غير مسجل
28-01-2005, 05:07 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
س1: هل كان التقليد والرجوع للعلماء موجوداً لدى شيعة أهل البيت (عليهم السلام) في عصور حضور الأئمة أو عصر الغيبة الصغرى أو بدأ بعدها؟
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وآله الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.
ج: الرجوع للعلماء وسؤالهم عن الأحكام الشرعية العملية مما جرت عليه سيرة الشيعة وجميع المسلمين من الصدر الأول، وعرف في كل عصر جماعة ممن يتصدى للفتوى، وقد تضمنت النصوص تصدي الشيعة لذلك مثل أبان بن تغلب، الذي قال الشيخ الطوسي في حقه بعد أن مدحه وعظمه: (وقال له أبو جعفر الباقر (عليه السلام): اجلس في مسجد المدينة، وأفت الناس، فإني أحب أن يرى في شيعتي مثلك، فجلس) ومثل معاذ بن مسلم النحوي فقد روى في حديثه عن الإمام الصادق (عليه السلام): (قال: بلغني أنك تقعد في الجامع فتفتي الناس؟ قلت: نعم، وأردت أن أسألك عن ذلك قبل أن أخرج. إني أقعد في المسجد فيجيء الرجل فيسألني عن الشيء، فإذا عرفته بالخلاف لكم أخبرته بما يقولون، ويجيء الرجل أعرفه بحبكم أو بمودتكم فأخبره بما جاء عنكم، ويجيء الرجل لا أعرفه ولا أدري من هو، فأقول: جاء عن فلان كذا وجاء عن فلان كذا، فأدخل قولكم فيما بين ذلك. قال: فقال لي: اصنع كذا، فإني أصنع كذا).
لكن الفقه الشيعي لم يكن متميزاً بنفسه وبفقهائه في الصدر الأول بسبب الفتن والمآسي التي مرت على الشيعة، وربما كان الشيعة يستفتون العامة غفلة عن مخالفتهم لأهل البيت (عليهم السلام). وقد اهتم الإمام الباقر (عليه السلام) بهذه الجهة وبدأ بتثقيف الشيعة بفقههم. وفي حديث عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (لما حضرت أبي الوفاة قال: يا جعفر أوصيك بأصحابي خيراً. قلت: جعلت فداك والله لأدعنهم والرجل منهم يكون في المصر، فلا يسأل أحداً) وقام (صلوات الله عليه) بما وعد، وبدأ الشيعة يقصدون علماءهم ويرجعون إليهم، وتصدى جماعة منهم للفتيا، كما أرشد الأئمة (عليه السلام) إلى جماعة منهم، ففي صحيح شعيب العقرقوفي: (قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) : ربما احتجنا أن نسأل عن الشيء فمن نسأل؟ قال: عليك بالأسدي. يعني أبا بصير) وفي صحيح عبد الله بن أبي يعفور: (قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إنه ليس كل ساعة ألقاك، ولا يمكن القدوم، ويجيء الرجل من أصحابنا فيسألني وليس عندي كل ما يسألني عنه فقال: ما يمنعك عن محمد بن مسلم الثقفي، فإنه سمع من أبي وكان عنده وجيهاً)، كما ورد الإرجاع إلى جماعة آخرين، مثل الحارث بن المغيرة والمفضل بن عمر وزكريا بن آدم ويونس بن عبد الرحمن والعمري وابنه، في أحاديث كثيرة لا يسعنا استقصاؤها، وتكامل للشيعة فقههم واستغنوا عن غيرهم ففي معتبر محمد بن حكيم: (قلت لأبي الحسن موسى (عليه السلام): جعلت فداك فقّهنا في الدين وأغنانا الله بكم من الناس حتى أن الجماعة منا لتكون في المجلس ما يسأل رجل صاحبه [إلا] يحضره المسألة ويحضره جوابها فيما منّ علينا بكم…)، وفي كتاب الإمام الهادي (عليه السلام) لأحمد بن حاتم وأخيه: (فاصمدا في دينكما على كل مُسِنّ في حبنا وكل كثير القدم في أمرنا، فإنهما كافوكما إن شاء الله تعالى).
وبدأ فقهاء الشيعة يؤلفون الكتب في الأحكام الشرعية لعمل الناس التي هي أشبه بالرسائل العملية، يحضرنا منها كتاب يوم وليلة ليونس بن عبد الرحمن من أصحاب الرضا (عليه السلام)، الذي ورد عنهم (عليهم السلام) في نصوص كثيرة الثناء عليه وإقرار العمل به، وكذا كتاب يوم وليلة المعروف بكتاب التأديب لتلميذه أحمد بن عبد الله بن مهران المعروف بابن خانبة، ورسالة علي بن بابويه القمي والد الصدوق المتوفى في عصر الغيبة الصغرى. وما كتاب من لا يحضره الفقيه المؤلف في أوائل الغيبة الكبرى إلا رسالة عملية يرجع إليها من لا يتيسر له سؤال الفقيه، وهي تتضمن فتاوى الصدوق، ثم تتابعت الرسائل للعلماء طبقة بعد طبقة كالمقنعة للشيخ المفيد وجمل العلم والعمل للسيد المرتضى والنهاية في مجرد الفقه والفتوى للشيخ الطوسي قدس الله أسرارهم الزكية وغير ذلك مما لا يحصى كثرة.
س2: ما هي الشروط الأساسية في مرجع التقليد؟
ج: الأساس في ذلك الاجتهاد والعدالة. أما العدالة فنقصد منها المرتبة العالية بحيث تمنع الشخص عادةً من مخالفة التكليف الشرعي ومن الوقوع في المعصية وإن كانت صغيرة، بحيث لو صدرت منه ـ نادراً ـ لأسرع للتوبة والإنابة لله تعالى.
