PDA

View Full Version : البدائل الشرعية للمعاملات الربوية التقليدية للبنوك والمؤسسات النقدية


غير مسجل
10-02-2005, 09:08 AM
البدائل الشرعية للمعاملات الربوية التقليدية للبنوك والمؤسسات النقدية

نظرة سريعة ومعمقة في احكام البنوك والمصارف

على ضوء التخريجات الفقهية الاسلامية

آية الله العظمى الشيخ محمد اسحاق الفياض

لا ريب في ان البنوك والمصارف النقدية من اهم واكبر المؤسسات المالية في العالم ككل، ولها دور اساس في تدعيم الحركات التجارية وتطويرها شكلا وعمقا، وفي تنمية الحياة الاقتصادية من التجارة والصناعة والزراعة وغيرها، وتقديم خدمات وتسهيلات لعملائها بكافة الوانها واشكالها لتحقيق اهدافها الرئيسية المادية. وبما ان مجموعة من خدماتها الاقتصادية لا تتفق مع طبيعة الشريعة الاسلامية واحكامها، نحاول في شكل جاد ايجاد البدائل لها التي تتفق مع الشريعة من ناحية، وتخريج خدماتها فقهيا من وجهة النظر الشرعية من ناحية اخرى، من دون ان يقلّل هذا من شأنها في نشاطاتها الاقتصادية وتنميتها وحركاتها التجارية وتحقيق اهدافها المطلوبة.

ويمكن تقسيم الوظائف والخدمات الاساسية التي تمارسها البنوك والمصارف الى نوعين:

الأول: تقديم القروض الربوية لعملائها بمختلف اشكالها والوانها، وهي من اكبر خدماتها واكثرها انتشارا في عالم اليوم.

الثاني: تقديمها خدمات تسهيلية لعملائها والمستثمرين في مختلف الميادين الاقتصادية، والاستثمارات التجارية او الصناعية او الزراعية او الانشائية أو غيرها، ومنها الخدمات المصرفية المساعدة مثل الحوالات والشيكات السياحية والحسابات الداخلية أو الخارجية وفتح الاعتمادات واصدار بطاقات الائتمان وغيرها.

بدائل القروض الربوية

اتجهت انظار فقهاء الاسلام منذ زمن الى ايجاد بدائل مطابقة للشرع في البنوك والمصارف بديلا عن النظام التقليدي الربوي المخالف للشرع، وفي امكاننا تبديل هذا النظام التقليدي الربوي في البنوك والمصارف في البلاد الاسلامية بمجموعة من البدائل الموافقة للشرع بالتخريج الاسلامي وهي كما يلي:

البديل الاول: عقد المضاربة

وهو أول ما اتجهت اليه انظار علماء المسلمين في بحوثهم عن وجود بدائل للنظام التقليدي الربوي في البنوك والمصارف، وقد نقل ان هذه الفكرة لقيت نجاحا كبيرا في بعض البنوك الاسلامية. ونجاحها يتطلب دراسة عدة نقاط:

الاولى: ان عقد المضاربة في المصطلح الفقهي الاسلامي عقد خاص بين المالك وهو رب المال والعامل المستثمر، اذ يقومان بانشاء عقد تجارة يكون رأس مالها من الاول والعمل من الثاني بشروط، ويحددان حصة كل منهما من الربح بنسبة مئوية، وغالبا يكون انشاء هذا العقد بين المالك والعامل مباشرة، وقد يكون بواسطة ثالث وهو الوسيط بينهما، ووكيل عن المالك في انشاء هذا العقد بينه وبين العامل، وفي المقام يكون البنك هو الوسيط، فانه وكيل عن المودع في تقديم امواله للعملاء لعقد المضاربة بينهم وبين المودع بشروط، وتعيين حصة كل منهما من الربح بنسبة مئوية.

الثانية: ان نجاح عقد المضاربة - بوصف كونه بديلا عن النظام التقليدي الربوي في تنمية الحياة الاقتصادية والصناعية والزراعية وغيرها- مرتبط بتعزيز عنصر الثقة والامانة بين الاعضاء الثلاثة: المالك، والعامل، والوسيط، وتذليل العقبات والعوائق دون تطبيقها، وهو مرتبط بفرض شروط ائتمانية بين الاعضاء الثلاثة.

1- ان يكون البنك جاهدا في توفير المناخ المناسب لعقود المضاربة مع عملائه، ولا يتجاهل في تهيئة الفرص المتاحة له لانشاء تلك العقود وايجادها، ولا يتسامح في تأخير استثمار الاموال المودعة عنده.

2- مراقبة البنك بدقة لأوضاع السوق في العرض والطلب وتقلبات الاسعار فيها محليا وعالميا، وتحسّن اوضاعها في المستقبل في انشاء العقود معهم.

3- تجزئة رؤوس اموال المضاربة على فترات للتأكد من جدية المضارب واتقانه في العمل وامانته.

4- تعزيز عنصر الثقة والامانة في العامل المضارب لدى البنك الممول، والاّ فمن كان يضمنه ضد الخيانة في التجارة والغش والتزوير والتقصير والتعدي واخفاء الارباح، فان القوانين وحدها لا تكفي ما لم تتوافر فيه حدود معقولة من الاخلاق والامانة والوثاقة التي تحافظ على اموال الغير كمحافظته على امواله.

