باسم
08-05-2005, 09:00 PM
خاص - إباء
كربلاء المقدسة
وجه رئيس رابطة علماء الدين في العراق سماحة آية الله السيد هادي المدرسي رسالة هامة إلى أعضاء المجلس الوطني العراقي فيما يلي نصها:
﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه أجمعين محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين.
السادة: الأخوة والأخوات أعضاء المجلس الوطني: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
في مستهل عملكم التاريخي أرى من الضروري أن ألفت أنظاركم إلى امور هامّة لابد من الإلتفات إليها وأنتم تقومون بوضع دستور للعراق، وألخّصها في مايلي:
أولا- إن العمل الذي تقومون به ليس أمرا عاديا بحيث يجوز المرور عليه بشكل عابر، فلم تكن الإنتخابات التي إشترك فيها العراقيون هي لتعيين أعضاء في مجلس يتولى وضع القوانين ويراقب سير عمل الحكومة فحسب، كما هو المتبع في برلمانات العالم، بل كان لإنتخاب مجلس يضع دستورا للعراق، وسيكون العراقيون ملزمين في مستقبل أمرهم بكل حرف من حروف هذا الدستور.
ومن هنا فإنكم تتحمّلون مسؤولية كبرى أمام الله وأمام شعبكم، وسوف يذكر التاريخ بإجلال كبير كل من يصدع بالحق منكم، ويدافع عن العدل، وينطلق من المبادئ والقيم التي آمن بها شعب العراق، وجاهد من أجلها طوال نصف قرن من الزمن، كما أن التاريخ سوف لايغفر لمن يسكت عن الحق، ويتعامل مع مسؤوليته هذه، وكأنها مجرد طعمة ومصلحة شخصية، ومنصب تشريفي.
إن دخولكم في هذا المجلس هو في الحقيقة دخول في ساحة المواجهة بين الحق والباطل، والخير والشر والإيمان والنفاق. وهو دخول تم بملأ إرادتكم، بحيث لايستطيع أي واحد منكم غدا أن يتملّص من مسؤلية أي خطأ قد يقع فيه المجلس، فالجميع مسؤولون عن كل بند في الدستور وعن كل كلمة فيه، لأن من لايدافع عن الحق في هذا المجلس، أو يسكت عن الباطل سيكون مثل من يدخل في ساحة معركة مقدّسة، ثم يفرّ من الزحف، أو يخون، أو يتراجع. لقد كان بإستطاعة كل واحد منكم أن لايدخل المعترك وأن لايسعى للنجاح، في هذه الإنتخابات، أما بعد أن قبلها وسعى لها ودخل فيها، فهو كمن يتحمل الشهادة لايجوز له إلاّ أدائها. ومن يكتم شهادة تحملّها فأنه آثم قلبه.
وبالطبع فأنتم لستم أول مجموعة يناط بها وضع دستور لبلادهم، ولن تكونوا آخرهم. إلا أن هنالك فرقاً بين ماتقومون به اليوم وما قام به الآخرون في بلادهم، فأنتم مسبوقون بجهاد شعب ناضل وكافح طويلا حتى تخلّص من الإستبداد والطغيان. فأرواح ملايين الشهداء الذين قتلوا في هذا البلد، ورّوت دمائهم الزاكيات شجرة الحقيقة فيه، تنتظر منكم الوفاء، والولاء، وقول الحق.
إن أرض العراق مصبوغة بدماء رجال ليس في تاريخ البشرية مثيل لهم إلاّ الأنبياء، مثل أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب وأولاده البررة، وقوافل من شهداء معاصرين سقطوا وهم يرفعون راية الحق والحقيقة.
بالإضافة إلى أن عملكم سيكون تأسيسا لنموذج، كما هو تأسيس لدستور دائم، فأنتم اليوم تسنّون في هذه المنطقة المضطربة سنّة دائمة، فإن جاءت سنّة حسنة كان لكم أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، وإن جاءت سيئة كان عليكم وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة.
وإسمحوا لي أن اُصارحكم بالقول، إن العراقيين الذين هم اليوم تحت التراب، سواءً من قُتل أو من مات في زمن القهر، كلهم ولدوا في أحضان الدين وماتوا مؤمنين بذلك الدين، أما الشهداء فكلهم قُتل من أجل تلك القيم والمثل التي جاء بها الأنبياء وكمّلها سيدهم رسول الله، فليست العراق منطقة في صحراء "الواق واق" ، إنما العراق جزء من وطن المسلمين، وشعب العراق جزء من تلك الأمة التي شرّفها الله بآخر دياناته وآخر رسالاته.
وبالقطع واليقين لم يكن مصادفة أن يقيم الإمام علي دولته في ظهر الكوفة، ولا كانت مصادفة أن يُقتل الإمام الحسين سيد شباب أهل الجنة وأصحابه البررة الكرام في هذه الأرض، كما ليس مصادفة أيضا أن يكون موسى بن جعفر ومحمد الجواد وعلي الهادي والحسن العسكري أن تكون أضرحتهم ومقاماتهم وشواهد قبورهم في أرض العراق، كذلك ليس مصادفة أن يكون ربنا قد قرّر أن تكون عاصمة دولة العدل الكونية التي يقيمها الإمام المهدي المنتظر في العراق أيضاً، إن كل هذا يدل على أن ربنا قدّس هذه الأرض بدينه، واختار شعبها لنصرة ذلك الدين، فكل من يعمل لدينه فهو ممّن وفّقه الله لأمر عظيم، ومن خان فسوف يلحق بأعداء الأنبياء والأولياء، ولن يعذره شعب العراق المؤمن بأي شكل من الأشكال.
وأوّل ما يجب أن يهتم به كل واحد منكم أن يكون حارسا على القيم والمثل الربانية. وأن لايقوم بعمله مدفوعا بمصلحة شخصية، أو مدفوعا بخوف، أو يقول قائل قد خجلت، أو انني وافقت على ماوافق عليه الآخرون.
إن كل واحد منكم مسؤول عن مصير العراق كله، وعن مستقبل جميع أفراد شعبه، ومن هنا فإنكم مثل من يمشي في أرض مزروعة بالألغام: الخطأ الأول منه هو الخطأ الأخير، وتذكروا أن مبادئ الحرية والعدل والحق والإيمان هي الأمور التي لابد أن تستند عليها بنود الدستور الذي سوف تضعونه، فلا قيمة لدستور لايلتزم بالقيم، ولامعنى لقانون لايؤسس لعدل.
ويمكن القول، أن باستطاعتكم ان تقرّوا أي دستور للعراق، ولكن تأكدوا أنه إن لم يكن بالفعل دستوراً يلتزم في كل بنوده بالحق والعدل والإنصاف فلا قيمة له عند الله ولا إحترام له عند الناس، وإن أجمعت عليه كلمتكم، لأن بالحق قامت السموات والأرض، وتجاوز الحق لايكون إلا باطلاً، والباطل لايُؤسس عليه إلاّ الباطل. أما إذا أقيم عملكم على الحق والعدل والمثل الدينية فسيكون له قيمتان: قيمة الإنسجام مع جميع مافي الكون، وقيمة إطاعة الباري عزّ وجل، ومن ثم سيكتب له البقاء والدوام، وتأكدوا أنه كما أن التفاح إذا عُصر فلايعطي إلاّ عصير التفاح، بينما البصل إذا عُصر لايعطي إلاّ عصير البصل.. ولايمكن أن يكون العكس بأن نحصل من البصل على عصير التفاح ولا من التفاح عصير البصل.
كذلك لايمكن أن تعطي كلمة الباطل إلاّ باطلا، وليس حقاً، ولايمكن لكلمة الحق إلا أن تؤسس لحق. فعندما يريد أحدكم أن يرفع يده إشارة موافقة على موضوع، أو أن يقول كلمة في قبول مادة، أو ردّها فلابد أن يعجن ذلك بضميره، ويخلطه بدينه، ويوزنه بعقله، ثم يتخذ بعد ذلك موقفه، بما يرضى به الدين، ويقبله العقل، ويوافق عليه الضمير.