وأما الاجتهاد فهو عبارة عن القدرة على أخذ الحكم الشرعي والوظيفة العملية من الأدلة المعتبرة الكافية في الخروج عن المسؤولية أمام الله تعالى. والفاقد للقدرة المذكورة جاهل لا معنى للرجوع إليه وتقليده. هذان هما الشرطان الأساسيان. نعم مع العلم باختلاف المجتهدين ـ كما هو حاصل الآن ـ لابد من ترجيح الأعلم ، كما فصلنا ذلك في بحثنا الفقهي. ومن هنا تعدّ الأعلمية شرطاً ثالثاً.
س3: عرف عنكم رأيكم المتميز في عدالة مرجع التقليد، حيث تشترطون في المرجع أن يكون على مرتبة عالية من العدالة، وهي أرقى من العدالة المعتبرة في الشاهد وإمام الجماعة، وفي موضع آخر ذكرتم أنه إذا تساوى المجتهدان في العلم يقدّم للتقليد من هو أشد ورعاً... وهنا يطرح سؤال عن مدى ارتباط شدة الورع بالتقليد الذي هو اتباع العالم بالحكم الشرعي.
ج: رأينا في عدالة مرجع التقليد نابع من أن الأمانة كلما عظمت وجلّت احتاجت إلى قوة رادعة عن الخيانة بصورة أقوى وآكد. وبعد غياب العصمة عن مقام التبليغ بأحكام الله تعالى والقيام بالوظائف الدينية لا رادع عن التلاعب بالأحكام وضياعها والتفريط في الوظائف الدينية إلا قوة العدالة وشدة الخوف من الله تعالى. فالمرجع في التقليد يتعرض..
أولاً: للضغط النفسي عند اختيار الحكم واستنباطه من الأدلة، فإن أدلة الأحكام غير منضبطة، والنفس بطبعها تميل للفتوى بما يطابق الظنون والقناعات والعواطف، فقد يجنح الباحث للحكم وتلبس عليه نفسه، فيستوضح الأدلة عليه بسبب ذلك، وقد يؤتى حظاً من القدرة على الاستدلال واللحن بالحجة، فيبرز ما ليس دليلاً بصورة الدليل. ولا حاجز له عن التلاعب أو التسامح أو التغافل في ذلك إلا الخوف من الله تعالى وشدة الحذر من نكاله حين يلتفت إلى أن الخصم المحاسِب هو الله تعالى الذي لا تخفى عليه خافية، ولا يُخدع بالحجج الواهية، فإنه حينئذٍ يتجلى له أن ما يقيمه من الأدلة هل يصلح لأن يكون حجة له مع الله تعالى وعذراً بين يديه أو لا؟ فيحمله ذلك طبعاً على استفراغ الوسع واستكمال الجهد لمعرفة الأدلة الحقيقية والوقوف عندها واستنباط الحكم على أساسها.
وثانياً: للضغوط الأخرى الخارجة عن مقام الاستدلال، إذ كثيراً ما يكون الحكم الذي تقضي به الأدلة الشرعية غير ملائم لرغبات السلطان أو العامة أو غير مناسب للظرف القائم أو العواطف المتأججة، كما قد يتعرض لضغط الأنانية بلحاظ حب الظهور في الابتكار والتميز عن الآخرين أو في التجديد والعصرنة، أو في التسهيل من أجل استقطاب أكبر عدد ممكن من الناس، إلى غير ذلك مما يدعو إلى محاولة التخلص من قيود الأدلة الشرعية الحقيقية والالتفاف عليها والتشبث بالشُبه والمبررات للخروج عنها.
ونحن نرى أن كثيراً من ذوي العلوم العملية التي تكون نتائج الخطأ فيها ظاهرة ـ كالطب والهندسة ـ قد يخون أمانته تسامحاً أو تعمداً لبعض الدواعي المادية ـ ولو مثل الكسل والضجر ـ ويتحمل تبعات عمله وأقلها ظهور الخطأ عليه وفشله في مهمته عاجلاً أو آجلاً، فكيف بمثل علم الفقه الذي لا يظهر الخطأ والتفريط فيه لعامة الناس، وكيف يؤمن ذلك فيه لولا شدة التقوى والورع وقوة ملكة العدالة.
وثالثاً: أن مرجع التقليد بحكم مركزه معرض لكثير من المخاطر الدينية بسبب ابتلائه بالأموال وامتلاكه للجاه واحتكاكه بالناس، وذلك يجعله معرضاً للدواعي الغضبية والشهوية والنزغات الشيطانية، فإذا لم يتحصن بقوة الورع والتقوى كان معرضاً للسقوط والهلكة، ولتشويه صورة المرجعية والدين.
كل ذلك مما يؤكد حاجة مرجع التقليد إلى شدة التدين وكونه بمرتبة عالية من العدالة والورع وتقوى الله تعالى. وعلى ذلك جرى شيعة أهل البيت (عليهم السلام) بمرتكزاتهم وإجماعهم العملي على مرّ العصور. وهو من أقوى الأدلة في المقام مدعوماً ببعض النصوص المذكورة في محلها. وبذلك صار للمرجعية وجهها المشرق ونورها المتألق. ولذا نرى الشيعة يكنون لمراجعهم قدسية عالية لا وجه لها لولا أنهم يفترضون فيهم القرب من الله تعالى بورعهم وتقواهم.
ونسأله سبحانه وتعالى أن يثبت هذه الطائفة على هذا النهج اللاحب والطريق الواضح ويسددها في جميع أمورها، ويعصمها من الزيغ والانحراف ومن مضلات الفتن، إنه أرحم الراحمين وولي المؤمنين.
هذا كله بالإضافة إلى أصل اعتبار كون العدالة بمرتبة عالية، وأما ترجيح الأورع عند تساوي المجتهدين في العلم فهو يبتني على أن التخيير عند تساوي المجتهدين في العلم مخالف للأصل، والمتيقن جواز تقليد الأورع. وتفصيل الكلام في ذلك في كتابنا الفقهي الاستدلالي (مصباح المنهاج).