5- ان تكون للعامل خبرة سابقة في مجال التجارة والصناعة والاستثمار المهني والحرفي.

6- ان يقدم البنك دراسة متكاملة عن مفهوم التجارة وحدوده سعةً وضيقاً، تصديراً واستيراداً، ودراسة أوضاع السوق في العرض والطلب والمؤشرات التي تشير الى تحسن أوضاعها، وعلى العامل المضارب ان يتبادل مع البنك ما لديه من الخبرة في اوضاع السوق، وان يخضع لما يملي البنك عليه من الشروط والقيود لكي يكون باستطاعة البنك ان يقدر نتائجها ويسيطر عليها للتجنب من المخاطر فيها.

7- ان يلزم البنك المودع بملزم شرعي بابقاء وديعته مدة لا تقل عن سنة مثلا تحت تصرفه لكي يتيح له الفرصة لتقديمها للمضاربة مع رجل عمل، وتلعب دورها في الاستثمار.

8- تقييد البنك المحول للعامل في المضاربة، بأن لا تتجاوز المصارف والاجور عن حد معيّن ومعقول يتم الاتفاق عليه، والاّ فعليه ضمان الزائد.

9- يشترط البنك على العامل تزويده بكافة المعلومات عن سير دورة عملية المضاربة من ساعة تنفيذها الى ساعة شراء البضائع والمادة، وعن حدود سعرها وقت الشراء والتفاوت بين السعرين وكميتها وكيفيتها الى انتهاء مدة عقود المضاربة، وبامكان البنك المحافظة على هذه المعلومات والسيطرة عليها بالوسائل الالية الحديثة المتوفرة لديه من ناحية، وعلى اوضاع السوق في هذه المدة صعودا ونزولا من ناحية اخرى، وللبنك ان يزيد في الشروط اذا رأى مصلحة.

الثالثة: ان البنك كما انه وكيل من قبل المودعين في انجاز عقود المضاربة، وكيل من قبلهم في انشاء الشركة بين ودائعهم جميعا بنحو الاشاعة، وبعد ذلك يقوم بعقد المضاربة من مجموع الودائع، وحينئذ يكون رأس المال في كل عقد مضاربة مشتركا بين الكل، وهذا يعزز ثقة المودعين بنجاح المضاربة وتقليل مخاطرها، على اساس ان احتمال الخسران في تمام هذه العقود غير محتمل عادة، وبكلمة ان وديعة كل مودع وان كانت تظل محتفظة بملكية صاحبها لها، ولا تنتقل ملكيتها الى البنك كما هو الحال في البنوك الربوية، الا انها لا تبقى منعزلة عن ودائع الاخرين، بل البنك بمقتضى وكالته عن اصحابها ككل يقوم بالاجراء الشرعي، وهو جعل مجموع الودائع ملكا مشاعا لمجموع المودعين، وعليه فتكون حصة كل مودع من هذا المجموع بنسبة وديعته، ونتيجة ذلك ان رأس مال كل مضاربة مشترك بين الجميع بنسبة وديعته.

الرابعة: ان الوديعة في البنوك الربوية مضمونة، على اساس ان الودائع التي تحصل عليها تلك البنوك ليست في الحقيقة ودائع بالمعنى الفقهي، وانما هي قروض، فاذا كانت كذلك فهي مضمونة بمثلها في الذمة، ولهذا تصبح المبالغ التي يتقاضاها المودعون عليها فوائد على القرض، واما في البنوك اللاربوية فبما انها ودائع بالمعنى الفقهي وباقية في ملك اصحابها، فلا تكون مضمونة من هذه الناحية، ولكن للبنك ولاجل تعزيز ثقة المودعين بنظامه الاسلامي، ان يقوم بضمان الوديعة بقيمتها الكاملة للمودع في حالة خسارة رأس مال المشروع، ولا مانع من قيام البنك بذلك، باعتبار انه يلعب دور الوسيط لا دور العامل لكي يقال بعدم جواز ضمان العامل رأس المال في عقد المضاربة، ونقصد بهذا الضمان تعهد البنك للمودع ببقية الوديعة عند وقوع الخسارة عليها في عقد المضاربة، او تلَفَت بدون تفريط من العامل وتقصيره.

وبكلمة: ان الضمان المعاملي يتصور على نحوين:

احدهما: نقل الدَين من ذمة الى ذمة وهذا هو المشهور بين الفقهاء والمرتكز في الاذهان، ومورده الدين خاصة.

والآخر: التعهد بشيء وجعله في مسؤولية الشخص، ومردّه في نهاية المطاف الى اشتغال ذمته ببدله على تقدير التلف من المثل او القيمة، وهذا معنى آخر للضمان عرفا، وهو يتصور في الديون والأعيان معاً.

