PDA

View Full Version : الربا و البنك الإسلامي - الشّيخ ناصر المكارم الشيرازي (دام ظلّه)


غير مسجل
05-03-2005, 01:47 AM
الربا و البنك الإسلامي
(بحوث فقهية)

لسماحة آية الله العظمى

الشّيخ ناصر المكارم الشيرازي (دام ظلّه)

اعداد و تـنظيم
الشّيخ ابوالقاسم عليان نژادي
القسم الثقافي لمدرسة الامام اميرالمؤمنين(ع)


[2]

هوية الكتاب
اسم الكتاب: الربا والبنك الإسلامي
اعداد و تنظيم: الشيخ ابوالقاسم عليان نژادي
تعريب: المؤسسة الإسلامية للتّرجمة
الناشر: مدرسة الامام علي بن ابي طالب(ع)
الطبعة: الأولى
عدد الصفحات: 189 صفحة
اصدار: القسم الثقافي لمدرسة الامام اميرالمؤمنين(ع)
المطبعة: اميرالمؤمنين(ع)
التّاريخ: شوال المكرّم 1419 هجرية
الشابك: 1-21-6632-964 isbn:964-6632-21-1

[3]


بسم الله الرّحمن الرّحيم



تمهيد:
إنّ العلماء والمحقّقين بمثابة الشّمس السّاطعة يفيضون على الأنام دوماً أنوار علومهم، وضياء معارفهم، ولا يعيقهم عن أداء مسؤوليتهم في تعليم الناس وتربيتهم حواجز الزمان، ولا حواجب المكان(1)، وقد استوت لديهم في مسار خدمة الدين المبين وتبليغ أحكام الرسالة الختمية أوقات العسر واليسر، وأيام التحصيل والتعطيل، بل لا فرق بين هذه الأيام إلاّ في نوع العمل المستمر والدؤوب الذي لا يعرف تريثاً في سفر، أو استراحة في عطلة(2)، وحتى السجن لم يسجّل عائقاً عن مواصلة نشاطهم، أو مانعاً لهم

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وقد وردت الإشارة إلى هذا المعنى في الرّوايات الشّريفة أيضاً، منها ما ورد في كتاب «ميزان الحكمة» الباب 3626، الحديث 18503، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال:
«إنّ مثل العلماء كمثل النجوم في السماء يهتدي بها في ظلمات البرّ والبحر، فإذا انطمست النجوم اُوشك أن تضلّ الهداة».
(2) هذا، وان الملحوظ في المراكز العلمية القديمة والجديدة وخاصة في الأوانة الأخيرة ـ مع الأسف ـ هو زيادة أيام العطل، وقد تكون أيام العطل أحياناً أكثر من أيام الدراسة والتحصيل العلمي، فينبغي على أولياء الاُمور في الحوزات العلمية والجامعات التكاتف مع الأساتذة والفضلاء والتفكير بصورة جدية في هذا الأمر.

[4]
عن إدامة فيضهم والاستقامة في سبيلهم.
ومن جملة هؤلاء العلماء العظام والمراجع الكرام هو المرجع الكبير سماحة آية الله العظمى المكارم الشيرازي ـ دام عزّه ـ الذي ما فتي ناشطاً في هذا السبيل لا يمنعه مانع عن التحقيق، والتدريس والتأليف، وتذاكر العلم، والإجابة على الأسئلة الشرعية والشبهات العلمية، وحلّ مشاكل الشباب، والطلبة و... إلى درجة إلى نشاطه العلمي حتى في الأسفار الدينية وأيام النفي والتبعيد من قبل الحكومات الظالمة كان مثاراً للإعجاب والتقدير.
ومن جملة البركات المترتبة على سفر سماحته إلى مدينة مشهد المقدسة ـ والذي يتم كل عام في أشهر العطلة الصيفية ـ مجلس البحث الخارج للفقه لسماحته إلى جنب المرقد الرّضوي المقدّس لثامن الأئمة الأطهار الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) في مسجد (گوهر شاد)، حيث يتعرض سماحة الاُستاذ المسائل الفقهية المستحدثة في هذا الدرس، ويحضره جمّ غفير من طلاّب وفضلاء الحوزة العلمية في مدينة مشهد الرّضوي المقدسة، بالرّغم من عناء السنة الدراسية ومشاق التحصيل العلمي في السنة الفائتة إلاّ أنّهم يهجمون باشتياق بالغ وشغف كبير للاغتراف من منهل العلم والمعرفة، ويتجمعون حول سماحته كالفراش حول السراج المضي ينهلون من معين شرابه ويستقون من رحيق نواله.
الكتاب الحاضر حصيلة سلسلة دروس وأبحاث تفضل بها سماحة الاُستاذ حول أحكام الرِّبا في القروض ومعاملات البنوك في صيف عام 1376هـ ش، في مدينة مشهد المقدسة.

[5]
وقد وفقني الله تبارك وتعالى للمشاركة في هذه الدروس وتدوينها، ومن ثم تنظيمها واخراج بعض المصادر التي لم تذكر أحياناً وإضافة بعض التوضيحات وتقديمها لسماحته(1).
وبما أنّ الحاجة ماسّة والطلب شديد لنشر هذا الكتاب، لذا فقد أمرني سماحته بتهيئة هذه المباحث وترتيبها بالشكل المطلوب ونشرها.


ربنا تقبّل منّا انّك أنت السميع العليم
قم ـ الحوزة العلمية المقدسة
أبو القاسم عليان نژادي
شوّال المكرّم 1419 هـ

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) بما أنّ سماحة الاُستاذ يولي أهمية بالغة للمسائل العلمية، وخاصة الفقهية منها ويتابع هذه الأبحاث بدقة متناهية، فقد تفضل سماحته وراجع هذه الأبحاث بعد تنظيمها مرّة ثانية، وأبدى بعض الملاحظات والإصلاحات في موارد منها.

[6]

[7]


(1)
ـ أدلّة حرمة الرِّبا في الإسلام ـ

يعتبر تحريم الرِّبا من الاحكام الإسلامية المهمّة والتي لها صدى واسع في الآيات والرّوايات الشريفة، والكثير من الفقهاء العظام عندما يبحثون هذه المسألة يكتفون في إثبات حرمة الرِّبا بالأدلّة الثلاثة (القرآن، والحديث، والإجماع) في حين أنّ تحريم الرِّبا يمكن إثباته دون شكّ بدليل عقلي أيضاً (كما سيأتي بيانه).
فعلى هذا تكون الأدلّة على تحريم الرِّبا وبيان أهميّة وخطر هذا الذنب العظيم أربعة، (القرآن، والسنّة، والإجماع، والعقل).

الدّليل الأوّل: الآيات القرآنيّة.
هناك سبع آيات قرآنيّة على الأقل تثبت تحريم الرِّبا:
1 ـ نقرأ في سورة البقرة الآية (275):
(الّذِينَ يَأكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إلاّ كَما يَقُومُ الّذي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيطانُ مِنَ المَسِّ ذَلِكَ بِأنَّهُم قالُوا إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأحَلَّ اللهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جاءَهُ مَوعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وأمْرُهُ إلى اللهِ وَمَنْ عادَ فَاُولئِكَ أصحَابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ).

[8]
هذه الآية الكريمة تشبّه في البداية حال المرابين يوم القيامة بالمجانين، أو الأشخاص الذين أُصيبوا بالصرع بحيث لا يمتلكون القدرة عند ورودهم عرصات المحشر على إستعادة توازنهم والمحافظة على تعادلهم، فتراهم يترنحون في مشيتهم كالسكارى، ويتقدمون خطوة ويقعون بعدها، وهكذا.
وهذا التمثيل لحالهم في عرصات القيامة يحكي عن تجسّم الأعمال في ذلك الموقف، فالأشخاص الذين يخلّون في الدنيا بالتوازن الاقتصادي في المجتمع عن طريق الرِّبا يُبعثون ويُحشرون على هيئة السّكارى والمجانين، فلا تستقيم حركاتهم ولا تتزن أبدانهم ولا تثبت على الصراط أقدامهم، ممّا يلفت إليهم أنظار القاصي والداني من أهل المحشر.
هذا الجزاء الأليم يعتبر أحد الأدلّة على حرمة الرِّبا، ثم يضيف القرآن الكريم: إنّ هذه العقوبة المخزية نتيجة أنّهم كانوا يقولون: (إنّما البيع مثل الرِّبا) في حين أنّهم يعلمون أنّ الأمر ليس كذلك، لأنّ المعاملات المشروعة تسير جنباً إلى جنب مع مصلحة المجتمع والإنسان، وإذا عادت بالفائدة والربح على البائع أو المشتري، فانّها تعود كذلك على المجتمع أيضاً، وترفع إحتياجات أفراده، في حين أنّ المرابين (كحشرة البعوض) التي تمتص دماء الناس وتعيش على حساب خيرهم وصلاحهم، فالمعاملات الرّبويّة تبعث على تراكم الثروات العظيمة لدى عدّة معدودة دون تقديم خدمة إلى المجتمع، وبهذا الدّليل كان البيع حلالا شرعاً والرِّبا حراماً كذلك (وأحلّ الله البيع وحرّم الرِّبا).
بعض المفسّرين إحتمل أنّ الجملة الآنفة الذكر من كلام المرابين على

[9]
سبيل إعتراض، فيكون المراد من هذه الجملة: (أحلّ الله البيع وحرّم الرِّبا)إنّ المرابين قالوا: لماذا أحلّ الله البيع وحرّم الرِّبا في حين أنّهما داخلان تحت مقولة واحدة؟ ولكنّ هذا التفسير بعيد، ولا يتلاءم مع سياق الآية الشريفة، وكيف كان، فانّ هذه العبارة دليل آخر على تحريم الرِّبا.
ثمّ يضيف القرآن الكريم: إنّ كلّ من يسمع هذه الموعظة الإلهيّة وينتهي عن ممارسة الرِّبا ويتوب إلى الله فأنّه غير محاسب على ما سلف من أعماله (لأنّ القانون لا يرجع في عمليّة التطبيق إلى الوراء)، وفي نفس الوقت أنّ أمره متروك إلى الله تعالى بأن يشمله بعفوه ورحمته (فمن جاءه موعظة من ربّه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله) وهذه العبارة دليل ثالث أيضاً على تحريم الرِّبا.
وفي ختام الآية الشريفة يصرّح القرآن الكريم بأنّ من يستمر بعد هذا البيان الإلهي في عمليّة الرِّبا فأنّه من أهل النار خالداً فيها: (ومن عاد فاُولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) وهذا التعبير أيضاً دليل رابع مؤكّد على حرمة الرِّبا،
وعلى هذا الأساس فأنّ الآية الشريفة هذه مع ما فيها من العبارات المختلفة حرّمت الرِّبا في أربع أشكال أدبيّة، ولم تبق أدنى شك وترديد لذلك.
سؤال:
وهنا يُطرح سؤال وهو: إنّ الخلود (أي الخلود في النار) يختصّ بمن يفارق هذه الدنيا عارياً من الإيمان، أمّا المؤمنون الذين يرتكبون الكبائر من

[10]
الذنوب فأنّهم غير مخلّدين في النار، فعندما يلاقون جزاءهم يوم القيامة، ويذوقون طعم العقوبات الاُخرويّة على تلك الذنوب، ويتخلّصون من أدران الآثام ورسوبات المعاصي تصبح لديهم اللياقة والقابلية على دخول الجنّة، وسوف يشملهم العفو الإلهي ويتخلّصون من العذاب.
إذاً، فلماذا ذكرت الآية الشريفة الخلود في النار للمرابين؟
الجواب:
يمكن الإجابة على هذا السؤال بطريقين:
الأوّل: إنّ إثم الرِّبا يكون عظيماً وشديداً إلى درجة أنّ المرابي يخرج من الدنيا وهو عديم الإيمان بالله تعالى، وليس في قلبه ذرّة من الاعتقاد بالغيب، كما ورد ذلك في قتل النفس البريئة، فانّ القرآن الكريم أوعد القاتل بالخلود في جهنّم أيضاً: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤمِناً مُتَعَمِداً فَجَزاؤُهُ جَهَنّم خالِداً فِيها..)(1).
والآخر: إنّ هذا الخلود لا يعني الدوام والأبديّة بالمعنى المتعارف، بل يعني أنّه يقبع في النار لمدّة طويلة جدّاً (ويمكن أن يكون المعنى الثاني معنىً مجازياً وارداً مع قرينة، أو أنّه أحد المعاني الحقيقيّة لمفردة الخلود) وعلى هذا الأساس يبيّن القرآن الكريم إنّ المرابين الذين يغادرون هذه الدنيا في حال كونهم مؤمنين سيكون جزاءهم عسيراً، وسيمكثون مدة مديدة في نار جهنّم.

* * *

2 ـ يقول القرآن في سورة البقرة الآية (276):

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة النساء: الآية، 93.

[11]
(يَمْحَقُ اللهُ الرِّبا وَيُربِي الصَّدَقاتِ وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفّار أثِيم).
هذه الآية تؤكد على أنّ الله تعالى يمحق الرِّبا ويمسخ بركته ويبطل نفعه ويساعد المستضعفين والفقراء والمحتاجين وينّمي الإنفاق في سبيل الله ويزيده ويبارك عليه.
(يمحق) من مادّة (مَحَقَ) بمعنى النقصان أو الهلاك، ولذا يطلق على آخر الشهر (المِحاق)، لأنّ الهلال يكون في هذا الوقت ضعيفاً جدّاً إلى درجة أنّه يختفي عن الأنظار.
هناك بحث في أوساط كبار المفسّرين حول هذه الآية الشريفة بالنسبة إلى المقصود من محق الرِّبا، وهل أنّ المراد به هو فناء العوائد الحاصلة من الرِّبا في هذه الدنيا، أو أنّه إشارة إلى عدم فائدتها في الآخرة وإن تمّ إنفاقها في سبيل الله وصرفت في موارد الخيرات ظاهراً؟
كلا المعنيين يمكن أن يكون صحيحاً، لأنّ التجربة أثبتت أنّ الأموال الحاصلة من الرِّبا ليس لها ثبات ودوام، ولا بركة فيها، وأنّ مصير المرابين سوف يكون تعيساً، وعاقبتهم مزرية وسيئة للغاية في الحياة الدنيا.
أمّا مصيرهم في الآخرة فواضح، فعلى فرض أنّ تلك الأموال أنفقت في سبيل الله فأنّها لا تكون مثمرة، ولا تعود عليهم بالخير والبركة في حياتهم الاُخرويّة، لأنّ الله تبارك وتعالى لا يتقبّل إلاّ الأموال الطاهرة والحلال، كما بيّنه المبدأ القرآني (إنّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ المُتَقِينَ)(1).
إنّ أدنى معطيات الرِّبا هي أنّه يدفع بصاحبه إلى هوّة الفقر والمسكنة،

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة المائدة: الآية، 27.

[12]
ويخلخل أواصر الروابط الاجتماعية، ويقود المجتمع نحو الفساد والانحطاط، لأنّ مردوده التخريبي لا يقتصر على الفرد المرابي فحسب، بل يسري شرره إلى سائر أفراد المجتمع، وسوف يحترق المرابون أنفسهم بنار الفقر التي أوقدوها للآخرين، ويحرقون معهم زبائنهم ومن يتعامل معهم، ومن العسير في الواقع العملي أن يعيش أفراد المجتمع المنحط والمتردّي في أودية الرذيلة سعداء.
وكيف كان، فانّ صدر الآية الشريفة هو بمثابة تقريع وتهديد للمرابين، وآخرها ـ يعني عبارة: (والله لا يحبّ كلّ كفّار أثيم) ـ فيه إشارة واضحة ودلالة بيّنة على حرمة الرِّبا، لأنّ في هذا المقطع من الآية الكريمة ينسب القرآن الكريم الكفر للمرابين، وكذلك ينسب إليهم سمة (الأثيم) التي تؤكد معنى الكفر.
3 و 4 ـ في الآيات ـ 278 ـ و ـ 279 ـ من سورة البقرة نلاحظ مسألة تحريم الرِّبا بوضوح أشدّ وأكثر، فأوّلا يتوجه القرآن الكريم في حديثه إلى جميع المؤمنين، ويؤكد لهم الأمر الإلهي في النهي عن الرِّبا:
(يا أيُّها الّذِينَ آمَنُوا اتّقُوا اللهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إنْ كُنْتُم مُؤمِنِينَ).
والجدير بالذكر أنّ الآية الكريمة تخاطب المؤمنين في بدايتها، وكذلك في آخر الآية تشير إلى أنّ ترك الرِّبا يعدّ من علائم الإيمان بعد الأمر بجملة (ذروا)، والأمر يدلّ على الوجوب وخاصّة، بعد إلحاقها بعبارة: (إن كنتم مؤمنين).
هذه الآية نزلت في وقت كان الرِّبا قد حطّ بجرانه وخيّم بظلامه على

[13]
الناس في مكة والمدينة، ولذا جاء أمر القرآن الكريم بشجب القروض الرّبويّة على جميع الصعد والمراتب، وأمر المسلمين بالتوقف عن الاستمرار في هذه المعاملات الماليّة.
ثمّ يضيف القرآن الكريم بلحن شديد، وتهديد جدّي: (فان لم تفعلوا ـ أي إن لم تتركوا الرِّبا وتطيعوا الله ورسوله ـ فَأذَنُوا بِحَرب مِنَ اللهِ وَرَسُولُهِ).
قد يظن البعض أنّ مفهوم هذه العبارة أنّكم سوف تعلنون الحرب على الله ورسوله، في حين أنّ جملة (فأذنوا) مع ملاحظة المفهوم اللغوي منها يكون المراد بها أنّ الله ورسوله سوف يعلنون الحرب عليكم، فيكون معناها ومفهومها هو: أنّ الرسول الكريم في ذلك الزمان سيكون مأموراً باستعمال القوّة العسكرية في حالة ما إذا لم يكفّ المرابون عن عملهم هذا.
إجمالا، لا نجد تعبيراً في آيات القرآن الكريم أشدّ من هذا التعبير بالنسبة إلى أيٍّ من الذنوب والآثام المتصورة، وهذا يشير إلى شدّة خطر الرِّبا في المنظور الإسلامي وفداحة ضرره.
وفي نهاية الآية الشريفة يضيف القرآن الكريم مراعياً الحق والعدالة بقوله: (وإنْ تُبْتُم فَلَكُم رؤوسُ أموالِكُم لا تَظلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ).
وقد جاء في شأن نزول الآيات المذكورة أعلاه أنّ خالد بن الوليد قال لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إنّ أبي كان يتعامل مع قبيلة ثقيف بالرِّبا، وقد غادر الدنيا ولم يستوف حقّه منهم، وقد أوصى أن أستلم بقية الأموال التي في ذمة قبيلة ثقيف منهم، فهل يجوز لي هذا العمل؟ فنزلت الآيات أعلاه وهي تنهى عن إستلام بقية الأرباح المستحصلة من الرِّبا في أيدي الناس، وفي رواية اُخرى

[14]
أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال بعد نزول هذه الآية: (ألا كلُّ ربا من ربا الجاهلية موضوع، وأوّل ربا أضعه ربا العبّاس بن عبدالمطلب) ـ ومن هنا يُعلم أنّ العباس كان من المرابين في الجاهلية.
ونخلص أنّ المعاملات الرّبويّة كانت متفشيّة بين الناس قبل نزول هذه الآيات الكريمة، ثمّ تمّ تحريم الرِّبا بشكل جدّي ومؤكد بعد نزول هذه الآيات، وكذلك تهديد المرابين باستعمال القوّة العسكرية ضدّهم، وأنّه ليس لهم الحق سوى في إستراجاع رؤوس أموالهم من الناس لا أكثر.
وآخِر ملاحظة حول هذه الآية الشريفة هي عبارة: (لا تَظلمون ولا تُظلمون)التي تعتبر شعاراً مهماً وقانوناً إسلاميّاً عامّاً، فمع أنّ موردها هو الرِّبا والمرابين، إلاّ أنّ هذا الأصل القرآني له دلالة على أنّه، لا ينبغي لأحد أن يظلم الآخرين، أو أن يقع مظلوماً من قبلهم.
وبعبارة اُخرى: لا تَظلم، ولا تخضع للظلم، فانّ كِلا الأمرين يعتبر رذيلة وإثم ومخالفة، فلو أنّ المسلمين في جميع أقطار العالم التزموا بهذا الشعار المهم في كلّ بلد إسلامي، وطبّقوه على الصعيد الاجتماعي، فسوف لا يقعون في حبائل وشراك الصهاينة المغرورين، والقساة المعتدين الذين لا يعترفون بشيء من المقدسات، ولا يحترمون شيئاً من القيم ولا يفهمون سوى منطق القوّة، وسوف لا يقعون ضحيّة الاستعمار والدّول الكبرى التي تستأثر بخيراتهم وتنهب ثرواتهم(1).

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وللمزيد من التوضيح حول الآيات الأربع أعلاه عليك بمراجعة تفسير الميزان والتفسير الأمثل حول هذا الموضوع.

[15]
5 و 6 ـ: (يا أيُّها الّذينَ آمَنُوا لا تَأكُلُوا الرِّبا أضْعَافَاً مُضَاعَفَةً وَاتّقُوا اللهَ لَعَلَّكُم تُفْلِحُونَ، وَاتّقُوا النّارَ الّتي اُعدّتْ لِلكافِرِينَ)(1).
هاتان الآيتان ـ على خلاف الآيات السابقة ـ ناظرتان إلى قسم خاص من الرِّبا، وهو الرِّبا المضاعف، يعني أنّ الآية الشريفة حرّمت الرِّبا المضاعف، لا كلّ أقسام الرِّبا، ولا يعني أنّ بقيّة الأقسام تكون مباحة وجائزة، بل أنّها ساكتة عن بيان حكمها.
وبالنسبة إلى تفسير الرِّبا على شكل (أضعافاً مضاعفة) هناك بحث بين المفسّرين، وفيه عدّة أقوال:
1 ـ قول المشهور، والذي أخذ به كثير من المفسّرين، وهو أنّ المدين عند ما لا يستطيع تسديد دينه للمرابي في الموعد المحدّد، فأنّه يقوم بتأخير الدَيْن إلى مدّة اُخرى، ولكن مع إضافة قسط من الربح والفائدة على رأس المال فقط، مثلا إذا كان بذمته مائة ألف درهم لمدّة سنة واحدة على أن يسدّد عند تمام السنة مئة وعشرين ألف درهم لصاحب المال، فلو أنّ المدين لم يتمكن من الوفاء بدينه، فأنّ الدائن يقوم بتمديد المدّة إلى سنة اُخرى بعد أن يضيف عليه عشرين ألف درهم آخر كربح لأصل المال، ويشبه إلى حدٍّ كبير ما تقوم به بعض المؤسسات من إضافة مقدار من المال بعنوان غرامة التأخير والتي ليست لها مشروعيّة إطلاقاً.
2 ـ التفسير الأقرب إلى مدلول الآية الشّريفة، إنّ كل من رأس المال والفائدة المترتبة عليه في حالة تأخّر التسديد إلى السنة اللاحقة يكونان

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة آل عمران: آيات 130 إلى 131.

[16]
بمثابة قرض جديد، ويأخذ المرابي أرباح كلا القرضين، فلو لم يستطع المقترض الوفاء بدينه في المدّة المعلومة مع الربح (أي مئة وعشرين ألف درهم في المثال المذكور) فأنّ المالك يعطيه فرصة اُخرى لتسديد المئة وعشرين ألف درهم مع فائدتها، فيتضاعف رأس المال والفائدة أيضاً، فيجب على المدين في السنة القادمة ـ مضافاً إلى تسديد رأس المال المقرّر والربح المذكور في السنة الاُولى ـ أن يسدد للمرابي أرباح مائة وعشرين درهم لهذه السنة أيضاً.
وهذا الاحتمال يتلاءم أكثر مع عبارة (أضعافاً مضاعفة)، وهذا النوع من الرِّبا أقبح أنواع الرِّبا، لأنّه سوف يؤدي إلى زيادة فقر المدين ـ وتراكم الثروات لدى الأغنياء المرابين، وتزداد الفاصلة يوماً بعد آخر بينهما ـ وذلك لتراكم الفوائد ومجموع القروض على المدين في مدّة ليست بالطويلة لتصل إلى أضعاف ما كانت عليه في السابق، فتكون سبباً في إنهيار معيشته، وتدمير حياته(1).
والذي نقف عليه من التاريخ والرّوايات هو أن هذا النوع من الرّبا، يعني أكل الرّبا أضعافاً مضاعفة كان متداولاً في عصر الجاهلية.
3 ـ الاحتمال الثالث في عبارة (أضعافاً مضاعفة) أن تكون قيداً توضيحيّاً للمراد، لأنّ جميع أنواع الرِّبا تشمل على هذا القيد، فكلّ ربا يستلزم تضاعف وتراكم الأموال أضعافاً مضاعفة وإن كان على شكل

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وللمزيد من الإطلاع على تفسير هاتين الآيتين راجع تفسير الأمثل المجلد الثاني ذيل الآية الكريمة.

[17]
إقراض أشخاص متعدّدين واحداً بعد الآخر بصورة متتالية.
والنتيجة، أنّه إذا كان الاحتمال الأوّل أو الثاني صحيحاً، فأنّ الآية الشريفة تدلّ على حرمة نوع خاص من الرِّبا، وليس لها نظر للأنواع الاُخرى، ولكن على الاحتمال الثالث فأنّ الآية الشريفة مطلقة وتشمل جميع أفراد وأنواع الرِّبا، وعلى كل حال فهذه الآية الشريفة تدلّ على حرمة الرِّبا، لأنّ النهي ظاهر في الحرمة، خاصةً وأنّ ذيل الآية الشريفة فيه تصريح على إطلاق سمة الكفر على المرابين(1).

* * *

7 ـ يقول تعالى في سورة النساء:
(فَبِظُلْم مِنَ الّذِينَ هادُوا حَرّمْنا عَلِيْهِم طيّبات اُحِلّتْ لَهُم وَبِصدّهِم عَنْ سَبَيلِ اللهِ كَثِيراً وَأخْذِهمُ الرِّبا وَقَدَ نُهُوا عَنْهُ وَأكْلِهِم أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ وِأعْتَدنا لِلكافِرِينَ مِنْهُم عَذاباً ألَيمَاً)(2).
ونفهم من هذه الآية الشريفة أنّ اليهود كانوا يرتكبون أربعة أنواع من الأعمال الذميمة والمنكرة والتي أدّت إلى تحريم بعض الطيبات عليهم، وهي(3):

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ما مرّ علينا من الاحتمالين في المراد من خلود المرابين من المسلمين في جهنم يصدق هنا أيضاً في إطلاق الكفر على المرابين.
(2) سورة النساء: آية 160 و 161.
(3) ويستفاد من هذه الآية الشريفة أنّ تحريم شيء على المكلّفين لا يلازم حتماً وجود المفسدة فيه، بل قد يتخذ التحريم صيغة العقوبة والتأديب.

[18]
1 ـ الظلم والعدوان على أنفسهم والآخرين.
2 ـ إنّهم يمنعون الخير والمعروف كثيراً.
3 ـ التعامل الربوي.
4 ـ الكسب الغير المشروع، مثل التطفيف بالميزان، والغش والغبن في المعاملة، وبيع الخمر، والقمار، وأمثال ذلك، فقد ورد التعبير عن جميع هذه المفردات، بأكل المال بالباطل.
فهذه الآية الشريفة تدلّ أيضاً على أنّ الرِّبا كان حراماً على اليهود، والجدير بالذكر أنّه على الرغم من التحريف الكثير الذي طرأ على التوراة، فأنّ تحريم الرِّبا لا يزال مذكوراً فيها في موضعين، 1 ـ سِفْرِ لاويان، الفصل ـ 25 ، 2 ـ سفر الخروج، الفصل ـ 22 .
سؤال: إنّ الآية الشريفة بالرغم من أنّها صريحة في أنّ الرِّبا كان محرّماً على اليهود، ولكن كيف يمكن إستفادة تحريم الرِّبا منها على المسلمين؟
الجواب: إنّ بعض العلماء والفقهاء(1) تمسّكوا في هذه المسألة وما شابهها بقاعدة (إستصحاب الشرائع السابقة)، ولكنّ حجيّة مثل هذا النوع من الاستصحاب لا تخلو من مناقشة، ونحن لا نعتقد بحجيّته، لأنّ الأصل الأسمى في الاستصحاب هو قاعدة (لا تنقض اليقين بالشك، بل أنقضه بيقين

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كالعالم الجليل والفقيه المتبحر الشّيخ مرتضى الأنصاريى (رضوان الله عليه)، وكذلك الاُصولي البارع المرحوم الآخوند الخراساني (قدّس الله سرّه) اللذان يُعدّان من أساطين العلم للحوزات العلمية ومن افتخاراتها، بل من مفاخر عالم التشيّع.

[19]
آخر)، وهذه القاعدة لا تجري هنا، لأنّ الشريعة عندما تنسخ فأنّ جميع قوانينها وأحكامها سوف تنسخ كذلك، لا أنّ أصل الشريعة يقع في دائرة النسخ باستثناء بعض أحكامها.
ولذا كان المسلمون في الصدر الأوّل للإسلام ينتظرون الوحي الإلهي في كلّ مسألة من المسائل(1)، ولم يتمسكوا بأحكام الشرائع الماضية(2)، بالرغم من وجود مماثلها في تلك الأديان والشرائع.
ولكن يمكن إثبات هذه الأحكام للمسلمين عن طريق آخر أيضاً، وهو أنّ الله تبارك وتعالى قد أورد مثل هذا الحكم في القرآن الكريم أيضاً، على أساس الموافقة له، فلو لم يكن هذا الحكم شاملا للمسلمين، لوجب أن يتطرق إلى نفيه في هذه الآية الشريفة، فعلى هذا يكون ذكر هذا النوع من الأحكام في القرآن ـ من دون إشارة إلى نفيه ونسخه ـ إمضاءً له بالنسبة إلى المسلمين في الواقع.
ونخلص من مجموع الآيات الشريفة المذكورة أعلاه إلى أنّ الأيات الدالّة على تحريم الرِّبا في القرآن الكريم كثيرة (سبع آيات على الأقل)،

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) على سبيل المثال، فانّ الرِّبا كان أمراً طبيعياً قبل نزول آيات تحريم الرِّبا، ولم تردع الشريعة المقدسة عن هذا العمل قبل تحريم الوحي، ولم تمنع المرتكبين له في ذلك الوقت، بل انّها لم توسّع دائرة التحريم بعد مجي الحكم الشرعي بحرمة الرِّبا ليشمل ما مضى من العقود الرّبويّة، واكتفى القرآن الكريم بقوله (وذروا ما بقي من الرِّبا) في حين أنّ الرِّبا كان حراماً في الشرائع السابقة.
(2) وللمزيد من التوضيح راجع كتاب «أنوار الاُصول» المجلد 3 الصفحة (410) فما بعدها.

[20]
والقرآن الكريم أكّد على تحريم كلّ نوع من أنواع الرِّبا بشدّة إلى الحدّ الذي اعتبره كفراً بالله تعالى، وأعلن من جهة اُخرى الحرب على المرابين، وقرّر أنّ المرابي يستحق الخلود في النار، مضافاً إلى أنّه سيلاقي جزاءه وعقوبته في الدنيا أيضاً.


* * *


[21]


(2)
الرِّبا في الرّوايات الإسلاميّة

الدّليل الثاني على حرمة الرِّبا هو الرّوايات الكثيرة والمتواترة الواردة في المصادر الحديثيّة المختلفة ، وهذه الرّوايات إلى درجة من الكثرة والكم أنّها قد تصل إلى حد التواتر(1)، ونلاحظ في هذه الأحاديث الشريفة عبارات شديدة جدّاً ومثيرة بالنسبة إلى هذا اللون من المعاملات الاقتصاديّة الظالمة وغير الإنسانيّة، بحيث لا نجد نظيراً لها بالنسبة إلى غيره من الذنوب والآثام!
وهنا نستعرض خمس طوائف من هذه الرّوايات، وكلّ طائفة تشمل على أحاديث متعددة في هذا المجال:

* * *



الطائفة الاُولى:
ما ورد فيها مقايسة ومقارنة بين الرِّبا والأعمال القبيحة المنافية للعفّة،

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) يقول المرحوم العلامة المجلسي ـ رضوان الله عليه ـ في كتاب «روضة المتّقين» في المجلد (7) الصفحة 272 في ذيل الرّوايات الناهية عن الرِّبا: «يمكن أن يقال بتواترها».

[22]
واعتبرت الرِّبا من أشدها قبحاً وسوءاً.
منها ما جاء في الحديث الشريف عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، في قوله للامام علي(عليه السلام):
«ياعلي درهم ربا أعظم عند الله من سبعين زنية».
بل أنّ هناك عبارات أشد وأخطر من هذا التعبير في سائر الرّوايات الشريفة من هذه الطائفة والتي لا مجال لاستعراضها جميعاً(1).
هذا التعبير ورد في الرّوايات الاُخرى على شكل أعداد وأرقام مختلفة، ففي بعض الرّوايات أنّ الرِّبا يعادل ثلاث وثلاثين(2) زنية، وفي روايات اُخرى يعادل ثلاثين مرّة(3)، وفي بعضها يعادل عشرين(4)، وفي آخر يعادل مرّة واحدة(5) وهكذا.
وكما هو معلوم أنّ الإسلام يمنع بشدّة هذا العمل المنافي للعفّة، ويوعد عليه أشدّ العقاب، فكيف بما يفوقه قبحاً وسوءً؟ وبهذه الصورة تعلن الشريعة المقدّسة عن مدى شناعة الرِّبا وفداحة خطرة بهذه العبارات الشديدة، ويعتبر هذا من أكثر الأدلّة صراحةً على تحريم الرِّبا.
وهنا يعترضنا هذا السؤال: ما السبب في إختلاف الأعداد والأرقام

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل الشّيعة، المجلد 12، أبواب الرِّبا، الحديث 12 ومثله الرّواية 19 و21 من هذا الباب، والحديث8 و 3 ـ من الباب (1) من كتاب مستدرك الوسائل، المجلد 13.
(2) مستدرك الوسائل، المجلد 13، أبواب الرِّبا، باب1، الحديث 14.
(3) وسائل الشّيعة، المجلد 12، أبواب الرِّبا، باب1، الحديث5.
(4) وسائل الشّيعة، المجلد12، أبواب الرِّبا، باب1، الحديث6 و 22.
(5) مستدرك الوسائل، المجلد13، أبواب الربا، باب1، الحديث8.

[23]
في هذه الرّوايات الكريمة بالنسبة إلى معادل الرِّبا من الأعمال المنافية للعفّة؟
ويمكن أن يقال في الجواب: إنّ الرِّبا يختلف باختلاف الموارد، فجميع أنواع الرِّبا قبيحة ومذمومة وظالمة، ولكنّ بعضها أقبح من البعض الآخر، وما نراه من تفاوت الأعداد يعود إلى تفاوت أنواع الرِّبا، مثلا الرِّبا من النوع الأضعاف المضاعفة ـ الذي مرّ شرحه سابقاً ـ يختلف عن الرِّبا المتعارف، ويكون أقبح وأسوء من غيره. وأخذ الرِّبا من إنسان ضعيف وفقير قد إقترض مبلغاً من المال لعلاج ولده المريض، يختلف عن أخذ الفائدة الرّبويّة من الأفراد العاديّين الذين لا يمرّون بمثل هذه الظروف الحرجة، ولذا كان الأوّل أشدّ ظلماً وقبحاً من الآخر.
وكذلك المعاملات الرّبويّة الظّالمة التي تؤخذ من الشعوب المستضعفة لحساب الدول المستكبرة ـ قد تجرّ إلى تدمير إقتصاد البلدان الضعيفة ـ يختلف عن أخذ الفائدة من شخص واحد، فالرِّبا ظلم شنيع، وعمل قبيح ومذموم في جميع أفراده ومصاديقه، ولكن مع حفظ سلسلة المراتب المختلفة في أفراده الكثيرة.
أمّا لماذا وردت مقارنة الرِّبا في هذه الرّوايات الشريفة مع الأعمال المنافية للعفّة، واعتبر الرِّبا أقبح منها وأسوأ؟
قد يكون السّبب في ذلك أنّ الرِّبا هو أحد العوامل الأساسيّة في تعميق الفقر وإيجاد التفاوت الطبقي في المجتمع، وزيادة الهوة والفاصلة بين الأثرياء وعامّة الناس.

[24]
ونظراً إلى أنّ الفقر وسوء الأحوال الاقتصادية يؤدي إلى عزوف الشباب عن تشكيل الاُسرة وبالتالي جرّهم إلى مهاوي الرّذيلة، فهو أحد الأسباب في شيوع الفحشاء.
فاذا تمّ القضاء على الفقر، فهذا يعني القضاء على أحد الأسباب المهمّة في انتشار الرذيلة وإشاعة الفحشاء على الأقل، وتطهير المجتمع من الفساد الأخلاقي، وبما أنّ هؤلاء المرابين يسعون إلى توكيد مقدمات الفقر، وتجذيرها في المجتمع، فهم شركاء في إنحراف المجتمع وانحطاطه، وعملهم هذا يعادل عدّة موارد من الموارد المنافية للعفّة والأخلاق في المجتمع.
وعلى كلّ حال، فانّ هذه الرّوايات الشّريفة تؤكّد بصراحة بالغة ووضوح تام على حرمة الرِّبا، وتجعله مرادفاً لأكبر الذنوب والآثام في الإسلام، (إلى حدّ الزنا بالمحارم وأكثر) وبالنظر إلى سعة وشمول هذه الرّوايات ولحنها الشّديد، فلو لم يكن دليل على حرمة الرِّبا سوى هذه الطّائفة من الرّوايات، لكان ذلك كافياً لاثبات المطلوب.


* * *



الطّائفة الثّانية:
الرّوايات الشّريفة التي تلعن المرابي وجميع الأفراد الذين يرتبطون به بنوع آخر.

[25]
يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «لعن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، الرِّبا وآكله وبايعه ومشتريه وكاتبه وشاهديه»(1) فهذه الرّواية تشير إلى أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)لعن الرِّبا وخمس طوائف مشتركة معه:
1 ـ الشخص الذي يحلّ ضيفاً على المرابي، ويأكل من طعامه الذي إشتراه من الأموال الرّبويّة عن علم وإطلاع.
2 ـ المرابي.
3 ـ المؤدّي والمعطي للرّبا.
4 ـ المحاسب للربا.
5 ـ الشهود لعقد الرِّبا.
ففي كلّ مورد يكون عمل معيّن موضوعاً للعنة الله تعالى بهذه السعة والشمول(2)، فانّ ذلك يعتبر دليلا على شدّة حرمة ذلك العمل وشناعته

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل الشّيعة، المجلد 12، أبواب الرِّبا، الباب 4، الحديث3، والمرحوم الشّيخ العاملي(رحمه الله) أورد عدّة روايات في هذا الباب متشابهة في هذا المضمون عن الامام الصّادق(عليه السلام) والامام علي(عليه السلام)، وكذلك أورد المرحوم المحدّث النوري(رحمه الله) في كتابه مستدرك الوسائل عدّة روايات أيضاً فى المجلد 13، ابواب الرِّبا، الباب1، الحديث 12، وهذه الطائفة من الرّوايات وردت أيضاً في كتب العامّة; فقد ذكر البيهقي في كتاب السنن الكبرى، المجلد 5، الصفحة 270، رواية بهذا المضمون، والجدير بالذكر أن هذه الطائفة من الرّوايات التي ذكرها العامّة والخاصّة عن الرِّبا ورد فيها اللعن من اللّه تعالى ومن رسوله ومن الملائكة على الرِّبا ومتعلقاته.
(2) وكذلك الحال في الخمر، فقد ورد في العديد من الرّوايات الشريفة انّ الله تعالى يلعن في الخمر (10) طوائف ... (وسائل الشّيعة ، المجلد، 12 أبواب ما يكتسب به ، الباب 55 ; الحديث: 3 و 4 و 5).