س4: يطرح البعض سؤالاً عن المبرر لتقليد الفقهاء واتباع اجتهاداتهم الفقهية مع أنها قد لا تصيب الحكم الشرعي الواقعي، فما هو نظركم حول الموضوع؟
ج: لا ريب في أن خطأ الفقهاء وضياع الحكم الشرعي الواقعي من مآسي الدين العظيمة التي يتحمل تبعتها الطغاة الذين غصبوا أهل البيت (عليه السلام) حقهم حيث صار ذلك سبباً لضياع الأحكام الشرعية. غير أنه بعد أن حصل ذلك فالرجوع للفقهاء بالشروط المقررة شرعاً هو الحل الشرعي الوحيد المبرئ للذمة والذي يخرجنا من مسؤولية التكليف مع الله تعالى، لأنه يستند إلى حجج شرعية كافية في المعذرية عند الخطأ وعدم إصابة الواقع. كما أنه الحل الأمثل الذي يجري الناس على نظيره في جميع أمورهم التي يحتاجونها والتي يتعرضون للخطأ فيها، كالطب والهندسة وغيرهما.
ولا بديل عن ذلك إلا أحد أمرين، أما تعطيل الشريعة بإهمال الأحكام وترك العمل عليها، أو أخذها من الطرق غير الشرعية، كالظنون والتخرصات التي منع الله سبحانه من العمل بها، واجتهاد من ليس أهلاً للتقليد، ومن الظاهر أن كلا الأمرين أشد محذوراً من الرجوع للفقهاء، بل لا يرضى بهما عاقل.
س5: هل يمكن توضيح أدلة وجوب تقليد الأعلم؟
ج: الإنسان بطبعه إذا احتاج العمل فيما يجهله يرجع للعالم به، وعلى ذلك جرت سيرة الناس في جميع أمور معاشهم ومعادهم، كالطب والهندسة وعلم الدين وغيرها. وعليه دلت الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة عن المعصومين (عليهم السلام) المتضمنة للرجوع للعلماء والفقهاء. ولا يتقيد بطبعه بالرجوع للأعلم، بل يكتفي بمن يتيسر له الوصول إليه.
أما إذا التفت لاختلاف العلماء وأهل الفن فيما وصلوا إليه وفيما هو مورد الحاجة له ـ كما هو الحال في عصورنا حيث ظهر اختلاف فتاوى العلماء في رسائلهم العملية ، وبسبب البعد عن منابع التشريع ومصادره وتعقد مقدمات الاجتهاد ـ ، فإنه لابد أن يتوقف ويفحص عن الحق من الأقوال، لرجوع اختلافهم إلى أن كل عالم يخطئ الآخر فيما وصل إليه، ومع تخطئة بعضهم لبعض فما المبرر للرجوع لهم والعمل بقول بعضهم دون بعض؟ ولذا ورد في كثير من الموارد رجوع الشيعة للأئمة (عليهم السلام) عند اختلاف العلماء، لأن قولهم (عليهم السلام) هو الفصل في تمييز المخطئ من المصيب ومعرفة الحق من الباطل. ففي حديث خيران الخادم: (كتبت إلى الرجل (عليه السلام) أسأله عن الثوب يصيبه الخمر ولحم الخنزير أيصلي فيه أم لا؟ فإن أصحابنا قد اختلفوا فيه، فقال بعضهم: صل فيه، فإن الله إنما حرم شربها، وقال بعضهم: لا تصل فيه. فكتب (عليه السلام) : لا تصل فيه، فإنه رجس...) وفي حديث سماعة عن أبي عبد الله (عليه السلام) : (سألته عن رجل اختلف عليه رجلان من أهل دينه في أمر كلاهما يرويه، أحدهما يأمر بأخذه والآخر ينهاه عنه، كيف يصنع. قال: يرجئه حتى يلقى من يخبره فهو في سعة حتى يلقاه) إلى غير ذلك.
نعم مع تعذر معرفة الحق، لعدم تيسر الرجوع لمن قوله الفصل ـ كما هو الحال في عصرنا هذا عصر الغيبة والمحنة ـ فالأعلمية من المرجحات العقلائية التي يعتمد عليها الناس في جميع أمورهم. وهل يمكن لعاقل أن يعتمد في أمور معاشه في الطب والهندسة والقوانين الوضعية وغيرها على قول غير الأعلم وترك قول الأعلم عند اختلافهما؟ فكيف بأمر الدين الذي به السعادة والنجاة من الهلكة الدائمة؟! وكيف يمكن التفريط به باتباع غير الأعلم عند الاختلاف، وبماذا يجيب الله تعالى إن سأله يوم يعرض عليه ويقف بين يديه؟ وهل تكون أوامر الله تعالى ونواهيه أهون من الأمور الطبية والهندسية والقوانين الوضعية ونحوها من أمور الدنيا الفانية، ليتسامح فيها. وكفى بهذا دليلاً للمنصف وحجة على المتعسف.
س6: بعض الناس يصور عدم وجوب تقليد الأعلم بأن الأحكام الفقهية ليست بتلك الدرجة من الأهمية، بحيث يفترض في الإنسان مراجعة الأعلم، مثل الحالات المرضية العادية، فإن الإنسان يراجع فيها أي طبيب كان، لا خصوص الأعلم، فما هو تعليقكم على ذلك؟
ج: لا ندري كيف يصدر هذا الكلام من مؤمن وحرمة الأحكام الشرعية من حرمة الله تعالى الذي شرعها، وسوف يحاسب عليها، وهو الذي يقول في حق أحب خلقه إليه وخاتم أنبيائه (صلى الله عليه وآله) : {ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من أحد عنه حاجزين} وفي صحيح أبي ولاد عن الإمام الصادق (عليه السلام) في التعقيب على قضاء لأبي حنيفة قال (عليه السلام) : (في مثل هذا القضاء وشبهه تحبس السماء ماءها وتمنع الأرض بركتها).