أما في الاولى: فليس معناه نقل الدين من ذمة المدين الى ذمة الضامن ولا ضم ذمة الى ذمة، فانه باطل شرعا، بل معناه التعهد باداء الدين مع بقائه في ذمة المدين، ومن هذا القبيل قبول البنك للشيكات، فانه لا يقصد به نقل الدين من ذمة المدين الى ذمته، ولا الضم لانه باطل، بل يقصد به معنى آخر للضمان وهو تعهده بأداء الدين الى الدائن خارجا مع بقائه في ذمة المدين وعدم انتقاله الى ذمته، ونتيجة هذا التعهد ان للدائن ان يرجع الى البنك اذا امتنع المدين عن الاداء ومطالبته بذلك على اساس تعهده به.

واما في الثانية فلأن معناه تعهد الشخص بتكفل الخسارة للعين وتداركها في حالة وقوعها عليها، لان مقتضى القاعدة كون تلف المال يعتبر خسارة على المالك لا على غيره، ولكن اذا تعهد غيره بتكفل خسارته وتداركها اذا وقعت، كان عليه لا على مالكه، وما نحن فيه من هذا القبيل، فان البنك يتعهد للمودع بتكفل خسارة وديعته في حال وقوعها وبدلها في حال تلفه من دون تقصير من العامل، فاذا تعهد البنك الوسيط لذلك فقد عززت ثقة المودع ، بأن وديعته مضمونة ولا ترد الخسارة عليه في حال تلفها.

هذا نظير الضمان في باب الغصب، فان الغاصب ملزم شرعا باداء نفس العين المغصوبة الى مالكها ما دامت موجودة، وبدلها من المثل او القيمة في حال تلفها، غاية الامر ان الضمان في باب الغصب يكون على القاعدة، وفي المقام يكون بالجعل والشرط لا على القاعدة.

الخامسة: ان الفوائد التي تتقاضاها البنوك اللاربوية على استثمار الودائع بعقود المضاربة مع عملائها والمستثمرين على ضوء الشروط المتقدمة، لا تقل عن الفوائد التي تتقاضاها البنوك الربوية على قروض عملائها، ولا سيما اذا كانت الظروف الاقتصادية العالمية او المحلية في تحسن، وهذا المقدار يكفي في جلب الناس لايداع اموالهم في البنوك اللاربوية مضافا الى العامل الديني النفسي.

تقسيم الأرباح

تقسّم الأرباح بين المالك والعامل بمقتضى عقد المضاربة بنسبة مئوية، واما البنك فحيث انه ليس طرفا في العقد، فلا يتطلب العقد اشتراكه في الارباح، ولكن بما ان قيامه بعملية المضاربة بين المالك والعامل وانجازها والاشراف عليها الى نهايتها عمل محترم، فمن حقه ان يأخذ عمولة لقاء هذا العمل، ويمكن تخريج ذلك فقهيا بوجوه:

الأول: ان يكون ذلك على اساس عقد الجعالة(1)، فان المودع يطلب من البنك قيامه بعملية المضاربة لودائعه وانجازها والاشراف عليها لقاء جعل محدد ولا مانع من ذلك، وحينئذ فان كان الجعل من ماله الخارجي المملوك له بالفعل فلا اشكال فيه، وان كان حصة من الربح فقد يشكل فيه تارة بأنه مجهول واخرى بأنه معدوم فعلا، ولكن كلا الاشكالين لا اثر له في المقام، اما الاول فلأن كون الجعل مجهول القدر لا يضر بصحة عقد الجعالة، اذ لا يعتبر فيها كون الجعل معلوم القدر، نعم، يعتبر ان لا يكون اصل وجوده مجهولا، كما يعتبر ان لا يكون من المجهول المطلق كالشيء.

واما الثاني: فلأنه لا يعتبر في صحة عقد الجعالة ان يكون الجعل قابلا للتمليك حين العقد، اما بأن يكون شيئا موجودا في الخارج ومملوكا للجاعل بالفعل فيملكه المجعول له بالجعالة، او يكون شيئا ثابتا في الذمة، وذلك لان المجعول له لا يملك الجعل بنفس عقد الجعالة من الجاعل، وانما يملك بعد انجازه العمل المأمر به خارجا، وفي هذا الظرف لا بد ان يكون الجعل قابلا للتملك من الجاعل وان لم يكن قابلا له حين العقد، والمفروض في المقام ان المودع كأن يجعل للبنك حصة من الربح اذا انجز المضاربة وواصل الاشراف عليها الى انتهاء مدتها، وفي هذا الظرف تكون الحصة من الربح موجودة في الخارج ومملوكة للجاعل فعلا وقابلة للتمليك كذلك.

وقد تسأل: ان الرابح لا يكون مضمونا، فانه قد يتحقق وقد لا يتحقق، فلا يصح للمودع ان يجعل حصته منه جعلا في عقد الجعالة؟

والجواب: ان الربح بالنسبة الى كل مضاربة مستقلة وان كان مشكوكا وغير مضمون، الا انه بالنسبة الى مجموع عقود المضاربة التي قام البنك بانجازها كان مضمونا عادة.

وقد تسأل: هل يمكن جعل حصة من الربح للبنك على اساس عقد المضاربة أو لا؟

والجواب: انه لا يمكن، لان عقد المضاربة انما هو بين المودع والعامل، والبنك ليس طرفا له، وانما هو وسيط بينهما في انجازه والاشراف عليه، وحينئذ فمن الطبيعي يكون مفاده اشتراك العامل مع المودع في الربح بنسبة مئوية دون غيره، كالبنك الذي هو خارج عن طرفي العقد، وافتراض عقد مضاربة جديدة بينه وبين المودع خلف.