[26]
وقبحه الكبير.
وخلاصة الكلام: إنّ هذه الطّائفة من الرّوايات تدلّ أيضاً على حرمة الرِّبا وسائر العمليّات الرّبويّة.

* * *



الطّائفة الثّالثة:
الرّوايات الشّريفة التي تصرّح بأنّ الرِّبا من أخبث وأسوء أنواع المعاملات والمكاسب:
1 ـ قال الإمام الباقر (عليه السلام): «أخبث المكاسب كسب الرِّبا»(1).
فطبقاً لهذه الرّوايات الشريفة يكون الرِّبا أقبح ثمرةً، وأشنع عاقبة من بيع الخمر، والقمار، والفحشاء.
2 ـ ونقرأ في حديث آخر قوله (عليه السلام): «ومن ألفاظ رسول الله(صلى الله عليه وآله)الموجزة التي لم يسبق إليها: شرّ المكاسب كسب الرِّبا»(2).
والمحصّل من هذه الطائفة من الرّوايات أيضاً دلالتها الواضحة على حرمة الرِّبا; حرمة شديدةً ومؤكدة.


* * *

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل الشّيعة، المجلد12، أبواب الرِّبا، الباب1، الحديث2.
(2) وسائل الشّيعة، المجلد12، أبواب الرِّبا، الباب1، الحديث13، ومستدرك الوسائل، المجلد13، أبواب الرِّبا، الباب1، الحديث1.

[27]

الطّائفة الرّابعة:
الرّوايات التي تدلّ على هلاك المرابين في الدنيا:
قال الإمام الصادق (عليه السلام): «إذا أراد الله بقوم هلاكاً ظهر فيهم الرِّبا»(1). ومعنى هذه الرّواية أنّ للربا عقوبة دنيوية أيضاً، وينتهي بهلاك المرابين، وهذا المعنى ورد أيضاً في رواية اُخرى كذلك(2).
وقد يبرز لنا سؤال وهو: لماذا إذا أراد الله هلاك قوم أشاع بينهم الرِّبا حتّى ينتهي إلى دمارهم وهلاكهم؟
الجواب على هذا السؤال واضح، فانّ إرادة الله تبارك وتعالى لا تكون عفوية وبدون دليل، فلابدّ أن يرتكب هؤلاء الأقوام من الذنوب والآثام الشديدة بحيث تكون سبباً في أنّ الإرادة الإلهية تتعلق باهلاكهم وتدميرهم، وهكذا ينتشر الرِّبا في شرايين المجتمع الاقتصادية، وينخر في مفاصل بنيتهم الاجتماعية حتى يقضي عليهم.
وهناك ملاحظة جديرة بالتأمل وهي انّه ليس من الضروري أن يكون هلاك الأقوام الحاضرة دائماً مثل هلاك الأقوام الماضية التي عوقبت بالزلزلة والصاعقة والرياح الصرصر، كقوم لوط وعاد وثمود، بل قد يكون إهلاك اُمّة من الاُمم يتخذ أشكالا اُخرى، كأن يكون بسبب الأمراض العسيرة العلاج والمزمنة كالأيدز، وكذلك الاعتياد بالمخدرات، وأنواع الأمراض النفسيّة

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل الشّيعة ج12 ، أبواب الرِّبا ، ب1، ح17.
(2) عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): انّه قال: إذ ظهر الزنا والرِّبا في قرية اُذن في هلاكها، مستدرك الوسائل المجلد13، أبواب الرِّبا، الباب(1)، الحديث 11.

[28]
التي تشغل فضاءً كبيراً في أوساط المجال الصحّي، وقسطاً وافراً من أسرّة المستشفيات في الدول الغربيّة الماديّة، فهذه كلّها يمكن أن تكون أسباباً لهلاك الاُمم والأقوام المذنبة والآثمة.
وعلى كلّ حال فهذه الطائفة من الرّوايات تدلّ أيضاً على حرمة الرِّبا الشديدة.

* * *



الطّائفة الخامسة:
الرّوايات التي أنذرت المرابين بالنار والعذاب يوم القيامة، قال الإمام علي (عليه السلام): «خمسة أشياء تقع بخمسة أشياء، ولابدّ لتلك الخمسة من النار: من إتّجر بغير علم فلابدّ له من أكل الرِّبا، ولابدّ لآكل الرِّبا من النار».
فهنا يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّ عاقبة خمسة أشياء هي النار بسبب خمسة أشياء: أحدها: الكسب والتجارة بدون إطلاع على الأحكام الفقهية، حيث ينتهي بالمعاملات الاقتصادية إلى هاوية الرِّبا، ثمّ إنّ المرابي، أي آكل الرِّبا، يكون مصيره إلى النار حتماً(1)، ومن الواضح من هذه الرّوايات أيضاً هو تحريم هذا العمل الشنيع.
وخلاصة الكلام: إنّ هذه المجموعة من الرّوايات المتشكّلة من خمس

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مستدرك الوسائل، المجلد 13، أبواب الرِّبا، الباب1، الحديث10.

[29]
طوائف مختلفة ـ وقد ذكرنا رواية واحدة لكل طائفة منها كنموذج ـ تدلّ بصورة قاطعة وصريحة على حرمة الرِّبا والتعامل به، ولا تنحصر الرّوايات الواردة بما ذكرنا، بل يمكن لزيادة الاطلاع الرجوع إلى المصادر المذكورة في الحاشية(1).

* * *



الدّليل الثالث: إجماع فقهاء الإسلام
إنّ تحريم الرِّبا يعتبر من المسلّمات في نظر علماء الشّيعة، بل جميع علماء الإسلام(2)، ولم يكتفوا بالذهاب إلى تحريمه فحسب، بل صرّحوا بارتداد منكره، حيث تعتبر حرمة الرِّبا فرداً أو مصداقاً لضروريات الدين الإسلامي، فعلى هذا إذا تعامل الإنسان بالرِّبا مع العلم بضرورة هذا الحكم في الدين وأنكره، ولم يلتزم بأنّه حرام في الشريعة، فانّه يخرج من زمرة

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل الشّيعة، المجلد12، أبواب الرِّبا، باب1 ومستدرك الوسائل، المجلد13، أبواب الرِّبا، الباب الأوّل.
(2) تحدث الفقهاء كثيراً في هذا المجال، وعلى سبيل المثال نذكر هنا نموذجين:
الف ـ قال صاحب الجواهر(قدس سره): «الفصل السابع في الرّبا المحرم كتاباً وسنةً وإجماعاً من المؤمنين، بل المسلمين، بل لا يبعد كونه من ضروريات الدين، فيدخل مستحله في سلك الكافرين» (جواهر الكلام، المجلد 23، الصفحة 322).
ب ـ قال ابن قدامة: «الرّبا في اللغة هو الزيادة ... وهو محرم بالكتاب والسنة والاجماع ... وأجمعت الاُمّة على أنّ الرّبا محرم» (المغني، المجلد 4، الصفحة 133).

[30]
المسلمين(1).
ونقرأ في الحديث الشريف: «بلغ أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل أنّه كان يأكل الرِّبا ويسمّيه اللّباء فقال: لأن أمكنني الله منه لأضربنّ عنقه»، واللّباء يعني أوّل اللبن الذي يرضعه الطفل من اُمّه، فيكون مادّة حياته(2).
وعلى أيّ حال، فانّ الإجماع وإتفاق جميع علماء الإسلام قائم على حرمة الرِّبا، بل انّ هذا الحكم من ضروريات الدين.

* * *



الدّليل الرّابع: دليل العقل:
وهو الدّليل الذي قلّما ذكر في هذا المورد(3)، ولكن بما أنّ الرِّبا من المصاديق البارزة للظلم ـ وسيأتي شرح هذا الموضوع في بحث حكمة تحريم الرِّبا ـ بل أنّ الرِّبا من أفحش أنواع الظلم وأشدّه، وحرمة الظلم من المستقلاّت العقلية، فعلى هذا يكون الرِّبا قبيحاً عقلا وحراماً.
مضافاً إلى أنّ الرِّبا مصدر لمفاسد كثيرة والتي يستقلّ العقل بقبحها أيضاً، وبذلك يكون الرِّبا حراماً عقلا من هذه الجهة أيضاً، فمن ينكر أنّ الكثير من الأفراد قد تحطمت معيشتهم على صخرة الرِّبا، بل أنّ بعض المجتمعات

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الحكم الضّروري يطلق على الحكم الذي يدركه كل من أسلم حديثاً بعد مدّة قصيرة وأنّه من أحكام الإسلام، مثل وجوب الصلاة وحرمة شرب الخمر و...
(2) وسائل الشّيعة، المجلد 12، أبواب الرِّبا، الباب2، الحديث 2.
(3) بل لم نجد أحداً استدلّ بهذا الدّليل على حرمة الرِّبا.

[31]
أيضاً لم تسلم من شرره وسمومه، فوقعت ضحية القروض الربوبية، وفقدت كلّ ما تملك بسببه، حتى أنّ الكثير من بلدان عالمنا الثالث في عصرنا الحاضر قد وقعت أسيرة في حبائل المرابين العالميّين، وأمسى كلّ شيء لديهم من إقتصاد غيره في خطر محدق.
والنتيجة لما تقدّم من الأبحاث أنّ الرِّبا حرام بالأدلّة الأربعة: ـ1ـ القرآن الكريم ـ2ـ روايات المعصومين (عليهم السلام)ـ3ـ إجماع علماء الإسلام ـ4ـ دليل العقل.


* * *


[32]


(3)
ـ الحكمة من تحريم الرِّبا ـ

لماذا حرّم الله تبارك وتعالى الرِّبا؟
ولماذا شدّد الإسلام في ذمّه وتقبيحه؟
ولماذا ورد كلّ هذه الآيات والرّوايات في شجبه والنهي عنه؟
هذا هو ما نريد معرفته، ويصبوا الجميع إلى فهم الجواب عن هذه الاستفهامات.
وقبل الدخول في هذا البحث والإجابة على الأسئلة أعلاه، نجد أنّه من اللازم بعنوان المقدّمة أن نبحث بشكل مختصر عن العلل والغايات في الأحكام الشرعيّة.


هل أنّ البحث في علل الأحكام جائز؟
يقول البعض: ينبغي لنا بعد تنجز الحكم الشرعي من الله الحكيم ودخوله في دائرة التكليف الفعلي أن نقبله دون تأمّل، ودون السؤال عن سببه والغاية منه، فلا ينبغي للمخلوقين تجاوز محدودية صلاحيتهم، والبحث في علل الأحكام مضافاً إلى أنّ المصالح الكامنة في الأحكام الشرعية غالباً ما تكون

[33]
مغمورة وسريّة وخافية علينا.
والصحيح انّنا نعتقد بأنّ العلل الحقيقيّة لبعض الأحكام الشرعيّة قد تكون خافية علينا. ويكون من العسير دركها وفهمها، ولكن في كثير من الأحيان والموارد يمكننا التوصل إلى إدراك المصالح والمفاسد لملاكات الأحكام الشرعيّة، فيجوز لنا تحصيل هذه المعلومات ونيل هذه الغاية بدليلين:
1 ـ إنّنا نجد أنّ القرآن الكريم والرّوايات الإسلامية قد بحثت هذا الموضوع كرّات عديدة، وأعطتنا الضوء الأخضر للبحث في هذا الوسط العلمي، والخوض في جذور المسائل الشرعية للتوصل إلى إدراك الحكمة والغاية من الأحكام الشرعيّة.
القرآن الكريم بحث في الغاية من الصلاة والزكاة والحج(1) و... وفي أحاديث المعصومين (عليهم السلام) نجد هذا الموضوع قد بحث بصورة موسّعة، حتى أنّ بعض علماء الشّيعة العظام ألّف كتاباً أو كتباً مستقلّة في هذا المجال(2)،

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لقد ذكر اللّه تعالى في الحكمة من الصلاة أنّها تنهى عن الفحشاء والمنكر، حيث قال في سورة العنكبوت آية 45: (وأقم الصلاة انّ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر)، وذكر في فلسفة الزكاة أنّها تطهر الروح وتزكي النفس فقال في سورة التوبة الآية (103): (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها)وقال في فلسفة الحج: (ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم اللّه في أيّام معلومات).
(2) لقد جمع المرحوم الشّيخ الصّدوق(رحمه الله) علل الاحكام في كتابه القيم المسمى بـ «علل الشرائع» وكذلك المرحوم الشّيخ الحر العاملي(رحمه الله) في كتابه القيم المسمى بـ « وسائل الشّيعة» الذي لا يستغني أي فقيه عنه في كل موضوع، فقد ذكر في ابوابه الاولية عن علل الشرائع والرّوايات الواردة في هذا الموضوع.

[34]
ونخلص بذلك إلى أنّ طرح مثل هذه المباحث في الكتاب والسنّة وبهذا الوسع دليل على جواز البحث والتفكّر في هذا الموضوع، وإلاّ لم يكن القرآن الكريم ليطرح هذا الموضوع، ولم تكن الرّوايات الإسلامية لتبحث في هذا المجال.
2 ـ كما أنّ قول المعصومين (عليهم السلام) وفعلهم حجّةً لنا، فكذلك تقريرهم (عليهم السلام)يعتبر أيضاً حجّة، ونجد في التاريخ الكثير من صحابة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)أو أصحاب الأئمة الأطهار (عليهم السلام) سألوا هؤلاء المعصومين عن علل الأحكام، فكانوا (عليهم السلام)يجيبونهم بأجوبة مقنعة وواضحة، وهذا المعنى إمضاءٌ عملي من جانب المعصومين (عليهم السلام)بالنسبة إلى هذا النمط من التساؤل والتفكير، وإلاّ لكان المفروض منعه والردع عنه بشكل من الأشكال.
النتيجة، وطبقاً للدليلين أعلاه نستطيع إجمالا أن نبحث حول مصالح ومفاسد الأحكام ونطلّع على غاياتها، وهذا المعنى مجاز قطعاً، إلاّ أنّ هذا المعنى لا يبيح لنا الاعراض عن الأحكام التي لم ندرك غاياتها، وإهمال ما لم نفهم مغزاه ونكتشف علّته.


فائدة البحث عن الغاية وعلل الأحكام
رأينا أنّ البحث في علل الأحكام من الاُمور المشروعة والمباحة للمكلفين، وبما أننا نعلم أنّ الله تعالى حكيم ولا يقرّ حكماً من الأحكام دون غاية وحكمة، فليست أحكامه عبثاً، بل أنّ جميع الشرايع المقدّسة والقوانين السماويّة مرسومة طبقاً لملاكات خاصة ووفقاً للمصالح والمفاسد في

[35]
موضوعاتها، إذاً فما الداعي إلى البحث في علل الأحكام وأن نفهم الحكمة في كلّ حكم منها؟ ألا يمكن الاكتفاء بهذا المقدار الاجمالي من علمنا بأنّ جميع الأحكام الشرعيّة لا تخلو من حكمة مقرّرة دون الدخول في التفاصيل؟
وفي مقام الجواب على هذا السؤال نقول: إنّ (العلم التفصيلي) بالحكمة والغاية في علل الأحكام ذو فائدة لا تتحقق بالاقتصار على العلم الاجمالي المشار إليه، لأنّ الإنسان إذا علم بالمصالح والمنافع الكامنة في أحد الواجبات، أو أحاط بالمفسدة لحرام من المحرّمات، فسوف يقوى فيه الدافع والباعث بشكل حتمي على أداء ذلك التكليف، أو ترك ذلك الحرام، كما أنّ المريض الذي اطّلع على خواص الأدوية المعطاة له بشكل تفصيلي، وأدرك بعقله الأضرار والمفاسد المترتبة على المحذورات والممنوعات، فلا ريب أنّ الداعي لتناول تلك الأدوية المرّة واجتناب الأطعمة الضادّة سيضحى أقوى بكثير، ومن الواضح أنّ أحد الأسباب في طرح هذه المباحث في كلمات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمة المعصومين ـ سلام الله عليهم أجمعين ـ هو هذه المسألة بالذات.

والنتيجة:
أوّلا ـ أنّنا يحق لنا البحث عن علل الأحكام واستقصاء الغاية منها.
وثانياً ـ أنّ هذا البحث ليس بحثاً علمياً صرفاً، بل أنّ له فائدة عينيّة وعمليّة لعموم المكلّفين.

[36]
ومع هذه المقدمة القصيرة حول الحكمة من الأحكام الشرعيّة نصل إلى البحث في (علل تحريم الرِّبا).
ويستفاد من الآيات القرآنية وروايات المعصومين (عليهم السلام)ومعطيات التحليل العقلي حول هذا الموضوع، أنّ تحريم هذا العمل الشنيع يتضمن على الإقل خمس نقاط مهمّة تمثّل محاور أساسيّة في بيان الغرض والحكمة من تحريم الرِّبا.


الأوّل: إنّ الرِّبا أكلٌ للمال بالباطل
وتوضيح ذلك: إنّ المستفاد من القرآن الكريم والأحاديث الشريفة أنّ الرِّبا يعتبر أكلا للمال بالباطل، وبلا شك أنّ أكل المال بالباطل حرام، فلذا كان الرِّبا حراماً أيضاً.
ومعنى أكل المال بالباطل هو أنّ الإنسان يكتسب مالا بدون دليل عقلي ومنطقي، وبعبارة اُخرى: إنّ أكل المال بالباطل هو الكسب بدون توجيه مشروع.
(القمار)، أكل للمال بالباطل، لأنّه يمثّل ربحاً من دون دليل منطقي معقول ومشروع، وكذلك (بيع الخمر)، والأرباح الحاصلة منه، حيث تعتبر أكلا للمال بالباطل، لأنّ المشروعية في أيّة معاملة أو عمل من الأعمال تبتني على أن يكون ذلك العمل مفيداً للفرد أو المجتمع، وليس كذلك بيع الخمر، فانه لا يعود بالنفع لفرد من الأفراد أو لمجتمع، بل أنّه عمل مفسد ومضرّ بالغير وباعث على إفساد وتدمير المجتمع، وهذه الاشكالية في

[37]
تصوير المشروعية تعتبر أصلا كليّاً في جميع أبواب المعاملات الإسلامية، ومن الآية الشّريفة في سورة النساء (160 ـ 161) الواردة في ذم اليهود يمكن الاستفادة أن أكل الرّبا هو، أكل المال بالباطل، لإن اللّه تعالى قرن الرّبا في هذه الآية الشريفة مع أكل المال بالباطل وقال عزّوجلّ: (فَبِظُلْم مِنَ الّذِينَ هادُوا حَرّمْنا عَلِيْهِم طيّبات اُحِلّتْ لَهُم وَبِصدّهِم عَنْ سَبَيلِ اللهِ كَثِيراً وَأخْذِهمُ الرِّبا وَقَدَ نُهُوا عَنْهُ وَأكْلِهِم أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ وِأعْتَدنا لِلكافِرِينَ مِنْهُم عَذاباً ألَيمَاً)(1).
فعلى هذا، يكون الرِّبا نوعاً من أكل المال بالباطل، ويعتبر ربحاً غير مشروع، وتراكماً لثروات المرابين من جهة، وتفريغاً لجيوب المعوزين، وامتصاصاً لأموالهم من جهة اُخرى.
سؤال وجواب: إنّ بعض المعاملات المشروعة في الإسلام مثل: المضاربة، قد تكون ربحاً مشابهاً للربا، أي لا يقوم عليها دليل عقلي، لأنّ صاحب المال لا يبذل أدنى جهد في سبيل تحصيل الربح، بل ينتفع من رأس ماله فقط، فحاله حال المرابي الذي لا يبذل جهداً في كسبه وتراكم أرباحه.

ويتضح الجواب على هذا السؤال من خلال بيان نكتة فارقة، وهي أنّ رأس المال في المضاربة الذي يستثمر في نشاطات اقتصادية مشروعة بهدف تحصيل الربح والنماء إذا تمّ استغلاله واستثماره في المعاملات التجارية وفقاً لعقد المضاربة أفرز حينئذ فرقاً واضحاً بينه وبين الرِّبا، لأن المضاربة عمل معقول ومنطقي يصبّ في خدمة المجتمع، في حين أنّ الرِّبا لا

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة النساء: آية 160 و 161.

[38]
توجد فيه أية ثمرة اجتماعية، أو أنّ اضراره وآثاره السلبية أكثر من إيجابياته، وإثمه أكثر من نفعه كما مرّت الإشارة إليه. هذا أوّلا.
وثانياً: إنّ المضاربة يحتمل فيها الربح والخسارة معاً، يعني أنّ صاحب رأس المال والعامل شريكان في الربح والخسارة معاً، في حين أنّ إحتمال الخسارة والضرر بالنسبة لصاحب المال في العقود الرّبويّة منتف تماماً، حيث تكون الخسارة على عاتق العامل والمقرض فقط، فعلى هذا لا يصحّ قياس الرِّبا على المضاربة وأمثالها، كالمشاركة في الأعمال التجارية والأنتاجيّة والصناعيّة والزراعية، فلا تعتبر هذه النشاطات الاقتصادية المفيدة والنافعة أكلا للمال بالباطل مطلقاً.
الدّليل الآخر على أنّ الرِّبا أكل للمال بالباطل هو الرّواية التي يرويها محمّد بن سنان(1) عن الإمام علي بن موسى الرضا ـ عليه آلاف التحية والثناء ـ فقد ورد أنّ الرضا (عليه السلام) قال:
«وعلّة تحريم الرِّبا لما نهى الله عزّوجلّ عنه ولما فيه من فساد الأموال لأنّ الإنسان إذا اشترى الدرهم بالدرهمين كان ثمن الدرهم درهماً وثمن الآخر باطلا، فبيع الرِّبا وشراؤه وكسٌ على كل حال

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) محمّد بن سنان من أصحاب الامام علي بن موسى الرّضا(عليهما السلام)، وقد وردت عنه في الغالب روايات التي تبين علل الاحكام عن الامام الرّضا(عليه السلام)، ولكن وثاقته محل خلاف بين علماء الرّجال ، فبعض ذهب الى توثيقه، وآخرون ذهبوا الى تضعيفه، وطائفة ثالثة توقفوا في الحكم عليه، ولكن بما أننا في هذا البحث لا نريد اثبات الجكم الفقهي لهذه المسألة، بل ما نحن فيه هو بيان فلسفة الحكم، فلذا لا تشكل هذه المسألة عقبة في بحثنا هذا.

[39]
على المشتري وعلى البايع، فحرّم الله عزّوجلّ على العباد الرِّبا لعلّة فساد الأموال، كما حظر على السفيه أن يدفع إليه ماله لما يتخوف عليه من فساده حتى يؤنس منه رشد، فلهذه العلّة حرّم الله عزّوجلّ الرِّبا ...»(1).
وينتج من ذلك وطبقاً للآية الشريفة وهذه الرّواية أنّ الرِّبا نوع من أكل المال بالباطل، وقد ورد تحريمه لهذا السبب.


ثانياً: تهميش النشاطات الاقتصادية المثمرة.
إنّ توجه الناس نحو استثمار أموالهم في العقود الرّبويّة يؤدي إلى أن يترك الناس المعاملات التجارية المشروعة والمفيدة لصعوبتها، ولما يكتنفها من مشاكل وتعقيدات ومشقّات، ويقتصرون في نشاطاتهم الاقتصادية على تلك المعاملات الفاسدة ذات الربح الوفير والتعب القليل، وفي هذا المجال هناك روايات متعدّدة تحذّر من هذه العاقبة بالذات، فعن هشام بن الحكم أنّه سأل أبا عبدالله (عليه السلام)عن علّة تحريم الرِّبا، فقال (عليه السلام):
«إنّه لو كان الرِّبا حلالا لترك النّاس التّجارات وما يحتاجون إليه، وحرّم الله الرِّبا لتنفر النّاس من الحرام إلى الحلال وإلى التّجارات من البيع والشّراء فيبقى ذلك بينهم في القرض»(2).
وبعبارة اُخرى: إنّ المرابين يمثلون النخبة التي تعيش على أتعاب

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل الشّيعة، المجلد 12، أبواب الرّبا، الباب 1، الحديث 11.
(2) وسائل الشّيعة، المجلد 12، أبواب الرِّبا، الباب1، الحديث 8.

[40]
الآخرين في المجتمع الانساني، فيكون حالهم حال بعض الحشرات التي تعيش على امتصاص دم الحيوانات الاُخرى دون أن تبذل جهداً في تحصيل قوتها، وعمل المرابي هذا يكون مصداقاً للرواية المشهورة عن الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله) حيث قال: (ملعون من ألقى كلّه على النّاس)(1).
المصارف والبنوك الرّبويّة في عالم اليوم كذلك، حيث تعدّ بؤرة لجذب الأرباح الكاذبة، فتتراكم ثرواتها يوماً بعد آخر في مقابل إزدياد فقر الفقراء وبؤس المساكين في المجتمع.


الثّالث: الرِّبا هو المصداق البارز للظّلم.
لقد تقدّم في الآية ـ 279 ـ من سورة البقرة (لا تَظلِمُونَ ولا تُظْلَمُونَ)، فالقرآن الكريم يضع الرِّبا في دائرة الظلم، فلا ينبغي للمسلم أن يظلم الآخرين في أخذه الفائدة على القرض، وكذلك إذا أعطيتم قرضاً لأحد الأشخاص وأبى المقترض من تسديد دينه لكم، فأنّكم في هذه الحالة مظلومين، وقد ظلمكم المدين بامتناعه عن إعادة رأس المال لكم، فكما لا ينبغي لكم ظلم الآخرين بأخذ الفائدة على القروض، فكذلك لا يجدر بالآخرين ظلم الدائن وصاحب المال بالامتناع من تسديد القرض أو التسويف والمماطلة.
فالآية الشريفة المذكورة أعلاه تعتبر الرِّبا أحد مفردات الظلم، ولا يحتاج قبح الظلم إلى بيان، لأنّه من المستقلاّت العقلية كما في إصطلاح

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل الشّيعة، المجلد 12، أبواب مقدمات البيع، الباب 6، الحديث 10.

[41]
الفقهاء والاُصوليين ـ وقد تقدّم في رواية محمّد بن سنان عن الإمام الرضا (عليه السلام) أنه قال: (ولما في ذلك من الفساد والظلّم)(1).
فقد أكّد (عليه السلام) هذا المعنى للربا، وأنّه منشأ الفساد والظلم، فيكون حراماً لذلك.


لماذا يكون الرّبا نوعاً من الظّلم؟
إنّ جميع الأشخاص الّذين يشتركون في معاملات إقتصاديّة وتجاريّة في المجتمع من أصحاب المصانع والمزارع والتّجارات ومعامل تربية الدواجن والمواشي والخدمات وغيرها نلاحظ فيها أنّهم يشتركون جميعاً في الرّبح والخسارة معاً، باستثناء المرابين الذين يغنمون الرّبح الخالص فقط، دون أن يكون لهم عمل مفيد ومثمر، وهذا نوع من الظّلم، واسلوب للكسب دون تعب ومشقّة، ولذا ورد التّعبير المتعارف عن الرِّبا بأنّه (كنزٌ بلا تعب).
ولهذا السبب كانت المعاملات الرّبويّة أحد العوامل في تقوية وترسيخ النّظام الطّبقي في المجتمع، لأنّ أفراداً معدودين يمتلكون كلّ شيء بسبب الرِّبا، بينما تقبع الأكثرية الساحقة في فقر مدقع، وتتخبط في دوامة الحرمان. إنّ هذه الفاصلة الطّبقيّة ـ وكما يؤكد ذلك الخبراء في عالم اليوم ـ تزداد وتشدّد يوماً بعد آخر، وكلّما تقدّم بنا الزمان إتّسعت الفاصلة والهوّة بين الأثرياء والفقراء، حتى بلغ بالشعوب في بعض بلدان العالم الثالث أحياناً،

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل الشّيعة، المجلد 12، أبواب الرِّبا، الباب1، الحديث11.

[42]
أنّها تدفع جميع ما تستطيع إنتاجه ثمناً لتسديد الفوائد والأرباح الرّبويّة للدول الثريّة، ولا يخفى ما في هذه المأساة من الأضرار والأخطار العظيمة لهذه الشعوب، ومن الواضح أنّ هذا العالم وهكذا مجتمع يزداد فيه الغني غناً وثراءً، والفقير فقراً ومسكنةً إنما يبني أركانه ودعائمه على الظلم والجور، وقد قرأت قبل فترة إحصائيات مثيرة وعجيبة حول هذا الموضوع، فالاحصائيات تؤكد على أنّ (80%) من ثروات الدنيا في أيدي (20%) من شعوب العالم، و (20%) من ثروات الدنيا فقط تحت اختيار (80%) من سائر الناس، يعني إذا إفترضنا أنّ عدد أفراد البشر في العالم مئة نفر، ونفترض أنّ ثروات الدّنيا مئة دينار، فانّ عشرين نفراً يمتلكون ثمانين ديناراً منها، وعشرين ديناراً فقط في أيدي ثمانين نفر!!
ومن المؤكد أنّ أحد الأسباب المهمة في تحقق وازدياد هذه الفاصلة الطبقيّة هو الرِّبا، وعلينا أن نشكر الله تعالى أنّ مجتمعنا الإسلامي وببركة الإسلام والثورة الإسلامية يمرّ في حالة تحوّل عن هذه الظاهرة الخطرة، بالرغم من أنّه لا تزال تفصلنا عن الوصول إلى الأهداف المنشودة بون وفاصلة.


رابعاً: تجميد الاحساسات والعواطف الإنسانية.
إنّ أحد معطيات وعوائد الرِّبا هو أنّه يؤدّي إلى إضعاف العواطف الإنسانية بين أفراد البشر، وهذه المسألة وردت في الرّوايات الكريمة بصورة مؤكدة:

[43]
1 ـ عن سماعة قال قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) «إنّي قد رأيت الله تعالى قد ذكر الرِّبا في غير آية وكرّره؟ قال (عليه السلام): أو تدري لم ذلك؟ قلت لا، قال: لئلاّ يمتنع النّاس من إصطناع المعروف»(1).
2 ـ قال الصّادق (عليه السلام): «إنّما حرّم الله عزّوجلّ الرِّبا لكيلا يمتنع النّاس من اصطناع المعروف»(2).
وهناك روايات اُخرى تقرب من هذا المضمون.(3)


ما هو المراد من إصطناع المعروف؟
المراد هو القرض الحسن(4) الذي يعتبر من أوضح وأجلى مظاهر العواطف الإنسانية، وأسمى أشكال التفاعل الاجتماعي في المجتمع البشري، بل أنّه أفضل من الصدقة أيضاً، ولذا جاء في الرّوايات الشريفة أنّ الصدقة فيها عشرة حسنات والقرض فيه ثمانية عشرة(5).

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل الشّيعة، المجلد12، أبواب الرِّبا، الباب1، الحديث3.
(2) وسائل الشّيعة، المجلد12، أبواب الرِّبا، الباب1، الحديث4.
(3) وسائل الشّيعة، المجلد12، أبواب الرِّبا، الباب1، الحديث9 و10 و11.
(4) كما ورد في رواية محمّد بن سنان الحديث 11، الباب 1، من ابواب الرِّبا، المجلد 12، وسائل الشّيعة عن الامام الرّضا(عليه السلام) أنّه قال: « وتركهم القرض والقرض صنايع المعروف».
(5) ورد القسم الاخير من هذه الرّواية في الوسائل الشيعة، ج13، أبواب الدين والقرض، الباب 6، الحديث 4، عن الامام الصادق(عليه السلام) أنّه قال: «القرض الواحد بثمانية عشر وان مات حسبتها من الزّكاة» ولكن المضمون الذي ذكر في المتن ورد بشكل تام في رواية مستدرك الوسائل ، المجلد 13، ابواب الدين والقرض، الباب 6، الحديث 3، نقلاً عن أبي الفتوح الرازي، قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله): «رأيت مكتوباً على باب الجنّة الصّدقة بعشرة والقرض بثمانية عشر، فقلت: يا جبرائيل ولِمَ ذلك؟ والذي يتصدّق لا يريد الرجوع والذي يقرض يُعطي لان يرجعه، فقال: نعم هو كذلك ولكن ما كل من يأخذ الصدقة له بها حاجة والذي يستقرض لا يكون إلاّ عن حاجة، فالصدقة قد تصل الى غير المستحق والقرض لا يصل إلاّ الى المستحق ولذا صار القرض أفضل من الصدّقة».

[44]
ولعلّ الحكمة في ذلك أنّ القرض الحسن له جانبان في هذه العمليّة الاجتماعية، فهو من جهة يقضي حاجة المحتاج فيشترك من هذه الجهة مع الصدقة، ومن جهة اُخرى يحفظ ماء الوجه للأفراد المحتاجين، وأصحاب الشرف وعلو الهمّة، حيث لا يتقبّلون الصدقة، فيكون القرض باعثاً على قضاء حاجتهم مع حفظ ماء وجههم، وأمّا بالنسبة إلى تخصيص هذا العدد وهذا الرقم من الحسنات والثواب، فانّ الصدقة تكون بعشرة أضعاف وذلك للمبدأ القرآني القائل بأنّ: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها)(1) وبما أنّ القرض له جانبان من الفائدة والنفع (رفع الاحتياج، وحفظ ماء الوجه) فلذا إستحقّ عشرين حسنة، ولكن بما أنّ رأس المال سوف يعود إلى المقرض وصاحب المال، فسوف ينقص منه حسنتان، ولذا أصبح ناتج القرض (18) حسنة، والصدقة بعشر حسنات، لأنّ الصدقة ليس فيها أكثر من عمل خيري واحد (فتأمل).
فتحصّل من ذلك أنّ الحكمة والغاية الرابعة في تحريم الرِّبا أنّ أكل الرِّبا يميت في الإنسان العواطف النبيلة ومكارم الأخلاق.


* * *

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الأنعام، آية 160.

[45]


(4)
التّرابط الوثيق بين الأخلاق والمعاملات الإقتصادية

هناك اختلاف كبير بين المذاهب الاقتصادية المادية والإلهيّة في هذه المسألة، ففي المذاهب المادية لا نجد هناك أي إرتباط بين هذين المقولتين ـ أي الأخلاق والاقتصاد ـ فلا تأثير للأخلاق في المعاملات الاقتصادية، ولذا كان الاقتصاد في المذاهب الماديّة جافّاً تماماً، وفاقداً للروح الإنسانية، لأنّ المعيار في هذا النمط من التفكير هو الربح الأكثر في جهد أقل، ومن أي طريق كان، فكلّما كان الربح أوفر، والعمل والجهد المبذول أقل، ارتفع المؤشر البياني لصالح العملية الاقتصادية هذه، وعدّ ذلك من علامات النجاح والتوفيق، ولا إرتباط للقيم الأخلاقية بهذا القانون الاقتصادي، ولذا تعدّ الكثير من الأساليب الملتوية للكسب، والنشاطات الاقتصادية المنحرفة من تهريب المخدرات، وانتاج الأسلحة الفتاكة وذات الدمار الشامل كالقنابل الذرية، وحتى النخاسة وبيع الرقيق من القنوات المشروعة والسائغة في إقتصاد هاتيك البلدان ما دامت تضمن للعاملين عليها الربح الوفير، والمردود المادي الكثير. لأنّ هذه المذاهب لا تعترف بشيء إسمه

[46]
العواطف الإنسانية في الاقتصاد، أو المثل الأخلاقية في السلوكية التجارية وطريقة تحصيل الربح المادّي، ولذا نجد أنّ أكثر الناس تحضّراً وتمدّناً في هذه المجتمعات الماديّة هم أرباب الثروات من أصحاب مصانع الأسلحة، وتجّار الرقيق، ومهربي المخدرات وأمثال ذلك، لا الأفراد الذين يعيشون بعواطف إنسانيّة وقيم أخلاقيّة في تفاعلهم الاقتصادي مع الآخرين.
وأمّا في المذاهب الإلهيّة والأديان السماويّة فانّ المسألة تختلف تماماً، يعني أنّ الأخلاق والاقتصاد مندكّان معاً في جميع النّشاطات والمعاملات وأنواع التفاعل البشري، ولا يمكن فصلهما عن بعضهما، والدّليل على ذلك يتضح بأدنى تأمل وتفكر في أحكام الشريعة المقدسة من الواجبات والمستحبات والمكروهات في أبواب المعاملات.
فقد جاء في الرّواية الشريفة التي يذكرها العلاّمة الكبير، والفقيه الاُصولي المقتدر، المرحوم الشّيخ الأنصاري «رضوان الله تعالى عليه»، في بداية كتابه القيّم (المكاسب) نقلا عن كتاب تحف العقول(1) والواردة عن الإمام الصادق (عليه السلام): «...فكل مأمور به مما هو غذاء للعباد، وقوامهم به في أمورهم في وجوه الصلاح الذي لا يقيمهم غيره مما يأكلون ويشربون ويلبسون وينكحون ويملكون ويستعملون من جهة ملكهم، ويجوز لهم الاستعمال له من جميع جهات المنافع التي لا يقيمهم غيرها، وكل شيء يكون لهم فيه الصلاح من جهة من الجهات، فهذا كله حلال بيعه، وشراءه، وإمساكه، واستعماله وهبته، وعاريته .

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تحف العقول ، الصفحة 245.

[47]
وأمّا وجوه الحرام: من البيع والشراء، فكل أمر يكون فيه الفساد مما هو منهي عنه من جهة أكله، وشربه، أو كسبه، أو نكاحه، أو ملكه، أو امساكه، أو هبته، أو عاريته، أو شيء يكون فيه وجه من وجوه الفساد...»(1).
أنّ المعيار الأصل في صحة وبطلان المعاملات وأنواع التجارات هو مسألة أخلاقيّة مهمة، وهي مقدار النفع والضرر لعامّة الناس وأفراد المجتمع، وليس النفع والضرر المتعلق بذات الشخص صاحب المعاملة (ونلاحظ في ذلك الفرق والبون الشاسع بين هذا النمط في التكسّب وذاك).
والخلاصة، إنّ الاقتصاد في المذاهب الأخلاقية ينضوي تحت مظلّة الأخلاق، أمّا في المذاهب المادية فأنّه أجنبي عن القيم الإنسانية، ولهذا السبب فانّ الكثير من المعاملات والنشاطات الاقتصادية الهادفة لتحقيق عوائد مادية بحتة تكون بشكل عام مضادة للقيم الأخلاقية، وتبعث على ارباك السوق، وخلق المتاعب والمشاكل للشرفاء من الكسبة وعامة الناس، فتسفك بها الدماء ويزداد الفقير فقراً و... فتكون محرّمة في مقياس الشريعة المقدّسة، ولنضرب لذلك أمثلة لتوضيح المطلب:


1 ـ المعاملات المحرّمة:
وتشمل الغش، والغبن، والتدليس في المعاملات، وإعانة الظالمين في ظلمهم، ولذا تكون محرّمة، والسبب في حرمة هذا اللون من المعاملات هو

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) بحار الانوار، ج103، ص48، الباب 4، ح 11.