وأما الرجوع في الحالات المرضية العادية لغير الأعلم، فهو إنما يصح عند العقلاء في حالتين:
الأولى: أن لا يعلم بالخلاف بين الأعلم وغيره، فيرجع لغير الأعلم لتخيل سهولة معرفة الحالة، بحيث يعرفها الأعلم وغيره. وهو خارج عن محل الكلام لما سبق - في جواب السؤال الخامس - من أن وجوب الرجوع للأعلم في الأحكام الشرعية إنما هو بسبب العلم بالاختلاف بين العلماء في الأحكام التي يبتلي بها المكلف
الثانية: ما إذا تعذر العمل بقول الأعلم وتيسر العمل بقول غير الأعلم مع كونه مأمون العاقبة. كما إذا كان الدواء الذي وصفه الأعلم صعب التحصيل لا يتيسر للمريض استعماله، والدواء الذي وصفه غير الأعلم متيسراً ومأمون العاقبة، فإن المريض قد يستعمل الدواء الذي وصفه غير الأعلم برجاء الفائدة مع كونه مأمون الضرر. وهذا لا يجري في الأحكام الشرعية التي لا يجوز نسبتها لله تعالى والتعبد بها والعمل عليها إلا بحجة وافية بالعذر عند الحساب، وإلا كان العبد مستحقاً لنكال الله تعالى ومتعرضاً لعقابه.
ومن هنا نودَّ التنبيه إلى أمور..
الأول: أن الذي يبدو من كثير من هذه الأسئلة ـ ذات الطابع العلمي الاستدلالي ـ أن هناك حاجة للتعرض لهذه الأمور بسبب إشغال الساحة بالحديث فيها على الصعيد العام. وهي أمور قد أطال العلماء وأهل الاختصاص ـ بعد البحث والتمحيص ـ في الاستدلال عليها بدقة تدريساً وتحريراً في كتب كثيرة.
وحينئذٍ فالحديث فيها على الصعيد العام إن كان من غير أهل الاختصاص فعليهم أن يتنبهوا إلى أن هذه مسائل علمية دقيقة لا تعالج بهذه السهولة السطحية، بل هي شأن مسائل باقي العلوم ـ كالطب والهندسة ـ توكل للمختصين الذين يمتلكون ـ بفضل جهود مضنية لسنوات طويلة ـ العمق العلمي في علم الفقه وما يرتبط به من علوم أخرى، فهؤلاء هم القادرون على الإحاطة بأدلة الدعوى وبراهينها ومداخلاتها واستيعابها.
وإذا كانوا يطمئنون للأطباء والمهندسين وغيرهم من أهل العلوم والفنون في علمهم وفنهم ويكلون أرواحهم وأموالهم وشؤونهم إليهم، فلماذا لا يطمئنون لعلماء الدين في علمهم، أترى أولئك أوثق من هؤلاء في علمهم ودينهم وأبعد عن الخطأ والخيانة منهم؟ وهل يرضى المؤمن المنصف لنفسه بذلك؟!
وإن كان الحديث عنها ممن يعدّون أنفسهم من أهل الاختصاص فالظاهر أن الأدلة الشرعية في ذلك أوضح من أن تخفى عليهم.
على أن المفروض فيهم بحث هذه الأمور مع أهل الاختصاص الذين يحسنون الأخذ والرد فيها، وتمحيص الأدلة إثباتاً أو نفياً عليها، ولذا لا تطرح النظريات العملية في العلوم الأخرى إلا بعد أن يفرغ منها أهل الاختصاص بحثاً وتمحيصاً. ولا يحسن صدمة المجتمع الإيماني العام بها بنحو يوحي لهم بأنها حلول إصلاحية شرعية غفل عنها علماء الدين أو تغافلوا عنها، لجمودهم على الماضي أو لاستفادتهم منه مادياً إلى غير ذلك من الأقاويل، مما يؤدي إلى زعزعة الثقة بهم وحيرة الناس في أمرهم وإحداث البلبلة بين المؤمنين.
أما إذا كانت وجهة نظر هؤلاء أن هذه الحلول ليست حلولاً شرعية، ليطرحوها مع أهل الاختصاص ويبحثوا معهم في أدلتها الشرعية الكافية، بل هي حلول آنية تقتضيها طبيعة المرحلة التي نعيشها تجنباً لسلبيات الحلول الشرعية، فهم يحاولون إقناع عموم الناس بها، ليرتضوها بدلاً من الحلول الشرعية التي يقف علماء الدين عندها ولا يتجاوزونها، فليصرحوا بالحقيقة على وجهها إن كانوا مثاليين، ليعرف المؤمنون على ماذا يقدمون، ومع من يتعاملون، وماذا يراد بهم.
ولماذا هذا التشكيك في الأدلة الشرعية والتشبث بدعاواهم بتقريبات خطابية واهية بنحو يوهم أنها أدلة شرعية، وهي {كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً ووجد الله عنده فوفّاه حسابه والله سريع الحساب}.
