غير مسجل
13-02-2005, 11:19 AM
[3.1.4] سؤال : كيف تتم عملية استنباط الأحكام الشرعية من الأحاديث الشريفة في الفقه الإمامي ؟
جواب : يُعتبر الحديث الشريف عند الشيعة الإمامية ثاني مصدرٍ للتشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم ، لذا فإنها تُوليه إهتماماً كبيراً و تهتمّ به إهتماماً عظيماً .
و الحديث عند الشيعة هو قول المعصوم ( عليه السَّلام ) و فعله و تقريره ، فما لا ينتهي إلى المعصوم ( عليه السَّلام ) ليس حديثاً عندهم ، خلافاً لغيرهم إذ اكتفوا في الحديث بانتهائه إلى أحد الصحابة و التابعين ، و للتمييز بين القسمين ربما يسمّون ما ينتهي إلى الصحابة و التابعين بالأثر .
و لأن الحديث اعتمد في تحمّله [1] و نقله الرواية الشفوية ثم الرواية التحريرية ، و لقد جاء أكثر الحديث عن طريق الآحاد ، و خبر الواحد ـ كما هو مقرر و محرر في علم أصول الفقه ـ لا يفيد اليقين بصدوره عن المعصوم ، فوضع العلماء ما يعرف بـ " علم الرجال " و " علم الحديث " لهذه الغاية [2] .
و علم الرجال : هو العلم الذي يبحث فيه عن قواعد معرفة أحوال الرواة من حيث تشخيص ذواتهم ، و تبيين أوصافهم التي هي شرط في قبول روايتهم أو رفضها [3] .
و لقد عدّ العلماء تعلّم علمي الرجال و الحديث من شروط الاجتهاد المطلق و من أساسيات الفقاهة ، و أعتبروه من المقدمات الضرورية للبلوغ إلى مرتبة الاجتهاد الفقهي و تطبيق عملية الاستنباط .
هذا و ان إخضاع الراوي إلى التقييم الدقيق في علم الرجال يعبّر عنه بالجرح و التعديل ، و يراد منه النتيجة الحاصلة من التدقيق في أحوال الراوي من حيث الوثاقة أو اللاوثاقة ، فالوثاقة تساوي التعديل ، كما أن اللاوثاقة تساوي الجرح في مصطلح علم الرجال [4] .
و تمتاز الشيعة عن غيرها من المذاهب بإخضاع كافة رواة الحديث من دون استثناء إلى هذا التقييم للتعرّف على حالهم و لتمييز الصالحين منهم من الطالحين و المؤمنين عن المنافقين ، كي يتسنى لهم أخذ الأحاديث من الصالحين و المؤمنين دون غيرهم .
أما السُنة فيستثنون الرواة من الصحابة من هذا التدقيق و التقييم ، فهم لا يخضعونهم للتقييم إذ يقولون بعدالة جميع الصحابة بلا استثناء ، و يعتبرونهم فوق مستوى الجرح والتعديل .
لكن علماء الشيعة يصرّحون بضرورة التدقيق في أحوال الرواة بصورة كاملة ، و يرون بأن الحديث إنما يصبح صالحا لأن يكون مصدراً من مصادر التشريع بعد مروره بالمراحل التالية :
1. تقييم رواة الحديث بصورة دقيقة لا يقبل التسامح لتشخيص و تعيين هوية الراوي بصورة كاملة ، و ذلك على أسس علمية و قواعد مرسومة في علم خاص بهذا الأمر يسمى بعلم الرجال ، و بالاستعانة بهذا العلم يتعرف العلماء على حال الرّاوي من حيث الوثاقة و اللاوثاقة ، فيقررون قبول روايته أو رفضها .
2. تقييم كافة الأحاديث المروية عن المعصومين ( عليهم السَّلام ) من حيث متن الحديث و طبقته لتمييز الأحاديث الصحيحة عن السقيمة ، و يتم هذا التدقيق و التقييم على أسس علمية رصينة و قواعد مدونة في علم خاص بهذا الأمر يسمى بعلم الدراية [5] .
3. ثم بعد ذلك تخضع الرواية للمناقشة في حجيتها في علم الأصول [6] .
4. و بعد ذلك كله تأخذ الرواية طريقها إلى استنباط الحكم الشرعي منها في علم الفقه ، و بعد ثبوت حجية الرواية و صلاحيتها للاستدلال بها يعتمدها الفقيه مصدراً تشريعياً يفيد منه الحكم المطلوب .