إن شعب العراق يتوقّع منكم الكثير، في مختلف المجالات، إلا أن أهم مايتوقّعه أن لاتأتي مواد الدستور مجانبة للحق، أو مخالفة للدين. والمسؤولية هنا شخصية وجماعية، وليس الفرد معذورا إذا وافق الجمع في أمر يخالف دينه، والعكس صحيح أيضا. وإعلموا أن لكم ساعة تنحدرون فيها برؤوسكم إلى قبوركم، وهناك تسألكم ملائكة الله ليس عمّا فعلتم في حياتكم الشخصية فقط بل بما فعلتم بكل فرد من أبناء العراق أيضاً، لأن كل واحد منكم يمثّل ثلاثين مليون شخص، فإذا قرّر ما فيه مصلحة العراقيين فله تحية ثلاثين مليون، وإذا خالف ماينفعهم فسوف تلحقه لعنة ثلاثين مليون، ولا مجاملة في هذا الأمر. إننا جميعا نموت وليست المناصب والمواقع إلاّ محطات عابرة يكون فيها البعض يوما، ثم تنقلب عليه "ولو دامت لغيركم ماوصلت إليكم".
ثانيا- هنالك تطلعات لشعب العراق تتجاوز حاجاتهم الآنية، ومسؤوليتكم لاتقتصر على الإستجابة لطلبات العراقيين فيما يرتبط بمعاشهم اليومي، وأمنهم الإجتماعي، ومصالحهم السياسية اليوم فقط، وإنما تتجاوز إلى تحقيق رغبة العراقيين في بناء حضارة مؤمنة، تنطلق من جديد من أرض الرافدين.
إن العراقيين ينتظرون منكم أن يخرج من أفواهكم نور يستضيء به أهل العالم، بعيدا عن المصالح السياسية و التحزبات الفئوية. وقد تساءل كثيرون وهم يسمعون عن المساومات السريّة التي جرت لتوزيع المناصب والوزارات، مع أن حكومتكم القادمة لن يتجاوز عمرها سنة واحدة فقط، وما أقصر السنة في العمر، وماأقصر الأعمار في حياة الشعوب.
لقد أقلقهم أن تعود من جديد سياسة الغرف المغلقة، وعمليات البيع والشراء وكأن مستقبل العراق مجرد سوق تبيع فيه هذه الفئة لتلك المناصب والمصالح، بعيدا عن أعين العراقيين ومعرفتهم. إن الشفافية اليوم ليست مجرد مطلب من مطالب الشعب وإنما هي مبدأ أساس من مبادئ الديمقراطية، وقد لا يوافق العراقيون من دونها على ماتقررون.
إذ كيف يوافق الإنسان على مالايراه، ولا يدري عنه ولم يسمع به؟ لماذا لاتتحدث الأطراف بصوت مرتفع يسمعه الجميع؟ لماذا لايخرجون إلى الناس ليقولوا ما الذي يجري؟ ولماذا تكون مفاوضاتهم، ومساوماتهم سرية، لقد شبّه بعض الناس المفاوضات التي طالت شهرين وراء الأبواب المغلقة بمجموعة حصلوا على كنز ثمين، فاختفوا وراء جدران مغلقة ليوزعونه فيما بينهم. وإن أخوف ما أخافه على أعضاء هذه الجمعية الموقرة أن ينفصلوا عن الناس بأي حجة من الحجج فلا يعرفون مايفكر فيه أبناء الشعب، فلا يمثلون مصالحهم، ولايتحدثون عن ضمائرهم ويقعون في المطب الذي وقع فيه من سبق من حكام العراق.
وإعلموا أن الشعارات وحدها لاتغري الشعب ولن ترضي الرّب. ولو كانت الشعارات تؤسس الحقائق لكانت شعارات الوحدة، والحرية والإشتراكية وغير ذلك نفعت الذين رفعوها، وكما لم تنفع الشعارات القومية التي كانت فارغة من الحقيقة لن تنفع أيضا اية شعارات، إن كانت بعيدة عن الحقيقة ومجانبة لمبادئ الدين والقيم الإنسانية.
ثالثا- إنكم سوف تتعرضون لضغوط هائلة من مختلف الجهات لكي تتجاهلوا الدين في بنود الدستور، وأول تلك الضغوط ستأتي من إبليس الذي حلف لرب العزة والجلال قائلا: ﴿ لأقعدن لهم صراطك المستقيم ﴾ ثم من ممثليه من أبالسة الإنس، وأصحاب المصالح الخارجية وغيرهم، وأقل ما سيُقال لكم أن تطبيق الدين أمر مثالي لا يمكن تحقيقه، وإن الواقعية تقتضي تجاوز احكامه وشرائعه.
وسوف يقال لكم أيضا: إن العراقيين ليس كلهم مؤمنين بالإسلام.
وستنهال عليكم من اليمين واليسار، ومن فوقكم ومن تحتكم ومما بين يديكم، الضغوط المختلفة لكي تتجاهلوا تطبيق الرّسالة المجمدية، وتتجاهلوا أحكامها، وسوف يخوّفونكم، ويهددونكم أيضا، لكي تسنّوا قوانين ما أنزل الله بها من سلطان، ولكن الله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين.
إن المطلوب منكم وقفة رجال لا تخضع للضغوط فيما يرتبط بمصالح العراقيين ودينهم.
رابعا- ليس من الصحيح أن ينشغل الأخوة في المجلس الوطني بقضايا ترتبط بالإدارة والحكومة، عن مناقشة وإقرار دستور للبلاد. فالمهمة الأولى لهذا المجلس هي أن يضع دستورا يتناسب مع تطلعات العراقيين، بعيدا عن أية ضغوط خارجية، أو مصالح حزبية أو فئوية. وهذا يتطلب الإنشغال بمناقشة مواد الدستور بدل الإنشغال بتقسيم المناصب وتحقيق المصالح الآنية. وهنا لابد أن ننوّه إلى أن العراقيين يتطلعون إلى حل مشاكلهم اليومية مثل مشكلة الأمن والصحة والتعليم والماء والكهرباء. ليس عن طريقكم مباشرة، وإنما عن طريق جعل تلك الأمور من إهتمامات الحكومة الأولية وذلك من خلال إناطة المسؤوليات إلى المختصين المخلصين. ولقد حدد الإمام علي شرطين أساسين لإناطة المسؤوليات إلى الأفراد حينما قال: ﴿ إن أولى الناس بهذا الأمر أقدرهم عليه وأعلمهم بكتاب الله ﴾. فالقدرة والعلم شرطان أساسيان لتحقيق مصالح الناس، فمن يكون قادرا على أمر، إلى جانب علمه بالقيم الإلهية وأحكام الله، فهو أولى من غيره لتكليفه بالمهمات بعيدا عن المحسوبيات الشخصية والفئوية. ومن هنا ضرورة الإستفادة من المتخصصين في مختلف المجالات، بما في ذلك الإستفادة من القانونيين والخبراء في مسألة الدستور،
بإعتبار أن كلمة صغيرة هنا وجملة صغيرة هناك قد تؤثر على مصير هذا الوطن ومصالح المواطنين. وإذا كان بعض الذين دخلوا في هذا المجلس يحتاجون إلى الخبرة في هذه المسألة بالذات، فإن بإستطاعتهم رفع النقص عن طريق تعيين مستشارين لأنفسهم، والإستفادة من آرائهم.
ولابد هنا من التأكيد على ضرورة مراجعة جميع النصوص التي طرحت خلال العامين الماضيين كدستور للعراق، وبمقدار ما أن الإستفادة من هذه النصوص وغيرها مسألة مهمة فإن عدم إهمال أي نص ورد إليكم ضرورة قصوى، فلربما يوجد في الإسقاط ما لايوجد في الإسفاط.
خامسا- أن تركيبة العراق قائمة على التعددّية، وأخذ هذا الواقع بعين الإعتبار يعني أن من واجب الجميع وعلى الأخص من واجبكم، أن تمنعوا وقوع المظالم من هذا الطرف على الطرف الآخر. فعندما يكون أمام الرسّام مجموعة من الألوان فإن وضع اللون المناسب في المكان المناسب هو الذي سيجعل لوحته جميلة وجذابة، أما إذا لم يضع اللّون المناسب في المكان المناسب وتداخلت الألوان من دون تنسيق بينها فسوف تأتي اللوحة مشوهة وممقوتة. وكذلك الأمرفي مسألة العراق فإن إعطاء كل ذي حق حقه، وبمقدار مايستحقه، بل والإحسان إليه أيضاً، سيجعل من العراق لوحة زيتية جميلة تتشوق إليها شعوب المنطقة، ونموذجا ممتازا يقتدي به الآخرون، وإلا فسوف تعم الفوضى في العراق، ويكون هذا الوطن لاسمح الله النموذج المقلوب الذي يكرهه الجميع، وهذا يتطلب أن لانقبل من أحد أن يهضم حق أحد، وأن لانخضع للضغوط، خاصة فيما يرتبط بمسألة الأقلية والأكثرية، فكما أن من المرفوض تماما مصادرة حقوق الأقليات تحت أية ذريعة من الذرائع، فإن من المرفوض أيضا محاولة بعض الأقليات إخضاع الأكثرية لإرادتها.