الثاني: أن ثوابت التشيع وركائزه في العقائد والتاريخ والفقه لم تثبت إلا بعد البحث والتمحيص، ولم يتسالم علماء الشيعة عليها إلا بعد أن عرفوا رأي أئمتهم المعصومين (عليهم السلام) الذين عاشوا معهم ما يزيد على ثلاثة قرون تكفي في بلورة العقيدة واتضاح معالمها وثوابتها، ولم يفارقهم الأئمة (عليهم السلام) حتى عرفوا منهم ذلك وأقاموا الحجة الكافية عليها، وإلا فمن غير المعقول أن يفارق الأئمة (عليهم السلام) شيعتهم من دون أن يتموا الحجة في ذلك. ولا نريد بذلك أن نفرض عقائدنا على المؤمنين فرضاً على نحو التقليد الأعمى، بل كل ما نريده هو تثبتهم عند صدمتهم من بعض الناس بالتشكيك أو الإنكار ومحاولتهم الفحص عن حقيقة الحال، بالرجوع لأهل البحث والتحقيق، ولا يُستَغفَلوا بتوهم أن هؤلاء لم يتكلموا بما تكلموا به إلا بعد الفحص والتثبت، لحسن ظنهم بهم. فإن ذلك تفريط في الدين والعقيدة وضياع لهما بوجه لا يعذر فيه العبد أمام الله تعالى. ولا سيما مع ما ورد عنهم (عليهم السلام) من أن أمرهم في ذلك اليوم أبين من الشمس. وحيث يدل ذلك على أن شبهات التشكيك والإنكار واهية يظهر بطلانها للمتبصر، ولكنها الفتنة والخذلان اللذين وعد الله تعالى بهما في قوله: {أحسب الناس أن يتركوا أو يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين} وقوله عز من قائل: {ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب} إلى غير ذلك مما يجب أن يتهيأ معه المؤمن للامتحان ويعدّ عدته له، ولا يسترسل في أمره، فإن صرعة الاسترسال لا تستقال.
الثالث: الأمل بإخواننا المؤمنين وفقهم الله تعالى أن ينظروا إلى ما ذكرناه بعين التدبر والتبصر، وبحسابات العقل الذي منّ الله تعالى به على الإنسان ورفع به شأنه وأقام عليه به الحجة وبه يثيب ويعاقب، ويحذروا من النظرة العاطفية والانفعالية التي لا تستند إلى ركن وثيق، بل إلى الانخداع ببهرجة الأقوال وجمال الطرح والصورة، من دون تبصر في العواقب. وليحذروا أيضاً من التعصب والتقليد الأعمى إعجاباً بصاحب الدعوى، أو بسبب الانتماء لخطه والاقتناع به من دون نظر في التفاصيل. فإن ذلك قد يجرّ للمآسي والمهالك بنحو لا يمكن تداركه. وليعلموا أن المسؤولية عظمى والحساب عسير، وأن المحاسب هو الله تعالى الذي لا تخفى عليه خافية، وقد أتم الحجة وأكملها.
س7: كيف نستطيع تمييز الأعلم من بين المجتهدين؟
ج: العاجز عن الفحص بنفسه ليس له إلا الرجوع إلى أهل الخبرة، فإن الشيعة في عصور حضور الأئمة (عليه السلام) كانوا كثيراً ما يرجعون إليهم (عليه السلام) لتعيين من يرجعون إليه في أمر دينهم، كما أشرنا إلى ذلك - في جواب السؤال الخامس.
أما في عصر الغيبة وتعذر الرجوع لهم (عليهم السلام) فليس هناك شيء أقرب وأوصل من الرجوع لأهل الخبرة، وهم الذين بلغوا من العلم مرتبة تؤهلهم للتمييز بين المجتهدين بعد الإطلاع على آرائهم العلمية في الأصول والفقه، وعلى طريقة كل منهم في الاستدلال ومدى فهمه للأدلة، حيث قد يتضح لهم الأعلم حينئذٍ، فتجوز لهم الشهادة في ذلك، ويقبل قولهم.
س8: هل يجوز الاعتماد على الحدس في تعيين الأعلم؟
ج: لا يجوز للإنسان الاعتماد على حدسه لعمل نفسه بأن يقلد اعتماداً على الحدس، لأنه من أتباع الظن والعمل به الذي تظافرت الآيات والأحاديث بالمنع منه، وأنه لا يغني من الحق شيئاً. إلا أن يبلغ مرتبة القطع واليقين، فيجوز. كما لا يجوز له الاعتماد على حدسه في الشهادة للغير بأعلمية شخص ليقلده، إذ لابد في الشهادة من اليقين قال تعالى: {أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون} وفي الحديث عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: (هل ترى الشمس؟ على مثلها فاشهد أو دع) وعن الإمام الصادق (عليه السلام) : (قال: لا تشهدن بشهادة حتى تعرفها كما تعرف كفك). بل لا يجوز للغير الاعتماد على الشهادة الحدسية حتى لو كان الشاهد قاطعاً في حدسه متيقناً، بل يشترط في حجية الشهادة الحسّ.
س9: في مقدمة رسالتكم العملية أضفتم تمهيداً حول الاجتهاد والتقليد ما الذي دعاكم إلى ذلك؟
ج: كثيراً ما يختلط مقتضى التكليف الشرعي بالعادة والروتين، وتتحكم فيه العواطف والمصالح، فينحرف المكلف في تطبيق الحكم الشرعي غفلة وذهولاً عن حقيقة الحال، بل قد يتعمد بعض الناس ذلك ـ تبعاً للهوى ـ تسامحاً في أداء الوظيفة وتمرداً علها. ومن ثم يحتاج لمثل هذا الحديث تنبيهاً للغافل، وموعظة للمتمرد وهزاً للضمائر الشريفة، كما قال الله تعالى: {وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين}.
كما أن هذا الانحراف قد يكون سبباً في تشويه حقيقة التقليد والمرجعية، لأن كثيراً من الناس لا يتسنى له أخذ الفكرة من مصادرها الأصيلة، بل يأخذها من واقع تطبيقها العملي، فإذا خرج التطبيق عن الضوابط الحقيقية عكس صورة مشوهة للفكرة، ولا سيما وأن الاجتهاد يحمل مفهوماً آخر في الواقع القائم غير الشيعي. فأردنا بهذه المقدمة بيان حقيقة الاجتهاد والتقليد والمرجعية عند الشيعة بواقعها بواقعهما المشرق المشرف حسبما اقتضته الأدلة الشرعية، ومن عين صافية. وبذلك نكون قد قمنا بما علينا من بيان الحقيقة والدفاع عن المرجعية الصحيحة، التي قد تظلم نتيجة الفهم الخاطئ لها.