[48]
أنّها مباينة ومنافية للأخلاق، ففي النماذج الاُولى تتجلى منافاة الأخلاق فيها أنّ البائع لا يهتم بحقوق المشتري، والأخلاق تدعو الفرد إلى مراعاة المشتري وعدم خداعه، وفي المثال الأخير تدعوه لعدم مدّ يد العون إلى الظالمين، والاشتراك في ظلم المستضعفين.


2 ـ المعاملات الواجبة:
نحن نجد أنّ الفقه الإسلامي يوجب الفعاليّات الاقتصادية التي يتوقف عليها نظام المجتمع وجوباً كفائياً، فلو حدث أن كانت لبعض الأفراد القلائل خبرة وقدرة على إنجاح تلك المشاريع الاقتصادية، واقتصر الأمر عليهم في إيجاد بعض المهن الضرورية للمجتمع فتكون واجبة عينيّة عليهم.
وهنا نلاحظ أنّ القيمة الأخلاقية مشهودة في هذه المسألة، بأنّ أخذ المعيار لوجوب تلك المعاملات والمهن والصنائع في إطار تحقيق النفع العام، وتمتين أركان المجتمع وتقوية دعائمه، حتى لو لم يكن لها مردود مادي ونفع شخصي وافر لصاحبها، وحتى لو كانت أعمالا شاقّة ومتعبة.


3 ـ المعاملات المستحبّة:
وقد جاء في الفقه الإسلامي أنّ: «إقالة النادم مستحب»، يعني إذا باع شخص بضاعة لآخر، وأسقط جميع خيارات هذه المعاملة، ثمّ أنّ المشتري ندم وأراد فسخ المعاملة، فهنا يستحب للبائع إقالته، وقبول فسخ المعاملة بالرغم من أنّ له الحقّ في الامتناع من ذلك، وقد جاء في الرّوايات عن الإمام

[49]
الصادق (عليه السلام) أنه قال:
«أيّما مسلم أقال مسلماً بيع ندامة أقالَه الله عزّوجلّ عثرته يوم القيامة»(1).


4 ـ المعاملات المكروهة:
وهناك بعض المعاملات التي لا ينبغي للمسلم التورّط فيها، فمثلا لا ينبغي للمسلم أن يدخل في معاملة أخيه المسلم ويساومه على الثمن، يعني أن يتدخل في معاملة بين إثنين ويتنافس في شراء البضاعة بأعلى ممّا أرادها المشتري الأوّل ما دامت المعاملة لم تزل طيّ التنفيذ، ولم تصبح قطعيّة وجزميّة بعد.
فمن المؤكد أنّ هذه المسائل الأخلاقية المذكورة أعلاه في المعاملات الاقتصادية، ليس لها محل من الإعراب في الاقتصاد المادّي إطلاقاً، بل ليس لها معنىً ومفهوم في هذه المدرسة الأرضية، ولهذا السبب فانّ المؤمنين والمعتقدين بالقيم السماويّة لا يستطيعون مجارات الماديّين في اقتصادهم، لأنّه يفتقد الحصيلة الأخلاقية.
ثمّ إنّ مصلحة المجتمع تتوقف على أن تكون القيم الأخلاقية سارية في تفريعات المسائل الاقتصادية، وفي امتداداتها الدنيويّة، لأنّها تصبّ في النهاية في مصلحة المجتمع بصورة عامّة، وهذا المعنى تجده ملحوظاً ومشهوداً في الأحاديث الشريفة، مثلا جاء في الحديث الشريف عن الإمام

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) .سائل الشّيعة، المجلد 12، آداب التجارة، الباب 3، الحديث 4.

[50]
علي (عليه السلام) أنّه قال لجابر بن عبدالله الأنصاري:
«ياجابر قوام الدنيا بأربع ... وجواد لا يبخل بمعروفه وفقير لا يبيع آخرته بدنياه ... وإذا بخل الغني بمعروفه باع الفقير آخرته بدنياه»(1).
فمن البديهي أنّ الأثرياء إذا لم يلحظوا القيم الأخلاقية والدوافع المعنويّة، ولم يهتموا باحتياج المحتاجين والمعوزين، وإعسار الفقراء والمساكين، فانّ هذا الأمر سوف يؤدّي إلى تشديد العداوة وتوكيد الأحقاد، وسوف يتربص البؤساء ومن إشتدّ عليه العوز للانتقام وتلافي سنوات القحط التي مرّوا بها، كما كان هذا هو السبب في الثورة الشيوعيّة في روسيا.
ونقرأ في حديث آخر «حصّنوا أموالكم بالزكاة»(2)، لأنّه لو لم تدفع الزكاة وتصرف في مواردها، فانّ نار الفقر سوف تلتهم الفقير، وتحيل حياته إلى جحيم، وقد تسري آثارها السلبيّة إلى دينه وإيمانه فيبيعها بدنياه.
ونخلص من ذلك إلى أنّ القيم الأخلاقية والمعنويّة مقرونة بالمسائل الاقتصادية إلى حدٍّ أنّها لا تقبل التفكيك بتاتاً، بخلاف المذاهب الاقتصادية الماديّة التي لا تتأثر المسائل الاقتصادية بالمعاني الأخلاقية والمثل الإنسانية، ومن هنا يتضح معنى ومغزى تأكيد الإسلام على حرمة الرِّبا بتلك

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نهج البلاغة، الكلمات القصار، الكلمة 364.
(2) إن الرواية وردت عن عدّة من الائمّة(عليهم السلام) ومنها ما وردت في وسائل الشّيعة، المجلد 6، الأبواب ما تجب فيه الزّكاة، الباب 1، الحديث 16، عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله). وكذلك في الحديث الرابع عشر عن الامام الصادق(عليه السلام)، والحديث 5 ـ و11 عن الامام موسى بن جعفر(عليه السلام)، وكذلك وردت هذه الرّواية في نهج البلاغة في الكلمات القصار، الكلمة (138).

[51]
العبارات الشديدة والمذهلة في الآيات والرّوايات الشريفة، ونعي من ذلك أنّ الإسلام يريد إحاطة المسائل الاقتصاديّة باطار من المعنويّات، وأن يجعلها في بوتقة العواطف الإنسانيّة والأخلاقية، فانّ الرِّبا والمعاملات الرّبويّة تهدم اُصول الأخلاق، وتجتث جذور العواطف الإنسانية، وتعرقل جميع أعمال الخير في البشريّة.


الخامس: الرِّبا يتنافى مع الحكمة من وجود الأموال.
لأنّ الرِّبا سيكون باعثاً على تحوير الغاية من وجود الأموال، وتحريف شكلها الأصلي من ثمن إلى بضاعة وأجناس، حيث أنّ المال والثروة في الأصل عبارة عن كونها ثمناً لا مثمناً، فهي وسيطة في المعاملات، ووسيلة لتحصيل البضاعة، لا أنّها بضاعة بنفسها، إلاّ أنّ الرِّبا يجعل المال بضاعة، وبذلك يخسر المجتمع اسلوبه الطبيعي في تعامله الاقتصادي.
وتوضيح ذلك: إنّ المعاملات الاقتصادية في التاريخ الغابر كانت تجري بين الناس بدون توسط الأموال، بل كانت على شكل استبدال بضاعة باُخرى، وهذا الاسلوب لا زال قائماً في القبائل البدويّة أيضاً، وحتّى أنّه يجري أيضاً بين الدول أحياناً في المعاملات الضخمة والتبادل التجاري الواسع بأن تبيع دولة نفطها في مقابل المنتجات الصناعيّة والزراعيّة للدولة المقابلة، ولكنّ الإنسان وجد من الصعوبة بمكان الاستمرار على هذا الأسلوب من التعامل التجاري لعدّة ملاحظات:
أوّلا: إنّ الأجناس والبضائع لا تقبل أحياناً التبديل إلى بضاعة اُخرى،

[52]
مثلا لو كان لديّ مقداراً من القمح، واُريد أن أشتري لأهلي حذاءً مثلا، فقد لا يكون بائع الأحذية بحاجة إلى القمح، ولذلك لا أستطيع أن أُبادله الحذاء بما لديّ من القمح، فأضطر إلى تبديل هذا القمح ببضاعة يحتاجها بائع الأحذية، ثمّ أقوم بعد ذلك بالتعامل معه، ولذا كان هذا الأسلوب من التعامل الاقتصادي لا يخلو من عسر بالغ وصعوبة كبيرة.
الثّاني: إنّ حمل الأجناس والبضائع بعنوان أنّها ثمن لشراء أجناس أُخرى، لا يخلو من مشكلة وخاصّة في السفر، فكم يستطيع الفرد حمل مقدار ما يحتاج في السفر من القمح لمصروفاته ونفقاته الاُخرى؟
الثالث: إنّ المشكلة الكبيرة التي تواجه الفرد تكمن في المعاملات الواسعة والكبيرة، حيث تتولد مشاكل وصعوبات في تنفيذ هذه المعاملات بين العاملين وأرباب العمل، أو بين الدول والشركات الكبرى من قبيل مشكلات الخزن والحفظ والعمل والنقل وأمثال ذلك بما لا يخفى على أحد.
وبهذا الدّليل والأدلة الاُخرى أدرك الإنسان أنّه لا يستطيع أن يتجاوز هذه العقبات إلاّ إذا أوجد له آلية ميسورة وحلقة رابطة بين هذه المعاملات، يعني أنّه فهم أنّه يحتاج إلى شيء يقبل التبديل إلى جميع الأجناس، ويكون من حيث الحجم والوزن بحيث يتمّ حمله ونقله بيسر وسهولة، ولذا إنتخب لهذه الغاية الذهب والفضّة، لأنّ هذين الفلزين مقبولان لدى الجميع، وبذلك تمّ التغلّب على الكثير من المشكلات في هذا المجال.
فتمّ إنتخاب الذهب كبديل وثمن في المعاملات التجاريّة الكبيرة، والفضّة للصغيرة منها وانتشر إستعمال الذهب والفضّة في مختلف البلدان

[53]
والمجتمعات، وتمّ بعد ذلك إختراع المسكوكات الذهبيّة والفضيّة من الدنانير والدراهم، فكانت بمثابة الاحتياطي لقدرة الدول ورصيدها القوي، وحلّت مكان الاجناس البديلة، فكانت بعنوان حلقة الوصل بين جميع البضائع والأجناس المتبادلة بين الناس وسمّيت بالأموال.
مع التقدّم العلمي والتطور في المجالات المختلفة للحضارة البشريّة، توصل الإنسان إلى أنّ الذهب والفضّة لا يمكنها أن يكونا حلقة إتصال مناسبة، فبالرغم من أنّهما استطاعا أن يعينا الإنسان في حلِّ الكثير من مشكلات التعامل الاقتصادي والتجاري، إلاّ أنّه بقيت عدّة مشاكل لا تقبل الحل في هذا السبيل، وخاصّة مسألة الحمل والنقل والانتقال في المعاملات التجارية الكبيرة والثقيلة، ومواجهة مشكلات السرقة، وخاصّة في الأسفار البعيدة التي يحتاج الإنسان فيها إلى حمل مقدار كبير من الذهب والفضّة، مضافاً إلى أنّ كميّة الذهب والفضّة في الدنيا محدودة، ولا تستطيع أن تلبّي احتياجات الإنسان في هذا المجال.

فهذه المشكلات أدّت إلى أن يتجّه الإنسان صوب الأوراق النقدية، وإستبدال الذهب والفضّة بأموال ورقيّة من هذا القبيل، وبالرغم من أنّ الأموال والنقود الورقيّة لا تخلو من مشكلات جديدة، ومنها التضخم النقدي (فالتضخم يكون في الكثير من الحالات وليد الأموال النقدية الورقيّة، لأنّ قيمة الذهب والفضّة ترتفع مع إرتفاع سائر الأجناس) ولكن بما أنّها لا تكتنف مشكلات الذهب والفضّة، وتتوفر فيها مرونة تبادلية عالية، فلذا حلّت محلها في المعاملات الاقتصادية المختلفة.

[54]
ونخرج من هذا البحث بنتيجة أنّ الأموال (وخاصة الأموال والنقود الورقيّة) وسيلة من وسائل تبديل البضائع والأجناس إلى غيرها، وحلقة من حلقات الربط الاقتصادي، لا أنها تكون بنفسها بضاعة، فهي في إصطلاح الفقهاء عبارة عن ثمن لا مثمن، وبتعبير آخر أنّها حوالة، وبعبارة رابعة أنّها أمر اعتباري تستمد قدرتها وإعتبارها من قدرة الدولة التي تدعمها (مع أنّ التصور الرائج والسائد في الأوساط أنّ احتياطي الذهب والفضّة الموجود في خزانة الدولة وغيره من الأموال والثروات هي الرصيد للعملة الورقيّة).
فإذا تمّ تبديل النقود الورقية إلى بضاعة من خلال العقود الرّبويّة، وتمّ تحصيل الربح بهذا الاسلوب، فستكون العملية على خلاف الحكمة الأوليّة لوجود الأموال والنقود الورقيّة والسكك، وبعبارة اُخرى، أنّه أكل للمال بالباطل، وبهذا الطريق يمكن إدغام هذه الحكمة في الغاية الاُولى لتحريم الرِّبا، (فتأمّل).
هذه هي الغايات والعلل الخمس لتحريم الرِّبا الواردة في الآيات والرّوايات غالباً.


* * *


[55]


(5)
ربا المعاوضة وربا القرض

يتشعب الرِّبا في الفقه الإسلامي إلى شعبتين:
1 ـ الرِّبا في البيع، ويسمّى بـ(ربا المعاوضة) ويبحث في كتاب البيع(1).
2 ـ القروض الرّبويّة، والتي تسمّى بـ (ربا القرض)، ويبحث في باب القرض في الفقه(2).


شروط تحقّق الرّبا المعاوضة:
الأوّل: أن يكون من جنس المكيل أو الموزون لا المعدود، يعني مثل اللبن الذي يباع ويشترى بالمكيال (اللتر) أو يباع ويشترى بالوزن مثل القمح، حيث يباع ويشتري بالكيلو، وعلى هذا لا يأتي حكم الرّبا، في الأشياء المعدودة مثل اللباس والوسائل المنزليّة.
ثانياً: أن لا يكون الجنسان متفقان في الوزن، بل يكون وزن أحدهما أكثر

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) قد بحث عن هذا القسم من الرّبا صاحب الجواهر (قدس سره) في المجلد 23 من جواهر الكلام.
(2) قد بحث هن هذا القسم من الرّبا صاحب الجواهر (قدس سره)، في المجلد 25 من جواهر الكلام.

[56]
من الآخر، كأن يكون الأوّل كيلو غراماً من القمح، فيستبدله بكيلوين من القمح، حتى لو كان الأوّل من النوع المرغوب، والثاني من الجنس الدري.
ثالثاً: أن يكون طرفي المعاملة من جنس واحد، كأن يكون القمح في مقابل القمح.
فإذا تمّت هذه الشروط الثلاثة في معاملة من المعاملات فيتحقق فيها ربا المعاوضة، وإذا افتقد شرط واحد من هذه الشروط، فحينئذ لا يتحقق الرِّبا فيها.


هل أنّ ربا المعاوضة مختص بالبيع؟
هناك بحث بين العلماء والفقهاء في أنّ ربا المعاوضة هل يجري في غير البيع أم لا؟
مثلا إذا صالح على كيلو غراماً واحداً من الحنطة مع أكثر منه، فهل يعتبر ذلك من الرِّبا المحرّم؟ أو أن يستبدل أحد الأجناس بآخر مع توفر الشروط الثلاثة لربا المعاوضة بعنوان الهبة المعوّضة، فهل يتحقق الرِّبا في هذه الصورة أيضاً؟ وهكذا في سائر العقود والمعاملات التي لا تعتبر من البيع.
المرحوم صاحب الجواهر «رضوان الله تعالى عليه» له بحث مفصّل في هذا المجال ـ كسائر الفقهاء(1)ـ ويقول: «إنّ المشهور بين الفقهاء هو أنّ هذا

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) قال في الجواهر: انّ الظاهر ما صرّح به المصنف في باب الغصب من ثبوت الرِّبا في كل معاوضة وفاقاً للمحكي عن السّيد والشّيخ والقاضي وابن المتوج وفخر المحققين والشهيدين وابن العباس والقطيفي والأردبيلي وغيرهم، بل نسبة الأخير في آيات أحكامه إلى الأكثر، لاطلاق ما دلّ على حرمته من الكتاب والسنّة، إذ هو الزّيادة المتحقّق صدقها في البيع وغيره «جواهر الكلام، المجلد23، الصفحة336.

[57]
النوع من الرِّبا لا يختص بالبيع، بل يشمل كل معاوضة ومعاملة» ونحن نعتقد أيضاً بأنّه عام وشامل لكل معاوضة وليس هنا مجال للبحث في ذلك.

* * *



ربا القرض:
وهذا القسم من الرِّبا ليست له الشرائط السابقة المذكورة في ربا المعاوضة، فلا يختلف الأمر فيه في ربا القرض بين المكيل والموزون والمعدود، يعني أنّ جنس القرض سواءً كان مكيلا أو موزوناً أو معدوداً، فلا يؤثّر في تحقق الرِّبا، حيث أنّ الركن الأساس فيه هو إضافة مقدار زائد على القرض كشرط في الوفاء، بأن يقرض الشخص بضاعةً أو مالا إلى شخص آخر، ويشترط عليه عند الوفاء بالدَين أن يضيف عليه زيادة، سواءً كان هذا الشيء الاضافي من ذلك الجنس، أو من جنس آخر، أو حتى خدمة من الخدمات لقاء هذا القرض.


شدّة الخطر في القرض الربوي:
ونلاحظ أنّ من خلال ما ذكرنا من القسمين للربا، أنّ القرض الربوي يكتنف أهميّةً أكبر، لأنّه محل الحاجة والابتلاء الشديد في عالم الأمس واليوم، في حين أنّ ربا المعاوضة ليست بتلك الأهميّة والابتلاء بين

[58]
الناس(1)، ولهذا السبب فانّ تحريم الرِّبا الوارد في أغلب الآيات والرّوايات الشريفة ناظر إلى هذا القسم من الرِّبا.
مثلا، الآية الشّريفة التي تقول: (فان تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تَظلمون ولا تُظلمون) ناظرة إلى القرض الربوي، وكذلك الآية الشريفة: (يمحق الله الرِّبا ويربي الصدقات) ناظرة إلى الرِّبا من هذا القسم أيضاً، لأنّ الرِّبا هنا وقع في مقابل (الصدقات)، ويناسب ذلك أن يكون الرِّبا فيها هو ربا القرض، وهكذا في غيره من الآيات الاُخرى.
ومضافاً إلى ذلك أنّ القروض الرّبويّة كانت شائعة في زمان نزول هذه الآيات الشريفة، والآية الاُولى التي أشرنا إليها سابقاً، نزلت في خصوص عمّ النبي الاكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)(2) وفي خصوص القروض الرّبويّة، حيث فسخت هذه الآية جميع القروض الرّبويّة في السابقة وأبطلتها.
الرّوايات الشريفة الواردة في هذا الباب أيضاً ناظرة إلى هذا القسم من الرِّبا، الغايات الخمس المذكورة لتحريمه، لا تنطبق إلاّ على هذا اللون من الرِّبا.
فالحكمة من أكل المال بالباطل، وكذلك الظلم في المعاملات الرّبويّة، يتجلّى في القروض الرّبويّة، أمّا في ربا المعاوضة، فلا معنى للظلم، لأنّ الشخص المرابي هنا في ربا المعاوضة يتفاعل إقتصادياً مع بضاعته، ويعمل

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وخاصة، مع الالتفات الى أن ربا المعاوضة في المعاملات أو ما يسمى بيع الجنس وبالجنس قليل في عصرنا الحاضر، ولا سيما في بيع الجنس بمثله، ولذا لا ضرورة لبحث هذا الموضوع.
(2) شرح الشأن نزول الآية المذكورة في أوائل الكتاب.

[59]
على الاكتساب، وله نشاط اقتصادي ملموس، بخلاف القروض الرّبويّة.
وهكذا ما اُشير إليه في الغرض الثالث من تحريم الرِّبا، وهو تعطيل أعمال الخير وإماتت العواطف الإنسانيّة الخيّرة، فهو إشارة إلى القروض الرّبويّة في مقابل القرض الحسن، الذي ليس فيه شرط الفائدة، وكذلك ما تقدّم من الغرض الآخر في تحريم الرِّبا، وأنّه يؤدّي إلى تعطيل النشاطات التجاريّة النافعة، والفعاليّات الاقتصادية المفيدة، فهو أيضاً ناظر إلى الرِّبا في القروض، وليس في ربا المعاوضة، لأنّ ربا المعاوضة يستلزم فعاليّات ونشاطات اقتصاديّة.
وأخيراً، فانّ الخامس من الحكمة في تحريم الرِّبا، مترتّبة على الرِّبا في القرض أيضاً، وهذا النوع من الرِّبا هو الذي يتنافى مع الغاية من إختراع المال والنقود، وخاصّةً النقود الورقيّة، ويخرج هذه الأموال عن كونها واسطة لشراء البضائع والأجناس، ويجعل منها بضاعةً اُخرى مقابل البضائع المختلفة، وهذه الحكمة لا تجري في ربا المعاوضة، لأنّه يعتبر أساساً معاملة جنس مع جنس، وإستبدال بضاعة ببضاعة اُخرى.
والخلاصة، إنّ أكثر الآيات والرّوايات الشريفة في هذا الباب، ناظرة إلى الرِّبا في القروض، كما أنّ الغايات الخمس الواردة في فلسفة تحريم الرِّبا أيضاً ناظرة إلى هذا اللون من الرِّبا، ولذا كان لهذا القسم من الرِّبا أهميته الخاصّة وخطره الجسيم.
سؤال: إذا كانت جميع غايات تحريم الرِّبا ناظرة إلى القروض الرّبويّة، وتخلو المعاوضات الرّبويّة من هذه المفاسد، فلم أصبح ربا المعاوضة

[60]
حراماً، لا سيّما في بعض الموارد التي تفتقد إلى المبررات المنطقية لتحريمها، مثل معاوضة العنب بالكشمش، حيث قيل أنّهما جنس واحد، ولا ينبغي زيادة أحدهما على الآخر؟ مثلا، ثلاثة كيلوغرامات من العنب، لابدّ أن تكون حين المعاوضة في مقابل ثلاثة كيلوغرامات من الكشمش، لا أكثر، وإلاّ فالمعاملة ربوية ومحرّمة.
الجواب: هناك إحتمال في أن تكون النكتة في تحريم ربا المعاوضة هذا أن يستخدم كقنطرة لربا القرض، فعندما تكون القروض الرّبويّة محرّمة فقد تستخدم المعاوضات الرّبويّة كحيلة للفرار من الرِّبا، بأن يكون الرِّبا في إطار البيع والمعاملة، كأن يبيع الإنسان طنّاً من الحنطة نقداً في مقابل طنّاً ومائة كيلو نسيئةً، فهذه المعاوضة والمعاملة هي بيع في ظاهرها، ولكنّها في الواقع تدخل في إطار القروض الرّبويّة، ولهذا السبب منعت الشريعة المقدسة من استغلال هذا السبيل للاستفادات الممنوعة. وحرّم الإسلام المعاملات الرّبويّة في الأجناس بشرط الفائدة والإضافة.
أجل، فلا يبعد أن يكون لهذا الاحتمال دخل في إبطاله وتحريمه.
وكيف كان، فانّ تحريم ربا القرض يحوز أهميّة بالغة، ولهذا سنبحث هذا القسم من الرِّبا في هذا البحث، ومن أجل تنظيم البحث، فانّ البنود الخمسة المذكورة في كتاب تحرير الوسيلة (وتعتبر من أهم مسائل الرِّبا في القروض) ستكون مورد بحثنا ودراستنا هذه (من المسألة ـ9ـ إلى ـ13ـ) والإمام الراحل رضوان الله تعالى عليه، قد أورد المسائل المهمّة في القروض الرّبويّة في إحدى عشر مسألة، بعد أن ذكر ما تقدّم من البحث، وأهمّ هذه

[61]

المسائل خمس:
المسألة الاُولى: في هذه المسألة تمّ بحث أصل تحريم القروض الرّبويّة وشرائطها حيث قال (قدس سره):
«لا يجوز شرط الزّيادة، بأن يقرض مالا على أن يؤدي المقترض أزيد مما اقترضه، سواء اشترطاه صريحاً، أو أضمراه بحيث وقع القرض مبنياً عليه، وهذا هو الرِّبا القرضي المحرّم الذي ورد التشديد عليه.
ولا فرق في الزّيادة بين أن تكون عينة كعشرة دراهم باثني عشر، أو عملا كخياطة ثوب له، أو منفعة أو انتفاعاً(1) كالانتفاع بالعين المرهونة عنده، أو صفة مثل أن يقرضه دراهم مكسورة على أن يؤديها صحيحة، وكذا لا فرق بين أن يكون المال المقترض ربوياً بأن كان من المكيل والموزون وغيره، بأن كان معدوداً كالجوز والبيض»(2).

* * *



كلمات الفقهاء حول الأصل في حرمة القروض الرّبويّة:
إنّ جميع علماء الشّيعة وأهل السنّة متفقون على تحريم القروض الرّبويّة:
1 ـ صرّح ابن قدّامة ـ الذي يعتبر من كبار فقهاء أهل السنّة ـ في كتاب

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) هناك فرق بين المنفعة والانتفاع، مثلاً في الاجارة تمليك المنفعة، ولكن في العارية إباحة الانتفاع، يعني أنّ البضاعة تكون تحت اختياره تصرف بها ويستفيد منها فقط، ولكنه لا يملك هذه المنافع.
(2) تحرير الوسيلة، المجلد (1) ـ كتاب القرض ـ المسألة (9).

[62]
المغني أنّ جميع الفقهاء أجمعوا على أنّ الرِّبا في القرض حرام(1).
2 ـ يقول العلاّمة الحلّي رضوان الله تعالى عليه: في كتاب التذكرة:
«يشترط في القرض أن لا يجرّ المنفعة بالقرض، لأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)نهى عنه، فلا يجوز أن يقرض بشرط أن يردّ الصحيح عن المكسّر، ولا الجيد عن الردي، ولا زيادة القدر في الربوي، وكذا في غيره عندنا»(2).
3 ـ يقول صاحب الجواهر: «وعلى كل حال، فشرط القرض الاقتصار على ذكر ردّ العوض فقط، على معنى أنّه لو شرط النفع حرم الشّرط بلا خلاف فيه، بل الاجماع منّا بقسميه عليه، بل ربّما قيل أنّه إجماع المسلمين لأنّه ربا»(3).
والخلاصة، إنّ جميع علماء الإسلام أعم من الشّيعة وأهل السنّة، اتّفقوا وأجمعوا على أنّ الرِّبا في القرض حرام، بالرغم من إختلافهم في بعض الشرائط والخصوصيات لهذه المسألة، إلاّ أنّ أساس التحريم لا شكّ ولا ريب فيه.


* * *

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المغني لابن قدّامة، المجلد 4، ص33.
(2) تذكرة الفقهاء، المجلد2، الصفحة6.
(3) جواهر الكلام، المجلد25، الصفحة5.

[63]


(6)
دلائل تحريم الرِّبا في القروض


ذكروا أربعة أدلّة على حرمة الرِّبا في القرض:

الدّليل الأوّل: إطلاق آيات الرِّبا.
لقد ورد إستعمال مفردة (الرِّبا) في الآيات القرآنية كثيراً، ولابدّ أن نعرف المعنى والمراد من هذه المفردة من منظور علماء أهل اللغة، حتى تتضح أبعاد المسألة في ضوء دائرة إطلاق آيات الرِّبا، والمراد منها بالتحديد.


كلمات اللغويّين حول معنى الرِّبا
1 ـ يذكر الراغب في كتابه: (مفردات القرآن)(1) للربا في اللغة معنيين وهما: 1ـ الزّيادة 2ـ العلو، فيقول:
«ومنه ربا، إذا زاد وعلا، قال تعالى (فَإذا أنْزَلنا عَلَيها الماءَ إهْتَزَّتْ وَرَبَتْ)والرِّبا: الزّيادة على رأس المال لكن خصّ في الشرع بالزّيادة على

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتاب المفردات من أفضل كتب اللغة، حيث فسّر فيه كلمات القرآن الكريم، بل انه يعتبر بحدّ ذاته تفسيراً مصغّراً.

[64]
وجه دون وجه، وباعتبار الزّيادة قال تعالى (وَما آتُيتُم مِنْ رِبا لِيَربُوا فِي أمْوالِ النّاسِ فَلا يَربُو عِنْدَ اللهِ)»(1).
وبعض أُدباء العرب أدخل معنى (النمو والرشد) جزءً من معنى الرِّبا، فعلى هذا يكون الرِّبا مرادفاً للنمو والزّيادة والرشد، وهذا المعنى الثالث يتلاءم ويتناغم مع الآية المذكورة أعلاه، ولهذا يقال أيضاً: (التربية) لهذه الجهة، أي أنّها تربي الإنسان وتنميه، فيحصل الإنسان بواسطتها على النمو والرشد.
ثم يضيف هذا العالم الشهير:
الرِّبا هو كلّ زيادة في رأس المال، ولكن في عرف الشرع يطلق على الزّيادة بنحو خاص.
والخلاصة أنّه ذكر للربا معنيين: 1ـ الزّيادة 2ـ العلو والنمو.
2 ـ قال صاحب مقاييس اللغة: الرِّبا ورد بصورتين (الرِّبا) و (رباء)، والمراد من كليهما معنىً واحداً، وهو الزّيادة والنّموّ والعلو.
وبهذا تحصّل لدينا ثلاث مفاهيم في معنى الرِّبا.
3 ـ يقول مؤلف «لسان العرب» ـ والذي يعتبر من كتب اللغة الشاملة والواسعة ـ: الرِّبا بمعنى الزّيادة والنمو.
4 ـ وأخيراً يقول صاحب «التحقيق في كلمات القرآن الكريم»: (والتحقيق أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة هو الانفتاح مع زيادة، بمعنى أن ينفتح شيء في ذاته، ثمّ يتحصّل له فضل وزيادة).

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مفردات القرآن، ص193، كلمة (ربو).

[65]
من مجموع ما ذكر أعلاه، نخلص إلى نتيجة وهي: إنّ الرِّبا في لغة العرب له ثلاث معاني: ـ1ـ الزّيادة ـ2ـ العلو ـ3ـ النمو.
وفي إصطلاح الشرع يراد به الزّيادة في المعاملات أو القروض بشرائط خاصّة.
وعلى هذا الأساس، فانّ آيات الرِّبا في القرآن المجيد، تشمل الرِّبا القرضي، أو ربا المعاوضة، أو كليهما، سواءً قصد بالفائدة والزّيادة ما كان فعلا أو صفة أو منفعةً أو علميّة أو منافع اُخرى، ولو لم يكن هناك دليل على حرمة الأقسام الخمسة المذكورة للربا والواردة في كتاب تحرير الوسيلة، غير الآيات الشريفة، فانّ إطلاق الآيات المذكورة كافياً لاثبات المدّعى، لأنّ كلمة الرِّبا بمعناها الواسع شاملة لكل قسم من الأقسام الخمسة للزيادة الرّبويّة(1).

* * *



الدّليل الثاني: روايات جرّ المنفعة.
لقد وردت أحاديث متعددة في المتون الشرعية الروائية للشيعة وأهل السنّة، مبنيّة على أنّ كل شكل من أشكال الفائدة على القرض حرام، وورد التعبير عن ذلك بـ(جرّ المنفعة)، وهذه الرّوايات مطلقة أيضاً، وتشمل كل

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ومع الأسف، أنّ بعض الفقهاء قليلاً ما يرجعون في مباحثهم الفقهية الى القرآن الكريم وآيات الأحكام، وهذه المسألة قد توجب أحياناً مردودات سلبية في جانب الافراط، والحال أنّه ينبغي علينا أن نتوجه أولاً الكتاب الكريم، ومن ثمّت نوافق الرّوايات الشريفة مع الآيات الكريمة.

[66]
نوع من أنواع المنفعة، ومنها:
1 ـ يقول يعقوب بن شعيب أحد أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام): «سألته عن الرجل يسلم في بيع أو تمر عشرين ديناراً أو يقرض صاحب السلم عشرة دنانير أو عشرين ديناراً قال: لا يصلح إذا كان قرضاً يجرّ شيئاً فلا يصلح»(1).
ونلاحظ أنّ عبارة (يجرّ شيئاً) مطلقة، وتشمل على أيّ نوع من أنواع المنفعة.
سؤال: هل أنّ عبارة (لا يصلح) الواردة في جواب الإمام (عليه السلام)تدلّ على الحرمة؟
الجواب: هذه الجملة لا تدلّ في ظاهرها على الحرمة الذاتية، ولهذا فلو كان الاستدلال منحصراً في هذه الرّواية، فانّ إستفادة الحرمة منها مشكل، ولكن بضمّ بقية الرّوايات في هذا الباب، يمكن إستفادة الحرمة من هذه الجملة المذكورة في هذه الرّواية.
2 ـ جاء في كتاب (دعائم الإسلام) عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه قال:
«كلّ قرض جرّ منفعةً فهو ربا»(2).
وهذه الرّواية مطلقة أيضاً وتشمل كلّ أنواع الزّيادة والمنفعة، سواء كانت من الأجناس أو من المنافع أو من غير ذلك.
3 ـ وكذلك يروي دعائم الإسلام عن الإمام الصادق (عليه السلام): «أنّه سئل عن

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل، المجلد13، أبواب الدين والقرض، الباب19، والحديث9.
(2) مستدرك الوسائل، المجلد13، أبواب الدين والقرض، الباب19، الحديث2.

[67]
الرجل يسلم في بيع عشرين ديناراً على أن يقرض صاحبه عشرة أو ما أشبه ذلك قال: لا يصلح ذلك لأنّه قرض يجرّ منفعة»(1).
وهذه الرّواية تشبه الرّواية الاُولى، وشاملة لكل منفعة على القرض.
4 ـ وجاء في حديث آخر عن فضالة بن عبيد الصحابي الجليل عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: (كل قرض جرّ منفعة فهو وجه من وجوه الرِّبا)(2). وهذه الرّواية مطلقة أيضاً، وشاملة لكلّ القروض التي فيها نفع وزيادة، هي من الرِّبا المحرّم.
النّتيجة: أن هذه الروايات المتعددة، والمتضافرة(3) حسب الاصطلاح تدل على أن القرض لا ينبغي أن يكون له أي نفع وربح للمقرض، وكل منفعة وربح بأية صورة وشكل فهي ربا.
وفي مقابل هذه الرّوايات المذكورة هناك روايات اُخرى تذهب إلى عدم

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مستدرك الوسائل، المجلد13، أبواب الدين والقرض، الباب19، الحديث3.
(2) السنن الكبرى، المجلد5، الصفحة350.
(3) سماحة الاستاذ يرى في حجّية الرّوايات أربعة طرق:
1 ـ أن يكون سند الرّواية صحيحاً، ويكون رجاله من الثّقاة.
2 ـ أن يكون متن الرّواية صادراً بشكل لا يصحّ ولا يعقل صدوره من غير المعصوم، مثل نهج البلاغة والصّحيفة السّجادية.
3 ـ أن تكون الرّواية متظافرة ومتعددة في الكتب المعتبرة، ففي هذه الصورة لا نحتاج الى تحقيق سند هذه الروايات أيضاً.
4 ـ أن تكون الرّواية معمولاً بها عند الاصحاب; أي أن الرّواية تكون حجّة في حالة عمل الاصحاب بها حتى لو كان سندها ضعيفاً، فالمعيار هنا أن تكون الرواية موثقة، لا الرّواي، وكون الراوي ثقة هو أحد الطّرق الى توثيق الرّواية، ولكنه ليس طريقاً منحصراً بذلك، بل هناك الطرق الثلاثة الاُخرى المتقدّمة. (فتأمّل).

[68]
المحذور في كون القرض يعود بالفائدة والربح على المقرض، فعلى هذا يكون الربح في القرض لا إشكال فيه، ومنها:
1 ـ يقول محمّد بن مسلم ـ هو أحد أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام)والأجلاّء ـ: سألته عن الرجل يستقرض من الرّجل قرضاً ويعطيه الرهن أمّا خادماً وأمّا آنيةً وإمّا ثياباً فيحتاج إلى شيء من منفعته فيستأذن فيه فيأذن له؟
قال(عليه السلام): «إذا طابت نفسه فلا بأس»
قلت: إنّ من عندنا يرون أنّ كلّ قرض يجرّ منفعةً فهو فاسد.
فقال(عليه السلام): «أو ليس خير القرض ما جرّ منفعةً»(1).
هذه الرّواية كما نلاحظ منها أنّها صريحة في أنّ أفضل القروض ما كان فيه ربح ومنفعةً.
2 ـ وجاء في حديث آخر عن محمّد بن عبده أنّه قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن القرض يجرّ المنفعة.
فقال(عليه السلام): «خير القرض الذي يجرّ المنفعة»(2).
3 ـ ونقرأ في حديث آخر عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال:
«خير القرض ما جرّ منفعةً»(3).
4ـ وورد أيضاً في حديث آخر عن الإمام الباقر(عليه السلام) أنّه قال:

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل، المجلد13، أبواب الدين والقرض، الباب19، الحديث4.
(2) الوسائل المجلد13، أبواب الدين والقرض، الباب19، الحديث5.
(3) الوسائل، المجلّد13، أبواب الدين والقرض، الباب19، الحديث6.

