجتمع ، لان تكرار السؤال والجواب معناه الدوران في حلقة مفرغـة دون أدنى استفـادة ، بل العكس هو الصحيح ؛ إذ _وكما عن الإمام أبي عبد الله الصادق (ع) _: ( من استوى يوماه فهو مغبون ، ومن كـان آخر يوميه شرهـما فهو ملعون ، ومن لم ير الزيادة في نفـسه فهو إلى النقـصان ، ومن كان إلى النقصان فالموت خير له من الحياة ) .
وبدهي أن رجـل العلم حين يشـعر أن غرسه لا يؤتي ثماره المرجوة ، ويرى أن من يتـصل به لا يعـني بإجابته بشكل كاف سيشعر بالإحباط ، وقد يتـخذ من المجتمع موقفاً سلبياً إذ الطاقات على التحمل متفاوتة ، كما هو معلوم في الكثير من الحالات المشاهدة .
6_ أن يتعهد بتصحيح ما وصل إليه من معلومات في مختلف الأوقات ولا يغمض عن أي خطأ فيها ، فلا عيب أن يخطأ الإنسان في فهمه ، بل العيب في أن يركن إلى خطئه ويغضي عليه ، وخصوصاً حين يعلم أن هذه الفكرة الخاطئة ستصبح جزءَ من عقيدته ، أو مستنداً لسلوكه ومواقفه .
7_ وعليه أن يعلم _أخيراَ_ انه _بهذا المنهج والتحفظ وحدهما_ يستطيع أن يواصـل المسيرة في الطريق الصحـيح ، ويستمر معه العطاء ويتجـدد، وبهذا المنهج والوسـائل ترتسم الحقائق في الذهن ، وتوتي أكلهـا الجني في تثـبيت الإيمـان الحق ، وبناء السلوك القويم.
* * *
تحقيق المفاهيم الإسلامية في الحياة
الجانب الخامس : أن يسعى المؤمن _ قدر الإمكان _ إلى تحقيق ما استـوعبه من رجل العـلم من المفاهـيم الإسلامية ـ إضافة إلى ما بلـغ إليه هو في سعـيه الذاتي من تلك المفاهيم ، ومراجعته لمختلف المصادر الثقافية الإسلامية _ في واقعه الذي يعيشه وتجسيدها في حياته الخاصـة والعامة على حد سواء .
ويتأتى هذا التحقيق عادة من خلال الملاحظات التالية :
1_: أن يجسّد هذه المفاهيم اتجاهات ثابتة في ذات نفسه ، ويبنى عليها شخصيته في جانبي العقيدة والسلوك على السواء .
فالمعارف الإسلامية ليست ترفاً فكرياً ، أو لذة علمية آنية ، وليست قضايا تثقيفية هامشية يكفي أن يستوعبها الإنسان في ذهنه يتذوقها متى شاء ، وإنما هي _ قبل هذا وبعده _ حاجته الفطرية التي لا يتكامل بدونها ، وهي هدى الله وبصائره في غناء تلك الحاجة ، وهي ميادين الوصول إلى الله (تعالى) ، وهي الطريق القويم للفوز بالفلاح في هذه الدنيا وفي الآخرة ، وهي أصول الحياة الفضلى في مختلف أبعادها ، وفق ما يريده الله ، وجبل عليه كيانه .
وكل هذا مما لا يقف في حدود التصوّر الفكري فقط ، وإنما هو استيـعاب لمختلف شـؤون الحياة الخاصة والعامة ، ولا بد من التطبيق الحدي والجدي فيه ، منذ أولى علاقة للإنسان ببارئه ، ومروراً بعلاقته مع خاصة نفسه ، وحتى آخر أثر لعلاقاته الاجتماعية مع بني جنسه أو التكوينية التي تربطه مع الموجودات الأخرى كافة ..
إذن فلا يستساغ من المؤمن أن يقف مع المعارف الإسلامية التي يستوعبها من رجل العلم _ أو من غيره من المصادر _ عند حدود الفهم الذهني أو التذوّق العاطفي فقط ، بل الواجب عليه وراء هذا أن يجعل تلك المفاهـيم والمعارف أركانا أسـاسية في بناء شخصيته ، ويقيم عليها عقيـدته وسلوكه في مختـلف جوانب حياته .
* * *
2_ أن يتعهّد تعليمها لغـيره ممن يتصل به من ذويه واخوته المؤمنين ، فهذه المفاهيم _كما نعلم _هي من المعروف الذي يجب الأمر به ، وان مخالفتـها من المنكر الذي يجـب النهي عنه ، ومعلوم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أوليات الإسلام ، وأسسه الرصينة ، وبهما وبأهميتهما تواترت الآيات الكريمة في القرآن والأحـاديث الشريـفة الواردة عن المعـصومين (ع ) .