س10: قضية تعدد المراجع الدينيين هل تعتبرونها حالة طبيعية، أو لا؟ وما هي إرشاداتكم لمقلديكم بهذا الخصوص؟
ج: لا ريب في أنها من الحالات الطبيعية بعد أن كانت أهلية المرجع للتقليد وأعلميته من الأمور الحدسية القابلة للاختلاف، وبعد أن كان للمكلف الاختيار في تعيين المرجع عند تعذر الاحتياط ومعرفة الأعلم. وبعد غياب العصمة قد تكون في تعدد المراجع بعض الإيجابيات ـ أحياناً ـ ، لأن وحدة المرجع قد تعرضه للاندفاع في الجري على قناعاته من دون تروٍ وتثبت بنحو قد لا تحمد عواقبه. كما أنها قد تضفي عليه هالة من الجلالة والقدسية، تجعل من سيرته سنة ثابتة لا يمكن الخروج عنها، وتمنع من النظرة الموضوعية لها وإخضاعها للنقد والتعديل. بل قد يتعدى ذلك لآرائه الفقهية، بنحو يعيق عملية الاجتهاد ممن بعده.
نعم لا ريب في أن لتعدد المراجع سلبيات أيضاً لا يستهان بها، لكنها سلبيات لابد منها بسبب فقد المرجعية المعصومة نتيجة غيبة الإمام (عليه السلام) وينبغي أن تكون مثاراً للحسرة لغيبته ولانتظار الفرج بظهوره، وللنقمة على الظالمين الذي تسببوا في غيبته وحرموا الأمة من خيرات حضوره وتوليه لإدارة أمور المسلمين بنفسه. وعلى كل حال فهذه المرجعية بسلبياتها تبقى هي الحل الأفضل بعد أن تعذرت المثالية الكاملة بفقد المرجعية المعصومة.
أما وصيتنا لمقلدينا ـ وفقهم الله تعالى ـ فهي أن اختلاف التقليد لا ينبغي أن يكون منشأ للفتنة ولا سبباً للفرقة، ولا مثاراً للتنابز والتهاتر والشحناء والبغضاء، وعليهم احترام الآخرين ما داموا قد عملوا بموازينهم الشرعية التي قامت حجتهم عليها، والتلاحم والانسجام معهم والتعاون في سبيل الحق وخدمة المبدأ مع تبجيل العلماء العاملين المتقين وحفظ حقهم وتعظيم حرمتهم شكر الله سعيهم وأجزل أجرهم وسدد خطاهم ونفع بهم، وجعلنا ـ بتوفيقه ـ منهم.
س11: تطرح في بعض الأوساط فكرة المرجعية المؤسساتية، بأن تشكل لجنة من العلماء، وينحصر بها مهمة اختيار المرجع الديني، ما هو نظركم إلى هذه الفكرة؟
ج: نظرتنا إلى هذه الفكرة تشابه نظرتنا إلى فكرة تعيين الخليفة على المسلمين من قِبَل أهل الحلّ والعقد التي تبناها المخالفون لخط أهل البيت (عليهم السلام). بل تلك الفكرة فرضت نفسها بالقوة اعترافاً بالأمر الواقع واستسلاماً له، وقد تحكمت القوة في تفسيرها وبيان حدودها، حتى بقيت بلا تفسير ولا حدود، وصارت عبارة أخرى عن تعيين الخليفة بالقوة باسم أهل الحل والعقد، وحتى آل الأمر بالنتيجة إلى اضمحلالها حين استغنت القوة عن الخلافة، فألغتها واكتفت بالسلطة.
أما المرجعية فحيث كانت دينية من أجل الخروج عن عهدة التكاليف الشرعية وبراءة الذمة منها أمام الله تعالى وحصول العذر بين يديه يوم يعرضون عليه ويناقشهم يوم الحساب، فلابد من ابتنائها على الأدلة الشرعية الكافية التي تصلح حجة بين يدي الله تعالى يوم العرض الأكبر، والمرجعية الفردية ـ حيث يفترض حرية كل شخص في اختيار المرجع الذي يقلده ويقتنع بقيام الحجة الشرعية عليه ـ التي جرى عليها الشيعة هذه القرون الطويلة من عصور الأئمة إلى يومنا هذا قد ثبتت مشروعيتها بالأدلة والبراهين الكافية التي أجهد علماؤنا – رضي الله عنهم ورفع درجاتهم ـ أنفسهم في تشييدها على خلاف منهم في كثير من الخصوصيات، ولا يسع العامة إلا الاحتياط لأنفسهم ببذل الجهد لمعرفة من هو أهل للتقليد بالطرق الشرعية، كما يبذلون جهدهم لمعرفة سائر الموضوعات الشرعية، كعدالة إمام الجماعة الذي يصلّون خلفه، والشاهد الذي يقبلون قوله، وطهارة الماء الذي يتوضؤون به، وملكية الثياب التي يصلون فيها والأموال التي يتعاملون بها، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها.
أما المرجعية المؤسساتية فلا يمكن فاعليتها دينياً إلا بإقامة الدليل الشرعي ـ الكافي في العذر ـ عليها وعلى جميع أركانها ومقوماتها، مثل من له حق تشكيل اللجنة، وتحديد صلاحيتها، من حيثية نصب المرجع فقط أو الرقابة عليه أو عزله إذا فقد الأهلية، وتحديد عدد أعضائها، ومرتبتهم من العلم والتقوى، وكيف يعرف ذلك فيهم، وما هو الموقف عند اختلافهم... إلى غير ذلك. ثم إذا كان الغرض من المرجعية المذكورة رفع الاختلاف فلابد من كون تلك الأدلة قطعية إجماعية غير قابلة للتشكيك والخلاف. ولا يظن بأحد توهم إمكان ذلك بعد أن مضى على عصر بيان التشريع أكثر من ألف عام من حين غيبة الإمام عجل الله فرجه. وهل من المعقول أن يغيب الإمام (عليه السلام) عن شيعته غيبة يتوقع طول أمدها ـ كما يظهر من النصوص ـ من دون أن تتضح لهم معالم مرجعيتهم في أحكامهم الشرعية التي يبتلون بها كل يوم بانتظار مرجعية تقترح بعد أكثر من ألف عام لا يعلم من يقترحها، ولا كيف يقترحها؟!