نعم هذه هي المراحل التي لابد و أن يمر الراوي و ما رواه من خلالها حتى يصل الحديث إلى مرحلة استنباط الحكم الشرعي منه .
مواصفات الراوي المقبول روايته ، و مؤهلاته :
1. الإسلام : فلا تقبل رواية الكافر مطلقاً ، أما قبول شهادة الذمي في باب الوصية في حق المسلم ، فهو خارج بالدليل ، و هو قول الله تعالى : { ا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ ... } [7] ، فقد فَسّرت الروايات قوله تعالى { أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ } بالذمي [8] .
2. العقل : فلا يقبل خبر المجنون و روايته ، و هو واضح و بديهي .
3. البلوغ : فلا يقبل خبر الصبي غير المميّز ، و بالنسبة إلى المميّز فالمشهور عدم قبول روايته .
4. الإيمان : أي كون الراوي شيعياً إمامياً أثنا عشرياً [9] .
5. العدالة : و هي كما يراه المشهور ، عبارة عن ملكة نفسانية راسخة باعثة على ملازمة التقوى و ترك ارتكاب الكبائر و عدم الإصرار على الصغائر ، و ترك منافيات المروءة التي يكشف ارتكابها عن قلة المبالاة بالدين ، بحيث لا يوثق منه التحرّز عن الذنوب [10] .
نموذج تطبيقي لعملية الاستنباط :
و فيما يلي نذكر نموذجاً تطبيقياً لكيفية الاستدلال بالرواية ، و كيفية مرورها بالمراحل المذكورة على وجه الإيجاز ، و لهذا الغرض نختار رواية من كتاب الكافي رواها الشيخ محمد بن يعقوب الكليني ( قدَّس الله نفسه الزَّكية ) ، و هي :
عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله ( عليه السَّلام ) : قَالَ : سَمِعْتُهُ يَقُولُ : " يُسْتَحَبُّ لِلْمَرِيضِ أَنْ يُعْطِيَ السَّائِلَ بِيَدِهِ وَ يَأْمُرَ السَّائِلَ أَنْ يَدْعُوَ لَهُ " [11] .
إننا إذا أردنا أن نستدل بهذا الحديث الشريف علينا إتباع الخطوات التالية :
1. نرجع إلى كتب الرجال لنعرف مستوى قيمة كل راوٍ من رواة هذا الحديث و هم :
· محمد بن يعقوب الكليني : قال فيه النجاشي : " كان أوثق الناس في الحديث و أثبتهم " = إمامي عادل .
· علي بن إبراهيم القمي : قال فيه النجاشي : " ثقة في الحديث ، ثبت ، معتمد ، صحيح المذهب " = إمامي عادل .
· إبراهيم بن هاشم القمي : قال فيه الخوئي : " لا ينبغي الشك في وثاقة إبراهيم بن هاشم " ، ثم ذكر الأدلة الناهضة بإثبات وثاقته [12] = إمامي عادل .
· محمد بن أبي عمير الأزدي : قال فيه النجاشي : " جليل القدر ، عظيم المنزلة فينا و عند المخالفين " = إمامي عادل .
· عبد الله بن سنان : قال فيه النجاشي : " ثقة ، من أصحابنا جليل ، لا يطعن عليه بشيء " = إمامي عادل .
2. ثم نرجع إلى علم الرجال و نطبق القاعدة الرجالية القائلة : كل راوٍ شَهِد بوثاقته الرجاليون المتقدمون ، أو قامت القرائن الدالة على وثاقته ، هو ثقة .
و ننتهي من تطبيقها إلى أن رواة هذا الحديث كلهم ثقاة عدول .
3. و بعد ذلك نرجع إلى علم الحديث ، و نطبق القاعدة الحديثية القائلة : كل سند رواته إماميون عدول فهو صحيح .
فنتوصل إلى أن سند هذا الحديث معتبر و بمستوى الصحيح .
4. ثم نرجع إلى علم أصول الفقه ، و نطبق القاعدة الأصولية التي تقول : خبر الثقة حجة .
فتسلمنا إلى أن هذا السند حجة لأن جميع رواته ثقاة .
و بعد ثبوت صحة صدور هذه الرواية عن الإمام الصادق ( عليه السَّلام ) ـ كما رأينا ـ نرجع إلى العرف الاجتماعي العربي ، و سنراه يرى أن دلالة هذا الحديث هي من نوع الدلالة الظاهرية ، لظهور معناه عندهم في استحباب إعطاء المريض الصدقة للسائل بنفسه ، و أمره أن يدعو له بالشفاء .