الاجارة

الثاني: ان يكون ذلك على اساس الاجارة، فيستأجر المودع البنك للقيام بعملية المضاربة لأمواله والإشراف عليها الى نهايتها لقاء اجرة معينة، ولكن هذا التخريج انما يتم اذا جعل المودع الاجرة من المال القابل للتمليك حين عقد الاجارة، ان يكون شيئا خارجيا مملوكا له بالفعل، أو شيئا ثابتا في ذمته، ولا يتم هذا التخريج اذا جعل الاجرة حصة من الربح لسببين:

1- ان الحصة من الربح بنسبة مئوية مجهولة، ويعتبر في الاجارة معلومية الأجرة.

2- ان الأجرة لا بد ان تكون قابلة للتمليك من قبل المودع حين العقد، على اساس ان الاجير انما يملك الاجرة بنفس العقد، والمفروض ان الربح غير موجود حين العقد حتى يملكه المودع للأجير، فالأجرة لا بد اما ان تكون شيئا ثابتا في الخارج المملوك للمودع بالفعل، أو شيئا ثابتا في الذمة، والا فلا تصلح أجرة.

الثالث: ان يكون ذلك على اساس شرط النتيجة، فيشترط البنك على المودع في عقد ما ان يكون مالكا لحصة معينة من الربح اذا ظهر، ولا بأس بهذا الشرط، لأن معناه ليس دخول الحصة من الربح في ملكه في ظرف ظهوره ابتداء لكي يقال انه غير معقول وخلاف قانون المعاوضة، بل معناه دخولها في ملكه في طول دخولها في ملك المودع بمقتضى الشرط ولا مانع من ذلك.

الرابع: ان يكون ذلك على اساس شرط الفعل، فيشترط البنك على المودع ان يعطي مبلغا معينا من الربح ازاء ما قام له من الخدمات، وهي قيامه بعقد المضاربة على امواله وانجازها والاشراف عليها.

الخامس: ان يكون ذلك على اساس اجرة المثل التي يتقاضاها الاجراء للقيام بمثل هذا العمل. ثم ان من حق البنك ان يطلب من العامل المضارب ايضا عمولة لقاء ما قدمه له من الخدمة، وهي تقديم الاموال له للمضاربة والاستثمار واتاحة الفرصة وتوفير المناخ المناسب لنجاحها، وتقديم المعلومات له عن اوضاع السوق ومؤشراته، ويمكن تخريج ذلك فقهيا ايضا بأحد الوجوه المتقدمة، وهناك جوانب اخرى:

)منها) تعيين الوقت لعقد المضاربة مع عملائه وتمديده في كل اسبوع او شهر مثلا مرة حسب الظروف المالية والودائع المجمعة عنده، واعلان ذلك لعملائه، وطلب حضورهم فيه بشروط محددة.

)ومنها) تحديد ارباح المضاربات التي تمت بواسطتها في نهاية مدتها ومعرفتها.

)ومنها) كيفية توزيعها على نسبة رؤوس الأموال للمضاربة.

)ومنها) غير ذلك.

وأما تطبيق هذه الجوانب وغيرها عمليا في الخارج، فهو بيد أهل الفن والخبرة في هذه الامور، وحينئذ فبامكان البنك اللاربوي استخدام هيئة فنية في تطبيق تلك الجوانب من عقود المضاربة كما ان بامكانه استخدام هيئة كذلك للمراقبة بالوسائل الحديثة المتوفرة عنده.

هذه فكرة كبروية سريعة عن عقد المضاربة في البنوك والمصارف بديلا عن القروض الربوية المحرّمة شرعا.

البديل الثاني: عقد الوكالة

فان البنك بصفة كونه وكيلا عن المودعين في التصرف في اموالهم المودعة عنده حسب ما يراه فيه من المصلحة، فله بدلا من ان يقرض عميله من الودائع بفائدة ربوية يقدم اليه اموالا، ويوكله في شراء متطلباته الشخصية او التجارية او الصناعية او الزراعية او غيرها من قبله، وبعد الشراء والقبض يبيعها وكالة منه على نفسه بثمن مؤجل يتضمن ربحا لا يقل عن سعر الفائدة في القرض الربوي.

وتطبيق هذا البديل في النظام المصرفي بديلا عن التعامل الربوي فيه يبتني على توافر امور:

الأول: عنصر الثقة والامانة في العميل الوكيل في الشراء، او هناك طرف ثالث يضمن رأس المال.

الثاني: اشراف البنك على عملية الشراء واطلاعه على أوضاع السوق وتقلباته.

الثالث: اذا لم تكن له خبرة في عملية الشراء او في معرفة الاجناس، فعلى البنك ان يرسل معه من اهل الخبرة في ذلك، وحينئذ فإما ان يكون شراؤه بنظره او هو يقوم بالشراء لمتطلباته من الأجناس والبضائع من قبل البنك ثم يبيعها عليه بربح مؤجل.