[69]
«خير القرض ما جرّ المنفعة»(1).
وهذه الطّائفة من الرّوايات تدلّ على جواز أخذ الرّبح على القرض.
ولكنّ الطريق إلى إزاحة التعارض بين هاتين الطائفتين من الرّوايات واضح، وقد قرأنا في علم الاُصول أنّه إذا تعارضت طائفتان من الرّوايات فينبغي أوّلا الجمع الدلالي بينهما(2)، إذا كان الجمع في المعنى والدلالة ممكناً، وإلاّ فلابدّ من البحث عن المرجّحات والقرائن والامتيازات، فلو لم يكن هناك مرجّح في أحدها، أو كانت هاتان الطائفتان متساوية من حيث المرجّحات، ففي المرحلة الثالثة تصل النوبة إلى التخيير، يعني إختيار أحدهما.
والأحاديث الشريفة المذكورة أعلاه تقبل الجمع تماماً، كما أشار إلى ذلك صاحب الجواهر (قدس سره)(3). لأنّ الطائفة الثانية ناظرة إلى أنّ المقرض لا يشترط الربح على المقترض، بل أنّ المقترض يعطيه شيئاً بكامل إختياره بعنوان الهديّة، مضافاً إلى رأس ماله، وهذه الهديّة لا تكون مقدّرة بقدر محدود ومعين، فتكون حلالا حتّى لو كان يعلم مسبقاً أنّه سوف تهدى إليه هديّة، ولكنّه لا يشترط على المقترض ذلك، ولا يرى لنفسه حقّاً فيها،

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل، المجلد13، أبواب الدين والقرض، الباب19، الحديث8.
(2) المراد من الجمع العرفي والدلالي هو أن نجمع بين الطائفتين بشكل أن يكون مقبولاً لدى العرف وأهل اللغة، أو أن يوجد شاهد على هذا الجمع من الروايات نفسها، وفي مقابل الجمع الدلالي الجمع التبرعي، وهو أن يجمع الانسان بين الروايات حسب مزاجه ورأيه وهذا الجمع هو المرفوض.
(3) جواهر الكلام، المجلد 25، الصفحة7.

[70]
فتكون الهديّة المضافة إلى القرض حلالا، وأمّا الطائفة الاُولى فناظرة إلى أنّ المقرض يشترط على المقترض من أوّل الأمر الربح والفائدة، فيكون من الرِّبا الحرام.
وهذا الجمع بين هاتين الطائفتين منطقي ومقبول، وله شاهد من الرّوايات أيضاً والتي تدلّ على التفصيل المذكور، وهذه الرّوايات هي التي سوف نوردها كدليل ثالث على المدّعى، حيث أنّ كلا الأمرين في هذه المسألة قد ذكر وطرح في رواية واحدة، فبذلك تكون شاهداً على هذا الجمع المذكور.
وعلى فرض أنّنا لن نقبل هذا الجمع الدلالي، فانّه سوف تصل النوبة إلى المرجّحات، ولا شك في أنّ الطائفة الاُولى أرجح من الاُخرى، لأنّها هي المشهورة بين الفقهاء والمطابقة لفتاواهم، والشهرة الفتوائية من أسباب الترجيح بين الرّوايات.

مضافاً إلى أنّ الطائفة الاُولى مطابقة لإطلاق الآيات الواردة في حرمة الرِّبا، وكما نعلم أنّ التناغم والإنسجام والتوافق مع الآيات القرآنية يعدّ أحد أسباب الترجيح بين الرّوايات، (فتأمل).
* * *

[71]


(7)
منع الشّرط في القرض مطلقاً


الدّليل الثّالث:
الدّليل الثّالث على حرمة الرِّبا، هي الرّوايات التي تدلّ على المنع من بعض الشرائط في القرض، وهذه الرّوايات تشمل جميع الأنواع الخمسة الواردة في عبارة تحرير الوسيلة للإمام الراحل (قدس سره) للربا.
وهذه الرّوايات عبارة عن:
1 ـ محمّد بن قيس عن الإمام الباقر (عليه السلام) إنّه قال:
«من أقرض رجلا ورقاً فلا يشترط إلاّ مثلها فان جوزيَ أجود منها، فليقبل ولا يأخذ أحد منكم ركوب دابّة أو عارية متاع يشترط من أجل قرض ورقة»(1).
إنّ جملة (لا يشترط إلاّ مثلها) توضّح لنا هذه الحقيقة، وهي عدم جواز أيّ شرط إضافي على القرض، وعلى المقرض أن يأخذ مقدار القرض فقط من المقترض لا أكثر، حتى أنّه لا ينبغي له الاستفادة من مركبه أو الاستعارة منه لبعض وسائل المعيشة بعنوان شرط في القرض يذكره حين تسليمه

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل، المجلد13، أبواب الدين والقرض، الباب19، الحديث11.

[72]
القرض.
والجدير بالذكر، إنّ الوارد في هذا الحديث الشريف من المثالين المذكورين، لا يخصص موضوع القاعدة وشمول الحديث وعمومه، فهذا الحديث الشريف ينفي كلّ شرط إضافي من هذا القبيل.
2 ـ جاء في الحديث الشريف في كتاب دعائم الإسلام عن أمير المؤمنين (عليه السلام)أنّه قال:
«من أقرض قرضاً ورقاً لا يشترط إلاّ مثلها فان قضي أجود منها فليقبل»(1) فهذه الرّواية والرّوايات السابقة، لها مفهوم واحد، غاية الأمر أنّ هذه من أمير المؤمنين (عليه السلام)، وتلك من الإمام الباقر (عليه السلام).
3 ـ وجاء في رواية اُخرى عن خالد بن الحجّاج، عن أحد المعصومين (عليهم السلام)، أنّه قال: سألته عن الرجل كانت لي عليه مائة درهم عدداً قضانيها مائة وَزْناً.
قال(عليه السلام): «لا بأس ما لم يشترط. وقال: جاء الرِّبا من قبل الشروط إنّما يفسده الشروط»(2).
وفي هذه الرّواية الشريفة نلاحظ أيضاً أنّ مفردة (الشروط) مطلقة، فتشمل كلّ شرط يجرّ المنفعة والربح إلى صاحب المال، بل أنّ هذه الرّواية والروايتين السابقتين من هذه الطائفة من الرّوايات أكثر صراحةً وإطلاقاً وشمولا من روايات الطائفة السابقة، وكيف كان فهناك روايات اُخرى أيضاً

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المستدرك، المجلد13، أبواب الدين والقرض، الباب20، الحديث2.
(2) الوسائل، المجلد12، أبواب الصرف، الباب12، الحديث1.

[73]
في هذا المجال، نصرف عنها عنان الكلام إختصاراً وحذراً من الإطالة.

* * *



الشّرائط الاُخرى:
وقد يشترط المقرض شروطاً اُخرى على المقترض، فينبغي ملاحظتها ووضعها على طاولة البحث ودراستها بدّقة مثلا:
1 ـ أن يشترط المقرض على المقترض أن يصرف هذا المال في مصارف معينة ومحدّدة، مثلا أن ينفقه في الزواج، أو شراء بيت، أو لنفقات التحصيل الدراسي، أو العلاج، أو الخيرات، أو الأعمال العامّة المنفعة و... فهل أنّ هذا النوع من الشرائط مشروع، ولا يشكل محذور الرِّبا في هذا القرض؟
2 ـ أن لا يشترط المقرض شرطاً إضافيّاً وربحاً لمصلحته الشخصية، إلاّ أنّه يشترط ربحاً لشخص ثالث، مثلا أن يشترط على أخذ هذا القرض أن يعطي المقترض مبلغاً من المال لأخ المقرض، أو إلى الفقير الفلاني ويقول: إنّي أعطيك هذا القرض بشرط أن تعطي جارك الفقير مبلغاً معيناً من المال.
3 ـ أن يجعل صاحب المال إقراضه مشروطاً، بأن يضع المقترض مبلغاً من المال في حساب صاحب المال المصرفي، وبعد مرور مدّة معينة يقرضه ضعفي المبلغ الذي وضعه في حسابه المصرفي، مثلما نجده من بعض البنوك حيث تدفع مليوني تومان، بعنوان القرض بشرط أن يضع المقترض في ذلك البنك مليون تومان أوّلا، وبعد مرور سنة كاملة، يدفع البنك المقدار المذكور من القرض لهذا الشخص.

[74]
4 ـ أن يشترط المقرض لدى دفعه القرض إفتتاح حساب مصرفي للمقترض، كما هو المعمول في صناديق القرض الحسن، فانّها تشترط غالباً لاعطاء القرض، بأن يفتح المقترض لديها حساباً خاصّاً وبمبلغ معين.
5 ـ أن يكون دفع القرض الحسن مشروطاً بأداء حق الزحمة واُجرة العاملين في البنوك أو صناديق القرض من قبل المقترض.
فهل أنّ هذه الشروط ـ والتي ذكرنا منها خمسة نماذج، ـ مباحة، ولا تكون من مصاديق الرِّبا؟


أحكام الشّرائط الخمسة:
إنّ مقتضى الإطلاق في روايات (الشروط) هو أنّ كلّ شرط يقرّر أثناء إعطاء القرض يكون حراماً وممنوعاً، فهل أنّ دائرة (الشروط) في هذه الرّوايات الشريفة لها إطلاق واسع، بحيث تشمل هذه الأنواع من الشرائط أيضاً؟
ومن أجل إيضاح المطلب نضع هذه الشرائط الخمسة على طاولة البحث والدراسة.


حكم الشّرط الأوّل:
وهو أن يشترط المقرض في أن يكون مصرف القرض معيناً ومحدّداً، فالظاهر من الرّوايات الشريفة (إنّما يفسده الشروط) لا تشمل هذا القسم من الشّرط، لأنّ الظاهر من كلمة (الشروط) هو الشّرط الذي يجرّ منفعةً وربحاً

[75]
للمقرض، ولهذا السبب يجيز الفقهاء العظام شرط المنفعة للمقترض، بأن يقول المقرض للمقترض: خذ هذا المليون ولك عليّ بعد إعادته وتسديده، أن اُعطيك كذا من المال كجائزة وهدية.
فعلى هذا يكون إطلاق كلمة (الشروط) الممنوعة منصرف عن شموله لمثل هذا الشّرط، وخاصّة إذا كان الفرد الغالب والمصداق البارز والمتداول في ذلك الزمان وفي كلّ زمان، أن يكون الشّرط ما يصبّ في منفعة المقرض الشخصيّة.
مضافاً إلى أنّنا لو شككنا في شمول إطلاق كلمة (الشروط) إلى هذا المورد المذكور، فانّ الأصل عدم الإطلاق.
والخلاصة، أنّ هذا الشّرط جائز، ولا إشكال فيه.
سؤال: هل أنّ الالتزام بهذا الشّرط واجب على المقترض؟ يعني أنّه يجب عليه أن يصرف مال القرض بالمصارف المشروطة والمعينة عند الاقتراض، أو أنّ له الحقّ في تجاوز هذا الشّرط المذكور، فينفق المال المذكور في أيّ مصرف أراد.
الجواب: نعم، إنّ العمل بهذا الشّرط لازم، لأنّه شرط مشروع ورد ضمن العقد اللازم، وهو مشمول لقاعدة (المسلمون عند شروطهم)(1) وعلى فرض أنّ عقد القرض غير لازم، فمع ذلك ينبغي عليه العمل بهذا الشّرط قبل

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) بحار الأنوار، المجلد2، الصفحة277، والمجلد103 ـ الصفحة 137. الروية أعلاه ذكرت أيضاً هذه الصورة «المُؤمِنُونَ عِنْدَ شُروطِهِم»، بحار الانوار، ج49، ص162، المجلد 75، ص96.

[76]
فسخ العقد (فتأمل).
وعلى هذا لا يجوز صرف المبالغ المأخوذة من البنوك بعنوان القرض. والمشروط مصارفها والتي يعين البنك مصارفها، ويحدّد موارد إنفاقها، ولا يجوز صرفها في مصارف اُخرى.
وممّا تقدّم يتضح أنّ من الخطأ عدم ملاحظة هذه الشروط الواردة في عقد القرض، بذريعة أنّ عقد القرض ليس لازماً، وأنّ المقترض له التصرّف كيف ما أراد في أموال القرض، ويصرفها في مصارف اُخرى، لأنّه:
أوّلا: نحن نعتقد أنّ القرض من العقود اللازمة.(1)
وثانياً: على فرض أنّ عقد القرض غير لازم، وقلنا بأنّه من العقود الجائزة، فانّ العمل بشرائط هذا العقد يكون لازم الاتباع والاجراء ما دام العقد جارياً ولم يفسخ المقترض العقد.
والخلاصة، إنّ تنفيذ الشّرط المشروع الوارد ضمن العقد، لازم.
حكم الشّرط الثّاني:
وهو أن يشترط الدائن منفعة وربحاً لشخص ثالث، فاطلاق كلمة (الشروط) منصرف أيضاً عن هذا النوع من الشّرط، لأنّ هذا الشّرط لا يدخل تحت عنوان جلب المنفعة أو جرّ المصلحة، لأنّ جرّ المنفعة ناظر إلى المنفعة التي تصبّ في جيب صاحب المال، خاصّةً أنّ الفرد الغالب في زمان صدور الرّوايات لمصطلح (جرّ المنفعة) هو المنفعة والربح لصاحب المال.

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ولكن لمشهور الفقهاء القول بالجواز، يقول صاحب الرياض: «بل ظاهرهم الاجماع عليه وعلى كونه من العقود الجائزة» الرياض، ج1، ص576. (ولكنّه محل تأمل)

[77]
نعم إذا كان الشخص الثالث مثلا من المتعلّقين والمنسوبين إلى المقرض، ففي هذه الصورة يكون في هذا الشّرط إشكال، لأنّ هذا الشّرط في الواقع يجرّ منفعة للمقرض بشكل من الأشكال.
سؤال: في صورة ما إذا لم يكن الشخص الثالث من المنسوبين لصاحب المال، ولم يكن شرط النفع لذلك الشخص يجرّ منفعة ماليّة للمقرض، إلاّ أنّه يعود عليه بالمنفعة المعنوية، فهل يجوز إشتراط مثل هذا الشّرط من جهة أن أحاديث (جرّ المنفعة) مطلقة وتشمل المنافع الماديّة والمعنوية.
الجواب: الظاهر من المنفعة في الجملة المذكورة في الأحاديث الشريفة، هي المنفعة الماديّة فحسب، فعلى هذا لا إشكال في ترتب المنفعة المعنوية، لأنّ المرابين غالباً يهدفون إلى المنافع المادية لا المعنوية، والفرد الغالب والمصداق البارز لإطلاق هذه الجملة هو المنفعة المادية، فتكون الأحاديث ناظرة إلى هذا القسم من المنفعة.
والنتيجة: إنّ هذا الشّرط يجوز في ما إذا لم يكن الفرد الثالث من المنسوبين إلى المقرض، ولم يعد عليه بنفع مادي.
حكم الشّرط الثالث:
بأن يشترط فيه الدائن على المدين أن يضع في حسابه المصرفي مبلغاً من المال في حساب الدائن ثم بعد مدّة يقوم الدائن باقراض ضعفي المبلغ المودع للشخص المدين، وفي البداية يمكن أن يحتمل أنّ هذا الشّرط يدخل ضمن الشروط الممنوعة للقرض، فتشمله الحرمة المطلقة، ولكن يتضح بعد التأمّل والدقّة أنّ هذا الشّرط له صورتان:

[78]
الاُولى: أن يكون المقصود وغرض الدائن هو جلب المنفعة والمتاجرة بالمبلغ المودع في حسابه، ففي هذه الصورة يكون حراماً قطعاً.
الثانية: أن يكون الغرض من هذا الشّرط هو ترشيد وتنمية صندوق القرض الحسن لكي يتمكن الصندوق من تقديم خدماته الإنسانية في إقراض أفراد المجتمع أكثر، ففي الواقع إنّ هذا الشّرط يصبّ في منفعة الشخص الثالث، ولا إشكال في ذلك.
الشّرط الرابع:
هو أن يشترط على المقرض إفتتاح مصرفي للمقترض، فلو لم يفتح له حساباً فلا قرض له، وهذا الشّرط كالشّرط السابق له صورتان: فيحرم في الصورة الاُولى، ويجوز في الصورة الثانية.(1)
حكم الشّرط الخامس:
ويكون الشّرط بصورة دفع حق الزّحمة للعاملين في الصّندوق أو البنك، بمعنى أنّ البنك أو صندوق القرض الحسن يحتاج إلى مصارف ونفقات لتغطية أُجور العاملين والموظّفين الوسائل اللازمة، من قلم ودفتر وكامبيوتر وإجازة البناء والهاتف ونفقات الماء والكهرباء والغاز وغير ذلك من الاُمور التي لها ارتباط بحصول المقترض المبلغ المعيّن في القرض، ومن هذه الجهة

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سؤال: ما الفرق بين الشّرط الثالث والرّابع ؟
الجواب: لا تفاوت من حيث الحكم ولكن ماهية كل منهما تختلف عن الآخر، لأنه في الاول مقدار القرض مثلاً يساوي ضعف الموجود في الصندوق لا أكثر ولا أقل، ولكنه في الثاني فان مقدار القرض لا يرتبط بالموجود الفعلي، بل يرتبط بميزان العمل وفق ما هو مثبّت في الدفتر، مضافاً الى أن الشرط الثاني أكثر شياعاً ورواجاً.

[79]
فانّ مقداراً من هذه النفقات والمخارج تؤخذ من المقترض، وتسمّى في العرف المتداول بحقّ الزحمة(1).
وهذا القسم من الشرائط إذا روعيت فيه العدالة وكان بمقدار النفقات المذكورة لا أكثر، فانّه يخرج عن دائرة عنوان (جرّ المنفعة) لذلك الصندوق أو تلك المؤسّسة أو المصرف، ولا تشمله إطلاقات أدلّة حرمة الرِّبا، وبعبارة اُخرى: إنّ هذه المعاملة تتضمن معاملتين في الواقع:
الأوّل: معاملة القرض الحسن، وهو غير مشروط بأي شرط.
الثاني: معاملة دفع اُجرة الخدمات والنفقات التي تتحملها تلك التشكيلات الإداريّة في جانب المقرض، وعلى هذا الأساس فانّ الشّرط الخامس يقع صحيحاً أيضاً بلا إشكال، وطبعاً تقدّم أن هذا الشّرط لابدّ أن يصرف واقعاً لتغطية نفقات هذه الإدارة وتأمين مخارجها المالية، لا أن يكون غطاءً وقناعاً لمعاملات المرابين وتحصيل الأرباح الباهظة من هذا الطريق، فانّ التغيير في الاسم لا يحلّ أيّة مشكلة شرعيّة وأخلاقية وإسلامية، بل هو خداع وتلاعب بالألفاظ وحيلة لا أكثر.

* * *

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) بعض الصناديق القرض الحسن لا يأخذون على القرض حتى اُجرة العمل أيضاً، وتعمل على تأمين نفقاتها المذكورة من طرق اُخرى، ولو أن بقية الصناديق والبنوك استطاعت أن تأمن مخارجها وتغض النظر عن اُجرة العمل هذه فلا يبقي اىّ شائبة في القرض حينئذ.

[80]


(8)
أحاديث تحريم الرِّبا


الدّليل الرّابع:
على حرمة ربا القرض بجميع أقسامه الخمسة الواردة في متن كتاب تحرير الوسيلة للإمام الراحل، هو الأحاديث الخاصّة الواردة في هذا المجال، والتي تتناول كلّ واحد منها قسم من أقسام القروض الرّبويّة، وتحرّمها.
وهذه الرّوايات متعدّدة أيضاً ومتضافرة كذلك، ولذا نجد أنفسنا مستغنين عن البحث في سندها، ونكتفي لذكر حرمة كلّ قسم من الأقسام، برواية واحدة رعايةً للاختصار:
1 ـ تحريم القروض الرّبويّة التي تشمل على زيادة عينيّة: (مثل أن يعطي مئة ألف تومان قرض، ليأخذ بعد عدّة أشهر مئة وعشرين ألف تومان). يروي عبدالله بن جعفر في الحديث الشريف الوارد في كتاب ـ قرب الأسناد ـ عن الإمام موسى بن جعفر (عليهما السلام) أنّه قال: سألته عن رجل أعطى رجلا مئة درهم على أن يعطيه خمسة دراهم أو أقل أو أكثر؟

[81]
قال(عليه السلام): «هذا الرِّبا المحض»(1).
وبالرغم من أنّ سند كتاب ـ قرب الاسناد ـ محلّ بحث وجدل بين الفقهاء، لذا لا يمكن الاعتماد على الرّواية الواردة فقط في هذا الكتاب، ولكن بما أنّ في هذا المورد روايات متعدّدة، وقد وقعت مورد قبول وعمل الأصحاب، فمن هذه الجهة لا نجد مشكلا من حيث السند، وأمّا من حيث الدلالة فالأمر واضح من خلال تصريح الإمام (عليه السلام) بأنّه ربا محض.
2 ـ أن تكون للقروض الرّبويّة زيادة وصفيّة، مثل أن يعطي مائة كيلو غراماً الحنطة الرديئة كقرض، ليحصل بعد مدّة على مائة كيلو غراماً أُخرى من الحنطة المرغوبة والجيدة، كتسديد لذلك القرض، وهذا أيضاً من الرِّبا المحرّم، ففي الحديث الشريف الوارد عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال:
«إذا أقرضت الدراهم ثمّ جاءك بخير منها فلا بأس إذا لم يكن بينكما شرط»(2).
فهذه الرّواية تدلّ على أنّ هناك زيادة وصفيّة في مال القرض، غاية الأمر أنّه لا إشكال في ذلك من حيث عدم وجود إشتراط مسبق في هذه المعاملة، ومعنى ذلك أنّه لو كان هناك إشتراط في هذا الأمر في الزّيادة الوصفيّة، لكان ذلك من الرِّبا الحرام.
3 و 4 ـ تحريم القروض الرّبويّة التي فيها زيادة في المنفعة، أو الانتفاع

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل، المجلد13، أبواب الدين والقرض، الباب19، الحديث 18، ومثله الحديث 14 و 3 من الباب.
(2) الوسائل، المجلد 13، أبواب الدين والقرض، الباب20، الحديث 1.

[82]
كشرط ضمن العقد، (مثلا أن يقرضه مالا على أن ينتفع من بيته إلى مدّة معينة، أو أن يعطيه شيئاً بعنوان العارية، ليستفيد منه).
وقد جاء تحريم كلا النوعين من الزّيادة المذكورة، في رواية محمّد بن قيس عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه قال:
«من أقرض رجلا ورقاً(1) فلا يشترط إلاّ مثلها فان جوزي أجود منها فليقبل ولا يأخذ أحد منكم ركوب دابّة أو عارية متاع يشترط من أجل قرض ورقة»(2).
فلو إشتراط أن يأخذ من المقترض مركباً ليستفيد منه، فهو زيادة في المنفعة، ولو شرط أن يعيره شيئاً فهو زيادة في الانتفاع، وكلا هذين القسمين من الرِّبا المحرّم.
5 ـ تحريم القروض الرّبويّة التي فيها شرط من زيادة عمل من الأعمال، كأن يقرضه المال، ويشترط عليه أن يخيط له ثوباً أو يصلح له سيارته.
وقد ورد تحريم هذا النوع من الرِّبا، في رواية جميل بن درّاج عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال قلت له: أصلحك الله إنّا نخالط نفراً من أهل السواد(3) فنقرضهم القرض ويصرفون إلينا غلاّتهم فنبيعها له بأجر

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوَرِقُ هنا بمعنى الفضّة.
(2) الوسائل، المجلد13، أبواب الدين والقرض، الباب 19، الحديث11.
(3) المراد من أهل السواد: أهل العراق، وتوضيح ذلك أن أرض الجزيرة العربية بما أنها صحراء قاحلة وليس فيها شجر ولا نبات فتترأى للناظر أنّها بيضاء فعندما يصلون الى العراق الذي تملاء النخيل والبساتين أرضه فيترأى للناظر من بعيد أنها أرض سوداء، ولذا سمي أهل العراق أهل السواد.

[83]
ولنا في ذلك منفعة؟
فقال(عليه السلام): «لا بأس»(1).
وهو إشارة إلى أنّ هذا العمل جائز ولا إشكال فيه، لأنّه لم يشترط ذلك مسبقاً، فإذا كان بيع الغلاّت مشروطاً ورد بعنوان الشّرط في عقد القرض، فانه من الرِّبا المحرّم وهذا من قبيل شرط الفعل.
ولكن بما أنّ هذه المسألة لم ترد بصورة الشّرط، ولذا قال الإمام (عليه السلام): «لا بأس».
والجدير بالذكر أنّ الوارد في ذيل هذه الرّواية الشريفة أنّ الراوي قال: ولا أعلمه إلاّ قال: ولولا ما يصرفون الينا من غلاّتهم لم نقرضهم، قال(عليه السلام): «لا بأس».
فهذه الجملة تدّل على أن الداعي هو الزياده الفعلية، لا أنّه صرّح بهذا الشّرط للمقترض، وإلاّ ربا وحرام.

* * *



التفاوت بين الشّرط والداعي:
النكتة المهمّة هنا والتي ينبغي الالتفات إليها، هو التفاوت بين الشّرط والداعي على العمل، فالشّرط عبارة عن كونه جزءً من العقد والمعاملة، إمّا أن يكون صريحاً عند العقد، أو يكون ضمنياً بحيث يقع العقد مبنياً عليه، وذلك إذا اشترط قبل العقد وأوقعا العقد على ذلك الأساس، وعلى أيّ حال

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل الشّيعة، المجلد13، أبواب الدين والقرض، الباب19، الحديث12.

[84]
تكون جزءً من العقد.
أمّا الداعي والدافع النفسي إلى هذا العقد فلا يكون جزء العقد ـ لا صريحاً ولا ضمنياً ـ فلا يكون للدائن حقاً فيه، ولكنّه يكون هو الباعث إلى تحقق هذه المعاملة، فالمعاملة لا تتضمن شرطاً صريحاً في متنها، ولا شرطاً مسبقاً، بحيث يكون العقد مبنيّاً عليه.
وخلاصة ما مرّ من البحث، أنّ القروض الرّبويّة حرام في كلّ من الصور الخمسة، من الشروط المذكورة في الفائدة العينيّة والوصفيّة، والعمليّة، والانتفاعيّة، والمنفعتيّة، بالأدلّة الأربعة المتقدمة.


ويتبقى بحثان مهمّان:
1 ـ ما هو المراد من الشّرط المضمر، وغير المضمر؟
وهذا نوعان من الشّرط يتوفّران في جميع المعاملات من البيع، والإجارة، والنكاح، والصلح، والقرض، وغير ذلك، فتارة يكون الشّرط مذكوراً في متن العقد والمعاملة(1) ويدعى هذا النوع من الشّرط (الشّرط الصريح)، وتارةً اُخرى يكون الشّرط قبل وقوع العقد، بأن تبحث الشروط قبل إجراء المعاملة ويتمّ الاتفاق عليها، ثمّ تجرى صيغة العقد بدون ذكر هذه الشروط، ولكنّها ناظرة إلى تلك الشروط، وهذا النوع من الشّرط الذي يبتني عليه العقد، يسمّى (الشّرط المضمر)، والسبب في عدم ذكر هذا الشّرط في متن العقد، هو أحد أمرين:

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كان يقول: «بعتك بشرط كذا وكذا» أو «آجرتك بشرط كذا وكذا»

[85]
1 ـ أن يكون عدم ذكره في العقد لأنّه قد تمّ الاتفاق عليه مسبقاً، ولذا لا يجد المتعاقدان حاجةً إلى ذكره مرّة اُخرى في العقد.
2 ـ أن يكون شرطيّة هذا الشّرط واضحة وجليّة تماماً، ولذا لا يحتاج إلى ذكرها في العقد لوضوحها، مثل سلامة جنس المبيع، فلا أحد يشترط هذا الشّرط، لأنّه من البديهيات، أو سلامة الجنس في مورد الاجارة مثلا، فلا أحد يشترط أن يكون مورد الاجارة سالماً، لأنّه من البديهي أن يكون كذلك، أو مثلا شرط البكارة في البنت عند الزواج، لأنّ البكارة للبنت في عرف المسلمين من الشرائط الواضحة، ولذا لو اتّضح بعد ذلك أنّ البنت غير باكرة، فالزوج له حقّ الفسخ لعقد النكاح، ولا أحد يعترض على ذلك، وأنّ هذا الشّرط لم يذكر في متن العقد.
النتيجة: إنّ الشروط المذكورة في العقود على نحوين:
1 ـ الشّرط الصّريح.
2 ـ الشّرط المضمر الذي يبتني عليه العقد.
وبالنسبة إلى الرِّبا، فانّ كلّ شرط إضافي في القرض بأيّ شرط من هذين الشّرطين، حرام وممنوع.


2 ـ القروض الرّبويّة جارية في جميع الأجناس الثلاثة:
ربا المعاوضة الذي يكون في الأجناس الموزونة والمكيلة لا يجري في المعدودات، ولهذا لا إشكال في بيع أربعة رؤوس من الغنم، بثلاثة رؤوس لأنّ الغنم من المعدود، ولكنّ الرِّبا القرضي لا يختلف بين هذه الأجناس

[86]
الثلاثة، ويجري فيها جميعاً(1).
والمثال الواضح على جريانه في المعدود في عصرنا الحاضر هو الأوراق النقدية، حيث يجري فيها الرِّبا القرضي، فلو أقرضه مقداراً من الأوراق النقدية، واشترط عليه أن يسدّدها أكثر منها، فهو حرام وربا.


الأدلة على تعميم الرِّبا القرضي لجميع الأشياء:
1 ـ أنّ المشهور بين الفقهاء أنّه لا تفاوت بين أقسام الرِّبا القرضي في الحرمة، حيث يشمل الأجناس الثلاثة جميعاً، بل أنّ الظاهر أنّ هذه المسألة مجمع عليها ومورد إتفاق الفقهاء.
2 ـ إطلاق الآيات والرّوايات الشريفة التي وردت فيها كلمة (الرِّبا) مطلقة.
3 ـ عموم روايات (جرّ المنفعة) حيث تشمل المعدودات أيضاً، كما تشمل الأجناس الاُخرى.
4 ـ عمومات عدم جواز الشّرط في الرِّبا القرضي، حيث تشمل المعدودات أيضاً، كما مرّ شرحه في الرّوايات المتقدمة.
والخلاصة، إنّ الأدلّة الأربعة، تدلّ أنّه لا تفاوت في القروض الرّبويّة بين المكيل والموزون والمعدود.
سؤال: هناك أحاديث كثيرة في تحريم الرِّبا في معاملات الدرهم والدينار، فهل يمكن الاستناد في تحريم الرِّبا القرضي في المعدودات على

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المبسوط، المجلد2، الصفحة161.

[87]
هذه الرّوايات؟
الجواب: بالرغم من أنّ الأموال النقديّة الورقيّة في عصرنا الحاضر من جملة المعدودات، ولكنّ الدرهم والدينار الواردان في الأحاديث المذكورة وردت بعنوان الموزون، فكانت تحسب على أساس الوزن، لا العدد، وفي جميع المعاملات التي كانت تجري في السابق، كان الدرهم والدينار من الأشياء الموزونة، ولهذا السبب نقول أنّ الدرهم يساوي ـ 12 ـ حمّصة وأكثر بقليل، وأنّ الدينار الواحد يساوي ـ 18 ـ حمّصة، والشاهد على أنّ الدرهم والدينار من الموزون، هو أنّ الفقهاء يقولون: إذا باع الدرهم بالدينار يجب عليه أن يضيف شيئاً عليه، بأن يكون شيئاً مضافاً إلى الدينار في مقابله، في حين أنّ الدرهم والدينار إذا كانا من المعدودات لا يحتاج إلى ضمّ ضميمة، وعلى هذا الأساس نرى أنّ الدرهم والدينار من الموزونات، لا المعدودات.

* * *


[88]


(9)
حكم القرض بشرط الاجارة والإجارة بشرط القرض

وهنا نتوجّه إلى مسألة اُخرى ذكرها الإمام الراحل (قدس سره) في إدامة بحث الرِّبا، فقد ورد في عبارة تحرير الوسيلة:
«لو أقرضه وشرط أن يبيع منه شيئاً بأقلّ من قيمته أو يأجره بأقلّ من أجرته، كان داخلا في شرط الزّيادة، نعم لو باع المقترض من المقرض مالاً بأقلّ من قيمته، وشرط عليه أن يقرضه مبلغاً معيّناً، لا بأس به»(1).
وتوضيح المسألة أعلاه، أنّ هذه المسألة بالرغم من أنّها ليست مسألة جديدة ومستحدثة، ولكنّها وقعت في هذه الأيام مورد ابتلاء عموم الناس، وخاصّة المؤجرين والمستأجرين غالباً، ولهذه المسألة فرعان:
1 ـ القرض المشروط، سواءً كان مشروطاً بالاجارة بمبلغ أقل، أو مشروطاً ببيع الجنس بمبلغ أقل من قيمته السوقية، أو يتضمن العقد شرائط اُخرى ورد بعضها في كلمات الفقهاء(2).


ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تحرير الوسيلة، المجلد1، كتاب الدين والقرض، المسألة 10.
(2) قال في الجواهر: الأقوى حرمة القرض بشرط البيع محاباة أو الاجارة أو غيرها من العقود فضلا عن الهبة ونحوها، المجلد 25، الصفحة 61.

[89]
وهذا النوع من القرض حرام، لأنّه يشتمل على شرط إضافي، الذي تقدّمت حرمته مطلقاً.
2 ـ الأجارة أو البيع المشروط، كأن يؤجر منزله بعشرة آلاف درهم شهريّاً ولمدّة سنة كاملة، بشرط أن يقوم المستأجر باقراض الموجر مليون درهم لمدّة سنة كاملة، وببيعه جنساً بقيمة خمسمائة درهم، في حين أنّ قيمته السوقيّة عشرة آلاف درهم، بشرط أن يقوم المشتري باقراض البائع مائة ألف درهم لمدّة سنة كاملة.
ولا إشكال في الصورة الثانية هذه، لأنّها ليست داخلة في عموم إطلاقات الرِّبا، ولا بأس بالشّرط والاشتراط في البيع والاجارة.
والخلاصة، إنّ الفرع الأوّل يعني القرض بشرط البيع أو الاجارة فيه إشكال، والفرع الثاني، أي الاجارة والبيع بشرط القرض لا إشكال فيه، بالرغم من أنّهما لا يختلفان حسب الظاهر من حيث النتيجة، ولكن بما أنّهما يختلفان في صورة العقد، ونحن في باب المعاملات نجد أنّ كيفية العقد والمعاملة لها دخل كبير في مشروعية المعاملة وترتب الأثر عليها، لهذا يكون الأول حراماً، والثاني جائزاً.
ولذا إتفق الفقهاء على أنّه لو قالت المرأة: زوجتك نفسي بالعقد الدائم على المقدار الفلاني من المهر، وقبل الرجل، فانّ العقد سيكون نافذاً، أمّا لو قالت: إستأجرتك على المبلغ الفلاني فهو حرام وباطل قطعاً لأنه «إنّما يحلّل

[90]
الكلام ويحرّم الكلام».(1)


آراء الفقهاء:
بالرغم من أنّ هذا البحث ليس فيه جنبة معقّدة خاصة، ولكنّه في نفس الوقت محلّ بحث ونقاش بين الفقهاء إلى الحدّ الذي أورد صاحب الجواهر (قدس سره)(2)، أنّ المرحوم العلاّمة الحلي في كتاب المختلف، في هذا المجال أورد لجواز الفرع الثاني خمسة وعشرين دليلا ويستفاد من كثرة الأدلّة أنّ هذه المسألة محلّ إختلاف شديد بين الفقهاء، وفي كلّ من الفرعين هناك مخالفين، رغم أنّ عددهم قليل في كلا الفرعين.
وكيف كان، فانّ جميع الفقهاء أفتوا بتحريم القرض بشرط البيع والتجارة، سوى العلاّمة بحر العلوم «رضوان الله تعالى عليه».
أمّا الدّليل الذي استدلّ به السّيد بحر العلوم (قدس سره) على ذلك، أنّه ذهب إلى أنّ الرِّبا يجري فقط في الزّيادة العينيّة، فعلى هذا إذا كان القرض مشروطاً بالزّيادة غير العينيّة، فلا يحرم، والمسألة مورد بحثنا هذا من هذا القبيل، لأنّ شرط البيع أو الاجارة أقلّ من القيمة لا تعتبر من الزّيادة العينيّة، إذاً فلا إشكال فيها، ولكن كما تقدّم في المسألة السابقة أنّه لا تفاوت ولا إختلاف

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) هذه العبارة مقطع من الرّواية الواردة في المجلد 5، من كتاب الكافي الصفحة 201، كتاب المعيشة، باب الرجل يبيع ما ليس عنده، نقلاً عن الامام الصّادق(عليه السلام)، وأحد معانيها هو أن يكون لدينا معاملتين أحدهما صحيحة والاُخرى باطلة بالرغم من تشابههما في النتيجة.
(2) جواهر الكلام، المجلد 25، صفحة64.

[91]
بين الزّيادة العينيّة وبقيّة أقسام الزّيادة، فكلّ أنواع الربح والزّيادة إذا اشترطت في القرض تكون حراماً بأيّ شكل كانت وبأيّ صورة.
وقد إتّضح الدّليل على حرمتها من الأبحاث السابقة، لأنّه وطبقاً لصريح الرّوايات وظاهر الآيات القرآنية أنّ كلّ زيادة وربح في القرض لا شرعية له، سواء كانت الزّيادة عينية أو فعلية، أو وصفية، أو إنتفاعية، أو منفعتيّة، وهذه المسألة تقدّم إثباتها بالأدلّة الأربعة فيما سبق.
فعلى هذا، فانّ إطلاق كلمة الرِّبا الوارد في الآيات والرّوايات يشمل هذا النوع من الربح والمنفعة، مضافاً إلى أنّ روايات (جرّ المنفعة) فيها إطلاق أيضاً، والمسألة هذه مشمولة لهذه الاطلاقات، وكذلك الرّوايات التي ورد التعبير فيها بتحريم كلّ (شرط) في القرض، تشمل موردنا هذا أيضاً، وكذلك الرّوايات الخاصّة التي سبق أن أوردناها في هذا المجال، ولذا فانّ القرض بشرط البيع أو الاجارة الأقل من القيمة حرام.
أمّا الفرع الثاني ـ يعني عكس المسألة المذكورة أعلاه، (الاجارة بشرط القرض) ـ يقول المرحوم صاحب الجواهر(قدس سره) في مورد الفرع الثاني نقلا عن العلاّمة في المختلف: إتفاق علماء الإمامية السابقون بالجواز، فانّهم قالوا لا بأس أن يبتاع الإنسان من غيره متاعاً أو حيواناً أو غير ذلك بالنقد والنسيئة، ويشترط أن يسلفه البائع شيئاً في مبيع أو يقرض شيئاً معلوماً إلى أجل)(1).
ولكن يستفاد من بعض كلمات الفقهاء، أنّ هذه المسألة لها مخالف أيضاً، ومنهم المرحوم المحقّق الحلي صاحب كتاب الشرائع، حيث تطرّق إلى ذكر

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) جواهر الكلام، المجلد25، الصفحة 65.

[92]
هذه المسألة وبعبارة (فيها تردّد)(1).