5. و أخيراً : نعود إلى علم أصول الفقه و نطبق على دلالة الحديث قاعدة الظهور التي تقول : كل ظاهر حجة .
فنقول : هذا ظاهر + و كل ظاهر حجة = فهذا حجة .
ثم نصوغ النتيجة باللغة الفقهية فنقول : يستحب للمريض أن يعطي الصدقة للسائل بنفسه ، كما يستحب له أن يأمره بالدعاء له بالشفاء [13] .
--------------------------------------------------------------------------------
[1] التحمّل : مصطلح من مصطلحات علم الحديث ، و يراد منه تلقّي الراوي للحديث من الراوي الآخر الذي ألقاه إليه ، ثم الحفظ له من قبل الراوي المتلقي ، سواءً كان ذلك الحفظ استظهاراً و عن ظهر القلب ، أو كتابةً و تدويناً ، فالتحمّل ـ إذن ـ يعني الحمل ـ لغة ـ حمل في مشقة ، و من غير شك أن حمل الحديث فيه شيء من المشقة لما فيه من وجوب الاحتياط له من أن يدخله أو يشوبه شيء ليس منه . يراجع : أصول الحديث : 223 ، للعلامة الدكتور الشيخ عبد الهادي الفضلي ، الطبعة الثانية سنة : 1416 هجرية ، مؤسسة اُم القرى للتحقيق و النشر .
[2] العلامة الدكتور الشيخ عبد الهادي الفضلي : أصول الحديث : 14 .
[3] العلامة الدكتور الشيخ عبد الهادي الفضلي : أصول علم الرجال : 11 .
[4] لمعرفة الألفاظ المستعملة في الجرح و التعديل يراجع : أصول الحديث و أحكامه في علم الدراية : 153 ، للعلامة المُحقق آية الله الشيخ جعفر السبحاني ( حفظه الله ) ، الطبعة الثانية سنة : 1419 هجرية ، مؤسسة الإمام الصادق ( عليه السلام ) قم / إيران . و أصول الحديث : 115 – 123 ، للعلامة الدكتور الشيخ عبد الهادي الفضلي ، الطبعة الثانية سنة : 1416 هجرية ، مؤسسة اُم القرى للتحقيق و النشر .
[5] علم الدراية : هو العلم الباحث عن الحالات العارضة على الحديث من جانب السند أو المتن . أصول الحديث و أحكامه في علم الدراية : 14 ، للعلامة المُحقق آية الله الشيخ جعفر السبحاني ( حفظه الله ) ، الطبعة الثانية سنة : 1419 هجرية ، مؤسسة الإمام الصادق ( عليه السلام ) ، قم / إيران .
[6] علم الأصول : صناعة يعرف بها القواعد التي يمكن أن تقع في طريق استنباط الأحكام أو التي ينتهي إليها في مقام العمل . يراجع : كفاية الأصول : 1 / 9 ، للعلامة المُحقق الخراساني ( قدَّس الله نفسه الزَّكية ) .
[7] سورة المائدة ( 5 ) ، الآية : 106 .
[8] يراجع : الرعاية في علم الدراية : 181 – 182 ، لزين الدين العاملي المعروف بالشهيد الثاني ، المتوفى سنة : 966 هجرية .
[9] للتفصيل يراجع : عدة الأصول : 379 – 381 ، للعلامة محمد بن الحسن الطوسي ، طبعة مؤسسة آل البيت ، سنة : 1403 هجرية .
[10] يراجع : المعالم : 201 ، لجمال الدين حسن بن زين الدين العاملي ، المتوفى سنة : 1011 هجرية ، و عنه العلامة المُحقق آية الله الشيخ جعفر السبحاني ( حفظه الله ) : أصول الحديث و أحكامه : 134 .
[11] الكافي : كتاب الزكاة ، باب فضل الصدقة ، للشيخ أبي جعفر محمد بن يعقوب بن إسحاق الكُليني ، المُلَقَّب بثقة الإسلام ، المتوفى سنة : 329 هجرية ، طبعة دار الكتب الإسلامية ، سنة : 1365 هجرية / شمسية ، طهران / إيران .
[12] يراجع : معجم رجال الحديث : 1 / 317 ، لآية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي ( قدَّس الله نفسه الزَّكية ) .
[13] أصول علم الرجال : 21 – 23 ، للعلامة الدكتور الشيخ عبد الهادي الفضلي ( حفظه الله ) ، الطبعة الثانية سنة : 1416 هجرية ، مؤسسة اُم القرى للتحقيق و النشر .