هذا كله من الجانب الشرعي. أما بملاحظة السلبيات والإيجابيات، فنحن لا ننكر السلبيات للمرجعية الفردية، الناشئة من عدم الضابط للتصدي للمرجعية، ومن تعدد المرجعيات وتباين وجهات النظر وعدم استفادة المرجعيات اللاحقة غالباً من إمكانيات المرجعيات السابقة، وغير ذلك، إلا أن ذلك لا ينبغي أن يؤجج العاطفة نحو التغيير من دون موازنة بين البديلين ومقارنة بين إيجابياتهما وسلبياتهما والتدبر في الأصلح منهما والأجدى عملياً، فكم جرّ الاندفاع العاطفي إلى مآس وفجائع لا تدارك لها. وإن المرجعية الفردية ـ مع ما فيها من سلبيات ـ قد أثبتت جدارتها في قيادة التشيع وتكامل كيانه ورفع شأنه ووضوح حجته والحفاظ على واقعيته وعدم مساومته على مبادئه واستقلاله في دعوته من دون أن يسير في ركب القوى العالمية الفاعلة ويخضع لها أو يتجمد أمامها ويسكت عن فضحها.
والملفت للنظر أن الإسلام الذي أراد الله تعالى له الخلود والبقاء لتقوم به الحجة على الناس قد انشق بعد النبي (صلى الله عليه وآله) ذلك الانشقاق المعهود الخطير، فكانت الغلبة لمن استلم السلطة وصار هو الممثل للإسلام الناطق باسمه في دعوته وفتوحه وغنائمه ومكاسبه، وكان الإسلام الشيعي ـ الذي غرس رسول الله (صلى الله عليه وآله) بذرته المباركة في أول الدعوة وأقام قواعده وأكملها في أواخر حياته ـ محتضَراً يكاد يلفظ أنفاسه قد تمسكت به القلة المؤمنة المغلوبة، وهي لا تستطيع أن تنطق باسمه، لأنه غير معترف به على أرض الواقع، ثم استرد التشيع أنفاسه وبدأ مسيرته الهادئة بعناية الله تعالى وصبر الأئمة (عليه السلام) وحكمتهم وثبات شيعتهم والتضحيات الجسام التي حصلت من أجل ذلك، حتى فرض نفسه على أرض الواقع وبدأ الاعتراف به تدريجاً والتعامل معه على أساس هذا الاعتراف، إلى أن ظهر على الساحة العالمية الآن وإذا به الممثل الحق للإسلام، الناطق بدعوته، والذي تخشاه قوى الكفر العالمية وتجندت لمحاربته مستعينة ببعض الفرق الشاذة المنتسبة للإسلام، وبذوي النفوس المريضة والاتجاهات المنحرفة، وليس له من قائد بعد غياب القيادة المعصومة إلا المرجعية الفردية معتضدة بتسديد الله تعالى ورعاية إمام العصر (عليه السلام) الذي ينتفع به في غيبته كما ينتفع بالشمس إذا غيبها السحاب. ونستطيع أن نتعرف على أهمية هذه القيادة التي استمرت ما يقرب من أحد عشر قرناً إذا قارنّا التشيع حين استُلمت قيادته بالتشيع في هذا العصر، ولاحظنا صفاءه ونقاءه وما حصل عليه من مكاسب كبيرة على أرض الواقع في هذه المدة الطويلة. ويزيد ذلك وضوحاً بالمقارنة مع بقية طوائف المسلمين، وكيف كانت ثم أين انتهت في مسيرتها هذه المدة الطويلة.
ومن النكات المضيئة المثيرة للدهشة والإعجاب بهذه المرجعية أن التشيع الذي كان محروماً من السلطة قروناً طويلة قد قامت له في إيران قبل عدة قرون دولة قوية قد باركتها المرجعية وانسجمت معها مدة من الزمن، إلا أنها لم تنصهر بها ولم تندمج معها، كما اندمجت المؤسسات الدينية لبقية فرق المسلمين مع الدول التي قامت باسمها، بل بقيت المرجعية في دور الرقيب متمسكة بمبادئها وكيانها محاولة تعديل مسيرة الدولة ما وجدت لذلك سبيلاً، فإذا لم تستجب لها أنكرت عليها ورفضت مواقفها، ووقفت منها كما تقف من الدول الأخرى، وإن سبّب ذلك للمرجعية المتاعب والمصاعب وعرّضها للمآسي والفجائع. كل ذلك لأصالة هذه المرجعية وصلابتها، ولأن نظامها ـ غير المنضبط بضوابط محددة ـ لا يمكن السيطرة عليه ولا يتيسر تسييره في فلك الدولة أو غيرها.
وتتجلى ثمرة ذلك في مقارنة ظاهرة بين مصطفى كمال (أتاتورك) في تركيا ورضا بهلوي في إيران فقد جاءا في وقت واحد بعد اكتساح قوى الاستعمار الغربي الكافر للشرق الإسلامي، وهما يحملان مخططاً واحداً للقضاء على البقية الباقية للإسلام في المنطقة، وزاد مصطفى كمال على رضا بهلوي بإلغاء الخلافة التي لها قدسية خاصة عند المسلمين، وبإعلان علمانية الدولة، وبفصل الأتراك عن تراثهم الثقافي بتبديل الأبجدية العربية بالأبجدية اللاتينية. ونجح في مشاريعه وبقيت نتائجها إلى الآن، ومع ذلك فهو حتى الآن له شعبية في تركيا لا يستهان بها. أما رضا بهلوي فقد ارتد خاسئاً في مخططه وصار لعنة الشعب الإيراني في عهد الحكم البهلوي، فضلاً عما بعد زواله. على أن حكمه أطول مدة، وهو على الدين أخف وطأة. وهناك كثير من النكات المضيئة في مسيرة هذه المرجعية عبر القرون الطويلة والمنعطفات التاريخية الهامة يضيق المقام عن التعرض لها، ويستطيع الباحث المنصف التعرف عليها.