إن تاريخ العراق إنما كان مضطربا في السابق، لأن بعض الفئات والجماعات، سواء في صورة أحزاب أو طوائف، كانت تريد فرض إرادتها على بقية العراقيين، ولايجوز تكرار هذا الخطأ مرة اخرى، لأن ذلك سوف يدخلنا في نفق لايعلم إلاّ الله نهايته.
سادسا- إن مستقبل العراق وإستقراره يتطلبان إقامة مجتمع مدني سليم، الأمر الذي يتطلب تشجيع، وتأسيس، ومساعدة المؤسسات الشعبية، وعدم تضخيم المؤسسات الحكومية على حساب ذلك.
إن من السهل إقرار دستور يؤكد على إقامة حكومة مركزية لها كل الصلاحيات، تحت ضغط الوضع الأمني المتدهور، ولكن ليس من مصلحة العراق مستقبلا أن تكون الحكومة هي المؤسسة الأولى والأقوى على حساب المؤسسات المدنية.
صحيح أنه لابد من إقامة سلطة حكومية، ولكن لابد ان تكون مستندة إلى سلطة الحق، ومن أولى شرائط سلطة الحق ان لاتلغي المؤسسات التي يقيمها الناس، ولاتكون بديلا بأي شكل من الأشكال عنها، بل تكون حارسة على مصالحهم ومن ثم فإن دورها هو مثل دور شرطي المرور، فهو ليس بديلا عن سائقي السيارات، ولا هو يملك عرباتهم، وليس من حقه أن يقطع الشوارع حسب رغباته ومصالحه، وإنما دوره هو تنظيم السير، وحل المنازعات في هذا المجال وترتيب الأمور. وهكذا يجب أن تكون المؤسسات الحكومية، فإن السلطة الحقيقية هي التي ليست لها سلطات إستثنائية، ولا تكون بديلة عن الناس، ولا منافسة لهم في إدارة شؤونهم، وأن تكون بالفعل مخولة من قبلهم، ومقبولة منهم، ومرضية عنها. وإعلموا أن كل الذين حاولوا في التاريخ أن يجمعوا كل القوى في أيديهم خسروا كل شيء، فمن أراد أن تكون له سلطة حقيقية، فلابد أن يقيم سلطانه على القلوب وليس على الأجساد، وأن يكسب رضا أكثرية الناس ولايثير أحقاد الأقلية..
سابعا- إنّ أهم ثروة في العراق هو شعبه، ولذلك لابد من التركيز على الإهتمام بالإنسان العراقي، أي الإهتمام بمصالحه وثقافته وبصحته وسلامته.
إنّ النظام الصحي قد إنهار، وكذلك النظام التعليمي.. وإن لم يكن هذا الإنهيار في الجانب الصحي والتعليمي ظاهرا للجميع، كما هو ظاهر إنهيار النظام الأمني في هذا البلد، لكنه لابد من الإعتراف بالحقيقة ومن ثم الإهتمام بإقامة نظام صحي شامل ونظام تعليمي عام، ولابد من تنمية الإنسان خاصة في الجانب العلمي إبتداءا من رياض الأطفال وإنتهاءا بالجامعات. ومن هنا فإن هنالك حاجة ملحة جدا إلى الإهتمام بالقدرات والطاقات الكامنة في أطفال العراق، وكذلك الطاقات التي نضجت في رجال العراق، الأمر الذي تمّ إهماله سواءاً في العهد السابق أو بعد إنهياره. إن هنالك مئات الألوف من المثقفين، وأصحاب الكفاءات، والكوادر العلمية التي تجد نفسها اليوم من غير مأوى ولا إهتمام.
إن الإنسان في الحياة هو هدف الوجود، ولا قيمة لوطن ليس للمواطن فيه قيمة، وليس من العدل مطالبة المواطنين بالإخلاص للوطن والعطاء له، من دون أن يشعروا بإخلاص المسؤولين في عملهم وعطائهم لهم.
ثامنا- أن ثروات العراق المادية هي أمانة في أعناقكم اليوم وغدا. فالبترول في العراق يسيل لعاب كل دول العالم، ويُقدّر مايمكن تصديره، بمئتي مليار دولار كعائدات صافية سنوياً. فلايجوز أن تكون هذه الثروة في يد غير أمينة، فتصبح نهبا للشركات "متعددة الجنسيات".
إن ثروة العراق ملك العراقيين، تماما كما هو "هواء العراق" وماء العراق"، وإذا كان لايجوز أن يملك الآخرون مياه العراق ويتحكموا فيها بحيث تروي الأجنبي ويعطش العراقيون، كذلك لايجوز أن يموت العراقيون جوعا بينما ثرواتهم تذهب هدرا إلى غيرهم، من دون أن يعرف أحد شيئا عن صادرات العراق من ثرواته. وبالطبع فإن ذلك بحاجة إلى وضع سياسة عاجلة لموضوع النفط، حتى لايفتح العراقيون غدا عيونهم وقد ذهبت ثرواتهم إلى حيث لايعلمون.
إن العراقيين يطالبون بالشفافية فيما يرتبط بثرواتهم كما يطالبون بالشفافية فيما يرتبط بقضاياهم السياسية والإجتماعية، فإننا في عهد جديد، ومن أولى متطلبات هذا العهد أن يساهم كل عراقي في وضع سياسة بلاده، ومقدمة لذلك فلابد أن يعرف ماذا يملك وماذا يجري، ولابد أن يأخذ الدستور الجديد بعين الإعتبار كيفية مشاركة العراقيين في كل صغيرة وكبيرة من شؤون بلادهم.
تاسعا- إن أهم شيء في دستور العراق القادم هو مايرتبط بالجانب السياسي ونظام الحكم، وإذا كان ذلك الأمر معقّدا في آلياته فليس معقّدا في مبادئه، وهنا أؤكد أن ترسيخ الديمقراطية هو الشعار الذي رفعه جميع العراقيين بعد سقوط نظام الإستبداد السابق، ولكن لا يجوز أن تبقى الديمقراطية مجرد شعار. إنني بالطبع من دعاة الإنتخابات والمشاركة الجماعية في إدارة الأمور، ولكنّني أرى أن الديمقراطية الغربية ناقصة، ولقد كان رئيس وزراء بريطانيا الأسبق "ونستون تشرشل"، (تلك الدولة التي تدّعي أنها إخترعت الديمقراطية للعالم) يقول: "إنّ الديمقراطية أحسن أسوء أنواع الأنظمة".
أما مورد إشكالي على ذلك، فهو ان هذه الديمقراطية ضيّقت المداخل والمخارج في مسألة حقوق الإنسان، ولم يعطهم إلا بمقدار ثلث ماهو حقهم في ذلك، أي أنهم حصلوا في ظل الديمقراطية الغربية على ثلث مايستحقون وبقي ثلثا حقوقهم مهدورة، وكمثال على ذلك أذكر أنهم جعلوا سِناً معينة لمن يحق له التصويت بينما الصحيح هو أمران:
الأول:- أن يكون لكل من يبلغ البلوغ الشرعي الحق في التصويت. فكما أنه يكلف من قبل الله عزّ وجل بالواجبات والمحرمات وأداء العبادات، وكما أنه يُحاسب ويُعاقب على أعماله فإن من حقه أن يكون له رأي في شؤون بلده ومصالحه. فاجعلوا السنّ القانوني للإنتخابات بين خمسة عشر عاما وستة عشر عاما للرجال، وبين عشرة أعوام إلى أثني عشر عاما للنساء.
ثانياً:- لابد من أخذ الأجيال القادمة بعين الإعتبار، فلايجوز أن يُلزَم أولاد الناس الموجودون اليوم وهم في سن لايسمح لهم بالإدلاء بآرائهم، لايجوز أن نلزمهم بقوانين يضعه البالغون من دون أن تؤخذ مصالحهم بعين الإعتبار. ومن هنا فإنني أطالب بأن يكون من حق كل أب له خمسة أولاد صغار، أن يكون له ستة أصوات وهي عبارة عن: صوته هو، وخمسة أصوات من أصوات أولاده.