جواب : يُعتبر الحديث الشريف عند الشيعة الإمامية ثاني مصدرٍ للتشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم ، لذا فإنها تُوليه إهتماماً كبيراً و تهتمّ به إهتماماً عظيماً .
و الحديث عند الشيعة هو قول المعصوم ( عليه السَّلام ) و فعله و تقريره ، فما لا ينتهي إلى المعصوم ( عليه السَّلام ) ليس حديثاً عندهم ، خلافاً لغيرهم إذ اكتفوا في الحديث بانتهائه إلى أحد الصحابة و التابعين ، و للتمييز بين القسمين ربما يسمّون ما ينتهي إلى الصحابة و التابعين بالأثر .
و لأن الحديث اعتمد في تحمّله [1] و نقله الرواية الشفوية ثم الرواية التحريرية ، و لقد جاء أكثر الحديث عن طريق الآحاد ، و خبر الواحد ـ كما هو مقرر و محرر في علم أصول الفقه ـ لا يفيد اليقين بصدوره عن المعصوم ، فوضع العلماء ما يعرف بـ " علم الرجال " و " علم الحديث " لهذه الغاية [2] .
و علم الرجال : هو العلم الذي يبحث فيه عن قواعد معرفة أحوال الرواة من حيث تشخيص ذواتهم ، و تبيين أوصافهم التي هي شرط في قبول روايتهم أو رفضها [3] .
و لقد عدّ العلماء تعلّم علمي الرجال و الحديث من شروط الاجتهاد المطلق و من أساسيات الفقاهة ، و أعتبروه من المقدمات الضرورية للبلوغ إلى مرتبة الاجتهاد الفقهي و تطبيق عملية الاستنباط .
هذا و ان إخضاع الراوي إلى التقييم الدقيق في علم الرجال يعبّر عنه بالجرح و التعديل ، و يراد منه النتيجة الحاصلة من التدقيق في أحوال الراوي من حيث الوثاقة أو اللاوثاقة ، فالوثاقة تساوي التعديل ، كما أن اللاوثاقة تساوي الجرح في مصطلح علم الرجال [4] .
و تمتاز الشيعة عن غيرها من المذاهب بإخضاع كافة رواة الحديث من دون استثناء إلى هذا التقييم للتعرّف على حالهم و لتمييز الصالحين منهم من الطالحين و المؤمنين عن المنافقين ، كي يتسنى لهم أخذ الأحاديث من الصالحين و المؤمنين دون غيرهم .
أما السُنة فيستثنون الرواة من الصحابة من هذا التدقيق و التقييم ، فهم لا يخضعونهم للتقييم إذ يقولون بعدالة جميع الصحابة بلا استثناء ، و يعتبرونهم فوق مستوى الجرح والتعديل .
لكن علماء الشيعة يصرّحون بضرورة التدقيق في أحوال الرواة بصورة كاملة ، و يرون بأن الحديث إنما يصبح صالحا لأن يكون مصدراً من مصادر التشريع بعد مروره بالمراحل التالية :
1. تقييم رواة الحديث بصورة دقيقة لا يقبل التسامح لتشخيص و تعيين هوية الراوي بصورة كاملة ، و ذلك على أسس علمية و قواعد مرسومة في علم خاص بهذا الأمر يسمى بعلم الرجال ، و بالاستعانة بهذا العلم يتعرف العلماء على حال الرّاوي من حيث الوثاقة و اللاوثاقة ، فيقررون قبول روايته أو رفضها .
2. تقييم كافة الأحاديث المروية عن المعصومين ( عليهم السَّلام ) من حيث متن الحديث و طبقته لتمييز الأحاديث الصحيحة عن السقيمة ، و يتم هذا التدقيق و التقييم على أسس علمية رصينة و قواعد مدونة في علم خاص بهذا الأمر يسمى بعلم الدراية [5] .
3. ثم بعد ذلك تخضع الرواية للمناقشة في حجيتها في علم الأصول [6] .
4. و بعد ذلك كله تأخذ الرواية طريقها إلى استنباط الحكم الشرعي منها في علم الفقه ، و بعد ثبوت حجية الرواية و صلاحيتها للاستدلال بها يعتمدها الفقيه مصدراً تشريعياً يفيد منه الحكم المطلوب .
نعم هذه هي المراحل التي لابد و أن يمر الراوي و ما رواه من خلالها حتى يصل الحديث إلى مرحلة استنباط الحكم الشرعي منه .