الرابع: تقييد عمله بزمن معين او مكان كذلك او شركة خاصة لتجنب المخاطر وغيرها مما يراه البنك دخيلا في تعزيز الثقة والامانة.

البديل الثالث: بيع المرابحة

وهو ان البنك بدلا عن ان يقرض عملاءه بفائدة ربوية لكي يقوموا بشراء حاجياتهم الشخصية او التجارية، يقوم البنك بنفسه بشراء تلك الحاجيات نقداً ثم يبيعها عليهم بثمن مؤجل يتضمن ربحا، وتطبيق هذه العملية لا يتطلب ان تكون للبنك مخازن ومستودعات تفي بكافة متطلبات عملائه من المواد الشخصية والتجارية او الانشائية او المهنية او الصناعية او غيرها، وذلك لان البنك لا يقوم بشرائها الا بعد مطالبة العميل بذلك، وحينئذ فاذا لم يرغب العميل في اتمام الشراء من البنك، فله ان يبيع البضاعة الى طرف ثالث.

واذا خسر في هذا البيع، فهل الخسارة على العميل أو لا؟

والجواب: ان الشراء حيث كان بأمره وطلبه كانت الخسارة على ذمته، وبذلك يتفادى مشكلة تراجع العملاء عن الوفاء بعهودهم مع البنك، فان وعد الشراء منه وان كان غير ملزم لهم اذا لم يكن شرطا في ضمن عقد لازم، الا ان قيام البنك بشراء السلعة او البضاعة لمّا كان بأمر منهم وطلبهم كان موجبا للضمان، فان الأمر بالعمل الذي له قيمة مالية في نفسه، سواء أكان بالامر الخاص أم العام الموجب للضمان، لانه ملاك الضمان في باب الجعالة، باعتبار ان الضمان فيه ضمان الغرامة لا ضمان المعاوضة، وعلى هذا فاذا أمر العميل البنك بشراء السلع والبضائع متعهدا على نفسه شراءها منه بفائدة نسبية محددة، وحينئد فان امتنع عن الشراء لسبب ما وخسر البنك في ذلك، كان العميل ضامنا للخسارة بموجب امره، بكلمة: يمكن تخريج الضمان في المقام فقهيا على اساس الجعالة بلحاظ ان حقيقة الجعالة تنحل الى جزئين:

احدهما: الامر بالعمل الذي له قيمة مالية.

والآخر: تعيين الاجرة بازاء ذلك العمل وتحديدها، وفي المقام يشكل امر العميل البنك بشراء السلع الجزء الاول من الجعالة، وتعهده بشرائها منه بربح نسبي يشكل الجزء الثاني منها، فمن اجل ذلك اذا تراجع العميل عن الشراء منه، ضمن اجرة مثل عمله من ناحية، والخسارة على تقدير وقوعها من ناحية اخرى، والاول بموجب عقد الجعالة والثاني بموجب أمره.

وبكلمة: ان بامكان البنك بدلا عن تلبية العملاء بالاقراض الربوية، تلبيتهم بشراء الاغراض الشخصية والاجتماعية من السلع المطلوبة كالسيارات والبيوت السكنية والاثاث المنزلي والأدوات الانشائية وغيرها، فانهم في حالة الحاجة اليها يطلبون من البنك شراءها لنفسه نقداً، ثم يبيعها عليهم بتكاليفها مع اضافة ربح لا يقل عن سعر الفائدة، وبذلك يصلح ان يكون بيع المرابحة بديلا عن القروض الربوية في كثير من الموارد.

البديل الرابع: بيع السلم

وهو عقد بيع يُعجّل فيه الثمن، ويؤجل فيه تسليم المبيع الى اجل محدود، وعلى هذا فبدلا من ان يقرض البنك عملاءه بفائدة ربوية لشراء السلع بغاية الاستثمار والاتجار او لحاجة شخصية سلما، يقوم البنك بشرائها كذلك، وبعد نهاية المدة وقبض السلع يبيعها عليهم بثمن التكليف مؤجلا مع اضافة ربح محدد يقوم مقام سعر الفائدة، ومن هنا يقوم عقد السلم مقام القرض الربوي كوسيلة لتوفير التمويل للشركات التجارية او المؤسسات الصناعية او الزراعية او الانشائية عن طريق قيام البنك بشراء منتجات تلك الشركات والمؤسسات سلما، ودفع الثمن اليها نقداً لتمويلها بدلا عن اقراضها ربويا، فاذا نتجت الشركات قام اصحابها ببيع منتجاتها لعملائها وكالة عن البنك، ويدفع ثمنها اليه، وبذلك يكون شراء البنك منتجاتها من اصحابها بثمن نقدي سلما، بديلا عن القروض الربوية.