وما أكثر ما نقرأ من الآيات قوله (تعالى) :
( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ) .
وقوله (تعالى) : ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعـون الله ورسوله أولئـك سيرحمهم الله إن الله عـزيز حكيم ).
وغيرها من الآيات الكريمة .
ومن السنة قولهم (ع) : ( ويل لقوم لا يدينون الله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ) .
وقول النبي (ص) : ( لتأمرنّ بالمعروف ولتنهنّ عن المنكر أو ليستعملن عليكم شراركم ، فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم ) .
وفي حديث للإمام الباقر (ع) : ( إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبيل الأنبياء ، ومنهاج الصلحاء . فريضة عظيمة ، بها تقام الفرائض ، وتأمن المذاهب ، وتحلّ المكاسب ، وترد المظالم ، وتعمر الأرض ، وينتصف من الأعداء ، ويستقيم الأمر ) . إلى غير ذلك .
بل وليست علاقة المؤمن برجل العلم الديني _في أولياتها وأصولها التي سبق الحديث فيها _ إلا صورة قائمة على هذا الركن الإسلامي الوطيد _كما هو واضح _، هذا كله من جانب ..
ومن جانب آخر ، فإن هناك ولاية المؤمنين بعضهم لبعض ، ( والمؤمـنون والمؤمـنات بعضهم أولياء بعض ) ..
وهناك الرعـاية الإلهية العامة : (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته).
وهكذا ، فحيث يعلم المؤمن أن من عائلته وأهله وإخوانه ممن لم يسعفه الحظ للالتقاء برجل العلم واستماع ما يلقيه ، أو لقراءة ما يكتبه المخلصون من الكتاب الإسلاميين من معالم الشريعة أو حقائق الأيمان ، فان من الواجب عليه أن يتدارك الأمر بنفسه ، فينقل إليهم تلك المعـالم والحقـائق بأمانة ، ليسـد لهم العوز ، ويمنعهم من السقوط في دركات الهاوية التي قد تناله هو بنفسه آثارها وبنتائجها السلبية .
قال (تعالى) : ( يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراَ وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون . )
وعن أبى عبد الله (ع) قال : ( لما نزلت هذه الآية : ( يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً ) جلس رجل من المسلمين يبكي وقال: أنا عجزت عن نفسي .. كلّـفت أهلي ؟ . فقال رسول الله ( ص ) : حسبك أن تأمرهم بما تأمر به نفسك ، وتنهاهم عما تنهى نفسك ) . إلى غير ذلك .
وبعد فان من مشهور ما ورد عن أهل البيت (ع) _بل يكاد متواترا_ قول النبي (ص) لمعاذ : ( لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من الدنيا وما فيها ) .
وقوله (ص) لعلي (ع) : ( لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير من أن يكون لك حمر النعم ) .
وعن الإمام محمد الباقر (ع) : ( إن الذي يعلم منكم له مثلا أجر المتعلم وله الفضل عليه ، فتعلّموا العلم من حملة العلم ، وعلّموه إخوانكم كما علّمكموه العلماء ) .
3_: أن يعين المؤمـنون رجل العلم الديني في مهمته في الدفاع عن معالم الحق في المجتمع ، وقيامها بين الناس أصولاً ثابتة لحياتهم ، وحدوداً أساسية تنتظم بها علاقاتهم الفردية والاجتماعية والأخلاقية والعبادية ، بجميع أبـعادها التي يريـدها الإسـلام ، وأنزلت بها بصائره ، فما كان يمكن للفقـهاء ورجال العلم أن يحقـقوا الدفاع عن الإسلام أو يكونوا حصوناً له _ كما في تعبير الإمام الكاظم ( ع ) _مع خذلان المجتمع لهم في هذه المهمة ، ودون أن يصبح كل مؤمن من موقعه قاعدة صلبة تتحطم عليها العاديات التي تطمح إلى النيل من كيان الإسلام ، أو موقعه في النفوس ، بدءاً من إغراءات الشيطان ووسوسته في دخائل النفوس ، إلى آخر غاية من غايات أعداء الله في أي صعيد من أصعدة الحياة الإسلامية .
وقد سبق أن أشرنا إلى عموم الصراع بين الحق والباطل ، وشموله لجميع الأصعدة التي يستوعبها الهدى الإسلامي الذي يحيط بدوره بجميع نواحي الحياة .
ومن اجل أن تتم القوة والمنعة في كيان المجتمع المسلم ، وان لا ينفذ الشيطان وجنوده فيه ، فعلى المؤمنين عامة أن يشكّلوا_من خلال القبسات التي تعلموها من بصائر الله وهدى بيناته_صفاً واحداً يستمدّ قوته من الإيمان ، ومن وضوح مفاهيمه واستقامة سبيله .