* * *



دليل القائلين بجواز هذا العقد:
الدّليل على جواز البيع أو الاجارة بشرط القرض، هو قصور أدلّة تحريم الرِّبا عن ذلك، يعني أنّ عمومات وإطلاقات أدلّة تحريم الرِّبا لا تشمل هذه المسألة، مضافاً إلى أنّ عمومات وإطلاقات أدلّة جواز البيع والاجارة تشمل هذه المسألة وتحكم بصحتها.
ولكنّ بعض الفقهاء ـ وهم أقليّة ـ ذهبوا إلى بطلانها، وأوردوا لذلك دليلين:
1 ـ التلازم بين هاتين المسألتين (تحريم القرض بشرط الاجارة، والاجارة بشرط القرض) يعني أنّ كلا المسألتين متماثلتان ولا تفاوت بينهما إطلاقاً، فلذا يكون حكمهما واحداً، فكما أنّ المعاملة في الصورة الاُولى تقع حراماً، فكذلك في الصورة الثانية، ومجرّد إختلاف الإسم والتغيير في الشكل لا يؤثر في تبدّل الماهيّة وحقيقة المعاملة.
ولكن لابدّ من الالتفات إلى أنّ هذا المعنى نوع من القياس في الأحكام الفقهيّة، ونحن الشّيعة لا نعتقد بالقياس، ولا نقول به، لأنّنا إذا حكمنا في هذه المسألة بهذا الحكم وبالاستناد إلى هذا الدّليل، فانّ باب القياس سيكون

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) جواهر الكلام، المجلد25، الصفحة 64 قال: ولعله أراد بمن عاصره المصنف فان المحكي عنه التردد في ذلك وان كان له كلاماً واحتجاجاً.

[93]
مفتوحاً على مصراعيه في جميع أبواب الفقه، وسوف تكون الكثير من المسائل حلالا بهذا المعنى، لأنّنا نجد أمثال هذه المسألة في أبواب الفقه كثيراً، مثلا في كتاب النكاح والزواج، يقول الفقهاء: أنّه لو قرئت صيغة الزواج بلفظ (النكاح) فانه صحيح ونافذ، ولكن إذا قرئت بلفظ (الاجارة) فانه سيقع باطلا، في حين أنّ النتيجة بحسب الظاهر واحدة، ولكن بما أنّهما يختلفان في الشكل والظاهر، فانّ حكمهما يتفاوت ويختلف.
كما سوف يأتي أيضاً في المسألة اللاحقة بأنّ نتيجة الهديّة والشّرط واحد، إلاّ أنّ حكمهما يختلف.
2 ـ الدّليل الثّاني الذي أوردوه على تحريم البيع أو الاجارة بشرط القرض، هو رواية يعقوب بن شعيب عن الإمام الصادق (عليه السلام)قال:
«سألته عن الرجل يسلم في بيع أو تمر عشرين ديناراً ويقرض صاحب السَلَم عشرة دنانير أو عشرين ديناراً قال: لا يصلح إذا كان قرضاً يجرّ شيئاً فلا يصلح»(1).
وحاصل معنى هذه الرّواية أنّ البيع بشرط القرض لا يجوز.
وفي الجواب على هذا الدّليل يجب مراعاة نكتتين:
الاُولى: أنّ جملة (لا يصلح) ليست صريحة في الحرمة، بل انّها ظاهرة في كراهة مثل هذه المعاملة (كما هو المعروف بين الأصحاب)، وسوف يأتي في المسألة اللاحقة أنّ أخذ الإضافة على القرض من أي نوع كانت مكروه للمقترض حتى وان لم يكن هناك شرط مسبق واُعطيت إليه على سبيل

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل، المجلد13، أبواب الدين والقرض، الباب19، الحديث9.

[94]
الهديّة وبصورة الهبة.
وثانياً: إنّ البيع المشروط بالقرض في هذه الرّواية لم يرد تحريمه، بل ورد في ذيل الحديث أنّ القرض بشرط البيع يعتبر منفعةً وربحاً، ولهذا السبب قال: إذا جرّ القرض إلى منفعة وربح لصاحب المال فانّه لا يصلح. ومن هذه العبارة يُعلم أنّ القرض هو المشروط بالبيع، مضافاً إلى أنّ مشهور الفقهاء هو الاعراض عن هذه الرّواية وعدم الفتوى بها، ونعلم أنّ إعراض المشهور من الفقهاء عن العمل باحدى الرّوايات يوجب سقوطها وعدم حجّيتها.
والنتيجة: أنّ القرض بشرط البيع أو الاجارة حرام، ولكنّ البيع والاجارة بشرط القرض جائز وحلال.


* * *


[95]


(10)
جواز أخذ الفائدة بدون شرط مسبق

البحث في المسألة الثالثة في أنّ دفع الرّبح من قبل المقترض بدون شرط قبلي هل يقع جائزاً، أم لا؟
يقول الإمام الراحل (قدس سره)في تحرير الوسيلة:
«إنّما تحرم الزّيادة مع الشّرط; وأمّا بدونه فلا بأس، بل تستحب للمقترض، حيث أنّه من حسن القضاء، وخير الناس أحسنهم قضاءً(1)، بل يجوز ذلك إعطاءً وأخذاً لو كان الاعطاء لأجل أن يراه المقرض حسن

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) حسن القضاء بمعنى أداء الدين والقرض وهذا له مصاديق:
أ ـ أن يكون بمعنى حسن المعاملة والكلام، مثل أن يتشكر منه حين أداء الدين ويستقبل صاحب المال بثغر باسم وطلاقة وجه لا أن يقوم بالاعراض عن الدائن كأن يقول له مثلاً حين أداء الدين: إن اللّه قد أغناني عنك، أو إنّي لست الآن بمحتاج إليك.
ب ـ أن يكون حسن القضاء في العمل بأن يضيف على المبلغ شيئاً حين أداء الدين من دون شرط مسبق مع صاحب المال والظاهر أن تحرير الوسيلة قد أخذ هذا التعبير من الروايات، فإن الاحاديث الشّريفة الواردة فى مصادر أهل العامّة عن النبي الاكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «...خيركم أحسنكم قضاء».
والسنن البيهقي، المجلد 5، ص351، وفي هذه الصفحة وردت رواية اُخرى عنه(صلى الله عليه وآله وسلم): «أفضلكم قرضاً...» وهناك روايات اُخرى أيضاً بهذا المضمون.

[96]
القضاء فيقرضه كلّما احتاج إلى الاقتراض أو كان الاقراض لأجل أن ينتفع من المقترض لكونه حسن القضاء ويكافي من أحسن إليه بأحسن الجزاء بحيث لولا ذلك لم يقرضه(1) نعم يكره أخذه للمقرض خصوصاً إذا كان إقراضه لأجل ذلك، بل يستحب أنّه إذا أعطاه شيئاً بعنوان الهدية ونحوها يحسبه عوض طلبه بمعنى أنّه يسقط منه بمقداره»(2).

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) يعني أن يكون المقرض أي صاحب المال يدفع الدين بهذا الداعي والدافع لا أن يكون قد اشترط ذلك مسبقاً، والفرق بين الداعي والشرط هو في صورة ما إذا كانت الزيادة بسبب الدّاعي فانه لا يرى لنفسه حقّاً على صاحب المال ولذلك فان الدّاعي غير مضر من هذه الجهة.
سؤال: إن مقتضى الروايات الشّريفة: «إنما الاعمال بالنّيات» هو أن تكون النّية والدّاعي كافياً للحرمة.
الجواب: النّية وحدها لا تكفي في المعاملات والعقود، بل أن كل ما وضع شرطاً لابدّ أن يؤتى به متن العقد والانشاء، وإلاّ فالشّرط غير واجب العمل، ولذا فلو أن شخص زوج ابنته لاحدى العوائل بداعي أن يأخذ بنتهم ويزوجها لابنه ثم أنهم رفضوا ابنتهم، فلا يحق له الاعتراض عليهم ويفسخ العقد الاوّل لان هذا المعنى لم ير في متن العقد، فصرف وجود الداعي والباعث لا يكفي لهذا الامر.
(2) تحرير الوسيلة، الكتاب الدين والقرض، المسألة 11.
سؤال: هل يعتبر استحباب دفع الزّيادة على القرض للمقترض وكراهة أخذ الزيادة للدائن لغواً في هذا الحكم؟ لانه قيل للمقترض أدفع الزيادة، ويقال أيضاً للدائن لا تأخذ.
الجواب: بما أن أخذ الزيادة مكروه فلذا ليس لغواً، لانه يمكن لصاحب المال أن يأخذ الزيادة ولا اشكال في ذلك، نعم لو كان في طرف واجباً وفي طرف الآخر حراماً كان جعل لحكم لغواً.

[97]
آراء وكلمات الفقهاء:
1 ـ يقول المرحوم العلاّمة الحلي(قدس سره) في كتاب (تذكرة الفقهاء): لو دفع إليه أزيد فان شرط ذلك كان حراماً إجماعاً ... وإن دفع الأزيد من المقدار عن طيبة نفس منه بالتبرع، يعني بدون شرط قبلي، كان حلالا إجماعاً، بل كان أفضل للمقترض.(1)
2 ـ يقول صاحب الجواهر(قدس سره) «نعم لو تبرّع المقترض بالزّيادة في العين أو الصفة جازت، بل لا أجد خلافاً بيننا»(2).
3 ـ ولابن قدامة (الفقيه المعروف عند أهل السنّة) كلام في كتاب المغني في هذا المجال ومضمونه أنّه، (كلّما لم يكن في عقد القرض شرط خاص ولكن أضاف المقترض عليه مقداراً من الزّيادة في الأوصاف أو المقدار مع رضاية الطرفين فلا إشكال في ذلك، بل هو أفضل، ثمّ نقل قول أحد عشر نفر من فقهاء أهل السنّة المعروفين هذا القول والفتوى وعدّ من المخالفين لهذا القول أفراداً قلائل أيضاً).
والنتيجة هي إنّ المتفق عليه بين علماء الشّيعة، هو جواز دفع الزّيادة من قبل المقترض بدون شرط مسبق، وبالنسبة إلى فقهاء أهل السنّة، فانّ الأكثرية توافقنا في هذا الحكم والفتوى، سوى عدد ضئيل من مخالفينا.


أدلّة المسألة:
إنّ العمدة في الأدلّة على هذه الفتوى هو الرّوايات المتعددة في هذا

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تذكرة الفقهاء: المجلد 2، الصفحة 4.
(2) جواهر الكلام، المجلد 25، الصفحة 7.

[98]
الباب، الواردة في الباب ـ19ـ من أبواب الدين والقرض في كتاب وسائل الشّيعة ـ وهذا الباب فيه ـ19ـ رواية وأكثرها تدلّ على هذه المسألة مورد بحثنا.
وكذلك فانّ أكثر روايات الباب ـ12ـ من أبواب الصرف، التي تتضمن ـ11ـ رواية تدلّ على المقصود، ومن مجموع ـ30ـ رواية واردة في هذين البابين(1)، فانّ أكثرها تدلّ على ما ذهبنا إليه في هذه المسألة، وبما أنّ مضامين هذه الرّوايات مختلف، فانّه بالامكان تقسيمها إلى أربعة طوائف:(2)


الطّائفة الاُولى:
الرّوايات التي تقول: (خير القرض ما يجرّ نفعاً)، والذي سبق شرحه وبيانه(3)، حيث نكتفي هنا برواية واحدة في هذا المجال:
عن محمّد بن عبده قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن القرض يجرّ المنفعة.
فقال(عليه السلام): «خير القرض الذي يجرّ المنفعة».(4)

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لو ضممنا الروايات الواردة في مستدرك الوسائل في البابين المذكورين وروايات سنن البيهقي أيضاً فان عدد الروايات سوف يزيد عن هذا المقدار ويصل الى حدّ التواتر.
(2) دأب سماحة الأستاذ في المواضيع التي ترد فيها روايات مختلفة ومتعددة أن يقسم هذه الروايات طوائف، ثّم يبحث كل طائفة منها على حدة، وأخيراًيوافق ويلائم بين هذه الطوائف بأجمعها.
(3) تقدم في الفصل (6) شرح مفصل هذه الروايات، وطريقة الجمع بينها وبين الروايات المتعارضة وبيان حل التعارض .
(4) وسائل الشّيعة، ج13، أبواب الدين والقرض، الباب 19، الحديث 5، ومثله الحديث 4 و6 و 8 و 16 من الباب.

[99]
وسبق أن رأينا في الأبحاث السابقة أنّ هذه الرّوايات لا تتنافى مع الرّوايات التي تقول بحرمة جرّ المنفعة في القرض، لأنّ تلك الرّوايات ناظرة إلى إشتراط النفع والفائدة في القرض، وهذه الرّوايات واردة في موارد عدم الشّرط في عقد القرض، وأنّ الشخص المقترض يضيف عند تسديد دينه مقداراً من المال باختياره، وعن طوع ورغبة.


الطّائفة الثّانية:
الرّوايات التي تدلّ على الجواز بالمعنى العام(1)، وهذه الرّوايات كثيرة مثل الرّوايات التالية:
1 ـ إسحاق بن عمار عن الإمام الكاظم (عليه السلام) قال: سألته عن الرّجل يكون له مع رجل مال قرضاً فيعطيه شيء من ربحه مخافة أن يقطع ذلك عنه فيأخذ ماله من غير أن يكون شرط عليه.
قال(عليه السلام): «لا بأس بذلك ما لم يكن شرطاً»(2).
2 ـ محمّد بن مسلم عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: عن الرجل يستقرض من الرجل قرضاً ويعطيه الرهن إمّا خادماً وإمّا آنيةً وإمّا ثياباً فيحتاج إلى شيء من منفعته فيستأذن فيه فيأذن له.

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المراد من الجواز بالمعنى العام أن هذا العمل ليس بحرام، فعلى هذا يمكن أن يكون واجباً، أو مستحباً، أو مباحاً، أو مكروهاً، أي أن المنفي هنا هو الحرمة فقط، ولكن هذا لا يعني أي حكم من الاحكام الاربعة المذكورة ثابت بعينه .
(2) الوسائل، المجلد 13، ابواب الدين والقرض، الباب 19، الحديث3.

[100]
قال(عليه السلام): «إذا طابت نفسه فلا بأس».(1)
3 ـ أبو بصير عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه قال: قلت له: الرجل يأتيه النبط بأحمالهم فيبيعها لهم بالأجر فيقولون له أقرضنا دنانير فانّا نجد من يبيع لنا غيرك ولكنّا نخصّك بأحمالنا من أجل أنّك تقرضنا.
فقال(عليه السلام): «لا بأس به».(2)
4 ـ محمّد بن عيسى عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه قال: «من أقرض رجلا ورقاً فلا يشترط إلاّ مثلها فإن جوزي أجود منها فليقبل».(3)
5 ـ جميل بن درّاج عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: قلت له أصلحك الله إنّا نخالط نفراً من أهل السواد فنقرضهم القرض ويصرفون إلينا غلاّتهم فنبيعها لهم بأجر ولنا في ذلك منفعة.
فقال(عليه السلام): «لا بأس».(4)
6 ـ عن إسحاق بن عمّار قال: قلت للإمام الكاظم (عليه السلام) الرجل يكون له عند الرجل المال قرضاً فيطول مكثه عند الرجل لا يدخل على صاحبه منفعة فيميله الرجل الشيء بعد الشيء كراهيّة أن يأخذ ماله حيث لا يصيب منه منفعة أيحلّ ذلك؟
قال(عليه السلام): «لا بأس إذا لم يكن يشترط».(5)

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل، المجلد 13، ابواب الدين والقرض، الباب 19، الحديث 4.
(2) الوسائل، المجلد 13، ابواب الدين والقرض، الباب 19، الحديث 10.
(3) الوسائل، المجلد 13، ابواب الدين والقرض، الباب 19، الحديث 11.
(4) الوسائل، المجلد 13، ابواب الدين والقرض، الباب 19، الحديث 12.
(5) الوسائل، المجلد 13، ابواب الدين والقرض، الباب 19، الحديث 13.

[101]
7 ـ أورد الحلبي وهو أحد أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام) عنه (عليه السلام)أنّه قال: «إذا أقرضت الدراهم ثمّ جاءك بخير منها فلا بأس إذا لم يكن بينكما شرط».(1)
8 ـ خالد بن الحجّاج قال: سألت الإمام (عليه السلام) الرجل كانت لي عليه مائة درهم عدداً قضانيها مائة وزناً؟ قال: لا بأس ما لم يشترط.
وقال(عليه السلام): «جاء الرِّبا من قبل الشروط إنّما يفسده الشروط».(2)
9 ـ الحلبي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: سألته عن الرجل يستقرض الدراهم البيض عدداً ثمّ يعطي سوداً وزناً وقد عرف أنّها أثقل ممّا أخذ وتطيب به نفسه أن يجعل له فضلها.
فقال(عليه السلام): «لا بأس به إذا لم يكن فيه شرط».(3)
10 ـ قال أبو الربيع: سألت الإمام الصادق (عليه السلام): عن الرجل أقرض رجلا دراهم فيردّ عليه أجود منها بطيبة نفسه وقد علم المستقرض والقارض أنّه إنّما أقرضه ليعطيه أجود منها.
قال(عليه السلام): «لا بأس إذا طابت نفس المستقرض».(4)
النتيجة المتحصلّة من روايات الطّائفة الثّانية هذه أنّها تدلّ على جواز الزّيادة إذا كانت بدون شرط مسبق، وطبعاً هذا الجواز بالمعنى الأعم والذي

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل، المجلد 13، ابواب الدين والقرض، الباب 20، الحديث 1.
(2) الوسائل، المجلد 12، ابواب الصرف، الباب 12، الحديث 1.
(3) الوسائل، المجلد 12، ابواب الصرف، الباب 12، الحديث 2.
(4) الوسائل، المجلد 12، ابواب الصرف، الباب 12، الحديث 4. ومثله الحديث 3 و 5 في نفس الباب.

[102]
ينسجم مع غير الحرمة من بقيّة الأحكام الخمسة.


الطّائفة الثّالثة:
الرّوايات الواردة في النهي عن إعطاء الزّيادة حتى بدون شرط مسبق، مثل الرّوايات التالية:
1- الهذيل بن حيّان قال: قلت للامام الباقر(عليه السلام): انّي دفعت الى أخي جعفر مالا، فهو يعطيني ما أنفق وأحج منه وأتصدّق وقد سألت من قبلنا فذكروا أنّ ذلك فاسد لايحلّ، وأنا أحبّ أن أنتهي الى قولك.
فقال(عليه السلام) لي: «أكان يصلك قبل أن تدفع اليه مالك؟ قلت نعم: قال خذ منه ما يعطيك فكل منه واشرب وحجّ وتصدّق، فاذا قدمت العراق فقل جعفر بن محمّد أفتاني بهذا».(1)
2-يعقوب ابن شعيب عن الامام الصّادق(عليه السلام) قال: سألته عن رجل يأتي خريفه وخليطه فيستقرض منه الدّنانير فيقرضه ولو لا أن يخالطه ويعارفه ويصيب عليه لم يقرضه.
فقال(عليه السلام): «ان كان معروفاً بينهما فلا بأس، وإن كان انّما يقرضه من أجل أنّه يصيب عليه فلا يصلح».(2)
ومفهوم الرّواية، أنّه اذا كان القرض مشروطاً بالهديّة فلا يجوز، ولكن بدونها لا مانع منه.

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل، المجلد 13، ابواب الدين والقرض، الباب 19، الحديث 2.
(2) الوسائل، المجلد 13، ابواب الدين والقرض، الباب 19، الحديث 9.

[103]
3-اسحاق ابن عمار عن العبد الصالح (الامام الكاظم(عليه السلام)) قال: سألته عن رجل يرهن العبد أو الثوب أو الحُلّىّ أو المتاع من متاع البيت فيقول صاحب الرهن للمرتهن: أنت في حلٍّ من لبس هذا الثوب، فألبس الثوب وأنتفع بالمتاع وأستخدم الخادم؟
قال(عليه السلام): «هو له حلال اذا أحلّه وما أحبّ له أن يفعل».(1)
وهذه الرّواية تدلّ أيضاً على كراهة ذلك، فتكون محصّلة هذه الطائفة من الرّوايات أنّها تنهى عن الزّيادة، ويحمل هذا النهي بقرينة الرّوايات الأخرى على الكراهة.


الطّائفة الرّابعة:
الرّوايات التي تقول: «احسب هدية المقترض من جملة مال القرض»، وفي هذه الطائفة لا نجد سوى رواية واحدة، وهي رواية غياث ابن ابراهيم وهي: محمّد بن يعقوب عن محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد عن محمّد ابن يحيى عن غياث بن ابراهيم عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: إنّ رجلا أتى عليّاً(عليه السلام)فقال: أنّ لي على رجل دين فأهدى الىّ هدية.
قال(عليه السلام): «أحسبه من دينك عليه».(2)
وهذه الرّواية من حيث السند معتبرة(3)، ومفهومها واضح أيضاً، وأفتى

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل، المجلد 13، ابواب الدين والقرض، الباب 19، الحديث 15.
(2) الوسائل، المجلد 13، ابواب الدين والقرض، الباب 13، الحديث 1.
(3) بما أن الرّواة الذين وردوا في سند هذه الرّواية كلّهم من الثّقاة فهي رواية معتبرة من حيث السند، كما أن العلاّمة المجلسي(قدس سره) قد ذهب الى توثيق هذه الرواية في كتابه «مرآة العقول» المجلد 19، الصفحة 57، باب هدية الغريم، وينقل عن الشهيد الاول في الدّروس أنّه عمل بهده الرّواية أيضاً.

[104]
بهذه الرّواية في تحرير الوسيلة، وذهب الى استحباب هذا العمل.


* * *



الجمع بين روايات الطّوائف الأربعة
من الواضح أنّ هناك شيئاً من عدم التلاؤم والإختلاف بين هذه الطوائف الأربع من الرّوايات، لأنّه ورد في بعضها جواز الزّيادة والهدية من قبل المقترض، وورد في بعضها الآخر النهي عن ذلك، وفي بعضها الآخر أنّه مستحب وفي بعضها أنّه حرام أو مكروه.
ولنا طريقان للجمع بين هذه الرّوايات:
1- الرّوايات التي ترى استحباب الهديّة والزّيادة، ناظرة الى عمل المقترض، فعلى هذا يستحب للمقترض أن يعطي هديّة الى صاحب المال، أمّا روايات الناهية عن ذلك، فتحمل على عمل المقرض، يعني أنّ صاحب المال لا ينبغي له أخذ هذه الهديّة، وهناك شاهد في متن هذه الرّوايات على هذا الجمع.
ولكن هذه الطريقة من الجمع يعترضها مشكل، وهو أنّ الرّوايات (خير القرض) ظاهرة في استحباب هذا العمل في الأخذ والعطاء، فعلى هذا لا يتلاءم هذا الجمع المذكور مع هذه الطائفة من الرّوايات (فتأمّل).

[105]
2- الرّوايات الناهية ناظرة الى بداية العمل، بأن ينوي أخذ الهديّة والزّيادة والفائدة منذ البداية ، بالرّغم من أنّه لم يرد هذا المعنى في متن العقد، أمّا الرّوايات التي تري استحباب أخذ وإعطاء الهديّة، فهي ناظرة الى ما اذا لم يكن نية المقرض أخذ الزيادة من بداية الامر.(1)


* * *


ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) والشاهد على هذا الجمع، مارود في الرّواية الثّانية، من الباب 19، من ابواب الدين والقرض، المجلد 13، من كتاب الوسائل ـ أي رواية هذيل بن حيان ـ لا ن الامام(عليه السلام) سأله: أكان يصلك قبل أن تدفع إليه مالك؟ فاذا كان كذلك فلا اشكال في أخذ الهدية، وإلاّ فلا.

[106]


(11)
جواز أخذ الفائدة لمصلحة - المقترض -

وهنا نصل الى مسألة أخرى من المسائل المتعلّقة في هذا الباب (المسألة الرابعة)، والبحث فيها عن الفائدة للمقترض لا للمقرض (فتأمّل جيّداً).
جاء في كتاب تحرير الوسيلة للإمام الراحل(قدس سره): «انّما يحرم شرط الزّيادة للمقرض على المقترض، فلا بأس بشرطها للمقترض كما لو أقرضه عشرة دراهم على أن يؤدّي ثمانية، أو أقرضه دراهم صحيحة على أن يؤديها مكسورة، فما تداول بين التجّار من أخذ الزّيادة واعطائها في الحوائل المسمّى عندهم بصرف البرات ويطلقون عليه على المحكي بيع الحوالة وشرائها ان كان بأعطاء مقدار من الدراهم وأخذ الحوالة من المدفوع اليه بالأقل منه فلا بأس به،وان كان بأعطاء الأقل وأخذ الحوالة بالأكثر يكون داخلا في الرِّبا».(1)
وخلاصة هذه المسألة أنّ حرمة شرط الزّيادة في القروض الرّبويّة منحصرةٌ في أن تكون الزّيادة في مصلحة المقرض وصاحب المال لا المقترض، فعلى هذا اذا أقرض شخصاً عشرة آلاف درهماً مثلا، وشرط

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تحرير الوسيلة، المجلد 1، كتاب الدين والقرض، المسألة 12.

[107]
عليه أن يسدّد تسعة آلاف درهم عند الحول، فلا اشكال في ذلك، ولا يحسب من الرِّبا، وكذلك لو شرط جنساً بأوصاف أقل قيمةً ممّا كان.
ثمّ أنّ الامام الراحل يستنتج جواز الحوالات البنكيّة المتعارفة، كأن يدفع الى البنك عشرة آلاف درهم، على أن يستلم في بلد آخر تسعة آلاف وتسعمائة درهماً، بأن ينقص منه عشرة آلاف درهم لحساب البنك، نعم لو دفع مبلغاً أقل الى البنك أو الى أحد التجّار على أساس الحوالة، بأن يدفع أكثر من ذلك فى اللاحق، فهو ربا وحرام، أمّا ما ورد من كلمات الفقهاء وأدلتهم على هذه المسألة فسوف نستعرضها بالتفصيل:


كلمات الفقهاء
فأولا: نستعرض كلمات الفقهاء في هذا المورد.
أنّ كلمات وآراءالفقهاء في مسألة أشتراط النفع على القرض واضحة وبيّنة، وهذه المسألة وهي عدم حرمة النفع للمصلحة المقترض من المسائل المسلّمة بين الفقهاء، ولا نجد لها مخالفاً معروفاً.
1- يقول صاحب الجواهر(قدس سره): «ولو كان الشّرط نفعاً للمستقرض دون المقرض، كما اذا اشترط اعطاء الغلّة عوض الصحاح، أو اشترط عليه أن يقرضه شيئاً آخر ونحو ذلك، جاز بلا خلاف ولا اشكال. نعم، احتمل في الدروس المنع في الثاني مع فرض النفع له، كما اذا كان زمان نهب أو غرق.
وفيه: أنّ مثله غير قادح، لا أقلّ من الشك في اندراج مثله تحت أدلّة

[108]
المنع، والله أعلم».(1)
وخلاصة هذا الكلام هو أنّ وضع الشّرط بنفع المقترض لا اشكال فيه، سواءً كان بصورة مبلغ أقلّ، أو جنس أردأ، أو يشترط عليه أن يعطيه قرضاً آخر.
بعض الفقهاء كالمرحوم الشهيد في -كتاب الدروس- قال: لا يجوز هذا العمل في بعض الشرائط، مثلا اذا كان في زمان اشتدّ فيه الهرج والمرج وعدم الأمان، فيعطيه مائة ألف درهم، ويقول له: أقرضك هذا المبلغ، على أن تردّه عليّ بعد هدوء الزوبعة واستتاب الأمور تسعين ألف درهم، في حين أنّ هذا العمل في الحقيقة يصبّ في مصلحة المقرض، لأنّه قام في تلك الأوضاع المضطربة بحفظ أمواله، بالرغم من أنّه تنازل عن مبلغ ضئيل منها، إلاّ أنّه انتفع بذلك القرض.
ولكنّ صاحب الجواهر بعد نقل هذا الكلام، قال: «بأنّ مثل هذه الأمور لا تمنع من صحة القرض هذا، ولا يعتبر من الرِّبا» والحق معه، لأنّ صاحب المال استطاع بهذا العمل أن يحفظ أمواله من التلف، لا أنّه انتفع وربح مبلغاً اضافياً.
2- يقول ابن قدامة الفقيه السنّي المعروف في -كتاب المغني-: «وان شرط في القرض أن يوفّيه أنقص ممّا أقرضه وكان ذلك ممّا يجري فيه الرِّبا، لم يجز لإفضائه الى فوات المماثلة فيما هي شرط فيه، وان كان في غيره لم يجز أيضاً، وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي، وفي الوجه الآخر يجوز،

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) جواهر الكلام، المجلد 25، الصفحة 13.

[109]
لأنّ القرض جعل للرفق بالمستقرض، وشرط النقصان لا يخرجه عن موضوعه،بخلاف الزّيادة. ولنا: أنّ القرض يقتضي المثل، فشرط النقصان يخالف مقتضاه، فلم يجز كشرط الزّيادة»(1).
ويستفاد من هذا الكلام أنّه هناك نظريتان بين علماء أهل السنّة:
الأولى: إنّ هذا القرض غير صحيح وغير مشروع، لأنّ طرفي القرض يجب أن يكونا متساويين، وليسا هنا كذلك.
الثانية: إنّ هذا القرض هو من أجل مساعدة المستقرض، وشرط النقصان لايضرّه بحال، بل يصبّ في دائرة مصلحته.
والنتيجة أنّه لا مخالف بين فقهائنا بين هذه الفتوى، سوى الشهيد الأول في الدروس، ولكن لم يوافق عليه سائر الفقهاء، لأنّ هذا الشّرط لا يجرّ المنفعة لصاحب المال، وأمّا بين فقهاء أهل السنّة فهناك نظريتان كما تقدم.

* * *



دليل القائلين بالجواز
يوجد هنا دليلان على أنّ شرط النقصان في القرض لا اشكال فيه:
1- قصور أدلّة الرِّبا بالنسبة لشمولها الى هذه المسألة، لأنّ أدلّة الرِّبا تحرّم القرض الذي يعود بالمنفعة على المقرض وصاحب المال، وهنا ليس الأمر كذلك، وهكذا بالنسبة الى آيات القرآن المجيد الناظرة الى تحريم الرِّبا، فهي ناظرة الى أخذ الزّيادة، وكذلك روايات (تحريم الشروط) منصرفة

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المغني، المجلد 4، الصفحة 242.

[110]
الى هذا اللون من الزّيادة.
وخلاصة المطلب، إنّ أدلّة تحريم الرِّبا الأعم من الآيات والرّوايات والاجماع لا تشمل شرط النقصان، بل أنّ جميعها ناظر الى شرط الزّيادة.
وعلى هذا الأساس يكون هذا القرض مشمولا لعموم (أوفوا بالعقود)و (المؤمنون عند شروطهم) وليس فيه أىّ اشكال شرعي.
2- الرّواية الواردة في آخر باب من أبواب (الدين والقرض) في كتاب الوسائل، والتي ورد فيها: محمّد ابن علي ابن الحسين بأسناده عن ابان عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر(عليه السلام): في الرجل يكون عليه دين الى أجل مسمّى، فيأتيه غريمه فيقول: أنقدني من الذي لي كذا وكذا وأضع لك بقيته، أو يقول: أنقدني بعضاً وأهديك في الأجل فيما بقي.
فقال(عليه السلام): «لا أرى به بأساً مالم يزد على رأس ماله شيئاً».(1)
أمّا سند هذه الرّواية فهو سند جيّد، لأنّ الشّيخ الصّدوق وأبان ومحمّد بن مسلم الواردين في سند هذه الرّواية، هم من مشاهير الشّيعة، وسند الصّدوق الى أبان صحيح أيضاً اذا كان المراد به أبان ابن عثمان(2). وهذه الرّواية مع أنّها لا تشابه ما نحن فيه من البحث، لأنّ موضوعنا هو ما اذا كان الشّرط بنفع المقترض في ابتداء عقد القرض، وفي هذه الرّواية ليس كذلك، بل أنّ صاحب المال يتنازل عن شيء من ماله بعد انتهاء عقد القرض، ولكن بمعونة

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل، المجلد 13، ابواب الدين والقرض، الباب 32، الحديث 1. ومثله ما في الوسائل، المجلد 13، ابواب الصلح، الباب 7، الحديث 1، ومثله في المستدرك، المجلد 13، ابواب الدين والقرض، الباب 27، الحديث 1.
(2) جامع الرواة، المجلد 2، الصفحة 530.

[111]
الغاء الخصوصية يمكن ذلك قطعاً، يعني يمكن أن يقال: أنّه لا فرق في الشّرط بين أن يكون أول العقد، وبين أن يكون بعد تمام العقد، فيما اذا كان الشّرط يصبّ في مصلحة المقترض.
والنتيجة المتحصلة من هذين الدّليلين هو أنّه لا اشكال في الشّرط اذا كان بنفع المقترض.

* * *



سؤال هام:
إن شرط الربح في الرِّبا لمصلحة صاحب المال له دوافع معلومة وأهداف بيّنة، ولكن اذا شرط صاحب المال النفع للمستقرض، كأن يقول له أعطيك مائة درهم قرضاً الى المدّة الفلانية، على أن تعيده لي ثمانين درهماً بعد تمام المدّة، فما الأمر الذي يصلح أن يكون دافعاً لصاحب المال على ذلك؟
وفي الجواب على هذاالسؤال:
نقول: إنّ هذا العمل يمكن أن تكون له دوافع متعددّة، منها:
1- الدافع المعنوي، حيث يكون أحد البواعث المهمّة لمثل هذه القروض، مثلا أن يرى صديقه قد تورط في مشكلة ويحتاج الى مائة ألف درهم للتخلص منها، ولكنّه وغير مستعد لأستقراض هذا المبلغ الكبير من المال، لأنّه يشك في امكانية وفائه لهذا الدين، فهنا يقول له صاحب المال: خذ هذا القرض، ثمّ سددّ مقداراً أقل حتى يمكنك الوفاء بالدين، وهذا في الواقع نوع من الإنفاق في سبيل الله.

[112]
2- يمكن أن يكون الدافع هو حفظ المال والمنع من الضرر، كما في الأمثلة التي ذكرها الشهيد الأوّل في -كتاب الدروس- ونقلها عنه صاحب الجواهر، كأن تداهم البلد موجة من الاضطراب السياسي، والتزلزل الاجتماعي فلا يتمكن صاحب المال والثروة من الاحتفاظ بأمواله ورأس ماله، فيعطيها الى من هو أقدر منه على حفظها، بعنوان القرض، بشرط أن يعيدها اليه بعد مدّة مع التنازل عن مبلغ من المال لصالح الشخص الثاني، هذا المعنى يجري أيضاً في أوقات الحروب، وعند اصابة البلد بالزلازل، والسيول، والكوارث الطبيعية، حيث لا يستطيع أصحاب الأموال والثروات الاحتفاظ بثرواتهم، فتكون هذه القروض بتلك الدوافع الماديّة منطقيّة ومعقولة.
3- أن يكون الباعث على مثل هذا القرض النقل والانتقال للثروة، (كما في المثال الوارد في متن تحرير الوسيلة)، كأن يريد أن ينقل أمواله من بلد الى آخر، أو من مدينة الى أخرى، فلو أنّه صحب معه أمواله لتعرّض الى الأخطار أو المشاكل، ولذا فأنّه يقرضها لأحد التجّار على أن يسدّده بأقل منها في البلد الآخر، وبهذا الترتيب تنحل مشكلة حمل الأموال ونقلها من مكان الى آخر، أو أن يتم هذا الأمر بواسطة البنوك والمصارف الموجودة.
4- أن يكون الباعث على هذا العمل هو امتلاك السند والوثيقة، مثلا اذا أراد أن يضع مبلغاً كبيراً من المال وثروة طائلة عند شخص، بعنوان أمانة وخاف أن ينكر عليه ذلك الشخص أمانته ويتنكّر له، فلذا يستخدم هذا الاسلوب ويضعها أمانة عنده بواسطة البنك، ويستلم منه سنداً بذلك،

[113]
فبالرغم من أنّ البنك يخصم منه مبلغاً ويسلّم الى ذلك الشخص مبلغاً أقل من الوديعة، إّلا أنّ صاحب المال مطمئن الفكر ومرتاح البال على أمواله وثروته، لأنّه يمتلك سنداً في يده يقرّ له بهذا المال، فلذلك لا مانع من أن يقوم الانسان بأقراض شخص آخر ذلك المبلغ، بشرط أن يأخذ منه أقل عند السداد.


ماهية وحقيقة (البروات).
هل أنّ البرات نوعٌ من القرض الحسن للتاجر أو البنك؟ كما ورد في متن تحرير الوسيلة، أو أنّ البرات نوع من (الحوالة) التوأم مع الاجرة ونفقات الحمل والنقل؟
لا يبعد أن يقال: إنّ البرات ليست قرضاً، بل أنّها حوالة ترادف نفقات انتقال رأس المال، كما هو الحال في عرف السوق والبنوك في هذا العصر، حيث أنّهم لا يعتبرونها من القروض، بل هي نوع من الحوالة والاجرة على انتقال الأموال، حين أنّ الوارد في تحرير الوسيلة، أنّها نوع من القرض الحسن
سؤال: اذا كان البرات نوعٌ من الحوالة مرادفة لنفقات الحمل والنقل، فأنّ معنى ذلك أنّ المال سيكون لدى البنك بعنوان أمانة يوصله الى الشخص الفلاني، ويخصم منه مبلغاً معيناً بعنوان الاجرة، في حين أنّنا نعلم أنّ البنك لا يعطي عين ذلك المال الى الشخص المحال عليه، بل يقوم بتبديله واعطائه من مال آخر.

[114]
الجواب: نعم انّه أمانة، ولكن هذه الأمانة ترافق الوكالة في التبديل، كأن يقول للبنك: إنّني أودع عندك هذا المال على أن توصله للشخص الفلاني، وأنت وكيلي في تبديل هذا المال وتحويله الى الشخص المذكور وتبديله بمال آخر.
والخلاصة: إنّ البرات هو نوع من الحوالة حسب الظاهر، وليس قرضاً مشروطاً بالنقصان.


* * *


[115]


(12)
هل أنّ القرض الرّبوي حرام، أم باطل؟

والآن تصل النوبة الى المسألة الخامسة وهي: هل أنّ شرط الفائدة والزّيادة في القرض يبطل عقد القرض من الأساس، أو أنّه شرط باطل، ويبقى أصل القرض سليماً؟
لقد جاء في تحرير الوسيلة: «القرض المشروط بالزّيادة صحيحٌ، لكن الشّرط باطل وحرامٌ، فيجوز الإقتراض ممّن لا يقرض إلاّبالزّيادة كالبنك وغيره مع عدم قبول الشّرط على نحو الجد وقبول القرض فقط، ولا يحرم اظهار قبول الشّرط من دون جد وقصد حقيقي به، فيصحّ القرض ويبطل الشّرط من دون ارتكاب الحرام»(1).
وطبقاً لهذا البيان، فأنّ شّرط الرِّبا هو الذي يقع باطلا فقط، أمّا أصل القرض فصحيح، وفي الواقع فانّ في هذه المسألة أمرين:
الأوّل: إنّ صاحب المال في القرض الرّبوي يرتكب حراماً واثماً، فهل أنّ الزّيادة والربح هو الحرام والباطل فقط، ولاشيء في ذمة المقترض من ذلك، أو أنّ فساد هذا الشّرط يسري الى أصل القرض، ويؤدي الى بطلان

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تحرير الوسيلة، المجلد 1، ابواب الدين والقرض، المسألة 13.