مواصفات الراوي المقبول روايته ، و مؤهلاته :
1. الإسلام : فلا تقبل رواية الكافر مطلقاً ، أما قبول شهادة الذمي في باب الوصية في حق المسلم ، فهو خارج بالدليل ، و هو قول الله تعالى : { ا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ ... } [7] ، فقد فَسّرت الروايات قوله تعالى { أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ } بالذمي [8] .
2. العقل : فلا يقبل خبر المجنون و روايته ، و هو واضح و بديهي .
3. البلوغ : فلا يقبل خبر الصبي غير المميّز ، و بالنسبة إلى المميّز فالمشهور عدم قبول روايته .
4. الإيمان : أي كون الراوي شيعياً إمامياً أثنا عشرياً [9] .
5. العدالة : و هي كما يراه المشهور ، عبارة عن ملكة نفسانية راسخة باعثة على ملازمة التقوى و ترك ارتكاب الكبائر و عدم الإصرار على الصغائر ، و ترك منافيات المروءة التي يكشف ارتكابها عن قلة المبالاة بالدين ، بحيث لا يوثق منه التحرّز عن الذنوب [10] .
نموذج تطبيقي لعملية الاستنباط :
و فيما يلي نذكر نموذجاً تطبيقياً لكيفية الاستدلال بالرواية ، و كيفية مرورها بالمراحل المذكورة على وجه الإيجاز ، و لهذا الغرض نختار رواية من كتاب الكافي رواها الشيخ محمد بن يعقوب الكليني ( قدَّس الله نفسه الزَّكية ) ، و هي :
عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله ( عليه السَّلام ) : قَالَ : سَمِعْتُهُ يَقُولُ : " يُسْتَحَبُّ لِلْمَرِيضِ أَنْ يُعْطِيَ السَّائِلَ بِيَدِهِ وَ يَأْمُرَ السَّائِلَ أَنْ يَدْعُوَ لَهُ " [11] .
إننا إذا أردنا أن نستدل بهذا الحديث الشريف علينا إتباع الخطوات التالية :
1. نرجع إلى كتب الرجال لنعرف مستوى قيمة كل راوٍ من رواة هذا الحديث و هم :
· محمد بن يعقوب الكليني : قال فيه النجاشي : " كان أوثق الناس في الحديث و أثبتهم " = إمامي عادل .
· علي بن إبراهيم القمي : قال فيه النجاشي : " ثقة في الحديث ، ثبت ، معتمد ، صحيح المذهب " = إمامي عادل .
· إبراهيم بن هاشم القمي : قال فيه الخوئي : " لا ينبغي الشك في وثاقة إبراهيم بن هاشم " ، ثم ذكر الأدلة الناهضة بإثبات وثاقته [12] = إمامي عادل .
· محمد بن أبي عمير الأزدي : قال فيه النجاشي : " جليل القدر ، عظيم المنزلة فينا و عند المخالفين " = إمامي عادل .
· عبد الله بن سنان : قال فيه النجاشي : " ثقة ، من أصحابنا جليل ، لا يطعن عليه بشيء " = إمامي عادل .
2. ثم نرجع إلى علم الرجال و نطبق القاعدة الرجالية القائلة : كل راوٍ شَهِد بوثاقته الرجاليون المتقدمون ، أو قامت القرائن الدالة على وثاقته ، هو ثقة .
و ننتهي من تطبيقها إلى أن رواة هذا الحديث كلهم ثقاة عدول .
3. و بعد ذلك نرجع إلى علم الحديث ، و نطبق القاعدة الحديثية القائلة : كل سند رواته إماميون عدول فهو صحيح .
فنتوصل إلى أن سند هذا الحديث معتبر و بمستوى الصحيح .
4. ثم نرجع إلى علم أصول الفقه ، و نطبق القاعدة الأصولية التي تقول : خبر الثقة حجة .
فتسلمنا إلى أن هذا السند حجة لأن جميع رواته ثقاة .
و بعد ثبوت صحة صدور هذه الرواية عن الإمام الصادق ( عليه السَّلام ) ـ كما رأينا ـ نرجع إلى العرف الاجتماعي العربي ، و سنراه يرى أن دلالة هذا الحديث هي من نوع الدلالة الظاهرية ، لظهور معناه عندهم في استحباب إعطاء المريض الصدقة للسائل بنفسه ، و أمره أن يدعو له بالشفاء .