إن هؤلاء الأولاد سيكبرون بعد سنوات، وإذا لم تؤخذ مصالحهم بعين الإعتبار فلا يرون من واجبهم غداً أن يلتزموا هم بالقوانين التي ستوضع اليوم. وإذا كان البعض سيقول لكم أن هذه سابقة لم يعرفها الناس من قبل، فإن الجواب على ذلك هو أن العراق لابد أن يكون رائداً في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان، ولايجوز أن نتبع الآخرين في أخطائهم.
إن ثروات العراق وخبراته هي ملك لجميع من هو موجود الآن ومن سيأتي من الأجيال القادمة، وإذا كان الصغار ليس بإستطاعتهم أن يميّزوا لكي يختاروا، فهذا لايعني أنه ليس لهم أي حق في ذلك، والطريقة الصحيحة هنا أن يعطى لأوليائهم الحق في التصويت بآرائهم، تماما كما نفعل مع حقوق الصغار في الأموال حيث لاتعطى لهم تلك الأموال، ولكن للأولياء حق التصرّف بها، مع بقائها ملكا للأولاد.
عاشرا- العراق بلد المقدسات، وهذه المقدسات ليست ملكاً للعراقيين، وإنما هي مقدسات جميع المسلمين. فالمراقد المقدسة التي تضم أجسادا طاهرة لأولياء الله هي مأوى قلوب الملايين من الناس في العالم، وليس من حق أحد أن يمنع المؤمنين من التقرّب إلى الله عزّوجل بزيارة هذه المراقد الطاهرة.
وبالإضافة إلى أن تلك المراقد هي ثروة معنوية، فإنها ثروة مادية أيضا، وإذا كانت جميع الدول ترحب بالسيّاح الذين يرغبون في مشاهدة آثارها التاريخية وهي مجرد أحجار، أو قطع معدنية، وتصرف تلك الدول أموالا طائلة للدعاية لآثارها تلك، فإن العراق ليس بحاجة إلى مثل ذلك، لأن ملايين من الناس تهوي زيارة العراق ليس بحثا عن مصلحة وإنما بحثاً عن الثواب، والتقرّب إلى الله، وهذا يعني أن منع هؤلاء أو تقييد زيارتهم للعراق هو جريمة معنوية، بالإضافة إلى أنه خلاف مصلحة العراقيين المادية أيضاً.
ولقد صرّح أحد الخبراء بأن المراكز المقدسة التي يضّمها العراق، من الناحية المادية أكثر قيمة من جميع آبار البترول ومخزوناته.
حادي عشر- من الضروري جدا أن تنصبّ إهتماماتكم على ذوي الحاجات، حتى لا تذهب الثروات من جديد إلى الأغنياء وحدهم، فإذا كان جنوب العراق مثلا مهملا منذ أكثر من قرن من الزمان، بينما بحيرات البترول تجري من تحته، فلا يجوز أن تنصب الجهود على مناطق اخرى، ويتم إهمال الجنوب من جديد، بل لابد أن نذهب إلى أخر كوخ في آخر قرية هناك، ونبدأ إعمار العراق من منها.
إن مواجهة الفقر مسألة أساسية في العراق، ويجب أن تكون لها الأولوية في برنامجكم وإهتماماتكم. ولقد قال الإمام علي: ﴿ مادخل الفقر بلداً إلاّ وقال الكفر خذني معك ﴾.
ومن هنا فلابد من الإهتمام بأفقر الطبقات، وأقلها قدرة على مواجهة التحديات المعيشية، ولاتنسوا أن إزدياد الفقر، مع غلاء الأسعار الفاحش إذا لم يتم معالجته سوف يؤدي إلى ثورة إجتماعية لاتبقي ولاتذر.
إنني أحذر منذ الآن وقبل فوات الأوان من تكوين نظام طبقي بغيض، يؤدي إلى إنهيار العلاقات الإجتماعية وتفاقم مشكلة التمزق في العراق.
ثاني عشر- مطلوب منكم وبشكل عاجل إنصاف المتضررين من النظام السابق، الأمر الذي أهمله مجلس الحكم ولم تهتم به الحكومة حتى الآن، فكلنا نعرف أن هنالك ضحايا للنظام البائد بمئات الألوف، وهنالك الملايين من الذين قتلوا أو شردوا ظلما وعدوانا على أيدي الطغمة الفاسدة. والسؤال هو: مَن ينصف عوائل أولئك الشهداء؟ من يهتم بأصحاب المقابر الجماعية؟ أية مبالغ خُصصت حتى الآن لتوزيعها على أولئك ؟ وكم من السنوات لابد أن ينتظروا حتى يتم إنصافهم؟.
ثالث عشر- لابدّ من الإهتمام بالمرأة وإعطائها حقوقها، ومنع إستمرار الظلم اللاحق بها، ونحن نعرف وبصراحة أن ثقافة فئة كبيرة من المجتمع هي ضد المرأة بإعتبارها عنصرا دونيا، أو أنها مجرد حاجة من حاجات الرجال، وهذا يتطلب ليس مجرد مؤسسات تهتم بالمرأة، وإنما سياسة عامة تأخذ بعين الإعتبار هذه الحقيقة.
إن المرأة ليست نصف المجتمع، ولا هي جزء من الحياة كما يقول البعض، بل هي الحياة بعينها وهي أساس المجتمعات وأي ظلم يلحق بالمرأة هو ظلم بحق الجميع بلا إستثناء.
رابع عشر- مطلوب منكم التواضع، فإن الجلوس في مقاعد الذين سبقوكم، والتنقل بالسيارات الفارهة، والتنافس على حيازة أكبر قدر ممكن من الغنائم، كل ذلك سيؤدي بكم إلى الشعور بالكبرياء، وهو رداء الله الذي لا ينازعه أحد فيه إلاّ وأهلكه.
مطلوب منكم التواضع في مجالات ثلاث: التواضع لله بالتسليم لأحكامه، والتواضع للحق بقبوله، والتواضع للناس بإعطائهم حقوقهم.
ففي المجال الأول لايجوز إلغاء حكم أساسي وثابت من أحكام الدين تحت ذريعة تغيير الظروف أو الواقعية. فربّنا في ثلاث آيات مباركات يؤكد أن من لم يحكم بما أنزل الله ﴿ فأولئك هم الفاسقون ﴾، وفي آية أخرى ﴿ فأولئك هم الظالمون ﴾، وفي آية ثالثة ﴿ فأولئك هم الكافرون ﴾. فلا ترضوا لأنفسكم بالظلم والكفر والفسوق.
أما التواضع للحق فيتطلب القبول بآراء الآخرين، والإستماع إلى ما يقوله أي فرد مهما كانت مكانته متواضعة، فالعاقل من يأخذ الحكمة من أي مصدر كان.
أما التواضع للخلق فيعني أن لا تسمحوا بأن تتحولوا إلى طبقة فوق الناس، خاصة وأنه سيحيط بكم خدم وحشم ورجال شرطة وسيارات الحماية، ومن ثم فلربما شعر أحدكم أنه أصبح في موضع أعلى من الآخرين. إلاّ أن المناصب هي مسؤوليات وليست مغانم.
لقد كنتم في زمن الطاغوت تفهمون الناس وتلتقون بهم بل وتبحثون عن ولائهم، أما اليوم فلا يجوز أن تنسوا أنكم على نفس ما كنتم عليه، وأن هذه الولايات والمناصب والمسؤوليات إنما هي إبتلاءات إلهية ﴿ أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لايفتنون، ولقد فتنّا الذين من قبلهم فليعلمنّ الله الذين صدقوا وليعلمنّ الكاذبين ﴾ وتلك الشعارات التي رفعتموها خلال ثلاثة عقود من الزمن سواء ما يرتبط بإنصاف المظلومين والدفاع عن أصحاب الحقوق، أو ما يرتبط بالدين والشريعة هي اليوم موضع إمتحانكم، ومحل إبتلاءكم، فبمقدار ما كنتم صادقين تلك الأيام فكونوا مخلصين لها اليوم.
وإياكم أن يقول الناس عنكم غدا إن الشعارات التي رُفعت في أيام المعارضة كانت مثل الوعود التي يطلقها المرشحون أيام الإنتخابات وقد ولّى زمانها.
* * *
وفي الختام سامحوني على صراحتي، وقساوة خطابي، فإنني مارجوت من ذلك إلا إرضاء الله وإنصاف عباده.