البديل الخامس: الشركة

وهي عقد بين شخصين أو اكثر، ومقتضاه ان يساهم كل منهم في مشروع معين تجاري او صناعي او زراعي، بتقديم حصة من المال لاستثمارها بهدف الربح والفائدة، والشركة بدلا عن ان تقترض من البنك بفائدة ربوية تطلب منه تمويل الشركة بحصة من المال، وتمثل هذه الحصة مساهمة منه في المشاركة، فيكون البنك من احد الشركاء، وعلى هذا فيتكون رأس مال الشركة من مجموع حصة من البنك والعميل، وتحدد حصة كل من الشركاء بنسبة مئوية، وتقسم الارباح عليهم بهذه النسبة، ومن الطبيعي ان الفائدة التي يحصل عليها البنك من المساهمة والمشاركة في الشركات التجارية او الصناعية او الزراعية او غيرها، لا تقل من الفائدة التي يحصل عليها من تقديم القروض الربوية لعملائه، على اساس ان البنك لا يقدم على المشاركة والمساهمة في الشركات الاستثمارية اعتباطا، وانما يقدم عليها بعد دراسة حدود نجاحها ومعرفة المساهمين فيها، وانهم من ذوي سمعة جيدة في المجالات التجارية او الصناعية او غيرها، وبامكان البنك عندئذ ان يجعل نفس العميل وكيلا عنه في ادارة الشركة، او يجعل شخصا آخر وكيلا عنه في ادارتها مع العميل، وفي كلتا الحالتين لا يكون الوكيل مسؤولا وضامنا للخسارة الا مع التعدي والتفريط.



البديل السادس: التحويل

تحويل القرض في البنوك والمصارف الى البيع، فيخرج بذلك عن كونه ربويا مثلاً، فالبنك بدلا عن ان يقرض مائة دينار مثلاً لعميله بمائة وعشرة الى ستة اشهر، يبيع المائة عليه بمائة وعشرة الى ستة اشهر، ولا يكون في ذلك ربا.

بيان ذلك: ان الاوراق النقدية المالية بما انها لا تكون من الذهب والفضة، ولا انها نائبة عنهما لكي تكون محكومة بحكمهما، ولا من المكيل والموزون، فلذلك لا تعتبر المساواة بين الثمن والمثمن منها مع انها معتبرة في بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة، كما انها معتبرة في بيع المكيل بالمكيل والموزون بالموزون، وعلى هذا فلا مانع من بيع تلك الاوراق نقدا بأزيد منها في الذمة مؤجلاً، كما اذا اشترى شخص عشرين ديناراً خارجياً مثلا بخمسة وعشرين ديناراً كليا في الذمة الى ثلاثة اشهر. هذا وهنا اشكالان:

احدهما: انه قرض واقعا ولكنه أُلبس ثوب البيع، لان المعتبر في البيع المغايرة بين الثمن والمثمن ولا مغايرة بعينهما في المقام، على اساس ان الثمن - وهو الكلي في الذمة- ينطبق على المثمن في الخارج.

والجواب: انه يكفي في صدق البيع عرفا المغايرة الناشئة من كون المثمن عينا خارجية والثمن امراً كليا في الذمة، ومجرد كون الثمن منطبقا على المثمن في الخارج، لا ينافي المغايرة بينهما الناشئة من كون احدهما كليا في الذمة والآخر عينا خارجية، والمفروض في المقام ان الثمن هو الكلي الثابت في الذمة، لا خصوص الحصة المنطبقة منه على المثمن في الخارج، لكي يقال انه لا مغايرة بينهما.

ومن هنا لا اشكال عرفا في صدق البيع على بيع الشيء القيمي الخارجي بجنسه الكلي في الذمة بزيادة، كبيع فرس معين خارجاً بفرسين في الذمة الى اجل محدد فانه منصوص، وهذا يدل على ان هذا المقدار من المغايرة يكفي في صدق البيع.

وبكلمة: ان مفهوم البيع غير مفهوم القرض، فان مفهوم البيع متمثل في تمليك مال بعوض، ولهذا يعتبر في صدقه ان يكون العوض غير المعوض والثمن غير المثمن، ومفهوم القرض متمثل في تمليك مال خارجي على وجه الضمان بمثله بدون النظر الى المبادلة والمعاوضة بينهما، ومجرد كون مالهما واحدا في المقام لا يجعل البيع قرضا، لان المعيار في صدق البيع انما هو بانشاء مفهومه عن جدٍ وان كان قد يفيد فائدة القرض، ومن هنا يكون الصلح عقداً مستقلا باعتبار ان مفهومه مغاير لمفهوم البيع ومفهوم القرض مع انه قد يفيد فائدة البيع وقد يفيد فائدة القرض.

ثانيهما: ان القرض بمقتضى الارتكاز العقلائي تبديل المال المثلي الخارجي بمثله في الذمة، فيصدق عنوان القرض عرفا على كل معاملة تتكفل لهذا التبديل ولو كان المنشأ فيها عنوان التمليك بعوض، ولا يريد العرف من كلمة القرض الا المعاملة التي تؤدي الى ذلك النحو من التبديل.

والجواب: الظاهر ان الامر ليس كذلك، فان المرتكز لدى العرف العام، ان صدق عنوان البيع او القرض او غيره من المعاملات منوط بكون المنشأ فيه عن جدٍ مفهومة، فان كان مفهوم البيع كان بيعا وليس بقرض ولا غيره، وان كان مفهوم القرض فهو قرض وليس ببيع ولا غيره، وهكذا.