[116]
القرض أيضاً؟ وبعبارة أخرى إنّ مثل هذا القرض الربوي له حرمة تكليفية، وحرمة وضعيّة أيضاً، يعني أنّه لا يستطيع الاستفادة من هذا القرض، ولايحدث في هذه الصورة نقل وانتقال للمال من شخص الى آخر.
والأمر الآخر: أنّنا لو قلنا بأنّ الرّبح هو الحرام فقط، لا أصل القرض، فانّ المقترض في القرض الربوي لا يوافق بصورة جدية على الشّرط قلباً، وان وافقه عليه حسب الظاهر، ففي هذه الصورة يكون القرض صحيحاً ومشروعاً، ولكنّ الشّرط يقع باطلا، وبامكانه أن لا يدفع مقدار الزّيادة، ولا اثم عليه حينئذ، فليست هناك حرمة تكليفية ولا وضعية.
وبعبارة أُخرى: أنّه بهذه الوسيلة تكون لديه حيلة شرعيّة للفرار من الرِّبا، وهي وسيلة سهلة ومريحة، فهو عندما يستلم القرض الربوي، ينوي الإقتراض بصورة جديّة على أصل المال لا على الربح، ثمّ أنّه بأمكانه أن لا يدفع مقدار الربح إلاّ أن يجبر على ذلك، فلو أجبر حينئذ فلا بأس عليه.
أمّا البحث الأوّل: فانّ المشهور والمعروف بين الفقهاء من قديم الأيّام ولحدّ الآن، أنّ شرط الربح يؤدي الى بطلان أصل القرض أيضاً، وكما في الاصطلاح: إنّ الشّرط الفاسد مفسد هنا أيضاً، بالرغم من أنّ الامام في تحرير الوسيلة لم يقبل هذا الرأي.


كلمات الفقهاء في هذا المجال:
1- قال في الرياض(1): «إنّ ظاهر الاصحاب من غير خلاف يعرف ـ بل

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتاب الرياض من أفضل الكتب الفقهية حيث كان في السابق من المتون الدراسية في الحوزة العلمية، وقد استفاد منه صاحب الجواهر(قدس سره) كثبراً لدى تأليفه لجواهر الكلام. كما قد استفاد أيضاً من كتاب « كشف اللثام» و كتاب «مسالك الافهام»، ولذا يعتقد البعض بأنه لولا وجود هذه الكتب الثلاثة لما تمكن صاحب الجواهر من تأليف لهذا الكتاب بشكله الفعلي.

[117]
في المسالك وعن السرائر الاجماع عليه ـ فساد القرض مع شرط النفع، فلا يجوز التصرف فيه ولو بالقبض، ومعه ومع العلم يكون مضموناً عليه كالبيع الفاسد للقاعدة المشهورة: «كل عقد يضمن بصحيحه يضمن بفاسده» خلافاً لأبن حمزة فجعله أمانة»(1).
ومضمون هذا الكلام هو أنّ ظاهر كلمات الفقهاء عموماً أنّ القرض الربوي باطل، يعني أنّه لا يستطيع الاستفادة من أصل القرض أيضاً، بل أنّ الوارد في كتاب -المسالك والسرائر- هو ادّعاء الاجماع، واتفاق العلماء، إلاّ ما كان من الفقيه المعروف -ابن حمزة- حيث نقل مخالفته لذلك.
والجدير بالذكر أنّ ابن حمزة لم يخالف المشهور في أصل فساد القرض، بل أنّه بعد القول بفساد القرض، قال: هل أنّ المقترض ضامن لأصل المال أم لا؟ فانّه في هذه المسألة يخالف المشهور. (فتأمّل).
2- قال صاحب الجواهر(رضي الله عنه)، بعد نقل أصل المسألة والقول بأن الشرط الفاسد مفسد، وبعد نقل الاجماع من بعض الفقهاء: «فما عن ابن حمزة من أنّه أمانة، ضعيف وأضعف منه توقف المحدّث البحراني في ذلك مدّعياً أنّه ليس في شيء من نصوصنا ما يدلّ على فساد العقد بذلك، بل أقصاها النهي عن

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الرّياض، المجلد 1، الصفحة 577.

[118]
الاشتراط، والخبر النبوي ليس من طرقنا»(1).
3- أمّا في الاوساط الفقهيّة لدى أهل السنّة، فقد نقل عن الشافعي أنّه قال: «اذا جرّ نفعاً للمقرض يكون فاسداً ومفسداً» يعني أنّ الشّرط اذا جرّ نفعاً لصاحب المال، فمضافاً الى بطلانه وفساده، يؤدي الى فساد أصل العقد أيضاً.(2)
والنّتيجة هي أنّ المشهور من علماء الشّيعة ذهبوا الى أنّ الشّرط الربوي مفسد لعقد القرض، ما خلا القلّة من الفقهاء، مثل صاحب الحدائق(3). ولعلّ ظاهر فتاوى أهل السنّة كذلك أيضاً.


الأدلة على بطلان القرض الربوي:
يمكن الإستدلال على فساد وبطلان القرض الربوي بدليلين:
1- القاعدة العقلائية، (العقود تابعة للقصود) والتي أمضاها الشارع، وتوضيح ذلك أنّ الشخص المقرض للقروض الرّبويّة، شرط الزّيادة الرّبويّة في عقد القرض، وهذا العقد وهذه المعاملة إمّا أن تكون بأجمعها وبشرطها وشروطها صحيحة، أو تكون باطلة كذلك، ومن الواضح أنّها ليست كلها صحيحة، لأنّها مشروطة بالزّيادة الرّبويّة المحرّمة، فلا بدّ من القول أنّ هذه المعاملة باطلة بأجمعها، فيقع الشّرط باطلا وحراماً، وكذلك يبطل معه أصل

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) جواهر الكلام، المجلد 25، الصفحة 7.
(2) الفقه على المذاهب الاربعة، المجلد 2، الصفحة 342.
(3) ونقل عن المرحوم آيه اللّه السيد محسن الحكيم(قدس سره) أنه ذهب الى ما في تحرير الوسيلة من الفتوى.

[119]
العقد أيضاً.
وأمّا القول بالتفصيل بين أصل العقد والربح، بمعنى أن يكون الربح باطلا فحسب ويسلم أصل العقد، فلا محلّ له من الإعراب هنا، لأنّ قصد المقرض في هذه الصورة وهو القرض المشروط بالرِّبا لم يقع، وما وقع - وهو القرض بدون الشّرط ـ لم يقصده صاحب المال ولم يقبل به(1)، في حين أنّ كلّ العقود تابعة للقصود، ونيّة طرفي المعاملة، فطبقاً لهذه القاعدة العقلائيّة يقع الشّرط باطلا وحراماً، وكذلك يبطل معه أصل القرض.

سؤال: إنّ المشهور والمعروف بين العلماء والفقهاء في باب الشّرط الفاسد، هو أنّ الشّرط الفاسد لا يؤدي الى فساد المعاملة، فلماذا قلتم أنّ هذا الشّرط مفسد للمعاملة وموجب لبطلانها؟
الجواب: نعم، نحن أيضاً نقول أنّ الشّرط الفاسد لا يؤدّي الى فساد العقد والمعاملة، مثلا اذا تمّ عقد البيع وأشترط المشتري في ضمن العقد على البائع أن يعطيه مقداراً من الخمر، فهنا يقع هذا الشّرط فاسداً وباطلا، ولكنّه لا يؤدي الى بطلان أصل المعاملة والعقد، بل يقع البيع صحيحاً، دون الشّرط الذي يقع باطلا.
ولكنّ الشّرط الفاسد في بحثنا هذا يختلف عن المثال المذكور في البيع

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) يقول الفقهاء في هذه الموارد: ما قصد لم يقع ، وما وقع لم يقصد.

[120]
اختلافاً مهمّاً، وهو أنّ العلّة في قولنا: انّ الشّرط الفاسد غير مفسد للعقد هو قاعدة: تعدد المطلوب ، حيث اجتمع هنا انشاءان في عقد واحد، فما كان من انشاء للشرط يقع باطلا، ولكنّ انشاء أصل العقد لا اشكال فيه، ويترتب عليه آثاره من انتقال الملكيّة.
وتوضيح ذلك: إنّ العقود التي شرط فيها شرطٌ باطلٌ كالخمر، يوجد فيها مدلولان وأمران، أحدهما: أصل المعاملة، والآخر: كأس الخمر، والعقد لا يؤثر في ترتب الأثر على الشّرط الباطل المذكور، ولكنّه يؤثر في صحة أصل المعاملة، لأنّ هنا يتعدد المطلوب والمراد، بحيث يمكن القول بالتفكيك بينهما، ومن هذه الجهة فانّ خيار تخلف الشّرط يبقى محفوظاً للبائع.
وفي الأمثلة الآخرى مثل بيع الخمر مع الخل، أو بيع ما يملكه مع مال الغير ـ وكما يصطلح عليه: بيع ما يُملك وما لا يُملك (1) ـ وبيع ما يَملك وما لا يَملك..(2)) فيكون هذا المطلب كما ذكرنا، يعني من قبيل تعدّد المطلوب والمراد، فلذا يقع البيع صحيحاً بالنسبة الى ما يملك ـ أىّ الخل، وفي الوقت

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) يعني أن يقوم البايع ببيع الخمر والخلّ سوية الى المشتري، فهنا تقع المعاملة صحيحة بالنسبة الى الخلّ وباطلة بالنسبة الى الخمر، فلا يملك البايع بعض المال، وهو الذي وقع في مقابل الخمر، ويجب عليه اعادته الى المشتري، وكذلك لو باعه خروفاً مع الخنزير، فتقع المعاملة صحيحة بالنسبة الى الخروف وباطلة بالنسبة الى الخنزير.
(2) المراد من بيع ما يملك مع ما لا يملك، هو أن يبيع الشخص ما يملك مع شيء لا يمتلكه، كأن يبيع أرضه مع أرض غصبية في عقد واحد، فهنا تقع المعاملة صحيحة في أرضه، وباطلة في أرض الغير.

[121]
نفسه لا تسري الصحة والمشروعية الى (مالا يملك) ـ وهو الخمر، وكذلك البيع يكون صحيحاً في ماله، وباطلا في مال الغير.
والخلاصة، أنّ الموارد المذكورة أعلاه تتضمن رغبة المشتري في أن يملك كلا الأمرين، في حين أن أحدهما مشروع، والآخر غير مشروع، فالمعاملة صحيحة ونافذة بالنسبة الى ما يكون مشروعاً، وباطلة بالنسبة الى غير المشروع.
وهكذا الكلام بالنسبة الى الشّرط الفاسد، فاذا لم نقل بأنّ الشّرط الفاسد غير مفسد للعقد فانما هو من جهة دخوله تحت قاعدة تعدّد المطلوب، ولكنّ هذا الكلام لا يجري في مسألة القرض الربوي، فلا معنى هنا للقول بتعدد المطلوب، يعني أنّ المقرض ليس له مرادان ومطلوبان وهما:
1- أصل القرض قربةً الى الله تعالى.
2- الحصول على الربح لتحقيق مآربه الشيطانية، بل انّ هدفه واحد لا أكثر وهو أخذ الرِّبا والفائدة على القرض، فلو لم يكن ربح في البين،فلا أحد من المرابين يجد من نفسه تعاطفاً مع الناس وميلا الى اقراضهم في سبيل الله ، وهذا هو افضل شاهد على عدم تعدد المطلوب في هذه المسألة، بل هناك وحدة المطلوب، وبعبارة أخرى: إنّ الركن الأساس والهدف الأصل في القرض الربوي هو الرِّبا، لا القرض لوحده، ولذا فانّ الرِّبا اذا وقع باطلا وفاسداً، فأنّه يبطل معه أصل القرض أيضاً.
ولهذا السبب فأنّ أغلب العلماء الذين بحثوا في تلك المسألة وذهبوا الى أنّ الشّرط الفاسد لا يفسد العقد، ذهبوا الى أنّ فساد الشّرط يفسد العقد في

[122]
مسألة القروض الرّبويّة.
ويشير صاحب الجواهر(قدس سره) الى الإختلاف بين مسألتين بدون توضيح وبيان لذلك، حيث يقول: «نعم يبنى فساد العقد على المسألة السابقة وهي اقتضاء فساد الشّرط، وقد عرفت الخلاف وان كان ظاهرهم هنا عدم كون البطلان هنا مبنياً على ذلك»(1). والنتيجة أنّه طبقاً لمقتضى القاعدة العقلائية التي تقول (العقود تابعة للقصود) فأنّ شرط الزّيادة في القرض يوجب بطلان أصل القرض أيضاً، وهذه المسألة تختلف عن مسألة الشّرط الفاسد، تفاوتاً أساسيّاً.

* * *



كل منفعة في القرض ربا
الدّليل الثاني على بطلان العقد والشّرط معاً هو الرّوايات التي تصرّح بأنّ كلّ قرض جرّ منفعةً فهو فاسد وحرام، وهذه الرّوايات ذكرت في المصادر (الخاصّة) و (العامّة)، ويستفاد من مجموعها أنّ القرض يجب أن يكون بصورة مشروعة واسلاميّة وخالياً من كلّ اضافة وزيادة، سواء كانت من جنس القرض وغيره، وكذلك كلّ شرط في القرض فيه نفعٌ وربحٌ للمقرض فهو ممنوع وحرام. وحتى مسألة التضخم وارتفاع وانخفاض القدرة الشرائيّة لا يمكنها أن تكون مؤثّرة في تصحيح هذه المعاملة.(2)

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) جواهر الكلام، المجلد 25، الصفحة 7.
(2) لقد بحث سماحة الاستاذ الاحكام الشرعية للتضخّم واسبابه في بحث مفصّل وسوف نستعرض ما طرحه هناك في فرصة اُخرى ..إن شاء اللّه..

123]
وهذه الرّوايات كما يلي:
1- الحديث النبوي الذي أستدلّ به الكثير من الفقهاء على ذلك، والواردة عن أحد الأصحاب ويدعى فضالة بن عبيد قال: أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله)قال: «كلّ قرض جرّ منفعةً فهو وجهٌ من وجوه الرِّبا»(1).
وظاهر هذه الرّواية أنّ مجموع القرض والشّرط الربوي حرام لا الشرط والزيادة فقط. وبعبارة اُخرى كلّ القرض باطل لا أن الرّبح باطل فقط مع صحة اصل القرض.
2- ونقرأ في حديث آخر عن يعقوب بن شعيب عن الامام الصادق(عليه السلام): «سألته عن الرجل يسلم في بيع أو تمر عشرين ديناراً ويقرض صاحب السلم عشرة دنانير أو عشرين ديناراً.
قال(عليه السلام): «لا يصلح، اذا كان قرضاً يجرّ شيئاً فلا يصلح»(2).
ففي هذا الحديث الشريف وقعت المعاملة بأجمعها من القرض والشّرط محلُّ رفض وعدم قبول، لا الربح فقط، لأنّ ظاهر الكلام أنّ فاعل (يصلح) هو «كلّ قرض ربوي».
وطبعاً اذا كانت جملة (لايصلح) تعني التحريم، فأنّ معنى الرّواية هو أنّ القرض الذي شرطت فيه الزّيادة الرّبويّة يقع حراماً، واذا كانت بمعنى الكراهة يكون المراد من الرّواية هو أنّ أخذ الزّيادة بالنسبة الى المقترض في

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) السنن الكبرى، المجلد 5، الصفحة 350،.
(2) الوسائل، المجلد 13، ابواب الدين والقرض، الباب 19، الحديث 9.

[124]
المعاملة التي لم يشترط فيها شرطاً ربويّاً على المقترض، بل أعطى تلك الزّيادة لصاحب المال عن طوع ورغبة مكروه، (وفي هذه الصورة الثانية لا ترتبط هذه الرّواية بما نحن فيه، إلاّ أن يستفاد من مفهوم الرّواية).
3- جاء في كتاب - دعائم الاسلام - عن الامام الصادق(عليه السلام) أنّه سئل عن الرجل يسلم في بيع عشرين ديناراً على أن يقرض صاحبه عشرة (دنانير) أو ما أشبه ذلك. قال(عليه السلام): «لايصلح ذلك لأنّه قرضٌ يجرّ منفعةً»(1).
ومضمون هذه الرّواية هو نفس تلك الرّواية السابقة التي تقول كلّ قرض يجرّ منفعةً فهو حرام وممنوع، ولا ينحصر الأمر في الشّرط فقط، (هذا اذا كان المقصود من جملة لايصلح هو الحرمة).
4- وكذلك ورد في ذلك الكتاب عن الامام الباقر(عليه السلام) أنّه قال: «كلّ قرض جرّ منفعةً فهو ربا»(2).
ففي هذه الرّواية لا يقول الامام الباقر(عليه السلام) انّ ربح هذه المعاملة هو حرام فقط، بل يقول أنّ كلّ قرض ربوي حرام.
والنتيجة: إنّ مقتضى هذه الرّوايات هو أنّ كلّ قرض ربوي فاسدٌ وباطلٌ، فلا يحدث أيّ نقل وانتقال للملكيّة، ولهذا السبب يجب على المقترض أن يرجع المال لصاحبه فوراً، وإلاّ فهو ضامنٌ.
ولو فرضنا أنّ الرّوايات أعلاه لا تدلّ دلالةً صريحة على المراد، إلاّ أنّها

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مستدرك الوسائل، المجلد 13، ابواب الدين والقرض، الباب 19، الحديث 3.
(2) نفس المصدر، الحديث 2.

[125]
يمكن أن تكون مؤيّدة للدليل الأوّل على الأقل. ونقول لصاحب الحدائق الذي لم يقبل هذه الرّوايات(1): أنّك لولم تقبل بهذه الرّوايات، فلا بدّ من قبول (الاجماع)، لأنّ الاجماع مع عدم قبول الرّوايات، لايكون اجماعاً مدركيّاً، ولذا فهو حجّة.(2)
والمحصّل من هذين الدّليلين المذكورين، هو أنّ شرط الزّيادة فى القرض لايبطل الزّيادة فحسب، بل يؤدي الى فساد أصل القرض أيضاً.

* * *



طّريق التخلّص من الرِّبا
البحث الثّاني: على فرض قبولنا أنّ فساد الشّرط لا يسري الى أصل العقد ولا يبطله، فهل يستطيع المقترض أن يأخذ أصل المال من دون قبوله بصورة جدّيّة للشرط، بل يقبله بصورة ظاهرية فقط، ثمّ يسدّد لصاحب المال أصل القرض دون الزّيادة، وبذلك ستنحلّ المشكلة في هذا النوع من المعاملات؟ فهل أنّ قبول الشّرط الربوي بصورة ظاهرية، لايؤدي الى

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الظاهر أن صاحب الحدائق كان ناظراً الى الحديث النبوي فقط، ولم يقبله لصعف سنده، في حين أنه قد سبق:
1 ـ أنّ الروايات لا تنحصر بهذه النبوي الشريف.
2 ـ إن ضعف السند منجبر بعمل المشهور.
(2) لماذا لم يتمسك صاحب الحدائق بالقاعدة العقلية المذكورة في الدليل الاول؟ فنقول: لعل ذلك بسبب أن صاحب الحدائق من الاخباريين، وهم لا يعتبرون أهمية للادلة العقلية.

[126]
ارتكاب الحرمة التكليفية؟
جاء في كتاب تحرير الوسيلة: إنّ المقترض يمكنه ذلك، وليس فيه ارتكاباً لمحرّم، لأنّه لم يقصد الزّيادة الرّبويّة بصورة جدّيّة، بل قصدها بشكل ظاهري، فلا يدخل هذا المورد ضمن دائرة التحريم.
ولكنّ هذا الكلام لايخلو من تأمّل من جهتين:
الأولى: أنّ المقرض لو أعطى المال بشرط الزّيادة الرّبويّة، وقبل به المقرض من دون قبول الشّرط، فانّ المعاملة لا تنعقد أساساً، لأنّ الفقهاء ذكروا في بحث المعاملات أنّ الايجاب والقبول يجب أن يكونا مترتبين على موضوع واحد، حتّى يحصل التأثير للعقد(1).
ومن ذلك ورد قولهم: (تطابق الايجاب والقبول)، وبعبارة أوضح: إنّ كلا الطرفين يجب عليهما امضاء هذا السند بالكامل.
مثلا، لو فرضنا أنّ البائع في عقد البيع قال: بعت بيتي بالمبلغ الفلاني نقداً، وقال المشتري: قبلت بالمبلغ المذكور ولكن نسيئةً، فلا تقع هذه المعاملة صحيحة ونافذة، لأنّه لم يحصل اتفاق بين الطرفين على المنظور الذهني للعقد. وحتّى في الموارد التي يكون فيها الشّرط الفاسد غير مؤثّر في العقد، فانّ هذا اللون من الايجاب و القبول في العقد لا يقع نافذاً، مثلا: اذا قالت الزوجة في عقد النكاح: انّني أقبل الزواج منك بشرط أن يكون اختيار الطلاق بيدي، ويقول الزوج: قبلت بدون هذا الشّرط المذكور، فانّ عقد

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كما في ضربات الحدّاد وغلامه على الحديدة المحماة، فلابدّ أن تترادف على موضوع واحد ليحصل التأثير، وإلاّ فلا.

[127]
النكاح يقع باطلا، فالزوج يجب عليه أن يقبل النكاح بذلك الشّرط حتّى يكون الايجاب والقبول مؤثرين في إنفاذ العقد وصحته، ولكن بما أنّ الشرع المقدّس رفض الاعتراف بهذا الشّرط وذهب الى بطلانه، فلذا نقول: إنّ الشّرط الفاسد لا يفسد العقد(1)، ولكن على كلّ حال يجب أن يتوارد الايجاب والقبول على موضوع واحد.
وبكلمة، انّ عقد القرض الربوي هذا لم يتوارد فيه الايجاب والقبول على أمر واحد، بل على أمرين، فانّ المقرض أوقع ايجابه بشرط الربح والزّيادة، وقبله المقترض بدون شرط الزّيادة، فلذا لا يقع العقد نافذاً. اذاً فلا شكّ في ضرورة وقوع العقد -أي الايجاب والقبول- على أمر واحد، وليس كذلك فيما نحن فيه لأنّ المقرض أعطى ماله بشرط الزّيادة وقصد ذلك، أمّا المقترض فكان قصده الجدّي وارداً على أصل المال لا الشّرط.
2- الاشكال الثاني هو أنّ اظهار هذا المطلب يعني قبول المقترض للشرط الربوي بشكل صوري لا بشكل جدّي وبدون اعتقاد قلبي بذلك يعتبر نوعاً من التدليس، حيث أنّه يقول لصاحب المال: انّني قبلت قرضك لي مع الزّيادة، ولكن بعد أن يستلم القرض، يقول لم يكن لي قصد جدّي بالنسبة الى الزّيادة، ألا يكون ذلك نوع من التدليس والحيلة؟ حيث أنّه أخذ المال من مالكه بشكل من أشكال الحيلة والخداع.
فعلى هذا يكون أخذ المال بهذه الصورة حراماً، وتكون النتيجة أنّ الفرار من الرِّبا بهذه الوسيلة يفتقد الى المشروعية.

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وطبعاً اذا وكّل الزوج زوجته في الطلاق بشرائط معينة، فلا مانع من ذلك.

[128]


(13)
أطروحة البنك ـ اللاربوي ـ

تقدم في الأبحاث السابقة خمس مسائل مهمّة تعتبر العمدة في مسائل تحريم الرِّبا مع أدلّتها المذكورة، ونستعرض في هذا الفصل مسألة البنوك والمصارف في عصرنا الحاضر، واشكاليات النشاط الاقتصادي في هذه المراكز المالية المهمّة.


الغرض من تشكيل البنوك
تعتبر البنوك والمعاملات البنكيّة من الثوابت الضرورية في اقتصاد البلدان في عصرنا الحاضر، ومن الخطأ بمكان أن يتصور أحد أنّه بالإمكان حذف البنوك والاستغناء عن دورها الاستراتيجي في الحياة الاجتماعية والاقتصادية للشعوب والمجتمعات البشرية، لأنّه لولا وجود البنك لأمست إدارة عجلت الاقتصاد في الحواضر المعاصرة ضرباً من المحال، ولتوقفت جميع المشاريع الاقتصادية وواجهنا مشكلات كبيرة في هذا المجال.
فعلى هذا لا يصّح، بل لا يمكن حذف البنوك من الحياة الاقتصادية، وعلينا مسؤولية اصلاحها وأسلمتها حيث لا ملازمة بينهما، بل هما أمران

[129]
منفصلان.


خدمات البنوك اللاربوية
يستطيع البنك السليم من الربا والذي يقوم على أُسُس صحيحة ومشروعة تقديم خدمات كبيرة الى أفراد المجتمع، ويكون باعثاً على تحريك عجلة النشاطات الاقتصادية الصغيرة والكبيرة في المجتمع، هنا سبعة الوان من الخدمات المهمّة التي يستطيع البنك تحقيقها وتقديمها الي الناس.(1)


1- مكانية البنك لحفظ أموال الناس:
كان الناس في الازمنة الغابرة مضطرين الى حفظ رؤوس أموالهم في البيوت، وهذا الأمر لا يعدّ عسيراً على من يملك رأس مال صغير وقليل، ولكنّ من يمتلك ثروة متوسطة أو كبيرة سيعاني من مشكلة حقيقة في الحفاظ عليها، وقد يؤدي به الأمر الى السقوط في دوامة القلق المزمن على ثروته، ولهذا يضطر أحياناً بدفن رأس ماله وثروته هذه في أعماق التراب، وتارةً يقوم بدسّها في جدار سميك، أو بأخفائها في سقف البيت وغير ذلك، والخلاصة أنّه يعيش في خوف دائم واضطراب مزمن من أجل الحفاظ على ثروته والاطمئنان على سلامتها، ولاينتهي الأمر بالخوف على المال

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وطبعاً لا تنحصر خدمات البنوك بهذه الموارد السّبعة، ولكنها تعتبر من أهم خدمات البنوك.

[130]
فحسب، بل أنّه يخاف على نفسه أيضاً، لأنّه يعرّض نفسه أحياناً الى الخطر من أجل الدفاع عن أمواله.
ومن هنا أخذ الانسان يفكر في حلّ لهذه المشكلة، بأن يقوم جميع الأفراد الأثرياء بجمع ثرواتهم وأموالهم في مكان واحد، ليتسّنى لهم المحافظة عليهابشكل أفضل وأقوى، وهذا المكان هو (البنك) الذي يتمّ المحافظة عليه بوسائل مختلفة من قبيل الحرس، والصناديق الحديدية لحفظ الأموال، والتجهزات الألكترونية للإنذار المبكر وغير ذلك، وبهذا سوف يطمئن أصحاب الأموال على سلامة ثرواتهم، ولو لم يكن لتشكيل البنك غايةً سوى هذه الفائدة الكبيرة لكفى في الحكمة من ايجاد البنوك.

* * *



2 - البنك آلة مطمئنة لنقل الأموال:
احدى الغايات لتأسيس البنوك هو النقل السريع والمطمئن للأموال، لتنفيذ العقود التجارية والمعاملات السوقيّة، فلو لم يكن هناك بنك لنقل الأموال لواجهنا مشاكل كبيرة في المعاملات التجّارية بصورة عامّة، فلو فرضنا أنّه باع منزلا بمبلغ ثلاثين مليون ديناراً لأحد الأشخاص، وأراد حساب المبلغ المذكور ونقله الى ملكيّة البائع، فهنا سيواجه مشكلة حقيقيّة في ذلك، فأنّ حساب هذا المبلغ الضخم من الأموال قد يستغرق الساعات أو الأيّام، ولكن مع وجود البنوك تيسّرت هذه العمليّة بصورة سريعة ومطمئنة، فأنّ المشتري الذي لديه حساب مصرفي في البنك، سيقوم حينئذ بكتابة

[131]
صك بمبلغ ثلاثين مليون دينار، وهكذا تتمّ المعاملة بهذه السهولة، ويتقبّل البائع هذا الصك ويضيفه الى حسابه الخاص، وتتمّ عمليّة النقل والانتقال بدقيقة واحدة وبيسر وسهولة، دون أن يكون هناك خطر وضررٌ وتحمّل نفقات اضافيّة، ومن دون أن يقوم أحدٌ بتعداد النقود الورقيّة، أو يتحمّل نقل الأموال من هنا الى هناك .
فلولا وجود البنوك في دائرة الحياة الإقتصاديّة في عالمنا اليوم لتوقفت عجلة الاقتصاد واقعاً، أو أنّها ستواجه مشكلات كبيرة، وهذا الغرض والغاية تكفي لوحدها أيضاً لتشكيل وتأسيس البنوك.
سؤال:
إنّ ما ذكرتم من السببين أو الأسباب والغايات من تشكيل البنوك يفيد ضرورة تشكيل البنوك للأثرياء والمتموّلين من الناس، ولكنّ ما فائدة البنوك بالنّسبة لعامة النّاس؟
الجواب:
أوّلا: إنّ الثروات الكبيرة لا تنحصر بملكيّة الأثرياء فقط، بل أنّ بيت مال المسلمين وثروات الدّولة والأموال المتعلّقة بملكية المجتمع أيضاً تدخل في دائرة خدمات البنك هذه، فإنّ البنوك تقوم بحفظ أموال بيت المال، والثروات، ورؤوس الأموال للمؤسسات المرتبطة بالدّولة والوجوه الشرعيّة و... وكذلك المعاملات المرتبطة بها.
ثانياً: إنّ وجود البنوك يؤثّر تأثيراً إيجابياً ومفيداً في حفظ الثروات الصغيرة والمتوسطة لعامّة الناس، ومساعدتهم كذلك في تنفيذ المعاملات

[132]
من هذا القبيل.


* * *



3 - البنك وسيلة جيّدة لنقل الأموال بين المدن والبلدان:
لو أردنا نقل رؤوس الأموال من مدينة الى مدينة، أو من بلد الى بلد، أو من قارّة الى قارّة أخرى، ففي حالة عدم وجود نظام البنوك فسوف تتجلّى المشكلة في عقود المعاملات والمبادلات المبرمة بين المدن والبلدان.
أمّا في الزمان السابق حيث لم تكن هناك بنوك ومصارف لأداء هذه المهمّة كانت مشكلات التّبادل التّجاري وصعوبات الحياة الاقتصاديّة تتجلّى في السّرقات، وقطع الطرق على القوافل، والغارات وحوادث القتل الكثيرة، والفجائع التي تكتنف عمليّة نقل الأجناس والبضائع والثروات في الطرق التّجاريّة، مضافاً الى أنواع الاضطراب النّفسي والقلق والتّوجّس الذي يتزامن مع عمليّة نقل الأموال والثّروات.
وفي عصرنا الحاضر، فإنّ البنوك تقوم بهذا الدّور المهم بإتصال هاتفي بسيط وبدون أي نقل وإنتقال للأموال والثروات، فأضخم العمليّات التّجاريّة من شرق العالم وغربه تنجز في لحظات من دون تركمات سلبيّة على الصعيد الاقتصادي والنّفسي للأفراد، وتتمّ الفعاليّات الاقتصاديّة بسرعة وسهولة وإطمئنان كبير.

* * *


[133]

4- البنوك محل جمع الثّروات ورؤوس الأموال الرّاكدة:
إنّ كلّ فرد من أفراد المجتمع يمتلك مقداراً من رأس المال القليل أو المتوسط أو الكثير، وهذه الثّروات المتناثرة تكون في الغالب راكدة ومجمّدة دون الاستفادة منها ومن قدرتها على تحريك عجلة الاقتصاد، مضافاًالى أنّ التّجار وأرباب الصنائع يقومون عادةً بتجميد حصّة من رؤوس أموالهم عند الحاجة والضرورة كأحتياط ورصيد مطمئن لرفدهم بالنّقد في ساعة المحنة والحوادث غير المتوقعة.
وكيف كان فإنّ هذه الأموال المتفرقة في أيدي الناس تشكل مبلغاً باهظاً وثروةً تبلغ المليارات، ولكنّها معطّلة ومجمّدة وغير مستثمرة في خدمة المجتمع.
وعندما يقوم البنك بجمع هذه الأموال المتفرقة والمشتتة والراكدة في مكان مركزيٍّ واحد، فإنّه سيخلق منها قوّةً عظيمة وقدرةً خلاّقة في سبيل الاستفادة منها بالطرق السليمة، وسينتج عنها خدمات جدْ عظيمة ومثاليّة للمجتمع البشري.
فعلى هذا الأساس، فإنّ تجميع الأموال والثّروات الراكدة والمشتتة وتبديلها وتحويلها الى رأس مال عظيم ينتفع به في شتّى مجالات الحياة، هو أحد الخدمات الكبيرة والسّليمة للبنوك.
ولو دققنا النّظر في هذه المسألة أكثر لتوصلنا الى نكات جديدة في هذا المجال، حيث أنّ المالك الأصلي لأموال وثروات النّاس في الواقع هو البنك، لأنّ النّاس يتعاملون دائماً مع الصّكوك المصرفيّة، حيث يضعون أموالهم

[134]
النّقديّة في البنوك، فيستطيع البنك من خلال ذلك أن يعمل على ترشيد هذه الأموال وإستغلالها وإستثمارها في المشاريع النّافعة والايجابية.
ولابدّ لمديريّة البنوك من معرفة المقدار الذي تضعه كأحتياطي من أموال النّاس، والمقدار الذي توظفه في النّشاطات الاقتصاديّة، مثلا تجعل عشرين بالمائة منها كأحتياطي البنك، وتستثمر ثمانين بالمائة منها في مختلف النّشاطات الاقتصاديّة كاستثمارات مربحة، ولو أنّ البنوك قامت بأستثمار هذه الأموال والثّروات العظيمة في خدمة المجتمع ولم تلحظ مصالحها ومنافعها الشخصيّة وذلك عن طريق تخطيط علميّ دقيق يصبّ نتائجه في النّاس، لكان ذلك إحدى الخدمات الكبيرة جداً في سبيل تأمين منافع النّاس عموماً.

* * *



5 - النّشاطات الاقتصاديّة مع رؤوس أموال الآخرين
قد نجد في المجتمع الكثير من الاشخاص الذين يمتلكون رؤوس أموال (قليلة أو كثيرة) ولكن ليست لهم القدرة على إستثمارها والاستفادة منها، وذلك لأحد الأسباب:
1 - عدم القدرة النّفسية على إدارة المشاريع والاستثمارات الاقتصاديّة.
2 - الكهولة وكبر السّن والضعف الجسماني.
3 - المرض وعدم التّمتع بالسلامة البدنيّة والصحة الكاملة.
4 - صغر السّن وعدم النّضج الفكري والرشد العقلي، كاليتامى الذين

[135]
ورثوا ثروات آبائهم، وأمثال ذلك.
فهنا يستطيع البنك اللاربوي أن يؤدي خدمة جليلة لمثل هؤلاء الأفراد، بأن يستلم أموالهم وثرواتهم ويتاجر بها على شكل عقود مضاربة أو غيرها من العقود الاسلاميّة، فيأخذ قسطاً من الأرباح المترتبة على هذه المعاملات لصالحه، ويعطي الباقي من الأرباح لأصحاب هذه الأموال، وبهذا سوف تخرج رؤوس الأموال من ركودها، وتوفّر لأصحاب هذه الثّروات رافداً مالياً يحلّ مشكلتهم، ومن جهة أخرى سوف يتمّ التّغلب على ظاهرة تحلّل هذه الأموال، وضعف قدرتها السوقيّة.
ومن الواضح أنّ كلّ واحدة من هذه الخدمات والغايات المهمّة، تصلح أن تكون سبباً كافياً في إنشاء البنوك وحمايتها.

* * *



6 ـ إعطاء التّسهيلات الماليّة المصرفيّة لأرباب الأعمال:
هناك بعض الأشخاص على عكس ما ورد في المسألة أعلاه، يعني أنّ هؤلاء الأشخاص لهم القدرة والتدبير الّلازم والنّشاطات الأقتصاديّة في مجال الإنتاج والتوليد الاقتصادي والتّجارة، ولديهم التّخصّص العلمي في مجالات التّجارة والزّراعة والصّناعة من دون أن يكون لديهم الرّصيد المالي لاستثماره في مثل هذه الفعاليّات والنّشاطات الاقتصاديّة، فهنا يقدّم البنك التّسهيلات الماليّة الّلازمة كإعتبارات لمثل هؤلاء الأفراد، ويكون باعثاً على تحقيق أرباح للودائع الماليّة وترشيد الحركة الإقتصاديّة في مجالات

[136]
مختلفة، وكذلك تعود بالربح على البنك من جهة، وهؤلاء المستثمرين من جهة أخرى.
وهذا الإسلوب من النّشاط الاقتصادي يصبّ في خدمة المجتمع من أوجه عديدة، ويثري الحركة الا قتصاديّة، ويوجِد فرص العمل للأفراد العاطلين، بشرط أن يكون تحرّكاً مدروساً ومستوعباً للمعادلات الاقتصاديّة، ويسير وفق برنامج منظم ودقيق، وتخطيط منسجم في هذا السبيل.

* * *



7 ـ السّياسة الماليّة للدّولة:
وأخيراً، فإنّ السابع الأغراض من الأغراض المهمّة لتشكيل البنوك، هو مسألة تخطيط ورسم السّياسة الماليّة للدّولة، والسّيطرة على التضخم المالي ومعالجة القفزات الاقتصاديّة عند الضرورة، فمن الواضح أنّ وجود الفائض النّقدي في أيدي النّاس يؤدي الى بروز عوارض التضخم الاقتصادي(1)، لأنّ وفرة الأموال توجب زيادة القدرة الشّرائية للأفراد، وحينئذ يزداد الطلب وتتنوّع الحاجات للأجناس والبضائع المختلفة، فينهار التعادل بين العرض والطلب، فيؤدي ذلك الى غلاء الأسعار وإرتفاع القيمة، ويؤدي ذلك بدوره الى الاضرار بمختلف الفئات الاجتماعيّة، وخاصّةً الفئة المستضعفة

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) من المعلوم أن أحد عوامل التضخم المالي هو الكمية النقدية في أيدي الناس، وهناك عوامل اُخرى ما ذكر أعلاه.