اللهم هل بلّغت، فاشهد.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
هادي المدرسي
7/ربيع الأول/ 1426هـ.ق
16/نيسان/ 2005م
كربلاء المقدسة
وجه رئيس رابطة علماء الدين في العراق سماحة آية الله السيد هادي المدرسي رسالة هامة إلى أعضاء المجلس الوطني العراقي فيما يلي نصها:
﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه أجمعين محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين.
السادة: الأخوة والأخوات أعضاء المجلس الوطني: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
في مستهل عملكم التاريخي أرى من الضروري أن ألفت أنظاركم إلى امور هامّة لابد من الإلتفات إليها وأنتم تقومون بوضع دستور للعراق، وألخّصها في مايلي:
أولا- إن العمل الذي تقومون به ليس أمرا عاديا بحيث يجوز المرور عليه بشكل عابر، فلم تكن الإنتخابات التي إشترك فيها العراقيون هي لتعيين أعضاء في مجلس يتولى وضع القوانين ويراقب سير عمل الحكومة فحسب، كما هو المتبع في برلمانات العالم، بل كان لإنتخاب مجلس يضع دستورا للعراق، وسيكون العراقيون ملزمين في مستقبل أمرهم بكل حرف من حروف هذا الدستور.
ومن هنا فإنكم تتحمّلون مسؤولية كبرى أمام الله وأمام شعبكم، وسوف يذكر التاريخ بإجلال كبير كل من يصدع بالحق منكم، ويدافع عن العدل، وينطلق من المبادئ والقيم التي آمن بها شعب العراق، وجاهد من أجلها طوال نصف قرن من الزمن، كما أن التاريخ سوف لايغفر لمن يسكت عن الحق، ويتعامل مع مسؤوليته هذه، وكأنها مجرد طعمة ومصلحة شخصية، ومنصب تشريفي.
إن دخولكم في هذا المجلس هو في الحقيقة دخول في ساحة المواجهة بين الحق والباطل، والخير والشر والإيمان والنفاق. وهو دخول تم بملأ إرادتكم، بحيث لايستطيع أي واحد منكم غدا أن يتملّص من مسؤلية أي خطأ قد يقع فيه المجلس، فالجميع مسؤولون عن كل بند في الدستور وعن كل كلمة فيه، لأن من لايدافع عن الحق في هذا المجلس، أو يسكت عن الباطل سيكون مثل من يدخل في ساحة معركة مقدّسة، ثم يفرّ من الزحف، أو يخون، أو يتراجع. لقد كان بإستطاعة كل واحد منكم أن لايدخل المعترك وأن لايسعى للنجاح، في هذه الإنتخابات، أما بعد أن قبلها وسعى لها ودخل فيها، فهو كمن يتحمل الشهادة لايجوز له إلاّ أدائها. ومن يكتم شهادة تحملّها فأنه آثم قلبه.
وبالطبع فأنتم لستم أول مجموعة يناط بها وضع دستور لبلادهم، ولن تكونوا آخرهم. إلا أن هنالك فرقاً بين ماتقومون به اليوم وما قام به الآخرون في بلادهم، فأنتم مسبوقون بجهاد شعب ناضل وكافح طويلا حتى تخلّص من الإستبداد والطغيان. فأرواح ملايين الشهداء الذين قتلوا في هذا البلد، ورّوت دمائهم الزاكيات شجرة الحقيقة فيه، تنتظر منكم الوفاء، والولاء، وقول الحق.
إن أرض العراق مصبوغة بدماء رجال ليس في تاريخ البشرية مثيل لهم إلاّ الأنبياء، مثل أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب وأولاده البررة، وقوافل من شهداء معاصرين سقطوا وهم يرفعون راية الحق والحقيقة.
بالإضافة إلى أن عملكم سيكون تأسيسا لنموذج، كما هو تأسيس لدستور دائم، فأنتم اليوم تسنّون في هذه المنطقة المضطربة سنّة دائمة، فإن جاءت سنّة حسنة كان لكم أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، وإن جاءت سيئة كان عليكم وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة.
وإسمحوا لي أن اُصارحكم بالقول، إن العراقيين الذين هم اليوم تحت التراب، سواءً من قُتل أو من مات في زمن القهر، كلهم ولدوا في أحضان الدين وماتوا مؤمنين بذلك الدين، أما الشهداء فكلهم قُتل من أجل تلك القيم والمثل التي جاء بها الأنبياء وكمّلها سيدهم رسول الله، فليست العراق منطقة في صحراء "الواق واق" ، إنما العراق جزء من وطن المسلمين، وشعب العراق جزء من تلك الأمة التي شرّفها الله بآخر دياناته وآخر رسالاته.
وبالقطع واليقين لم يكن مصادفة أن يقيم الإمام علي دولته في ظهر الكوفة، ولا كانت مصادفة أن يُقتل الإمام الحسين سيد شباب أهل الجنة وأصحابه البررة الكرام في هذه الأرض، كما ليس مصادفة أيضا أن يكون موسى بن جعفر ومحمد الجواد وعلي الهادي والحسن العسكري أن تكون أضرحتهم ومقاماتهم وشواهد قبورهم في أرض العراق، كذلك ليس مصادفة أن يكون ربنا قد قرّر أن تكون عاصمة دولة العدل الكونية التي يقيمها الإمام المهدي المنتظر في العراق أيضاً، إن كل هذا يدل على أن ربنا قدّس هذه الأرض بدينه، واختار شعبها لنصرة ذلك الدين، فكل من يعمل لدينه فهو ممّن وفّقه الله لأمر عظيم، ومن خان فسوف يلحق بأعداء الأنبياء والأولياء، ولن يعذره شعب العراق المؤمن بأي شكل من الأشكال.
وأوّل ما يجب أن يهتم به كل واحد منكم أن يكون حارسا على القيم والمثل الربانية. وأن لايقوم بعمله مدفوعا بمصلحة شخصية، أو مدفوعا بخوف، أو يقول قائل قد خجلت، أو انني وافقت على ماوافق عليه الآخرون.
إن كل واحد منكم مسؤول عن مصير العراق كله، وعن مستقبل جميع أفراد شعبه، ومن هنا فإنكم مثل من يمشي في أرض مزروعة بالألغام: الخطأ الأول منه هو الخطأ الأخير، وتذكروا أن مبادئ الحرية والعدل والحق والإيمان هي الأمور التي لابد أن تستند عليها بنود الدستور الذي سوف تضعونه، فلا قيمة لدستور لايلتزم بالقيم، ولامعنى لقانون لايؤسس لعدل.
ويمكن القول، أن باستطاعتكم ان تقرّوا أي دستور للعراق، ولكن تأكدوا أنه إن لم يكن بالفعل دستوراً يلتزم في كل بنوده بالحق والعدل والإنصاف فلا قيمة له عند الله ولا إحترام له عند الناس، وإن أجمعت عليه كلمتكم، لأن بالحق قامت السموات والأرض، وتجاوز الحق لايكون إلا باطلاً، والباطل لايُؤسس عليه إلاّ الباطل. أما إذا أقيم عملكم على الحق والعدل والمثل الدينية فسيكون له قيمتان: قيمة الإنسجام مع جميع مافي الكون، وقيمة إطاعة الباري عزّ وجل، ومن ثم سيكتب له البقاء والدوام، وتأكدوا أنه كما أن التفاح إذا عُصر فلايعطي إلاّ عصير التفاح، بينما البصل إذا عُصر لايعطي إلاّ عصير البصل.. ولايمكن أن يكون العكس بأن نحصل من البصل على عصير التفاح ولا من التفاح عصير البصل.
كذلك لايمكن أن تعطي كلمة الباطل إلاّ باطلا، وليس حقاً، ولايمكن لكلمة الحق إلا أن تؤسس لحق. فعندما يريد أحدكم أن يرفع يده إشارة موافقة على موضوع، أو أن يقول كلمة في قبول مادة، أو ردّها فلابد أن يعجن ذلك بضميره، ويخلطه بدينه، ويوزنه بعقله، ثم يتخذ بعد ذلك موقفه، بما يرضى به الدين، ويقبله العقل، ويوافق عليه الضمير.