5. و أخيراً : نعود إلى علم أصول الفقه و نطبق على دلالة الحديث قاعدة الظهور التي تقول : كل ظاهر حجة .
فنقول : هذا ظاهر + و كل ظاهر حجة = فهذا حجة .
ثم نصوغ النتيجة باللغة الفقهية فنقول : يستحب للمريض أن يعطي الصدقة للسائل بنفسه ، كما يستحب له أن يأمره بالدعاء له بالشفاء [13] .
--------------------------------------------------------------------------------
[1] التحمّل : مصطلح من مصطلحات علم الحديث ، و يراد منه تلقّي الراوي للحديث من الراوي الآخر الذي ألقاه إليه ، ثم الحفظ له من قبل الراوي المتلقي ، سواءً كان ذلك الحفظ استظهاراً و عن ظهر القلب ، أو كتابةً و تدويناً ، فالتحمّل ـ إذن ـ يعني الحمل ـ لغة ـ حمل في مشقة ، و من غير شك أن حمل الحديث فيه شيء من المشقة لما فيه من وجوب الاحتياط له من أن يدخله أو يشوبه شيء ليس منه . يراجع : أصول الحديث : 223 ، للعلامة الدكتور الشيخ عبد الهادي الفضلي ، الطبعة الثانية سنة : 1416 هجرية ، مؤسسة اُم القرى للتحقيق و النشر .
[2] العلامة الدكتور الشيخ عبد الهادي الفضلي : أصول الحديث : 14 .
[3] العلامة الدكتور الشيخ عبد الهادي الفضلي : أصول علم الرجال : 11 .
[4] لمعرفة الألفاظ المستعملة في الجرح و التعديل يراجع : أصول الحديث و أحكامه في علم الدراية : 153 ، للعلامة المُحقق آية الله الشيخ جعفر السبحاني ( حفظه الله ) ، الطبعة الثانية سنة : 1419 هجرية ، مؤسسة الإمام الصادق ( عليه السلام ) قم / إيران . و أصول الحديث : 115 – 123 ، للعلامة الدكتور الشيخ عبد الهادي الفضلي ، الطبعة الثانية سنة : 1416 هجرية ، مؤسسة اُم القرى للتحقيق و النشر .
[5] علم الدراية : هو العلم الباحث عن الحالات العارضة على الحديث من جانب السند أو المتن . أصول الحديث و أحكامه في علم الدراية : 14 ، للعلامة المُحقق آية الله الشيخ جعفر السبحاني ( حفظه الله ) ، الطبعة الثانية سنة : 1419 هجرية ، مؤسسة الإمام الصادق ( عليه السلام ) ، قم / إيران .
[6] علم الأصول : صناعة يعرف بها القواعد التي يمكن أن تقع في طريق استنباط الأحكام أو التي ينتهي إليها في مقام العمل . يراجع : كفاية الأصول : 1 / 9 ، للعلامة المُحقق الخراساني ( قدَّس الله نفسه الزَّكية ) .
[7] سورة المائدة ( 5 ) ، الآية : 106 .
[8] يراجع : الرعاية في علم الدراية : 181 – 182 ، لزين الدين العاملي المعروف بالشهيد الثاني ، المتوفى سنة : 966 هجرية .
[9] للتفصيل يراجع : عدة الأصول : 379 – 381 ، للعلامة محمد بن الحسن الطوسي ، طبعة مؤسسة آل البيت ، سنة : 1403 هجرية .
[10] يراجع : المعالم : 201 ، لجمال الدين حسن بن زين الدين العاملي ، المتوفى سنة : 1011 هجرية ، و عنه العلامة المُحقق آية الله الشيخ جعفر السبحاني ( حفظه الله ) : أصول الحديث و أحكامه : 134 .
[11] الكافي : كتاب الزكاة ، باب فضل الصدقة ، للشيخ أبي جعفر محمد بن يعقوب بن إسحاق الكُليني ، المُلَقَّب بثقة الإسلام ، المتوفى سنة : 329 هجرية ، طبعة دار الكتب الإسلامية ، سنة : 1365 هجرية / شمسية ، طهران / إيران .
[12] يراجع : معجم رجال الحديث : 1 / 317 ، لآية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي ( قدَّس الله نفسه الزَّكية ) .
[13] أصول علم الرجال : 21 – 23 ، للعلامة الدكتور الشيخ عبد الهادي الفضلي ( حفظه الله ) ، الطبعة الثانية سنة : 1416 هجرية ، مؤسسة اُم القرى للتحقيق و النشر .