[137]
والمحرومة في المجتمع، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى، فإنّ نقصات الأموال وفتور السيولة النّقديّة لدى النّاس يؤدي الى الاضرار بمجمل الانتاج الاقتصادي وعرقلة تقديم الخدمات لأفراد المجتمع، لأنّ الطلب سوف يتناقص، وفي مقابل ذلك يزداد العرض، لتوفر الأجناس والخدمات الفائضة على الطلب الفعلي، وهذا الأمر يؤدي الى إنخفاض القيمة، ويرخص الأسعار أكثر من الّلازم، ويترتب على ذلك إلحاق الضّرر بالمنتجين والشرائح المولّدة والمنتجة في المجتمع، ممّا يبعث على انتكاس الأشخاص المنتجين إقتصادياً والاعلان عن إفلاسهم.
وهنا لابدّ من وجود مؤسسة تأخذ على عاتقها إيجاد حالة من التعادل والمحافظة على التّوازن الاقتصادي في المجتمع، وهذا هو معنى أنّ البنوك تسهم في إتخاذ السياسة الماليّة والاقتصاديّة للدّولة، فعندما تزداد النّقود والأموال من أيدي النّاس، يقوم البنك بأتّباع سياسة خاصّة لجذب هذه الأموال، وإمتصاص الفائض منها، وعندما تتناقص الثّروة ورؤوس الأموال عند الأفراد، يقوم البنك بتزريق المال في شرايين وروافد المجتمع الاقتصاديّة، وهي الأسواق التّجارية وهكذا يستطيع البنك أن يلعب دوراً مهمّاً في حفظ منافع المشتري من جهة، وحفظ رؤوس أموال المنتجين من جهة أخرى.
والخلاصة: إنّ فلسفة تشكيل البنوك متعدّدة، وقد ذكرنا سبعة موارد منها بالتّفصيل المتقدّم، وكلّ واحد منها يمكن أن يكون سبباً كافياً لتشكيل البنك.

* * *


[138]
سؤال هام: هل أنّ الغايات السبع لتشكيل البنوك المذكورة مشروعة أساساً؟ أليس هناك بعض الموارد تخالف أحكام الشّرع ودساتيره؟
الجواب:
لو دققنا النّظر في كلّ واحد منها من هذه الموارد السبعة، وأعدنا النّظر فيها مرّة أخرى، لأمكن الحكم بأمكانيّة رعاية الأحكام الاسلاميّة في كلّ منها، فالغايات المذكورة لا تتنافى مع الأحكام الإسلاميّة ذاتاً، وحينئذ لا إشكال في تأسيس وتشكيل البنوك الاسلاميّة مع مراعاة الأهداف المتقدّمة والشرائط التي سوف تأتي لاحقاً، مضافاً الى عدم مخالفته للشّريعة المقدّسة، حيث يكون مصداقاً للآية الشريفة:(وتعاونوا على البرّ والتّقوى)(1).
وعلى هذا الأساس، فإنّ من يقول إنّ المؤسس الأول للبنوك هم الغربيون، وأنها من إفرازات الحضارة الغربيّة، وأنّها تقوم على أساس غير مشروع ، يكون قد أخطأ في رأيه لأنّ هؤلاء يرون بأنّ البنك يستخدم في إستعباد النّاس والشّعوب بواسطة المستعمرين والمترفين، ولهذا فإنّ البنوك في حد ذاتها تفتقد الى الشّرعيّة اللازمة.
ولكنّ الجواب على هذا المدّعى واضحٌ جداً، لأنّه بالرغم من أنّ الاستفادة غير المشروعة من البنوك المتداولة والسائدة في عالمنا اليوم لا شك في حرمتها، إلاّ أنّ ذلك لا يلزم أن يكون أصل تشكيل البنوك وحقيقتها

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة المائدة: الآية، 3.

[139]
غير مشروعة وفاسدة.
وعلى سبيل المثال: فإنّ الطائرة وسيلة نافعة ومريحة للمسافرين وزوّار بيت الله الحرام، فإنّها تنقل الحجّاج والمسافرين في أقصر مدّة ممكنة وبطريقة مريحة الى أرض الوحي، في حين أنّ السّفر في قديم الأزمان لم يكن يخلو من المشقّة الشّديدة، والصعوبات الكبيرة، والأخطار المحيطة بمثل هذه الأسفار، فلو أنّ البعض أخذ يسي الاستفادة من هذه الوسيلة المفيدة والنّافعة، ويحولها الى آلة حربيّة قتّالة وقاذفة قنابل تدمّر المدن على رؤوس أهلها، وتهدم المدارس والمستشفيات والمكتبات والمساجد والمعابد وتقتل الأبرياء، فهذا لا يكون دليلا على بطلان هذا الإختراع من الأساس، ولا أحد يقول: إنّ الطائرة بسبب هذه المعطيات السلبية تفتقد الى المشروعيّة.
فعلى هذا، لا يكون الاستفادة السلبيّة من البنوك وتبديلها في عالمنا اليوم الى وسيلة لإستثمار الشعوب واستغلالها، سبباً في إستحالة ماهيّة البنوك وصيرورتها غير شرعيّة.
وخلاصة الكلام، أنّه لو تمّت الاستفادة من البنوك والانتفاع بها بالشّكل الصحيح، وأضحت البنوك سليمة وإسلامية، فإنّها ستكون من ضروريّات المجتمع البشري في العصر الحاضر، ومصداق قوله تعالى: ( وتعاونوا على البرّ والتّقوى).
أجل، إذا لم يكن البنك إسلاميّاً، ولم يقم على أسس إقتصاديّة سليمة، فإنّه سيغدو خطراً جداً، ويشكل أحد المعضلات الاقتصاديّة والاجتماعيّة،

[140]
وسبباً لبروز المصائب في المجتمعات البشريّة الحديثة، كما نرى ذلك في البنوك الرّبويّة التي تستثمر أموالها في بعض دول العالم الثّالث، حيث تمتص جميع خيرات وثروات هذه الشّعوب على أساس أنّها أرباح ربويّة تصبّ في خزانة البنوك الرّبويّة للدّول الكبرى، ومن الواضح أنّ هكذا بنوك ربويّة هي مصداق أولئك المرابين الذين (يأكلون الرِّبا أضعافاً مضاعفة)الواردة في الآية الكريمة، بل أنّ المرابين العاديين يحصلون على الأرباح الرّبويّة بواسطة أموالهم الشّخصيّة، أمّا البنوك الرّبويّة فإنّها تمتص خيرات النّاس بواسطة أمواهم وثرواتهم، لأنّ أغلب ثروات البنوك ورؤوس الأموال المتراكمة فيها هي بمثابة ودائع لأصحابها من أفراد المجتمع، بل تارةً لا تكون للبنك ثروة ومال سوى المبنى، وأحد بركات الثّورة الإسلامية هو أنّها خطت خطوات من أجل إصلاح هذه البنوك الرّبويّة، والتي سوف يأتي بيان ذلك لاحقاً.

وبالرغم من أنّنا تفصّلنا فاصلة كبيرة عن تحقيق وإجراء البنك الاسلامي الكامل، ونحتاج في ذلك الى وقت ومجال متّسع، فإنّ النّظارة الدّقيقة والجدّيّة والمتواصلة من قبل المسؤولين ضروريّة، وهم بحاجة الى تعليم أكثر وسعي متواصل في هذا السّبيل، وعلى أيّ حال فإنّ خطوات إيجابيّة قد تحققت فعلا.


* * *


[141]


(14)
خدمات البنوك
ـ من وجهة نظر الفقه الإسلامي ـ

رأينا في الأبحاث المتقدّمة كيف يعرض (البنك السّالم) خدماته الى أفراد المجتمع، وكذلك الغاية من تشكيله لإدارة الاقتصاد في المجتمع البشري، ولكن الآن نريد أن نستعرض خدمات البنوك الفعليّة، وأنّ أيّاً منها يعتبر من الخدمات المشروعة، وأيّاً منها ممنوعة؟
وبعبارة أخرى، أنّه تمّ في الفصول السابقة البحث عن هيكليّة البنك الاسلامي، وإشكاليّة التّفاعل الاقتصادي بين البنك وإمتداداته في المجتمع، أمّا في هذا الفصل فيقع البحث عن البنوك الفعليّة السّائدة في العالم.

* * *



خدمات البنوك الفعليّة في العصر الحاضر
تؤدي البنوك في عصرنا الحاضر ست خدمات مهمّة:
الأولى: الحساب الجاري: وهو الخدمة الواسعة النّطاق للبنوك، وفي الواقع تعتبر هذه الخدمة هي المنبع لزيادة الرّصيد المالي في البنوك، يعني أنّ

[142]
النّاس يضعون أموالهم في البنك، بشرط أنّ لهم إختيار سحب مبالغ منها في أيّ وقت أرادوا، وبدون أيّ قيد وشرط، وهذا النّوع من الحساب لا يأخذ البنك ربحاً ولا يعطي ربحاً.
والغاية من هذا النّوع من الحسابات هو:
أولا: إيجاد المكان المطمئن لحفظ أموال الناس ورؤوس أموالهم .
ثانياً: الاستفادة منها في عمليّات نقل الملكيّة، فتسهل بذلك النّشاطات الاقتصاديّة، لأنّها تتمّ في غاية السهولة واليسر وبدون نقل أوراق نقديّة من مكان الى آخر، حيث تتمّ أكبر المعاملات التّجاريّة بواسطة الصّكوك المصرفيّة. ولا شك في أنّ أصل هذا العمل مشروع، ولا نرى في ذلك مخالفة للشرع المقدس أو منافاة لبعض الثّوابت الوجدانيّة.
وبعبارة أخرى، إنّ الحساب الجاري يعتبر من أفضل خدمات البنوك شرعيّةً.

* * *



ماهيّة الحساب الجاري
أمّا ماهي حقيقة الحساب الجاري وماهيّته؟
فقلّما بحث هذا الأمر - مع أنّه بحث مهمّ - وعلى ضوء التحقيقات الفقهيّة يمكن أن يقال: إنّ هناك ثلاث إحتمالات في هذا المجال:
الأوّل: إنّ ماهيّة الحساب الجاري هي ماهيّة القرض، يعني أنّه نوع من أنواع القرض من قبل أصحاب الأموال للبنوك، وليس فيه مدّة معينة،

[143]
ويصطلح عليه (الدّيْن المطالب) مثلا أن تقرض شخصاً مائة ألف درهم، وتشترط عليه أنّك متى ما أردت هذا المال وبأيّ مقدار منه، فلك الحق في أن تطالبه بذلك، ويجب عليه تسديده في الوقت الذي تريد، وطبقاً لهذا الاحتمال يكون الحساب الجاري نوعاً من القرض بدون مدّة معلومة.
سؤال:
إنّ طلب القرض يكون دائماً من قبل المقترض، لا صاحب المال، وهنا نجد على العكس من ذلك، فلا يعتبر ذلك قرضاً.
الجواب:
صحيح أنّ الغالب في القروض هو أن يكون الطلب من المقترض، ولكنّ هذه المسألة ليست عامّة وكليّة، بل أحياناً طلب الإقراض من ناحية المقترض أيضاً، كما مرّ بنا في المسألة الخامسة من مسائل الرِّبا، يعني أن يكون يمرّ صاحب المال بظروف حرجة يخشى فيها على ماله من التّلف، ولا يكون قادراً على حفظ ماله، فيقوم بإقراض الغير للإطمئنان على ماله وحفظه، وعلى هذا الأساس لا تشكل هذه المسألة مشكلة في هذا المجال، ولكنّ العرف العام، وإدراك النّاس لمفهوم القرض قد لا ينطبق تماماً على هذا المورد، بل يقال عنه أنّه أودع ماله في البنك في الحساب الجاري، فهذا العمل بالرغم من أنّه يشبه القرض (لأنّ القرض هو المال الذي يعطى الى الآخر يتصرّف فيه ثمّ يستردّ صاحب المال نظير ذلك المقدار) والبنك يقوم بهذا العمل أيضاً، ولكن المترسخ في أذهان عموم النّاس أنّ الحساب الجاري هو أمانة ووديعة لدى البنك دون إعتباره قرضاً.

[144]
الثّاني: إنّ الحساب الجاري في الواقع وديعة وأمانة من قبل النّاس لدى البنوك، يعني أنّ صاحب الحساب يضع أمواله بعنوان أمانة لدى البنك، وله أن يأخذ أيّ مقدار منها متى شاء، غاية الأمر أنّه يأذن في التّصرف للبنك في هذه الأموال وتبديلها، وعلى هذا الأساس تكون ماهيّة الحساب الجاري في حقيقتها هي ماهيّة الأمانة والوديعة المقارنة مع الوكالة في التّغيير والتّبديل، (فتأمّل).
هذه النّظريّة أقرب الى تصوّر العرف العام لمفهوم الحساب الجاري، فإنّهم يرونه كالأمانة لدى البنك.
ولكن يطرح هنا سؤال هو: هل أنّ موضوع هذه الأمانة هو شخص المال الموجود في الخارج، أو أنّها تكون في الذمّة؟
فلو كان موضوعها هو المال الخارجي، فيجب على البنك أن يكون له إحتياطي بمقدار الودائع المصرفيّة للنّاس، لأنّ متعلق الوكالة هو التّغيير والتّبديل، ومفهومها أنّ البنك يستطيع أن يتصرّف في الودائع ويستبدلها بمثلها، ويضع مبالغ مماثلة لها في صندوقه في حين أنّ البنوك الفعليّة لا تسلك هذا السبيل، ولا ترى نفسها ملزمة بأن تدّخر إحتياطيّاً مساوياً للودائع فيها.
وعلى هذا الأساس، لا يمكن أن يقال أنّ موضوع هذه الأمانة هو الشي الخارجي، بل إنّها أمانة في الذّمة، سواء كانت ذمّة شخصيّة (إذا كان مالك البنك شخصاً أو أشخاصاً معينين)، أو ذمّة حقوقية (في صورة أن يكون مالك البنك شخصية حقوقية) وفي هذه الصّورة تضحى الأمانة نوعاً من أنواع

[145]
القرض، وليست وديعة حقيقيّة، لأنّ عين المال غير موجود لدى البنك، ولا عوضه، في حين أنّ الوديعة يجب أن يكون لها وجوداً خارجيّاً، وبهذا التّرتيب نواجه مشكلة في الفرضيّة الثّانيّة.
الثّالث: أن تكون ماهيّة الحساب الجاري، هي ماهيّة الوديعة، لكن لا الوديعة في عين المال، بل الوديعة (في قيمة المال) يعني أنّ الشّخص عندما يودع مائة ألف درهم مثلا عند البنك، فإنّه لا يودع عين هذا المال بعنوان أمانة ووديعة، حتى يكون البنك ملزماً بحفظ وإدّخار معادل هذا المال لديه، بل أنّه يودع قيمته لدى البنك، وفي هذه الصّورة لا يواجه البنك مشكلة شرعيّة، فيما إذا لم يدّخر بمقدار مطالبات النّاس.
ولكنّ الانصاف أنّ هذا الاحتمال هو عين الاحتمال السّابق (الفرضيّة الثّانية)، غاية الأمر مع إختلاف الألفاظ والصّورة، لأنّ القيمة لمال معين لا بدّ أن يكون لها وجود في الخارج أو في الذمّة ، وفي فرض المسألة لا وجود خارجي للملكيّة إذاً لا بدّ أن تكون في الذمّة وفي هذه الصّورة تعتبر نوع من القرض، لأنّ كلّ مال نعطيه الى آخر ويكون لنا الحق في ما يعادل هذا المال في ذمته فهو قرض، فعلى هذا يكون الاحتمال الثالث ضعيفاً، ولم يأتِ بجديد.
وإذا أردنا استجلاء النتيجة من هذه الاحتمالات الثّلاثة، أمكن القول بأنّ الاحتمال الثّاني أقرب الاحتمالات لمعنى الحساب الجاري، وهو أنّ ماهيّة الحساب الجاري بمثابة الوديعة والأمانة مع توكيل البنك في التّغيير والتّبديل والتّصرّف، وطبعاً هذا المعنى يماثل القرض في النّتائج، ولكنّ المهم أنّنا إذا قبلنا كل من الاحتمالات الثّلاثة المذكورة للحساب الجاري،

[146]
فإنّ هذا العمل يكون في عرف العقلاء عملا منطقيّاً ولا إشكال فيه شرعاً.(1)

الثّانية من خدمات البنك: القروض (البحتة):
إنّ القروض بالشكل الاسلامي وبدون فائدة ربويّة غير متدوالة في البنوك السّائدة في عالم اليوم حسب الظاهر، لأنّ جميع القروض لا تخلو من إشتراط الفائدة والرّبح، أمّا القرض الحسن(2) الذي لا يتضمن شرط الفائدة فهو أمرأخلاقىٌّ تماماً، ولا محلّ له من الاعراب في المعاملات البنكيّة في العصر الحاضر، ولكنّ البنك الاسلامي يتميز بهذه الخدمة الجليلة حيث

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سؤال: ماهي ثمرة وفائدة هذا البحث؟ بالاخص مع الاحتمالات الثلاثة يصحّ هذا العمل من البنك، فعليه ما هي فائدة البحث في ماهية الحسابات الجارية؟
الجواب: لهذا البحث فوائد:
أوّلاً: إذا اعتبرنا الحساب الجاري نوعاً من القرض تترتب احكام القرض على الحساب الجاري، ولو اعتبرناه أمانة تترتب احكام الامانة، مثلاً إذا اعتبرناه أمانة يجب على النبك أن يرصد مقداراً لمطالبات الناس دائماً، وليس له أن ينتفع لنفسه من هذه الثروة، ولكن اذا كان قرضاً فلا يلزم ذلك وللبنك أن يستثمر هذه الثروات.
ثانياً: إذا كان الحساب الجاري نوعاً من الامانة وتلفت الثروة دون أن يكون هناك تعدي ولا تفريط من جانب البنك، فلا يكون البنك ضامناً، وليس لاصحاب الاموال حقّ من مطالبة البنك.
(2) سؤال: أيهما أصح القرض الحسنة أم القرض الحسن؟
الجواب: إذا جعلنا كلمة الحسنة صفة للقرض، يجب أن يؤتى بها بدون «تاء» بمعنى أنها تصح في هذه الصورة «القرض الحسن» أو «قرضٌ حسنٌ»، وجميع الآيات الواردة في القرآن الكريم في القرض جاءت بهذه الصورة، ولكن لو جعلنا كلمة الحسنة مضاف إليه للقرض، واعتبرنا القرض مضافاً تكون صحيحة بالصورة المتعارفة ويكون مفهومها قرض تتبعه الحسنات.

[147]
يخصّص البنك مبالغ معينة من الأموال المودعة لديه في هذا المجال وتحت ضوابط معينة، ويقوم بإقراضها الى المتقاضين.
وهذه الخدمة من البنوك الاسلاميّة مضافاً الى مشروعيتها، فهي مفيدة وضروريّة وتعتبر إحياءً وترشيداً لسنّة إسلاميّة كبيرة تظافرت الآيات(1)والرّوايات(2) الشّريفة على الاشادة بها.
أمّا على أرض الواقع فممّا يؤسف له أنّ البنوك الاسلاميّة لم تأخذ هذه المسألة بصورة جديّة، ولم توليها أهميّة كبيرة، وذلك أنّ المبالغ المخصّصة حاليّاً لهذا الأمر المهم والنافع في البنوك الاسلاميّة تمثل نسبة مئويّة ضئيلة جداً، في حين أنّ العدالة والانصاف توجبان تخصص مبالغ أكبر لهذا الأمر، لأنّ العمدة في رؤوس الأموال في هذه البنوك متعلقة بآحاد النّاس وينبغي إعطاء المعوزين والمستضعفين قروضاً هذه الأموال دون فائدة من قبل هذه البنوك، لكي يتميّز البنك الاسلامي عن غيره،
وتظهر فضيلة البنك الاسلامي وجدارته في خدمة المستضعفين، ولكن مع الأسف نلاحظ أنّ هذه البنوك تشيد بأمر القرض الحسن ظاهراً وعلى

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ومن الآيات التي تدل على هذا المعنى، الآية 245 من سورة البقرة، والآية 12 من سورة المائدة، والآية 11 و 18 من سورة الحديد، والآية 17 من سورة التغابن، والآية 20 من سورة المزمل.
هذه الآيات عبرت عن القرض بالقرض الحسنة للّه الذي مالك كل شيء، وعمل يوجب كفّارة الذّنوب، ويؤتيه اللّه تعالى أضعافاً مضاعفاً في مقابل أجر الكريم، وكما يوجب الغفران ومغفرة السيئات.
(2) ذكرت طائفة من هذه الروايات في كتاب الشريف وسائل الشّيعة، المجلد 13، ابواب الدين والقرض، الباب استحباب اقراض المؤمن الباب 6.

[148]
الصّعيد النّظري، ولكن عملا لا نجد أثراً وخبراً عن ذلك، لذا ينبغي على البنوك الاسلاميّة مراجعة تصوّراتهم وإعادة ترتيباتهم الماليّة واصلاحها لتتسع لهذا المجال الحيوي.
ولا بأس طبعاً في أن يقوم البنك بأخذ مبالغ مختصرة على هذه القروض لتغطية نفقات البنك وأجور العاملين والقائمين على هذه النّشاطات الاقتصاديّة، ولا بدّ من تقسيمها على جميع المقترضين بالنّسبة، بحيث لا يدفع البنك شيئاً إضافيّاً على نفقاته اللاّزمة لهذا العمل.
ولو شرطت أجرة العمل هذه في أصل عقد القرض فلا إشكال في ذلك، لأنّ أجرة العمل لا تعتبر نفعاً وربحاً للبنوك بل تمثل أجرة الأجير ونفقات المحاسبين وأمثال ذلك، فتكون نوعاً من أنواع عقود الاجارة، وفي الواقع أنّ المقترض يقوم بعقد معاملة القرض مع البنك من جهة، وكذلك يقوم بعقد معاملة أخرى وهي عقد الاجارة على الخدمات المربوطة لهذا الأمر.
وعلى هذا الأساس فإنّ مال الاجارة بالمعنى الواقعي للكلمة لا إشكال فيه مطلقاً، ولكن مع الأسف أنّنا نجد أنّ الكثير من موارد مال الأجرة هذا، يكون بمثابة غطاء وقناع للرّبا، والدّليل على ذلك أنّ المبالغ المأخوذة كأجرة للعاملين تزيد كثيراً على النّفقات الواقعيّة للموظفين وبقيّة خدمات البنك المتعلقة بالقروض.
النتيجة أنّ المسلك الثّاني للبنوك الاسلاميّة على صعيد خدمة المجتمع، هو تقديم القروض اللاربويّة، مضافاً الى مشروعيّة هذا السّبيل، فإنّه يعدّ من المستحبات الأكيدة بشرط أن لا تكون أمراً تشريفيّاً وظاهريّاً، بل يراعى

[149]
فيها جانب الأجرة الواقعيّة أيضاً، فلا تكون أكثر من نفقات البنك الحقيقيّة في هذا السّبيل.


* * *



الثّالثة: حسابات التّوفير
بالنّسبة الى حقيقة وماهيّة حسابات التّوفير تأتي الاحتمالات المذكورة في ماهيّة الحساب الجاري، وكما تقدّم أنّ هذا النّوع من الحسابات يعتبر نوعاً من الأمانة والوديعة الشبيهة للقرض، ولذا فإنّنا لا نبحث هذه المسألة من هذه الجهة دفعاً للتكرار، وعلى القارئ الكريم مراجعة البحث السّابق في هذا المجال.


فلسفة حسابات التّوفير
إنّ الفلسفة والغاية من هذا النّوع من الحسابات هو إخراج رؤوس الأموال الرّاكدة عن حالتها الجامدة والإستفادة منها بصورة صحيحة، مثلا لو أراد شخص شراء دار، ولكنّه لا يستطيع ذلك بما لديه من المال، ومن جهة أخرى لو بقي هذا المال في يده لأنفقه في جهات أخرى، أو أنّه يكون معطّلا ومجمّداً، ولهذا السّبب فإنّه يقوم بوضعه في البنك، حيث ينمو ويزداد عليه تدريجيّاً الى أن يبلغ المقدار المتوقع والمطلوب، فهنا مضافاً الى أنّ هذا الأموال قد خرجت من حالتها الرّاكدة والمعطّلة حيث قام البنك بإستثمارها

[150]
وتفعيلها، فإنّ صاحب المال إستفاد أيضاً من ذلك إستفادة مشروعة، فعلى هذا الأساس تكون هذه الحسابات بمثابة نوع من الأمانة المشفوعة بالوكالة في التّبديل والتّصرّف، وتتفق مع القرض في النّتائج.


الحكم الشّرعي لحسابات التّوفير وجوائزها
إنّ حساب التّوفير لدى البنوك هو عمل مشروع، ولا إشكال فيه، والنّقطة المبهمة فيه هو الهدايا والجوائز التي يخصّصها البنك لأصحاب هذه الحسابات على أساس القرعة، ونأمل أن تكون الجوائز وكذلك عمليّة الإقتراع لها جنبة واقعيّة وجديّة إنشاء الله (وليست شكليّة وتبليغيّة) وهذه المسألة تعود لما ذكرناه مسبقاً في مباحث الرِّبا، يعني أنّ هذه الهدايا والجوائز إذا كانت كشرط ضمن عقد حساب التّوفير فإنّه يعتبر من الرِّبا، أمّا إذا لم يشترط ذلك، بل يكون بمثابة الدّاعي والباعث والمشوّق على إفتتاح هذا النّوع من الحسابات، فلا إشكال في ذلك.(1)
وبكلمة أخرى: إنّ صاحب المال في حسابات التّوفير عندما يفتح له حساباً خاصّاً من هذا القبيل، ولم يتوقع من البنك شيئاً، ولم يفرض لنفسه حقاً على البنك، وكان الهدف من هذا العمل هو مجرّد توفير هذه الأموال وحفظها لدى البنك، ولكنّه يعلم أنّ البنك يقوم في كلّ عام بعمليّة إقتراع لجميع أسماء المشتركين في هذه الحسابات، لإعطاء بعض الهدايا والجوائز، فيحتمل أن تتعلق أحد هذه الجوائز به فليس فيه أي إشكال شرعي.

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تقدم الفرق بين الشرط والداعي.

[151]
بل أنّ البنوك يمكنها أيضاً تخصيص مبالغ قليلة أو كثيرة لجميع أصحاب هذا النّوع حسابات التّوفير ودفعها لهم من دون الاشتراط المسبق في ضمن العقد، بحيث تكون هذه المبالغ المعطاة من قبل البنك تطوّعاً.

* * *



الرابعة: نقل وإنتقال رؤوس الأموال والحوالات
الحوالة والبرات هي أحد العقود الشّرعيّة ولا حرمة ذاتيّة فيها، لأنّ الحوالة في الواقع نوعٌ من القرض، ولا إشكال في أخذ مقدار من الرّبح على هذه المعاملات، لأنّ هذا الرّبح يكون في نفع المقترض أولا (وهو البنك في الصّورة)، وقد تقدّم أنّ الرّبح والزّيادة إذا كانت تصبّ في منفعة المقترض، فلا إشكال فيها، ولا تعتبر من الرِّبا، لأنّ الرِّبا الحرام هو ما يكون النّفع فيه للمقرض، وصاحب المال لا المقرض.
وثانياً: أنّ الزّيادة التي يأخذها البنك في سبيل تحويل المبالغ وعمليّة نقل رؤوس الأموال إنّما هي نوعٌ من الأجرة على هذه الأعمال، يعني أنّنا نعطي للبنك مبلغاً من المال بعنوان الأجرة لأداء هذه الأعمال، ولهذا فلا تواجه إشكالا شرعيّاً أيضاً.
وطبعاً، إنّ تصورنا لهذا النّوع من الحوالات و تصور كتاب تحرير الوسيلة لهذه المسألة تختلف عن هذا المعنى، وقد تقدّم بحثه مفصّلا فيما سبق، وعلى أيّ حال فإنّ المبالغ التي يأخذها البنك بعنوان الأجرة على الحوالات الدّاخليّة والخارجيّة مشروعة وحلال شرعاً.

[152]


(15)
ودائع النّاس لدى البنوك

إنّ أهم الأبحاث في مجال خدمات البنوك من الوجهة الشّرعيّة، هي هذه المسألة، وهي الخدمة الخامسة للبنوك، وكما مرّ علينا أنّ بعض الأفراد يمتلكون ثروات ورؤوس أموال، ولكنّهم يفتقدون القدرة على إستخدامها في أمور الإنتاج والتّجارة، فهنا يقوم البنك الاسلامي بإستلام رؤوس الأموال هذه وتوظيفها وفقاً لعقود شرعيّة في نشاطات إقتصاديّة منتجة في الصّناعة والزّراعة والتّجارة وتربية الدّواجن والمواشي، ثمّ يقوم بتقسيم الأرباح والعوائد من هذه النّشاطات الاقتصاديّة، ويعطي حصّة منها الى أصحاب رؤوس الأموال هذه.
وهنا يتميّز البنك الاسلامي أيضاً عن البنوك الرّبويّة، فالبنوك غير الاسلاميّة تستلم أموال النّاس وتضع لها ربحاً ربويّاً معيّناً، تدفع الى أصحاب هذه الأموال، ومن جهة أخرى يقوم البنك بإقراض هذه الأموال لآخرين على شكل قروض ربويّة بربح وفائدة أكثر، وهذا العمل من الرِّبا المحرّم تماماً، ويعتبر من أنواع الرِّبا المضاعف، والتي تكون حرمته مضاعفة أيضاً.

[153]
ولكنّ البنوك الاسلاميّة تستخدم هذه الأموال طبق عقود شرعيّة في الانتاج، وتقسّم الأرباح المتحصّلة منها وفقاً للإتفاق المسبق بينهما وبين أصحاب هذه الأموال، وفي الحقيقة أنّ هذه البنوك في هذه الحالة تقدّم ثلاثة خدمات:
1 ـ ما يحققه البنك من خدمة لأصحاب رؤوس الأموال هذه، حيث يستفيدون من الأرباح المقرّرة.
2 ـ إنّ البنوك أيضاً تستفيد من هذه المعاملات المربحة من خلال حصتها من الرّبح.
3 ـ إنّ رؤوس الأموال لا تبقى معطّلة ومجمّدة في أيدي النّاس، وما يترتب على ذلك من التّضخم والفساد الاقتصادي.
وإجمالا تكون حركة البنوك هذه بإتجاه تفعيل الدّينامية الاقتصاديّة في المجتمع، وتبعث على إنتعاش السّوق وحلحلة الوضع الاقتصادي بشرط، الدّقة في العمل، ومراعاة الموازين في مثل هذه النّشاطات.


مشكلاتان في مواجهة المضاربة المصرفية
إنّ هذه الخدمة من البنوك الاسلاميّة - كما تبين أعلاه- هي خدمة مشروعة أيضاً، بل إنّها إذا وقعت بالشّكل الصّحيح، فإنّها تكون مصداقاً بارزاً للآية الشّريفة (وتعاونوا على البرِّ والتّقوى)، وهو المبدأ الاسلامي الهام في البناء الأخلاقي للمجتمع الاسلامي.
ولكن نواجه في إجراء وتنفيذ العقود الاسلاميّة كالمضاربة مثلا،

[154]

مشكلتان مهمّتان:
1- إنّ الرّبح المخصّص في معاملات المضاربة للبنوك هو تخصيص نسبة مئويّة لأصل المال، مثلا يقال أنّ الودائع الماليّة لدى البنك إذا كانت قصيرة المدّة، فإنّ الزّيادة عليها ستكون 10% ، والمتوسطة: 12% ، والطويلة المدّة: 15% ، في حين أنّ صياغة الرّبح في المضاربة شرعاً يجب أن يكون على شكل حصّة معينة من مجموع الرّبح، مثلا 50% من الأرباح المستحصلة من النّشاطات الانتاجيّة أو التّجاريّة.
2- إنّ صاحب رأس المال في المضاربة (والذي يدعى في المضاربة بالمالك) يشترك مع المستثمر ـ وهو الطّرف الآخر في المضاربة، أي الطرف المنتج ـ في نسبة الرّبح والخسارة، فيشتركان في الفائدة والضّرر، في حين أنّ الأمر في المعاملات التي يجريها البنك مع المستثمرين لا يكون بهذا الشكل، حيث يختص المقرض - وهو البنك والمودع - بالرّبح فقط، ويشترك مع البنك بالأرباح دون أن يشترك بنسبة معينة من الرّبح في جميع الحالات، بينما ينفرد العميل بالخسارة، وهذا المعنى خلاف ما يلحظ في عقد المضاربة.
وقد تطرح مشكلة ثالثة، وهي أنّ بعض الفقهاء ذهب الى أنّ المضاربة خاصّة بالأعمال التّجاريّة فقط، ولكن هذه المشكلة غير واردة هنا، لأنّنا أساساً لا نرى هذا التّخصيص صحيحاً.

* * *


[155]

حلّ المشكلتين:
أمّا بالنّسبة للمشكلة الأولى، فالطّريق الى حلّها وإزاحتها هو أنّ المودع وصاحب المال يوكل البنك وكالتين، الأولى: أنّ البنك يكون وكيلا مطلقاً في تشغيل رؤوس الأموال هذه، والتّصرف بها في أيّ نوع من الأعمال والنّشاطات الانتاجيّة والاقتصاديّة، وله الاختيار في التّصرف بأيّ مقدار وسهم معقول ومنطقي من هذه الودائع.
الثانية: أن يعطي وكالة أخرى للبنك يتصالح من خلالها في سهمه الخاص به من الرّبح بمبلغ معين، فما يعطى له شهريّاً أو كلّ ثلاثة أشهر على الودائع الماليّة، يكون على الحساب حيث يتمّ محاسبتها بعد ذلك، أي بعد حصول الرّبح في عمليّات استثمار رؤوس الأموال، ومع هاتين الوكالتين تنحل المشكلة الأولى، يعني تعيين الرّبح بمقدار معين من النّسبة المئويّة.
وأمّا بالنّسبة الى المشكلة الثانية، فصحيحٌ أنّ المودع لا بدّ وأن يكون شريكاً في الضّرر والخسارة مع شريكه، وهو البنك، وعليه أن يتحمل جزءً من الضّرر فيما لو تضررت المشاريع التي قام بها البنك، ولكنّ هذا المعنى يكون له واقعيّة فيما إذا تحمل البنك ضرراً واقعاً، في حين أنّ البنوك ترى أنّها لا تتعرض للخسارة والضّرر عادةً، لأنّ النّشاطات الاقتصاديّة لا تنحصر بمورد واحد أو موردين حتّى يرد إحتمال الخسارة في أحديهما أوكليهما، بل أنّ نشاطاته متتعدّة وكثيرة فعلى فرض أنّه تعرض للضّرر في مورد أو موارد محدودة، فأنّ الموارد الأخرى تتكفّل بجبران هذه الخسارة فتكون مجموع النّشاطات الاقتصاديّة المربحة، هذا أولا.

[156]
ثانياً: يستطيع البنك أن يتعهد أخلاقيّاً (وليس بصورة الزام شرعي) بالضّمان لرؤوس الأموال المودّعة لديه، وجبران الضّرر الوارد عليها، وبهذا التّرتيب ينتفي موضوع إشتراك المودع، في الضّرر والخسارة.
يعني أنّ البنك يقول لصاحب المال: أنّنا شركاء في الرّبح والخسارة في جميع العمليّات الاقتصاديّة، ولكن كن مطمئناً بأنّ الضّرر هذا ليس له جانب عملي، فلا تخسر عملا.
وخلاصة الكلام: أنّه لو قام البنك بتشغيل رؤوس الأموال على شكل استثمارات وعقود شرعيّة وإسلاميّة، فمضافاً الى أنّ ثروات النّاس ورؤوس أموالهم سوف تستثمر بطريقة صحيحة ومشروعة، فيستفيدون منها وينتفعون بها حيث يتم تفعيلها وإخراجها عن حدّ العطالة، وكذلك يتخلص البنك من الرِّبا، وينتفع برؤوس الأموال هذه منافع ويحصل على فوائد مشروعة، وكذلك يتصاعد مستوى التّوليد الصّناعي والانتاج الزّراعي والحيواني في البلاد، ومن جهة أخرى ستكون إستثمارات البنك هذه باعثة على إيجاد فرص العمل وإبتكار مشاغل جديدة للعاطلين والقوى العاملة في البلاد.
سؤال:
من أين لنا العلم بأنّ البنوك ستلتزم بالعقود الشّرعيّة وتعمل بها؟ وما هي وظيفتنا في هذه المسألة؟
الجواب:
إذا كانت البنوك تكتفي بكتابة العقود الشّرعيّة على الورق وتهدف الى

[157]
نيل المشروعيّة للنّشاطات الاقتصاديّة بألفاظ فقط، فإنّها سوف تتعرض الى خطر الانغماس في الرِّبا والتّورط في العمليّات الرّبويّة، وتسقط في مهاوي الأضرار النّاجمة عن ذلك، ولكنّنا لو شككنا في أنّ البنوك سوف تعمل على وفق المعاملات الشّرعيّة والعقود الاسلاميّة أم لا، فلا بدّ من حملها على الصّحة ظاهراً وشرعاً، والقول بأنّ البنوك في نظام الجمهوريّة الاسلاميّة تعمل بوظائفها الشّرعيّة الاسلاميّة إنشاء الله، وفي ذلك الصّورة لا يعتبر ذلك مشكلة حقيقة لعملاء البنك وزبائنه، فلو لم يكن الأمر كذلك بأن كانت هناك مخالفات شرعيّة في النّشاطات الاقتصاديّة التي يجريها البنك، فهو المسؤول عنها لا غير.

ومن أجل ذلك كان من الضّروري تعليم المسؤولين والمتصدّين للعمليّات البنكيّة وإرشادهم الى ذلك، فلو كان هناك مقرّرات في تنفيذ وإجراء هذه العمليّات والنّشاطات الاقتصاديّة بصورة شرعيّة فالمفروض:
أوّلا: إطلاع مسؤولي البنوك عليها وإرشادهم الى كيفيّة التّصرف السّليم في عمليّة إستثمار عمليّة رؤوس الأموال هذه بصورة صحيحة ومشروعة.
وثانياً: لابدّ من إرشاد عملاء البنك وزبائنه من المودعين والمستثمرين عليها، وإطّلاعهم على كيفيّة سير هذه العمليّات والعقود، كما أنّ الاطلاع على الجوانب الأخرى من جوانب التّفاعل الاجتماعي والاقتصادي للأفراد وعلمهم بمجريات الأمور يحلّ كثيراً من المشكلات، وينقذ النّاس من التّورط في المحرّمات، والوقوع في شراك المخالفات الشّرعيّة وفخاخ المحظورات القانونيّة، وعلى سبيل المثال فإنّه لو تمّ إطّلاع مكاتب

[158]
المعاملات والتي تتكفّل إجارة البيوت أو بيع الأملاك والمستغلات وأنواع العقار، ولو تمّ إطّلاعهم وإرشادهم الى الأحكام الشّرعيّة التي تكتنف هذه العمليّات من أحكام الاجارة والبيع والرّهن بشكل مبسّط، لتمّ حل الكثير من المشاكل التي يتعرّضون لها، وعدم وقوعهم في المحرّمات والذّنوب الكبيرة وما يترتب على الجهل بها من أخطار التّورط في الرِّبا، وهكذا لو تمّ إرشاد الكسبة وأصحاب المحلاّت التّجاريّة وغيرهم على هذه الأحكام الشّرعيّة، فسوف يتم إنقاذهم من التّورط في الرِّبا في كسبهم ومعاملاتهم، فينبغي لكلّ المسؤولين عن الأصناف، أن يهتمّوا بهذا الأمر، ويأخذوا مسألة العلم وتعليم الأحكام الشّرعيّة بجديّة وإهتمام بالغ.