إن شعب العراق يتوقّع منكم الكثير، في مختلف المجالات، إلا أن أهم مايتوقّعه أن لاتأتي مواد الدستور مجانبة للحق، أو مخالفة للدين. والمسؤولية هنا شخصية وجماعية، وليس الفرد معذورا إذا وافق الجمع في أمر يخالف دينه، والعكس صحيح أيضا. وإعلموا أن لكم ساعة تنحدرون فيها برؤوسكم إلى قبوركم، وهناك تسألكم ملائكة الله ليس عمّا فعلتم في حياتكم الشخصية فقط بل بما فعلتم بكل فرد من أبناء العراق أيضاً، لأن كل واحد منكم يمثّل ثلاثين مليون شخص، فإذا قرّر ما فيه مصلحة العراقيين فله تحية ثلاثين مليون، وإذا خالف ماينفعهم فسوف تلحقه لعنة ثلاثين مليون، ولا مجاملة في هذا الأمر. إننا جميعا نموت وليست المناصب والمواقع إلاّ محطات عابرة يكون فيها البعض يوما، ثم تنقلب عليه "ولو دامت لغيركم ماوصلت إليكم".
ثانيا- هنالك تطلعات لشعب العراق تتجاوز حاجاتهم الآنية، ومسؤوليتكم لاتقتصر على الإستجابة لطلبات العراقيين فيما يرتبط بمعاشهم اليومي، وأمنهم الإجتماعي، ومصالحهم السياسية اليوم فقط، وإنما تتجاوز إلى تحقيق رغبة العراقيين في بناء حضارة مؤمنة، تنطلق من جديد من أرض الرافدين.
إن العراقيين ينتظرون منكم أن يخرج من أفواهكم نور يستضيء به أهل العالم، بعيدا عن المصالح السياسية و التحزبات الفئوية. وقد تساءل كثيرون وهم يسمعون عن المساومات السريّة التي جرت لتوزيع المناصب والوزارات، مع أن حكومتكم القادمة لن يتجاوز عمرها سنة واحدة فقط، وما أقصر السنة في العمر، وماأقصر الأعمار في حياة الشعوب.
لقد أقلقهم أن تعود من جديد سياسة الغرف المغلقة، وعمليات البيع والشراء وكأن مستقبل العراق مجرد سوق تبيع فيه هذه الفئة لتلك المناصب والمصالح، بعيدا عن أعين العراقيين ومعرفتهم. إن الشفافية اليوم ليست مجرد مطلب من مطالب الشعب وإنما هي مبدأ أساس من مبادئ الديمقراطية، وقد لا يوافق العراقيون من دونها على ماتقررون.
إذ كيف يوافق الإنسان على مالايراه، ولا يدري عنه ولم يسمع به؟ لماذا لاتتحدث الأطراف بصوت مرتفع يسمعه الجميع؟ لماذا لايخرجون إلى الناس ليقولوا ما الذي يجري؟ ولماذا تكون مفاوضاتهم، ومساوماتهم سرية، لقد شبّه بعض الناس المفاوضات التي طالت شهرين وراء الأبواب المغلقة بمجموعة حصلوا على كنز ثمين، فاختفوا وراء جدران مغلقة ليوزعونه فيما بينهم. وإن أخوف ما أخافه على أعضاء هذه الجمعية الموقرة أن ينفصلوا عن الناس بأي حجة من الحجج فلا يعرفون مايفكر فيه أبناء الشعب، فلا يمثلون مصالحهم، ولايتحدثون عن ضمائرهم ويقعون في المطب الذي وقع فيه من سبق من حكام العراق.
وإعلموا أن الشعارات وحدها لاتغري الشعب ولن ترضي الرّب. ولو كانت الشعارات تؤسس الحقائق لكانت شعارات الوحدة، والحرية والإشتراكية وغير ذلك نفعت الذين رفعوها، وكما لم تنفع الشعارات القومية التي كانت فارغة من الحقيقة لن تنفع أيضا اية شعارات، إن كانت بعيدة عن الحقيقة ومجانبة لمبادئ الدين والقيم الإنسانية.
ثالثا- إنكم سوف تتعرضون لضغوط هائلة من مختلف الجهات لكي تتجاهلوا الدين في بنود الدستور، وأول تلك الضغوط ستأتي من إبليس الذي حلف لرب العزة والجلال قائلا: ﴿ لأقعدن لهم صراطك المستقيم ﴾ ثم من ممثليه من أبالسة الإنس، وأصحاب المصالح الخارجية وغيرهم، وأقل ما سيُقال لكم أن تطبيق الدين أمر مثالي لا يمكن تحقيقه، وإن الواقعية تقتضي تجاوز احكامه وشرائعه.
وسوف يقال لكم أيضا: إن العراقيين ليس كلهم مؤمنين بالإسلام.
وستنهال عليكم من اليمين واليسار، ومن فوقكم ومن تحتكم ومما بين يديكم، الضغوط المختلفة لكي تتجاهلوا تطبيق الرّسالة المجمدية، وتتجاهلوا أحكامها، وسوف يخوّفونكم، ويهددونكم أيضا، لكي تسنّوا قوانين ما أنزل الله بها من سلطان، ولكن الله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين.
إن المطلوب منكم وقفة رجال لا تخضع للضغوط فيما يرتبط بمصالح العراقيين ودينهم.
رابعا- ليس من الصحيح أن ينشغل الأخوة في المجلس الوطني بقضايا ترتبط بالإدارة والحكومة، عن مناقشة وإقرار دستور للبلاد. فالمهمة الأولى لهذا المجلس هي أن يضع دستورا يتناسب مع تطلعات العراقيين، بعيدا عن أية ضغوط خارجية، أو مصالح حزبية أو فئوية. وهذا يتطلب الإنشغال بمناقشة مواد الدستور بدل الإنشغال بتقسيم المناصب وتحقيق المصالح الآنية. وهنا لابد أن ننوّه إلى أن العراقيين يتطلعون إلى حل مشاكلهم اليومية مثل مشكلة الأمن والصحة والتعليم والماء والكهرباء. ليس عن طريقكم مباشرة، وإنما عن طريق جعل تلك الأمور من إهتمامات الحكومة الأولية وذلك من خلال إناطة المسؤوليات إلى المختصين المخلصين. ولقد حدد الإمام علي شرطين أساسين لإناطة المسؤوليات إلى الأفراد حينما قال: ﴿ إن أولى الناس بهذا الأمر أقدرهم عليه وأعلمهم بكتاب الله ﴾. فالقدرة والعلم شرطان أساسيان لتحقيق مصالح الناس، فمن يكون قادرا على أمر، إلى جانب علمه بالقيم الإلهية وأحكام الله، فهو أولى من غيره لتكليفه بالمهمات بعيدا عن المحسوبيات الشخصية والفئوية. ومن هنا ضرورة الإستفادة من المتخصصين في مختلف المجالات، بما في ذلك الإستفادة من القانونيين والخبراء في مسألة الدستور،
بإعتبار أن كلمة صغيرة هنا وجملة صغيرة هناك قد تؤثر على مصير هذا الوطن ومصالح المواطنين. وإذا كان بعض الذين دخلوا في هذا المجلس يحتاجون إلى الخبرة في هذه المسألة بالذات، فإن بإستطاعتهم رفع النقص عن طريق تعيين مستشارين لأنفسهم، والإستفادة من آرائهم.
ولابد هنا من التأكيد على ضرورة مراجعة جميع النصوص التي طرحت خلال العامين الماضيين كدستور للعراق، وبمقدار ما أن الإستفادة من هذه النصوص وغيرها مسألة مهمة فإن عدم إهمال أي نص ورد إليكم ضرورة قصوى، فلربما يوجد في الإسقاط ما لايوجد في الإسفاط.
خامسا- أن تركيبة العراق قائمة على التعددّية، وأخذ هذا الواقع بعين الإعتبار يعني أن من واجب الجميع وعلى الأخص من واجبكم، أن تمنعوا وقوع المظالم من هذا الطرف على الطرف الآخر. فعندما يكون أمام الرسّام مجموعة من الألوان فإن وضع اللون المناسب في المكان المناسب هو الذي سيجعل لوحته جميلة وجذابة، أما إذا لم يضع اللّون المناسب في المكان المناسب وتداخلت الألوان من دون تنسيق بينها فسوف تأتي اللوحة مشوهة وممقوتة. وكذلك الأمرفي مسألة العراق فإن إعطاء كل ذي حق حقه، وبمقدار مايستحقه، بل والإحسان إليه أيضاً، سيجعل من العراق لوحة زيتية جميلة تتشوق إليها شعوب المنطقة، ونموذجا ممتازا يقتدي به الآخرون، وإلا فسوف تعم الفوضى في العراق، ويكون هذا الوطن لاسمح الله النموذج المقلوب الذي يكرهه الجميع، وهذا يتطلب أن لانقبل من أحد أن يهضم حق أحد، وأن لانخضع للضغوط، خاصة فيما يرتبط بمسألة الأقلية والأكثرية، فكما أن من المرفوض تماما مصادرة حقوق الأقليات تحت أية ذريعة من الذرائع، فإن من المرفوض أيضا محاولة بعض الأقليات إخضاع الأكثرية لإرادتها.