وبكلمة: ان مفهوم القرض يتوقف على كون المال المقترض مثليا خارجيا، فانه اذا كان كذلك وقصد تضمينه بمثله في الذمة من دون لحاظ كون احدهما ثمنا والآخر مثمنا فهو قرض، ومفهوم البيع لا يتوقف على ذلك، فانه عبارة عن تمليك عين بعوض وان لم تكن العين او العوض موجودة في الخارج، فاذا قصد تمليك مائة دينار خارجي مثلاً بمائة وعشرة دنانير كلية في الذمة الى ستة اشهر بجعل احدهما ثمنا والاخر مثمنا كان بيعا، ولا يصدق عليه عنوان القرض.

ويتلخص: انه لا مانع من صحة بيع الاوراق النقدية الشخصية بالكلي منها في الذمة، كبيع الف دينار نقدا بألف وخمسين دينارا في الذمة الى أجل معين، وبيع ثمانية دنانير مثلا بعشرة في الذمة الى ثلاثة اشهر وهكذا، فانه لا يصدق على ذلك عنوان القرض، على اساس انه لوحظ احدهما ثمنا، والاخر مثمنا وقصد المعاوضة بينهما، ولا يصدق على هذا الا عنوان البيع، ومفهومه دون مفهوم القرض.

وعلى هذا فبامكان كل من البنك والعميل تحويل القرض في البنوك بالبيع، فيخرج بذلك عن النظام التقليدي الربوي.

ولو سلمنا ان تبديل القرض بالبيع لا يمكن في عملة واحدة على النحو الذي عرفته، باعتبار انه قرض في الواقع بصورة البيع، الا انه لا مانع منه بين عملتين كالدينار والتومان، والدينار والدولار ونحوهما، بأن يبيع ثمانين دينارا مثلا بألفي تومان مؤجلا بدلا عن ان يبيع الثمانين بمائة دينار كذلك، على اساس ان احكام بيع الصرف لا تجري على بيع النقود الورقية، فلا يجب فيه التقابض في المجلس، بل يجوز ان يكون الثمن مؤجلاً، وحينئذ ففي نهاية الأجل يمكن للبائع ان يتقاضى من المشتري الفي تومان او ما يساوي ذلك من الدنانير العراقية وهو مائة دينار من باب وفاء الدين بغير جنسه، وهكذا تحصيل نفس النتيجة المطلوبة لمن يريد ان يقرض من البنك ربويا.

وبكلمة: ان البنك بدلا عن ان يبيع اربعين دينارا مثلا بخمسين دينارا مؤجلا الى ثلاثة اشهر، يبيع الأربعين بألف تومان مؤجلا الى المدة نفسها، ولو قيل في بيع اربعين دينارا بخمسين انه قرض واقعا وان اُلبس ثوب البيع صورة، فلا يقال هذا في بيع اربعين دينارا بألف تومان، لعدم المماثلة بين الثمن والمثمن، وكذلك العميل، فانه بدلا عن ان يبيع اربعين دينارا مثلا للبنك بخمسين دينارا مؤجلا، يبيع الاربعين بألف تومان، وفي نهاية المدة يمكن له ان يتقاضى من البنك الف تومان او ما يساوي ذلك من الدنانير وهو خمسون دينارا مثلاً.

ودعوى: ان النظر العرفي في باب النقود الى ماليتها دون خصوصياتها، فالمنظور اليه عرفا من بيع اربعين دينارا بألف تومان، هو تبديل مالية بمالية، فاذا كان النظر العرفي الى مالية الدنانير والتوامين التي وقعت ثمنا ومثمناً، فلا تغاير بين الثمن والمثمن حينئذ الا في كون احدهما أمراً خارجياً والآخر أمراً ذميّاً، وهذا معنى تبديل الشيء الى مثله الذي هو معنى القرض.

مدفوعة: بأن المنظور اليه في باب النقود وان كان المالية، الا انه المالية الخاصة، فان النظر اليه في باب النقود الى مالية الدينار في ضمن الدينار لا مطلقاً، والى مالية التومان في ضمن التومان ومالية الدولار في ضمن الدولار وهكذا، وعلى هذا ففي بيع الدينار بالتومان يكفي النظر العرفي الى تبديل مالية الدينار بمالية التومان، لا الى تبديل مالية بمالية من دون خصوصية للدينار والتومان، فاذن يكون الثمن مغايرا للمثمن ولا مماثلة بينهما.

وقد يقال: ان هذا البديل لا يحقق كل فوائد القرض الربوي المحرّم شرعا، وذلك لان الشخص اذا اخذ عشرين ديناراً مثلا من البنك مؤجلا الى شهرين، فان كان اخذهما على اساس القرض الربوي، فان وفّى خلال الشهرين فهو، والاّ كان البنك يلزمه بفائدة جديدة عن التأخير، وان كان اخذها على اساس البيع، لم يجز له الزامه بفائدة جديدة مقابل التأخير، وان شئت قلت: ان تأخير المدين عن السداد في البنوك التقليدية لا يمثل معضلة كبرى، طالما ان الضمانات كافية لسداد قيمة الدين، وكلما تأخر المدين عن السداد والوفاء اضيفت فوائد التأخير الى مديونيته، وبتكرار التأخير تتضاعف الفائدة على رأس المال، واما في البنوك غير الربوية فلا يجوز الزام المدين بفائدة جديدة مقابل التأخير لأنه ربا.