* * *



السّادس: التّسهيلات البنكيّة
رأينا في الأبحاث السّابقة أنّ هناك أفراداً في المجتمع يمتلكون القدرة الكافية في إدارة الأمور الإقتصاديّة على مختلف المستويات والموارد، ولكنّهم يفتقدون الى رأس المال (على عكس الفرض السّابق وهم الأفراد المتموّلين الذين يفتقدون الى المديريّة والتّدبير اللازم) هنا يقوم البنك بأسلاف هؤلاء الأفراد مبالغ من رؤوس الأموال ويعقد معهم عقوداً شرعيّة، نظير المضاربة والجعالة والمشاركة والإجارة بشرط التّمليك وغيرها، وبهذه الوسيلة يستطيع البنك الحدّ من هدر الطّاقات البشريّة وتعطيل هذه القدرات الانسانيّة، وتشغيلها في ما ينفع النّاس.

[159]
هنا لا نواجه أيّة مشكلة شرعيّة في هذا المجال، إذا قام البنك بواجبه وتمّ تنفيذ العقود والمعاملات بصورة شرعيّة، يعني أنّ البنك والمستثمرين يقومون بالاستفادة من رؤوس الأموال هذه في مسير الانتاج والاستفادة منها وفقاً للعقود الممضات بينهم، ويقوم البنك بالاشتراك معهم في هذا السّبيل.
ولكن مع الأسف نجد أنّ الكثير من النّاس لا يلتزمون بمفاد العقود ولا يستعملون رؤوس الأموال التي إستلموها من البنك على وجهها الصّحيح ومسارها السّليم، وتكون نتيجة ذلك أن تبقى العقود والمعاملات هذه لها جنبة صوريّة وشكليّة فحسب، فتكون القروض هذه في النّتيجة وقروضاً ربويّة، وبدلا من أن تبعث على سعادة النّاس وتنمية إقتصادهم، تمسي سبباً في الاضرار بهم وتدمير معيشتهم.
وعلى هذا الأساس، فأنّه لو عمل هؤلاء الأفراد بمضمون العقود والمعاملات التي أجروها مع البنك، فإنّ هذه الخدمة من البنوك لا تواجه إشكالا شرعيّاً.
وفي الختام نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفق مسؤولي البنوك الاسلاميّة والمستثمرين لرؤوس الأموال هذه على العمل بالعقود الشّرعيّة وجميع الأحكام الاسلاميّة كيما يتم تنفيذ وإجراء العقود والمعاملات الشّرعيّة في البنوك بصورة كاملة، ونتخلص جميعاً من آثام الرِّبا وعواقبه المشؤومة.
وهنا لابدّ من توجه الأخوة الرّوحانيين والمبلغين الأعزاء وإدراكهم لضرورة تبين هذه المسائل، وإرشاد النّاس لهذه الأحكام الشّرعيّة، وأن لا

[160]
يتركوا هذه السّنة الحسنة ولا ينسوا تذكير النّاس بها من خلال المنابر والمساجد، لأنّ هذه الأعمال مهما كانت صغيرة وبسيطة، فإنّها تؤثر بصورة كبيرة على ثقافة النّاس وإنقاذهم من مشكلات عديدة وكبيرة، الى الحد الذي بإمكانها أن تزلزل دعائم المجتمع والأسرة، وليس هنا مجال لشرح ذلك.

* * *



المشكلة الكبيرة للبنوك
بالرغم من أنّ البنوك في بلدنا الاسلامي إتخذت طابعاً شرعيّاً وإسلاميّاً حسب الظاهر، ولكنّنا كلّما أمعنا النّظر في هذا الأمر، وجدنا أنّنا تفصلنا فاصلة كبيرة أسلمة البنوك، مع أنّه ليس من السّليم إنكار ما تحقق من خطوات مفيدة وإيجابيّة في هذا السّبيل، ومن أجل أسلمة البنوك بصورة كاملة وشرعيّة، لابدّ من الالتفات الى عدّة أمور دقيقة:
1- لابدّ من تشغيل أموال النّاس وإستثمار رؤوس الأموال المودعة في البنك في الأعمال الانتاجيّة والنّشاطات التّوليدية، سواء كانت صناعيّة أو زراعيّة أو حيوانيّة أو تجاريّة، وهذه الأمور لابدّ أن يكون لها واقعٌ خارجيٌّ فلا يصح الاكتفاء بها في عالم الخيال وكتابتها صفحات الورق.
2- أن يقوم البنك بإعطاء التّسهيلات البنكيّة والاشراف الكامل على المستثمرين الذين إستلموا رؤوس الأموال هذه من البنك، بأن يستثمروها في النّشاطات المفيدة والبنّاءة، وتشغيلها في مفاد العقود الموقّعة مع البنك، ولا يصح مطلقاً أن يكتفي البنك بأخذ الأرباح من طرق شرعيّة، وتكون

[161]
الأرباح من طريقها حلال.
3- يجب على المسؤولين في البنوك من جهة، وكذلك المستثمرين وزبائن البنوك من جهة أخرى، تعلّمُ النّكات الشّرعيّة في إيداعهم الأموال، وكذلك في إقتراضهم من البنك، حيث أنّ ذلك يؤدي بلا شك الى الانتعاش الاقتصادي ومشروعيّة الأموال إذا تمّ تنفيذ العقود الشّرعيّة بصورة دقيقة، وتجنّب الخداع والغش أو التّظاهر بالشّرع في الأعمال التّجاريّة بأيّ شكل من الأشكال، حيث تكون النّتيجة أنّ البنوك ستغدو ربويّة من حيث لا يشعر المسؤولين.
4 ـ إنّ تغيير إسم (الرِّبا) الى (الأجرة والمكافأة والجائزة) وكذلك (العمليّات الرّبويّة والقرض الرّبوي) الى مصطلح (المضاربة) لايحلّ قطعاً مشكلة شرعيّة ولا عرفيّة، بل لابدّ وأن تتحقق في ذلك روح المعاملات الشّرعيّة هذه، بأن يكون أخذ الأجرة أو الجعالة على نفقات البنك، واقعاً يقصد بها الأجرة والمكافأة وحقوق الموظّفين والقائمين على هذه البنوك والمؤسسات الماليّة، التي تؤدّي خدماتها الاقتصاديّة الى النّاس، ولابدّ أن يكون أخذ الرّبح من المستثمرين والمقرضين بمقدار النّفقات المتعلّقة بصناديق القرض السّائدة، كنفقات الدفاتر والسّجلاّت وتكون بمقدارها لا أكثر.
والمضاربة أيضاً تكون مضاربة واقعيّة، يعني أنّها تكون فعاليّات مثمرة إقتصاديّاً ومنتجة، لا أنّها ربا في صورة المضاربة.
المال الذي يؤخذ من المستثمرين بعنوان الأجرة والمكافأة ونفقات

[162]
الموظّفين والمخارج الثّانويّة للبنوك، إذا كان أكثر من النّفقات الواقعيّة يكون ربا وأموالاً غير مشروعة، وتغيير الاسم والعنوان لا يغير من حقيقة الأمر شيئاً.
وكذلك ينبغي للمؤسسات التي تعمل على أساس عنوان المضاربة، وتستفيد من هذا العنوان المقدّس في تحصيل الأرباح الرّبويّة أن يعلموا أنّ عملهم هذا حرام وغير مشروع، ولا فائدة في تغيير الاسم والعنوان في مشروعيّة أعمالهم هذه، التي تتم بحيل شرعيّة مختلفة.
5 ـ مع العلم بأنّ المبالغ العمدة في خزينة البنوك هي من أموال النّاس والودائع في الحسابات الجارية وأمثال ذلك، بينما يمثل رأس المال الحقيقي للبنك هو المبنى وبعض الأثاث والوسائل، والتي لا تنقص شيئاً بمرور الزّمان، بل قد يزيد سعر المبنى عمّا كان عليه في الماضي، فلا بدّ من تخصيص مبالغ معتبرة من الثروات الموجودة في البنوك لمشاريع القرض الحسن بمعناه الواقعي (مع خصم اُجرة العمل بصورة عادلة)، وبذلك يستطيع البنك دفع نفقات الزّواج للشّباب، وتهيئة المنزل والمسكن، ونفقات التّحصيل الدّراسي، والعلاج للطّبقات الفقيرة والمسحوقة، والتي لا تتمتّع بغطاء مالي ولا حماية من قبل مؤسسات الضّمان، وما أحسن من أن تقوم البنوك بتخصيص مبالغ مهمّة وتضعها تحت إختيار المنظمات الماليّة على أساس القروض الحسنة، ويستفيد منها طلاّب الجامعات، لكي يتمّ من خلال ذلك إيجاد الحلول لبعض المشاكل الإقتصاديّة التي يعانون منها.
6- التّخطيط الدّقيق للقيام بالنّشاطات الاقتصاديّة من قبل البنوك

[163]
لتقوية، وترشيد الودائع الشّعبيّة، وتتخصّص البنوك بحلّ المشكلات الاقتصاديّة للمجتمع، وتكون فيها من الخبراء وتتجاوز النّواقص والسّلبيات من تناثر العمل وتكرار المكرّرات وتمركز الثّروات في جهة، وتفريغها في جهات أخرى، وعدم النّظر الدّقيق في سلّم الأولوّيات.
7 ـ بالنّسبة الى مسألة الغرامة على تأخير التّسديد فهي المصداق البارز للرّبا المحرّم، ولابدّ من التّفكير بجديّة في حل لهذه المشكلة، وطرق مشروعة أخرى تنسجم مع الفقه الاسلامي لحلّها.
والخلاصة هو أنه لو مالم يحدث تحول جذري وأساسي في البنوك في الدولة الاسلاميّة وفعّاليّاتها ونشاطاتها الاقتصاديّة فإنّها لا تعيش بروح إسلاميّة، فحتى لو سميت بنوك لا ربويّة، وبالتالي يترتب على ذلك الأضرار التي تلحق بالبنوك الرّبويّة، وتبتلي بالأخطار التي يبتلي بها عادةً تلك البنوك الرّبويّة السائدة.
ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفق جميع المسؤولين على أن يخطوا كلّ يوم خطوات إيجابيّة وموفّقة، نحو أسلمة البنوك بشكل كامل، ومن الله التّوفيق وهو المستعان.

* * *


[164]


بعض الاستفتاءات الجديدة حول مسائل البنوك والرِّبا
لسماحة آية اللّه العظمى المكارم الشّيرازي «مدّ ظله العالي»

سؤال: (1) ما هو حكم الودائع الطّويلة المدّة في البنوك، من دون أن يشترط صاحب المال شيئاً عليها؟
الجواب: إذا وضعت هذه الودائع طبقاً للعقود الشّرعيّة في البنوك، أو أنّ لا يكون صاحب المال يتوقع شيئاً من ربح وزيادة من البنك، إلاّ أنّ البنك يعطيه شيئاً عليها طوعاً ورغبةً، فلا إشكال فيها، والعلامة في تحقق الصّورة الثّانية هو أنّه لو لم يعطيه البنك شيئاً، فأنّه لا يطالبه بشي
سؤال: (2) ما هو حكم وضع الأموال في البنوك في زماننا الفعلي، والذي بحمد الله هو زمان حكومة الجمهوريّة الاسلاميّة؟ فهل يمكن أخذ الفائدة التي تضعها البنوك للودائع المصرفيّة على حسابات التّوفير؟ وكذلك ماحكم الإقتراض من هذه البنوك، وإعطائها الزّيادة عند تسديد القرض؟
الجواب:
[165]
لا إشكال في أخذ الأرباح على حسابات التّوفير التي يعطيها البنك بشكل طوعي ومن دون شرط مسبق، إلاّ أن تدخل ضمن العقد، أمّا الأرباح التي تكون للودائع الثّابتة أو القروض التي تؤخذ من البنوك، ففي صورة ما إذا كانت وفقاً للعقود الشّرعيّة المذكورة في قانون البنوك ومعاملاته الاقتصاديّة، فلا مانع منها أيضاً، وفي صورة الشّك يمكن الحمل على الصّحة، ولكن إذا تيقن الانسان من أنّ البنك لا يعمل طبقاً للعقود الشّرعيّة المذكورة، فلا يجوز.
سؤال:(3) تقوم البنوك في الجمهوريّة الاسلاميّة، بعقد عقود شرعيّة بعناوين، مضاربة، مساقاة، مزارعة، شركة، جعالة، مع أصحاب الودائع والزّبائن، وكذلك مع المستثمرين وتدفع كلّ شهر نسبة 14% أو أقل أو أكثر من مجموع الوديعة لأصحابها، وبعد إنتهاء المدّة تقوم البنوك بتصفية الحساب مع الزّبائن والعملاء، ونظراً الى أنّ الأفراد العاديّين والزّبائن للبنوك ليس لهم إطلاعٌ كاف على القيود والشّرائط المندرجة في ورقة العقود هذه، بل يكتفون بالامضاء ويعلنون بذلك عن رضاهم بمجمل الشّروط المذكورة في ورقة العقد، فهل أنّ مجرد الامضاء أو قبول جميع الشّرائط والقيود المذكورة بصورة شفويّة، مع عدم إطّلاعهم وعلمهم على خصوصيّاتها وعناوينها الشّرعيّة، يؤدي الى تحقق العقود المذكورة ومشروعيّتها، أو أنّ اللاّزم تفهيم من قبل البنوك أو المتعاقدين على حقيقة هذه العقود؟ وفي صورة عدم مشروعيّيها، فهل هناك طريق حل آخر في نظركم المبارك؟

[166]
الجواب: إذا أعطى وكالة مطلقة الى البنوك أن تستثمر وتتصرف في الأموال وفقاً للعقود الشّرعيّة، وتجعل له حصّة معيّنة من أرباحها، فلا إشكال في ذلك، وليس من اللاّزم الاطّلاع على جزئيّات الأُمور بعد إعطاء الوكالة المطلقة.
(السّؤال: (4) لما كانت المصارف الايرانية عاجزة أحياناً عن تسديد المطالبات الخارجية في حينها، فقد انتهجت طرق حل مختلفة منها: ان أحد البنوك تعاقد مع بعض البنوك الأجنبية على أن يقوم البنك الأجنبي بالدفع إلى البائع في ذلك البلد نيابة عن البنك الايراني في موعد السداد، ثم يتقاضى المبلغ من البنك الايراني بعد سنة وباضافة 9% إلى المبلغ من البنك الايراني و 6% من البائع كسعر لتأمين الدفع في الموعد. وجدير بالملاحظة انه بعد حمل البضاعة من البائع والذي يتم بعد حوالي ثلاثة أشهر من العقد عن طريق البنك الأجنبي والايراني، يقوم البنك الأجنبي بتسليم مال البائع واستلامه من البنك الايراني يستلم بفائدة 9%، وعلى هذا، فان البنك الايراني يستلم من المشتري في يوم العقد 100% من مبلغ المعاملة مضافاً إليه 9% التي تمثّل الفائدة التي يتقاضاها البنك الأجنبي حسب الاتفاق. كما يقوم البائع باضافة 6% (وهي النسبة التي تمثّل أجرة البنك الأجنبي على تأمين الدفع في الموعد) إلى قيمة البضاعة ويتقاضاها من المستهلك. فإذا علمنا ان البائع لا يأخذ شيئاً إضافياً من المشتري، فهل تصحّ هذه المعاملة للمشتري؟

[167]
الجواب: إذا كنت مطلعاً على ماهية هذا العمل ورضيت به، فلا اشكال، بمعنى أنّك تضع أموالك في البنك بعنوان القرض من دون شرط الزيادة، ويقوم البنك بشراء بضاعة لك على شكل نسيئة بأكثر من القيمة النقدية بشرط أنّك تدفع تأمين هذه المعاملة، ففي هذه الصورة تكون المعاملات المذكورة أعلاه صحيحة شرعاً، ولكن هذا العمل لا يكون مباحاً للبنك في المعاملات والعقود مع الطرف الخارجي أو الدول الاجنبية إلاّ بأن تفرض مصالح المجتمع الاسلامي ذلك، وفي غير هذه الصورة لا يجوز.

سؤال: (5) إذا وضع شخص أمواله في البنك بشكل وديعة قصيرة الأمد أو طويلة الأمد، وفي كلّ شهر يستلم مبلغاً إضافياً من البنك بالنّسبة الى مقدار أمواله، وطبقاً لشرائط خاصّة، فهل أنّ أخذ هذا المال الاضافي جائزٌ؟ وهل يتعلق به الخمس؟
الجواب: إذا تمّ العمل بها وإستثمارها طبقاً للعقود الشّرعيّة، فهو حلال ويتعلق به الخمس أيضاً، ويكفي في ذلك أن يقول المسؤولين: (عملنا بهذه العقود الشّرعيّة) ولا يوجد دليلا على خلاف قولهم.
سؤال: (6)
أحياناً تقوم البنوك لترغيب الزّبائن على إيداع أموالهم في هذه البنوك، أو إفتتاح حساب لهم عندها تخصيص جوائز وهدايا تعطى الى المودعين عن

[168]
طريق القرعة، فمن خرجت القرعة بأسمه يعطى له جائزة، فهل أنّ هذا العمل جائز، وهل يجوز له أخذ هذه الجائزة؟
الجواب:
اذا كان هذا العمل يتم بصورة واقعيّة، وليست فيه خدعة للنّاس، فهو جائزٌ وحلال.
سؤال: (7)
إذا إقترض شخص من البنك مبلغاً من المال، وكان عليه أن يؤدّي تسديد المبلغ على شكل أقساط طويلة، مع إضافةِ مقدار من المال بعنوان ربح للبنك، ثمّ أنّه بعد مدّة يقوم بأيداع مبلغاً من المال فى هذا البنك، ويستلم منه الفائدة أيضا فهل يمكن جعل هذا العمل بعنوان التّقاص على مادفعه الى البنك من الأرباح؟
الجواب:
إذا دفع في المعاملة الأولى ربحاً وزيادة على القرض بعنوان الرِّبا، فإنّه قد إرتكب إثماً، ولكنّه يستطيع أن يستلم معادل ذلك المبلغ في المعاملة الثّانية من البنك، بنيّة التّقاص.
سؤال: (8)
إنّ البنوك تقوم بوضع فائدة على القروض بعنوان الأُجرة وحقّ العمل، وتأخذه من المستثمر والمقرض، فلو أنّ الشّخص العادي والكاسب في السّوق قام بهذا العمل وباع جنساً نسيئةً أو أقرض شخصاً وأخذ منه هذا المقدار بهذا العنوان، فهل أنّه يعتبر من الرِّبا؟

[169]
الجواب:
المنظور والمراد من الأُجرة وحقّ الزحمة، هو ما يعطيه البنك أو صناديق القرض الحسن للموظّفين في مقابل عملهم في حفظ الحسابات وتقديم الخدمات البنكيّة للنّاس، فيتعلق حق الزّحمة لهم على هذا الإساس، فإذا أخذ المقرض مالا إضافيّاً وفائدةً له شخصيّاًفإنّه يكون من الرِّبا المحرّم، فكذلك الأمر بالنّسبة الى المعاملات في السّوق.
سؤال: (9)
تقوم البنوك بتعيين فائدة مخصّصة للودائع القصيرة المدّة وطويلة الأمد، ولكن بالنّسبة الى ودائع القرض الحسن لا يوجد إضافة ماديّة سوى الأجر المعنوي والثّواب الأخروي، فمع الالتفات الى هذا الأمر فما حكم الايداع القصير الأمد والطّويل الأمد في البنوك حيث لا تفقد هذه الأموال قيمتها بمرور الزّمان ويستفيد البنك من هذه الأموال بإقراض الآخرين ؟
الجواب:
إذا تمّت مراعاة العقود الشّرعيّة أو أعطى المودع وكالة مطلقة الى مسؤولي البنك على أن يراعوا هذه العقود الشّرعيّة فهو حلال.
سؤال: (10)
إذا أراد شخص الحصول على قرض قيمته خمسمائة ألف تومان مثلا فانه يحتاج إلى معرِّف (أو كفيل) لديه نصف المبلغ المقترض لدى البنك، أي ان عليه أن يودع 250 ألف تومان في المصرف ضماناً للسداد، ولا يجري الافراج عنها إلاّ بعد أن يسدّد المدين آخر قسط من أقساط القرض إلى

[170]
البنك فإذا لم يكن لدى الكفيل موجود نقدي في الصندوق، فهل يجوز له أن يقول للمقترض: اطلب ضعف ما تحتاجه من مال (مليون تومان مثلا) حتى يجري إيداع نصفها كضمان باسم الكفيل حتى يتسنى كفالته بها، فيستلم ضعف القرض، يأخذ نصفها (500000تومان) المقترض، حتى إذا سدد آخر قسط من المبلغ بكامله (المليون تومان) عادت إليه الخمسماءة الأخرى دفعة واحدة. فهل ان عمل البنك هذا صحيح من الناحية الشرعية؟ وهل يتعلق الخمس بالخمسمائة ألف تومان التي يقبضها لدى تسديده القسط الأخير؟
الجواب:
إذا لم يستغل صندوق (قرض الحسنة) أموال الناس في أعمال تجارية فان عمله صحيح في الحالتين، وفي الحالة الثانية يتعلق الخمس بالنقود المودعة.
سؤال: (11)
اتفقت مع أحد أقربائي على أن أستلم حوالة القرض الحسن من البنك باسمه، فاستلم المبلغ وسلّمه لي لكي أستعين به على قضاء حوائجي، وقمت أنا بتسديد أقساطه، ومن أجل استلام القرض يجري أولا فتح حساب توفير تؤخذ منه الأجور، فإذا كان صاحب دفتر الحساب لم يدفع أجرة أو رأسمال من نفسه، وقد ربح هذا الدفتر جائزة قيمتها 450000ريال، فإلى من تؤول هذه الجائزة؟ وما هي نسبة حصتي منها؟
الجواب:

[171]
الجائزة تخص صاحب دفتر التوفير.
سؤال: (12)
يبلغ التّضخم الاقتصادي في تركيا 70% في السنة، ومع الأخذ بنظر الاعتبار هبوط قيمة الليرة التركية، وهذا التّضخم إذا وضع الشّخص مالا في إحدى البنوك الحكومية هناك بعنوان وديعة مؤقتة فأعطاه البنك 60% من الفائدة، فهل يجوز له أخذها نظراً الى أنّها أقل من قيمة هبوط العملة؟ وإذا كانت الفائدة أكثر فما الحكم؟
الجواب:
إذا البنك غير إسلامي فلا إشكال، ولو كان إسلامياً، وكان التّضخم بشكل كبير الى درجة أنّه يدخل في الحسابات اليومية المتعارفة للنّاس، فلا إشكال في أخذ التّفاوت بمقدار التّضخم.
سؤال: (13)
ماهي حقيقة الأموال في نظركم؟ (الحوالة، مال، أو...)
الجواب:
كانت النّقود الورقيّة في بداية أمرها كالحوالة، ولكن بعد تباعد الزّمن خرجت عن صورتها الأولى، وحتى مقدار الرّصيد الحاكي عنها قد غفل عنه، فأخذت صبغة المال الاعتباري لها، والرّصيد لها في الحال الحاضر هو قدرة الحكومات وإعتبارها.
سؤال: (14)
هل أنّ النّقود الورقية (الإسكناس) مثليّة، أو قيميّة؟

[172]
الجواب:
لا شك في أنّها مثليّة.
سؤال: (15)
إذا كانت مثليّة، فهل يضمن تنزّل قيمتها؟ وما الحكم في صورة الهبوط الفاحش للقيمة؟ وما الحكم في صورة الزّيادة؟
الجواب:
الزّيادة والهبوط الفاحشين موجبان للضّمان أو بعبارة أصح، إذا كان الشخص مديناً لآخر بمبلغ معين، وبعد مضي 20-30 سنة (في بيئتنا) أراد تسديد الدّين، فلا شك أنّ دفع ذلك المبلغ لا يعدّ وفاء للدّين، ويجب عليه تسديده بقيمة اليوم، أمّا لو لم يكن التغيير كبيراً، فلا يؤثر في السّداد، لأنّه يعتبر أداءً للدّين.
سؤال: (16)
إذا اشترط الضّمان في الصّور المختلفة المذكورة أعلاه، فما الحكم؟
الجواب:
لا يوجد مفهوم صحيح للضّمان في هذه الصّورة، إلاّ بأن يضيف في القيمة، وهو الرِّبا، هذا إذا لم يكن التّفاوت فاحشاً. أمّا مع التّفاوت الفاحش فلا حاجة للشّرط. وكما تقدّم العلاه فإنّه يحاسب بقيمة اليوم.
سؤال: (17)
في صورة ضمان تنزّل القيمة للأموال، فهل هناك فرق بين القرض والمهر والمضاربة والخمس وسائر الدّيون؟

[173]
الجواب:
مع الأخذ بنظر الإعتبار الشّرائط المذكورة سابقاً، فلا فرق بين أقسام الدّيون هذه.
سؤال: (18)
هل هناك فرق بين ما إذا كان عامل التّضخم هو الدولة، أو كان العامل هو السّوق أو معادلات السّهام العاملية عندما يكون التّضخم مسبباً لزيادة الطّلب، أو قلّة العرضة أو زيادة الكلفة؟
الجواب:
لا يوجب فرق في الموارد المذكورة.
سؤال: (19)
الرّجاء أن تعيّنوا لنا موارد الحليّة والحرمة في الودائع البنكية القصيرة الأجل أو طويلة الأجل، مع العلم أنّه تمّ ذكر صيغة المعاملة في كرّاس البنك يقوم بإجراء عقود المعاملات بالوكالة عن صاحب المال ويعطيه مبلغاً معيناً من الرّبح لذلك؟
الجواب:
يجوز ذلك فيما لو روعيت العقود الشّرعيّة، أو أعطيت وكالة مطلقة لمسؤولي البنك بمراعاة العقود الشّرعيّة.
سؤال: (20)
تقوم البنوك المتعارفة في مورد الودائع الطويلة الأجل بكتابة صياغة معيّنة على ورقة تتضمن مايلي:

[174]
(إنّ فلاناً وضع هذا المقدار من المال في البنك، وأعطى وكالة للبنك في إستثماره في التّجارة غير الرّبويّة، وله مقدار من الرّبح ما يعيّنه البنك له)، ومن خلال القرائن والشّواهد يعلم أنّ للبنك عدّة معاملات تجارية غير ربويّة، فما حكم أخذ الفائدة المذكورة من البنك؟
الجواب:
إذا تمّت مراعاة العقود الشّرعيّة أو أعطى لمسؤولي البنك وكالة لرعاية العقود المذكورة، فلا إشكال.
سؤال: (21)
ماهي حقيقة الاعتبارات البنكية في نظر الاسلام؟ فهل أنّ البنك يقوم بإثبات قيمة المال وإعتبارها بإسم الأشخاص ويتمّ نقلها والتّصرّف بها، أو أنّ عين المال هو الذي يتمّ ونقله والتّصرّف فيه، أو أنّ الصّور المختلفة للودائع والاعتبارات البنكية من حساب جاري، ودائع ثابتة، مشاركات بنكية. و... سواء؟ وما حكم الفوائد التي تدفع للمودعين على الحساب من تشغيل البنك لرؤوس الأموال؟
الجواب:
إنّ ماهيّة الودائع في الحساب الجاري هي ماهيّة القرض، بشرط الأداء حين المطالبة، وماهيّة الودائع الطويلة الأجل والقصيرة الأجل هي نوع من المضاربة، أو سائر العقود الشّرعيّة من هذا القبيل، أمّا دفع فائدة على الحساب هو نوع من القرض الذي يتم حسابه بعد ظهور الرّبح.

[175]
سؤال: (22)
مع الالتفات الى فتوى الامام الخميني(قدس سره) في خصوص بطلان الحيل الرّبويّة فهل أنّ إيداع مقدار من المال في البنك بعنوان ودائع ثابتة، والاستفادة من الفائدة المقررة من قبل البنك للمودع بعنوان على الحساب، جائز؟
الجواب:
إذا تمت مراعاة العقود الشّرعيّة أو أعطى للمسؤولين في البنك وكالة مطلقة لرعاية العقود المذكورة، فلا بأس.
سؤال: (23)
هل أنّ الفائدة البنكية تعتبر من الرِّبا؟ وإذا كانت كذلك فمن أىّ إقسام الرِّبا تكون؟
الجواب:
إذا تمّ العمل وفقاً للمقررات الموجودة في البنك المبنية على رعاية الضوابط الشّرعيّة في المعاملات، أو قال مسؤولو البنك «عملنا بها»، فلا إشكال.
سؤال: (24)
تحت أي عنوان فقهي يمكن درج الجوائز البنكية؟
الجواب:
هي نوع من الهبة بدون عوض من أجل إيجاد الدّاعي الى الايداع.
سؤال: (25)
ما حكم إيداع مبلغ معين من المال من أجل المشاركة في الاقتراع؟ ولو

[176]
لم يشترط الفائدة، ولكن أودع المال بهذا الداعي فهل يتغيّر الحكم الشّرعي تبعاً لذلك؟ وأساساً هل هناك فرق بين الشّرط والدّاعي؟
الجواب:
إذا اشترط ففيه إشكال، ولكن إذا كان ذلك داعياً له على الايداع فلا بأس. والفرق بينهما أنّ الشّخص في حالة الايداع بدون شرط الفائدة لا يرى له حق المطالبة بالزّيادة من البنك.
سؤال: (26)
السؤال عن المؤتمر الذي أقيم في قم المقدسة قبل عدّة أشهر بحث مسألة المال والاقتصاد في الاسلام، وطُرحت فيه مقولة النّقود الورقية والنّقود ذات القيمة (الذهب والفضة وغيرهما) وأنّ النّقود الورقية لها قيمة القدرة الشّرائية للأفراد، ولا تستطيع الدّولة من خلال خفض قيمة العملة الورقية أن تقلل من رأس المال لدى الأفراد، ثم خرجوا بنتائج مختلفة، منها:
1 ـ بما أنّ الفائدة القليلة التي تعطيها البنوك الاسلامية للمودعين تؤدي الى تعويض قليل عن الضرر النّاشي من هبوط قيمة العملة بسبب سياسة الحكومة الماليّة، لذا فلا يعتبر من الرِّبا.
2 ـ وبما أنّ هذه الفائدة تكون بمثابة تعويض عن تلك الخسارة النّاشئة من هبوط القيمة، لذا فلا يترتب عليها الخمس؟
الجواب:
الجواب: إنّ هذه الأبحاث التي تبحث في المحافل الاقتصاديّة والاوساط العلمية المختصة لا يمكن أن تكون معياراً للحكم الشّرعي. لأنّ

[177]
الأحكام الشّرعيّة تدور موضوعاتها حول محور الفهم العرفي لها، وبما أنّ الفرع الأول يستبطن وجود فائدة عرفاً، فهو ربا وحرام. وكذلك في الفرع الثّاني حيث يحسب عرفاً من الرّبح، فعليه الخمس.
سؤال: (27)
النّظام البنكي في الجمهورية الاسلاميّة في ايران يقوم على أساس البنك اللاّربوي والعقود والمعاملات الشّرعيّة المجازة، فإذا إستلم شخص مبلغاً من المال من البنك بأحد العناوين الشّرعيّة في العقود (المشاركة، المضاربة، الجعالة، بيع الاقساط،و...) في مقابل تضمين معتبر من قبيل رهن البيت وغيره، ثم صرفه في غير الوجه المقرر في عقده مع البنك، فهل يكون قد ارتكب إثماً، أو أنّ عمله هذا مباح؟ وما هو حكم الأرباح التي حصل عليها من هذا الطريق؟ وعلى سبيل المثال: إذا تعاقد شخص مع البنك عقد الجعالة من أجل إجراء بعض التّعميرات لمسكنه، ثم صرف المال الذي أخذه من البنك في شراء أسهم لشركات أو إستثمره كرأس مال في مكان آخر، أو إشترى به سيارة، أو أنفقه في تزويج إبنه وغير ذلك.
الجواب:
لا يجوز صرف المبلغ في غير وجهه المقرر في متن العقد، وفي أرباحه إشكال.
سّؤال:(28)
ما حكم المعاملات الرّبويّة مع الكفّار والمصارف الإسلامية؟
الجواب:

[178]
يجوز أخذ الرِّبا من الكفّار والمصارف غير الإسلامية، أمّا إعطاؤهم الرِّبا فلا يجوز إلاّ عند الضرورة بحيث يؤدي عدم الاقتراض منهم إلى العسر والحرج أو ضعف المسلمين وإذلالهم في تلك البلدان.
سّؤال: (29)
هل يعتبر من الرِّبا، فائدة 13% التي تتقاضا المصارف لقاء القروض أو فائدة 10% التي تعطيها عن الودائع طويلة الأجل، والتي تشترط أول المعاملة؟
الجواب:
إذا وضعت سياسات المصرف في ميدان العقود الشرعية وطرق الخلاص من الرِّبا موضع التنفيذ، فلا بأس.
سّؤال: (30)
هل من الرِّبا احتساب سعر التضخم في الديون والمطالبات؟
الجواب:
إذا اعتبرت تصفية التضخم في عصرنا بهذا الاتساع والشدّة التي خلقتها النقود الورقية قضية رسمية من وجهة النظر العرفية العامّة، فلا يكون ربا على افتراض المسألة (كما ينقل عن بعض البلدان الأجنبية انها تحتسب للودائع المصرفية سعر التضخم إلى جانب الفائدة)، في هذه الحالة لا يكون احتساب سعر التضخم من الرِّبا، أمّا الفائدة الزائدة عليه فهي ربا. اما في بيئتنا وما شابهها حيث لا يحتسب سعر التضخم بين الناس وفق العرف العام فهو ربا عموماً، لأنّ الذين يقرضون بعضهم البعض أموالا يطالبون بعد مضي

[179]
بضعة شهور بأكثر من عين مالهم ولا يحتسب فرق التضخم، أمّا احتساب التضخم في المحافل العلمية فلا يكفي وحده لأن المدار على العرف العام، ولكننا نستثني حالة واحدة وهي حصول فرق كبير بسبب مرور ثلاثين سنة على القرض مثلا. لذا فإن الاحتياط الواجب في المهور القديمة للنساء أو المطالبات التي من هذا القبيل احتسابها بسعر اليوم أو المصالحة عليها على الأقل.
سؤال: (31)
بما أنّ الدائن في صورة تأخير السّداد عن الموعد المقرر يتعرّض للضرر والخسارة، لذا فالقانون الموجود يحمّل الطّرف المدين هذه الخسارة بنسبة 12% في العام بعنوان خسارة تأخير السّداد، وتقوم البنوك أيضاً بالعمل بهذا القانون، ومع الإلتفات الى الرقم المذكور في النّسبة المئوية في القانون المذكور:
أوّلا: هل تعتبر هذه الخسارة شرعاً من الرِّبا أم لا؟ وما حكمها؟
ثانياً: مع الأخذ بنظر الاعتبار التّضخم المالي الموجود في البلد وهبوط قيمة العملة، فهل يصح لصاحب المال (المقرض) أن يطالب بتعويض هذه الخسارة حتى في صورة عدم التّأخير في أداء الدّين؟
الجواب:
1 ـ : تعويض خسارة التّأخير ليس له جنبة شرعيّة.
2 ـ : إذا دامت الحالة مدّة طويلة (عدة سنوات مثلا) بحيث هبطت قيمة المال كثيراً، فالاحتياط الواجب المصالحة، أو دفع المال بقيمة اليوم.

[180]
سؤال: (32)
مع العلم بأنّ هبوط قيمة العملة كان موجوداً في الخارج وحتى الآن، وقد إزداد حدّة الهبوط في الحال الحاضر،ففي صورة التأخير في السّداد وتحقق الضّرر، فهل يمكن للدائن مطالبة المدين بالخسارة شرعاً؟ وهل تعتبر عملية تعويض الخسارة هذه من الرِّبا؟
الجواب:
تعويض خسارة التّأخير ربا وحرام، ولكن إذا كانت الفاصلة الزّمنية كبيرة والتّضخم فاحشاً بحيث لا يعتبر دفع المبلغ المذكور أداءً للدّين عرفاً، وجب حسابه بقيمة اليوم، أو المصالحة.
سؤال: (33)
أحد الأشخاص أخذ قرضاً ربوياً، ثم أنّه أدّى أصل القرض. ولكن بقي عليه دفع جزء من الفائدة، فهل يجوز له الامتناع من دفعها؟ وهل يجوز له لجبران ما دفع من الفائدة لصاحب المال أن يأخذ من مال هذا المرابي بعنوان التّقاصّ؟
الجواب:
إذا كانت للفائدة جنبة ربويّة (لا مضاربة)، فدفع هذه الفائدة ليس لها جنبة شرعية.
سؤال: (34)
هل أنّ كل زيادة في القرض تعتبر من الرِّبا؟
الجواب:

[181]
كالمسألة السّابقة.
سؤال: (35)
هل هناك فرق بين الشّخصية الحقيقية والحقوقية؟
الجواب:
الاحتياط الواجب هو عدم الفرق بينهما.
سؤال: (36)
إشترى عقار بصورة المشاركة، ثم أنّ أحد الشّركاء قام بتأجير سهمه الى شريكه بشرط التّمليك، بحيث يكون العقار بعد تسديد جميع الأقساط المقررة للإجارة ملكاً للمستأجر (وطبعاً مقدار الأقساط أكثر من المال الذي دفعه الشّريك للسّهم المذكور)، فهل يعتبر هذا العمل - السّائد أيضاً في البنوك، أو الشّركات، أو الأشخاص الحقوقيين، وأحياناً بعض الأشخاص الحقيقيين - حيلة شرعيّة للفرار من الرِّبا القرضي؟
الجواب:
لا مانع من ذلك إذا كان القصد للإجارة بشرط التّمليك جدياً، ولكن إذا كانت له جنبة صوريّة ومن أجل الفرار من الرِّبا، فلا يجوز.
سؤال: (37)
ماهو الملاك في تشخيص الرِّبا في المجتمع المعاصر؟ هل أنّ كل زيادة على رأس المال - ولو إسمياً - تعتبر من الرِّبا، أو تختص بالزّيادة على ماليّة رأس المال فقط؟
الجواب:

[182]
إنّه يشمل كل زيادة على رأس المال. إلاّ في الموارد المذكورة أعلاه.
سؤال: (38)
ما حكم أخذ الفائدة بواسطة الحيل الشّرعيّة؟ وهل أنّ الحيل الشّرعيّة مع ضميمة بعض الأشياء الأخرى مباحة؟
الجواب:
إذا كان المراد من الحيل الشّرعيّة هو أن تكون المعاملات صوريّة بدون قصد جدّي، فمن المسلّم أنّهالا تؤثّر في الحكم الشّرعي للرّبا.


وآخر دعوانا أن الحمد للّه

ربّ العالمين

الختام