إن تاريخ العراق إنما كان مضطربا في السابق، لأن بعض الفئات والجماعات، سواء في صورة أحزاب أو طوائف، كانت تريد فرض إرادتها على بقية العراقيين، ولايجوز تكرار هذا الخطأ مرة اخرى، لأن ذلك سوف يدخلنا في نفق لايعلم إلاّ الله نهايته.
سادسا- إن مستقبل العراق وإستقراره يتطلبان إقامة مجتمع مدني سليم، الأمر الذي يتطلب تشجيع، وتأسيس، ومساعدة المؤسسات الشعبية، وعدم تضخيم المؤسسات الحكومية على حساب ذلك.
إن من السهل إقرار دستور يؤكد على إقامة حكومة مركزية لها كل الصلاحيات، تحت ضغط الوضع الأمني المتدهور، ولكن ليس من مصلحة العراق مستقبلا أن تكون الحكومة هي المؤسسة الأولى والأقوى على حساب المؤسسات المدنية.
صحيح أنه لابد من إقامة سلطة حكومية، ولكن لابد ان تكون مستندة إلى سلطة الحق، ومن أولى شرائط سلطة الحق ان لاتلغي المؤسسات التي يقيمها الناس، ولاتكون بديلا بأي شكل من الأشكال عنها، بل تكون حارسة على مصالحهم ومن ثم فإن دورها هو مثل دور شرطي المرور، فهو ليس بديلا عن سائقي السيارات، ولا هو يملك عرباتهم، وليس من حقه أن يقطع الشوارع حسب رغباته ومصالحه، وإنما دوره هو تنظيم السير، وحل المنازعات في هذا المجال وترتيب الأمور. وهكذا يجب أن تكون المؤسسات الحكومية، فإن السلطة الحقيقية هي التي ليست لها سلطات إستثنائية، ولا تكون بديلة عن الناس، ولا منافسة لهم في إدارة شؤونهم، وأن تكون بالفعل مخولة من قبلهم، ومقبولة منهم، ومرضية عنها. وإعلموا أن كل الذين حاولوا في التاريخ أن يجمعوا كل القوى في أيديهم خسروا كل شيء، فمن أراد أن تكون له سلطة حقيقية، فلابد أن يقيم سلطانه على القلوب وليس على الأجساد، وأن يكسب رضا أكثرية الناس ولايثير أحقاد الأقلية..
سابعا- إنّ أهم ثروة في العراق هو شعبه، ولذلك لابد من التركيز على الإهتمام بالإنسان العراقي، أي الإهتمام بمصالحه وثقافته وبصحته وسلامته.
إنّ النظام الصحي قد إنهار، وكذلك النظام التعليمي.. وإن لم يكن هذا الإنهيار في الجانب الصحي والتعليمي ظاهرا للجميع، كما هو ظاهر إنهيار النظام الأمني في هذا البلد، لكنه لابد من الإعتراف بالحقيقة ومن ثم الإهتمام بإقامة نظام صحي شامل ونظام تعليمي عام، ولابد من تنمية الإنسان خاصة في الجانب العلمي إبتداءا من رياض الأطفال وإنتهاءا بالجامعات. ومن هنا فإن هنالك حاجة ملحة جدا إلى الإهتمام بالقدرات والطاقات الكامنة في أطفال العراق، وكذلك الطاقات التي نضجت في رجال العراق، الأمر الذي تمّ إهماله سواءاً في العهد السابق أو بعد إنهياره. إن هنالك مئات الألوف من المثقفين، وأصحاب الكفاءات، والكوادر العلمية التي تجد نفسها اليوم من غير مأوى ولا إهتمام.
إن الإنسان في الحياة هو هدف الوجود، ولا قيمة لوطن ليس للمواطن فيه قيمة، وليس من العدل مطالبة المواطنين بالإخلاص للوطن والعطاء له، من دون أن يشعروا بإخلاص المسؤولين في عملهم وعطائهم لهم.
ثامنا- أن ثروات العراق المادية هي أمانة في أعناقكم اليوم وغدا. فالبترول في العراق يسيل لعاب كل دول العالم، ويُقدّر مايمكن تصديره، بمئتي مليار دولار كعائدات صافية سنوياً. فلايجوز أن تكون هذه الثروة في يد غير أمينة، فتصبح نهبا للشركات "متعددة الجنسيات".
إن ثروة العراق ملك العراقيين، تماما كما هو "هواء العراق" وماء العراق"، وإذا كان لايجوز أن يملك الآخرون مياه العراق ويتحكموا فيها بحيث تروي الأجنبي ويعطش العراقيون، كذلك لايجوز أن يموت العراقيون جوعا بينما ثرواتهم تذهب هدرا إلى غيرهم، من دون أن يعرف أحد شيئا عن صادرات العراق من ثرواته. وبالطبع فإن ذلك بحاجة إلى وضع سياسة عاجلة لموضوع النفط، حتى لايفتح العراقيون غدا عيونهم وقد ذهبت ثرواتهم إلى حيث لايعلمون.
إن العراقيين يطالبون بالشفافية فيما يرتبط بثرواتهم كما يطالبون بالشفافية فيما يرتبط بقضاياهم السياسية والإجتماعية، فإننا في عهد جديد، ومن أولى متطلبات هذا العهد أن يساهم كل عراقي في وضع سياسة بلاده، ومقدمة لذلك فلابد أن يعرف ماذا يملك وماذا يجري، ولابد أن يأخذ الدستور الجديد بعين الإعتبار كيفية مشاركة العراقيين في كل صغيرة وكبيرة من شؤون بلادهم.
تاسعا- إن أهم شيء في دستور العراق القادم هو مايرتبط بالجانب السياسي ونظام الحكم، وإذا كان ذلك الأمر معقّدا في آلياته فليس معقّدا في مبادئه، وهنا أؤكد أن ترسيخ الديمقراطية هو الشعار الذي رفعه جميع العراقيين بعد سقوط نظام الإستبداد السابق، ولكن لا يجوز أن تبقى الديمقراطية مجرد شعار. إنني بالطبع من دعاة الإنتخابات والمشاركة الجماعية في إدارة الأمور، ولكنّني أرى أن الديمقراطية الغربية ناقصة، ولقد كان رئيس وزراء بريطانيا الأسبق "ونستون تشرشل"، (تلك الدولة التي تدّعي أنها إخترعت الديمقراطية للعالم) يقول: "إنّ الديمقراطية أحسن أسوء أنواع الأنظمة".
أما مورد إشكالي على ذلك، فهو ان هذه الديمقراطية ضيّقت المداخل والمخارج في مسألة حقوق الإنسان، ولم يعطهم إلا بمقدار ثلث ماهو حقهم في ذلك، أي أنهم حصلوا في ظل الديمقراطية الغربية على ثلث مايستحقون وبقي ثلثا حقوقهم مهدورة، وكمثال على ذلك أذكر أنهم جعلوا سِناً معينة لمن يحق له التصويت بينما الصحيح هو أمران:
الأول:- أن يكون لكل من يبلغ البلوغ الشرعي الحق في التصويت. فكما أنه يكلف من قبل الله عزّ وجل بالواجبات والمحرمات وأداء العبادات، وكما أنه يُحاسب ويُعاقب على أعماله فإن من حقه أن يكون له رأي في شؤون بلده ومصالحه. فاجعلوا السنّ القانوني للإنتخابات بين خمسة عشر عاما وستة عشر عاما للرجال، وبين عشرة أعوام إلى أثني عشر عاما للنساء.
ثانياً:- لابد من أخذ الأجيال القادمة بعين الإعتبار، فلايجوز أن يُلزَم أولاد الناس الموجودون اليوم وهم في سن لايسمح لهم بالإدلاء بآرائهم، لايجوز أن نلزمهم بقوانين يضعه البالغون من دون أن تؤخذ مصالحهم بعين الإعتبار. ومن هنا فإنني أطالب بأن يكون من حق كل أب له خمسة أولاد صغار، أن يكون له ستة أصوات وهي عبارة عن: صوته هو، وخمسة أصوات من أصوات أولاده.