والجواب: ان بامكاننا علاج هذه المعضلة بالتقريب التالي، وهو ان يشترط البنك على عميله المشتري في عقد البيع ان يدفع ديناراً مثلا عن كل شهر اذا لم يسدد الدين في موعده، ولا يكون هذا ربا، فان الزام البنك المدين انما يكون بحكم الشرط في ضمن البيع لا في ضمن القرض حتى يكون ربا. نعم، لو اشترط ان يكون له الدينار في كل شهر في مقابل التأجيل والتأخير لكان من اشتراط الربا، وبكلمة كما ان بامكان البائع ان يشترط على المشتري في ضمن البيع ان يخيط له في كل شهر ثوبا الى سنة او اكثر، او ان يهب له في كل شهر ديناراً الى ستة اشهر مثلا، كذلك بامكانه ان يشترط عليه في عقد البيع ان يدفع ديناراً في كل شهر يتأخر فيه عن دفع الثمن المقرر من حين حلول موعده، وحيث ان الزام المدين هنا بدفع الدينار يكون بحكم البيع لا بحكم عقد القرض، ولا في مقابل الأجل، فلا يكون من اشتراط الربا.

وهناك بدائل اخرى منها الاجارة المنتهية الى التمليك، ومنها الاستصناع، ومنها غير ذلك، اذ بامكان البنك اللاربوي القيام بكل معاملة مشروعة مع عملائه حسب ما يراه فيها من المصلحة والفائدة للطرفين.

الخلاصة:

استعرضنا الآن البدائل التي يمكن تطبيقها عمليا في الاعمال المصرفية وتطويرها في البنوك والمصارف بديلا عن النظام التقليدي الربوي، ولا يقل دور مجموع هذه البدائل وتطبيقها عمليا في تنمية الاقتصاد والحركة التجارية او الصناعية او الزراعية او غيرها عن دور القروض الربوية، ومن هنا الغى الاسلام بشكل جاد وقاطع النظام الربوي عن الاقتصاد الاسلامي نصا وروحا، هذا من ناحية، ومن ناحية اخرى ان الاسلام بقدر ما يؤكد في نظامه الاقتصادي على الجانب المادي نصا وروحا، يؤكد على الجانب المعنوي ايضا، على اساس ان الاسلام هو الدين الوحيد الذي يزوّد الانسان بطاقات نفسية وملكات فاضلة واخلاق سامية لمعالجة مشاكل الانسان الكبرى المعقدة في مختلف مجالات الحياة الفردية والعائلية والاجتماعية، وهو يرتبط بين الدوافع الذاتية والميول الطبيعية الذاتية للانسان والمصالح الكبرى، وهي العدالة الاجتماعية التي اهتم الاسلام بايجادها وايجاد المجتمع الفاضل، فلذلك يكون الدين الاسلامي هو الوسيلة الوحيدة لحل التناقضات بين الدوافع الذاتية لمصالح شخصية وبين المصالح النوعية، وهو يجهز الانسان بطاقات غريزة الدين ودوافعه المتمثلة في الايمان بالله العظيم، وبذلك تصبح المصالح العامة للمجتمع الانساني على طبق الميول الطبيعية والدوافع الذاتية، ومن هنا يكون الانسان المسلم بحكم غريزة الدين التي اصبحت ميولاً ذاتية له يقدم بأقصى درجة الحب والميل والرغبة على بذل أعز ما لديه، وهذا معنى حل الدين الاسلامي مشكلة الانسان الكبرى.

وتطبيق هذه البدائل عمليا مرتبط بعدة عوامل:

الأول: العامل النفسي وهو ان المسلمين - بحكم ضرورة تبعيتهم للدين الاسلامي ومسؤوليتهم امام الله تعالى - ملزمون باستخدام هذه البدائل في طريق التعامل المصرفي بديلا عن النظام التقليدي الربوي المحرم بالضرورة من الشرع.

الثاني: ان تطبيق تلك البدائل عمليا المتمثلة في النظام اللاربوي بديلا عن النظام التقليدي الربوي في البنوك والمصارف، يدل على اصالة المسلمين الفكرية وشخصيتهم التشريعية المستقلة المستمدة من الكتاب والسنة من ناحية، وعلى النظام الاقتصادي الاسلامي في حدود دائرة الشرع من ناحية اخرى.

الثالث: ان دور هذه البدائل في الحركات التجارية والصناعية والزراعية وغيرها لا يقل عن دور القروض الربوية.

1- عقد الجعالة وهو ان يجعل الانسان مالاً معينا مقابل عمل معين، من قبيل ان يقول من عثر على حاجتي المفقودة كذا فله عشرة دنانير، فيوصف الانسان بأنه (جاعل) والذي يؤدي العمل بأنه (عامل).

والفرق بين الجعالة والاجارة، ان في الاجارة بعد قراءة صيغة العقد يلزم على الاجير اداء الوظيفة ويلزم على من استأجره اعطاء الاجر، في حين ان العامل في الجعالة غير ملزم بانجاز العمل والجاعل غير ملزم بالعطاء حتى يتم انجاز العمل.