ومع أن لرجال العلم الديني الدور الطليعي في بناء هذا الصف _ فهم الذين التزموا هذه المهمة في حياتهم ، وتحمّلوا مسؤوليـاتها _ إلا أن هذا لا يغمط الأدوار الأخرى أهميتها وضرورتها ، فلكل مؤمن مخلص دوره ، ولكـل موقعـه ومهمـته ، ومن أوضح هذه المهمات المتصورة هنا :
1 _ :أن يكون كل مؤمن عيناً صادقة لرجل العلم في التعرف على الأولويات التي يحتاجها المجتمع في بناء كيانه الإسلامي ، من المعارف والمفاهيم الإسلامية والأحكام الشرعية ، والوقوف على الأدواء والسلبيات التي تنخر في كيان المجتمع المسلم ، أو الشبهات التي تزيغ بنظرة أبنائه عن تطلعاتهم المبدئية ، في بدايات أطرواحتها ليتخذ رجل العلم دوره المطلوب إزاءها قبل أن تستفحل ، ويقوم بواجبه في منهجية سليمة ، متكاملة مع الحاجة ، بعيدة عن التخبط والعشوائية .
فإن رجل العـلم _ وبحكم ظروفه وعلاقـاته الخاصة _ قد لا يلتفت إلى تلك الأوليات في بداياتها ، أو يقف على تلك الأدواء والشبهات في بواكير طرحها ، مما لا يمكّنه من أن يتخذ منها الموقف المناسب في تلك المراحل الأولى ، وهذا قد يسبب استفحال أمرها ، وانتشار تأثيرها السلبي في المجتمع ، مما يجعل معالجتها اصعب ، وفي حاجة إلى مؤنه اكبر ، سواء في جهوده أو في جهود المخلصين من المؤمنين الآخرين ، هذا بينما ستكون النتائج أضمن والجهد اقل لو قوبلت في بدايات طرحها في المجتمع .
وواضح أن المسؤولية هنا لا تختصّ برجل العلم وحده ، بل هي تعم جميع المؤمنين المخلصين على حد سواء.
* * *
ب _: أن يقـوم كل مؤمن بدوره في بناء الضمير الاجتماعي العـام الذي يعني بقـيام المثل والمفاهـيم والأحكام الإسـلامية في المجتمع بشكل جدي وحاسم ، انطلاقاً من أصغر شريحة اجتماعية في البيت وضمن العلاقات الأسرية الخاصّة، إلى العلاقات الاجتماعية العـامة ، التي يستطـيع ذلك المؤمن التأثير فيها ، فكما أشرنا :أن الرعاية الإلهية عامة ، والولاية الإيمانية شاملة .
وليلتفت المؤمنون إلى أن التغاضي عن التقصير ، والغضّ عن انتشار المفاسد سوف ينتهي بالمجتمع كله إلى الانهيار والشقاء في هذه الحياة ، وإلى أليم عذاب الله ، وشديد عقابه في الآخرة .
والنصوص الإسلامية متواترة في بيان هذه الناحية ، ويكفينا أن نقرأ منها قوله (تعالى) : ( لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون . كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه . لبئس ما كانوا يفعلون ) .
وقول الرسول (ص) : ( لا تزال أمتي بخير ما أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وتعاونوا على البر فإذا لم يفعلوا ذلك نزعت منها البركات ، وسلط بعضهم على بعض ، ولم يكن لهم ناصر في الأرض ولا في السماء ) .
وقول الرسول (ص) : ( إذا أمتي تواكلت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فليأذنوا بوقاع من الله ) .
ومن حديث للإمام الباقر (ع ) : ( أوحى الله إلى شعيب النبي (ع) : إني معذب من قومك مائـة ألف ، أربعـين ألفاَ من شرارهم وستين ألفاَ من خيـارهم . فقال (ع) : يا رب هـؤلاء الأشرار فما بال الأخيار ؟ فأوحى الله _عز وجل _ إليه : داهنوا أهل المعاصي ولم يغضبوا لغضبي ) .
وقانا الله وإيـاكم العثرات ، وجنّبنا المعاصي والخطيئات ، وجعلنا ممن سمع القول فاتـبع أحسنه ، ووعى كلمة الهدى واستنار ببصائرها ، وسدد خطـانا جميعاً لنيل رضاه . انه سميع مجيب .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
وسلام على فقيد الإسلام الغالي يوم ولد ، ويوم مات ، ويوم يبعث حياً .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
3 _ ربيع الأول _1420
ضيـاء زين الـدين