إن هؤلاء الأولاد سيكبرون بعد سنوات، وإذا لم تؤخذ مصالحهم بعين الإعتبار فلا يرون من واجبهم غداً أن يلتزموا هم بالقوانين التي ستوضع اليوم. وإذا كان البعض سيقول لكم أن هذه سابقة لم يعرفها الناس من قبل، فإن الجواب على ذلك هو أن العراق لابد أن يكون رائداً في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان، ولايجوز أن نتبع الآخرين في أخطائهم.
إن ثروات العراق وخبراته هي ملك لجميع من هو موجود الآن ومن سيأتي من الأجيال القادمة، وإذا كان الصغار ليس بإستطاعتهم أن يميّزوا لكي يختاروا، فهذا لايعني أنه ليس لهم أي حق في ذلك، والطريقة الصحيحة هنا أن يعطى لأوليائهم الحق في التصويت بآرائهم، تماما كما نفعل مع حقوق الصغار في الأموال حيث لاتعطى لهم تلك الأموال، ولكن للأولياء حق التصرّف بها، مع بقائها ملكا للأولاد.
عاشرا- العراق بلد المقدسات، وهذه المقدسات ليست ملكاً للعراقيين، وإنما هي مقدسات جميع المسلمين. فالمراقد المقدسة التي تضم أجسادا طاهرة لأولياء الله هي مأوى قلوب الملايين من الناس في العالم، وليس من حق أحد أن يمنع المؤمنين من التقرّب إلى الله عزّوجل بزيارة هذه المراقد الطاهرة.
وبالإضافة إلى أن تلك المراقد هي ثروة معنوية، فإنها ثروة مادية أيضا، وإذا كانت جميع الدول ترحب بالسيّاح الذين يرغبون في مشاهدة آثارها التاريخية وهي مجرد أحجار، أو قطع معدنية، وتصرف تلك الدول أموالا طائلة للدعاية لآثارها تلك، فإن العراق ليس بحاجة إلى مثل ذلك، لأن ملايين من الناس تهوي زيارة العراق ليس بحثا عن مصلحة وإنما بحثاً عن الثواب، والتقرّب إلى الله، وهذا يعني أن منع هؤلاء أو تقييد زيارتهم للعراق هو جريمة معنوية، بالإضافة إلى أنه خلاف مصلحة العراقيين المادية أيضاً.
ولقد صرّح أحد الخبراء بأن المراكز المقدسة التي يضّمها العراق، من الناحية المادية أكثر قيمة من جميع آبار البترول ومخزوناته.
حادي عشر- من الضروري جدا أن تنصبّ إهتماماتكم على ذوي الحاجات، حتى لا تذهب الثروات من جديد إلى الأغنياء وحدهم، فإذا كان جنوب العراق مثلا مهملا منذ أكثر من قرن من الزمان، بينما بحيرات البترول تجري من تحته، فلا يجوز أن تنصب الجهود على مناطق اخرى، ويتم إهمال الجنوب من جديد، بل لابد أن نذهب إلى أخر كوخ في آخر قرية هناك، ونبدأ إعمار العراق من منها.
إن مواجهة الفقر مسألة أساسية في العراق، ويجب أن تكون لها الأولوية في برنامجكم وإهتماماتكم. ولقد قال الإمام علي: ﴿ مادخل الفقر بلداً إلاّ وقال الكفر خذني معك ﴾.
ومن هنا فلابد من الإهتمام بأفقر الطبقات، وأقلها قدرة على مواجهة التحديات المعيشية، ولاتنسوا أن إزدياد الفقر، مع غلاء الأسعار الفاحش إذا لم يتم معالجته سوف يؤدي إلى ثورة إجتماعية لاتبقي ولاتذر.
إنني أحذر منذ الآن وقبل فوات الأوان من تكوين نظام طبقي بغيض، يؤدي إلى إنهيار العلاقات الإجتماعية وتفاقم مشكلة التمزق في العراق.
ثاني عشر- مطلوب منكم وبشكل عاجل إنصاف المتضررين من النظام السابق، الأمر الذي أهمله مجلس الحكم ولم تهتم به الحكومة حتى الآن، فكلنا نعرف أن هنالك ضحايا للنظام البائد بمئات الألوف، وهنالك الملايين من الذين قتلوا أو شردوا ظلما وعدوانا على أيدي الطغمة الفاسدة. والسؤال هو: مَن ينصف عوائل أولئك الشهداء؟ من يهتم بأصحاب المقابر الجماعية؟ أية مبالغ خُصصت حتى الآن لتوزيعها على أولئك ؟ وكم من السنوات لابد أن ينتظروا حتى يتم إنصافهم؟.
ثالث عشر- لابدّ من الإهتمام بالمرأة وإعطائها حقوقها، ومنع إستمرار الظلم اللاحق بها، ونحن نعرف وبصراحة أن ثقافة فئة كبيرة من المجتمع هي ضد المرأة بإعتبارها عنصرا دونيا، أو أنها مجرد حاجة من حاجات الرجال، وهذا يتطلب ليس مجرد مؤسسات تهتم بالمرأة، وإنما سياسة عامة تأخذ بعين الإعتبار هذه الحقيقة.
إن المرأة ليست نصف المجتمع، ولا هي جزء من الحياة كما يقول البعض، بل هي الحياة بعينها وهي أساس المجتمعات وأي ظلم يلحق بالمرأة هو ظلم بحق الجميع بلا إستثناء.
رابع عشر- مطلوب منكم التواضع، فإن الجلوس في مقاعد الذين سبقوكم، والتنقل بالسيارات الفارهة، والتنافس على حيازة أكبر قدر ممكن من الغنائم، كل ذلك سيؤدي بكم إلى الشعور بالكبرياء، وهو رداء الله الذي لا ينازعه أحد فيه إلاّ وأهلكه.
مطلوب منكم التواضع في مجالات ثلاث: التواضع لله بالتسليم لأحكامه، والتواضع للحق بقبوله، والتواضع للناس بإعطائهم حقوقهم.
ففي المجال الأول لايجوز إلغاء حكم أساسي وثابت من أحكام الدين تحت ذريعة تغيير الظروف أو الواقعية. فربّنا في ثلاث آيات مباركات يؤكد أن من لم يحكم بما أنزل الله ﴿ فأولئك هم الفاسقون ﴾، وفي آية أخرى ﴿ فأولئك هم الظالمون ﴾، وفي آية ثالثة ﴿ فأولئك هم الكافرون ﴾. فلا ترضوا لأنفسكم بالظلم والكفر والفسوق.
أما التواضع للحق فيتطلب القبول بآراء الآخرين، والإستماع إلى ما يقوله أي فرد مهما كانت مكانته متواضعة، فالعاقل من يأخذ الحكمة من أي مصدر كان.
أما التواضع للخلق فيعني أن لا تسمحوا بأن تتحولوا إلى طبقة فوق الناس، خاصة وأنه سيحيط بكم خدم وحشم ورجال شرطة وسيارات الحماية، ومن ثم فلربما شعر أحدكم أنه أصبح في موضع أعلى من الآخرين. إلاّ أن المناصب هي مسؤوليات وليست مغانم.
لقد كنتم في زمن الطاغوت تفهمون الناس وتلتقون بهم بل وتبحثون عن ولائهم، أما اليوم فلا يجوز أن تنسوا أنكم على نفس ما كنتم عليه، وأن هذه الولايات والمناصب والمسؤوليات إنما هي إبتلاءات إلهية ﴿ أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لايفتنون، ولقد فتنّا الذين من قبلهم فليعلمنّ الله الذين صدقوا وليعلمنّ الكاذبين ﴾ وتلك الشعارات التي رفعتموها خلال ثلاثة عقود من الزمن سواء ما يرتبط بإنصاف المظلومين والدفاع عن أصحاب الحقوق، أو ما يرتبط بالدين والشريعة هي اليوم موضع إمتحانكم، ومحل إبتلاءكم، فبمقدار ما كنتم صادقين تلك الأيام فكونوا مخلصين لها اليوم.
وإياكم أن يقول الناس عنكم غدا إن الشعارات التي رُفعت في أيام المعارضة كانت مثل الوعود التي يطلقها المرشحون أيام الإنتخابات وقد ولّى زمانها.
* * *
وفي الختام سامحوني على صراحتي، وقساوة خطابي، فإنني مارجوت من ذلك إلا إرضاء الله وإنصاف عباده.
اللهم هل بلّغت، فاشهد.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
هادي المدرسي
7/ربيع الأول/ 1426هـ.ق
16/نيسان/ 2005م