أما المرجعية المؤسساتية ـ بمعنى أن تقتصر الشرعية على اختيار هذه المؤسسة ـ فهي لم تمرّ حتى الآن بالتجربة على أرض الواقع الشيعي، ولا يمكن أن تمر بها بعد ما سبق من الحديث عن الجانب الشرعي، إلا أنها تبقى فكرة وأمنية تثار ـ بحسن نية أو بسوء نية ـ ضد المرجعية الفردية عند ملاحظة السلبيات التي سبقت الإشارة إليها، والتي قد تضخم من أجل تأجيج العواطف ضدها للقضاء عليها أو أتعابها في مسيرتها، مع الغفلة أو التغافل عن سلبيات المرجعية المؤسساتية وأهمها أن حصر حق القرار بمؤسسة خاصة يحمل المنحرفين للتسلل إلى تلك المؤسسة لأنهم وحدهم القادرون على سلوك الطرق الملتوية من الغش والرشوة والكذب والتهريج والتشنيع والتخويف وغير ذلك مما يترفع عنه ذوو المبادئ وأهل الاستقامة، فإذا تسللوا وسهل عليهم السيطرة على المؤسسة واستحصال قراراتها لصالحهم بطرقهم الملتوية التي أشرنا إليها ،كما حدث في الشورى التي كان حصيلتها خلافة عثمان واستيلاء بني أمية الشجرة الملعونة على مقدرات الإسلام والمسلمين، وحينئذٍ يستطيعون حرف مسيرتها والتخلي عن مبادئها، ولم يخشوا إنكار المنكرين بعد أن كان القرار لهم وحدهم، ولا شرعية لحديث غيرهم. ومن هنا يسهل على الأعداء التسلل للمؤسسة بأنفسهم أو بمن يتعاون معهم من المنحرفين ومرضى القلوب وضعاف النفوس وذوي الأطماع، ثم السيطرة عليها وتسييرها لصالحهم. وبذلك يفقد التشييع المرجعية المخلصة التي سارت به أكثر من ألف عام في طريق الله تعالى وقادته إلى موقعه الآن حيث صارت عبئاً على الظالمين ومثيرة لقلقهم.
ويكفينا عبرة ودليلاً على ذلك أن ننظر إلى المؤسسات الدينية والإنسانية والحكومية والدولية لنجدها قد انحرفت عن أهدافها النبيلة التي كان المفروض أنها قد أسست من أجلها بل تخلت عنها، لتكون من مؤسسات الشرور والفساد أو السائرة في ركاب ذوي الشرور والفساد أو المنسقة معهم. وأول مؤسسة في الإسلام مؤسسة الشورى التي كان أعضاؤها من (السابقين الأولين)، ثم مؤسسة التحكيم، ثم بقية المؤسسات الدينية المنتسبة لفرق الإسلام، ومؤسسة الفاتيكان وغيرها من مؤسسات الأديان الأخرى، ومؤسسة عصبة الأمم المنحلة وخليفتها مؤسسة هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن وما يتبعهما من مؤسسات، وكذا المؤسسات البرلمانية للدول كيف يتم التلاعب بها، بل حتى مثل مؤسسة جائزة نوبل من المسيطر عليها وإلى صالح من تصير؟! إلى غير ذلك مما لا يحصى.
ولا زلت أتذكر قضية طريفة وقعت في الثمانينات الهجرية بعد أن قامت المرجعية بدورها المشرِّف في مقاومة المدّ الشيوعي في العراق، وما استتبع ذلك من تأجج عواطف المتدينين نحوها وانشدادهم لها، وقد نغصتهم سلبيات تعدد المرجعية التي قد تعيق المرجعية العامة عن بعض مشاريعها أو تجعلها تتعثر في طريقها. وقد سافر بعض التجار المتدينين المتحمسين من ذوي الشهامة والخدمات الدينية – وممن أكن له شخصياً المودة والاحترام حتى الآن ـ إلى الدول الأوربية منتقلاً بينها ورجع، فجمعني معه مجلس كنت أرتاده كثيراً، فرأيته معجباً بالنظام البابوي في الفاتيكان، وقال متحسراً لوضع المرجعية الشيعية –وبحسن نية ـ ما مضمونه: يدخل الكرادلة مجمعاً لهم لا يخرجون منه إلا بتعيين البابا، ثم لا خلاف ولا نزاع. وقد منعني الجو الانفعالي والتأجج العاطفي من التعليق على حديثه، فسكت على مضض.
ولم تمر مدة طويلة ـ سنتان أو أكثر أو أقل ـ وإذا بالبابا يصدر قراره بتبرئة اليهود من دم المسيح وبحذف كل ما يسيء إلى اليهود من الكتاب المقدس والتعاليم الدينية، وكثر الحديث عن ذلك وعن دوافعه، وجمعني بذلك التاجر المؤمن نفس المجلس، ولعله بحضور أكثر الجماعة الذين سمعوا الحديث الأول، وإذا به منفعل من الموقف المذكور يوجه تهماً قاسية في الدوافع وراء قرار البابا، وهنا رأيت المناسب تذكيره بحديثه السابق، فقلت بتبسط معه ما مضمونه: يا حاج ليس لك الحق في ذلك، فأنت هنا وفي هذا المجلس بالذات وقبل مدة قريبة كنت معجباً بالنظام البابوي وقلت كذا وكذا ثم قلتُ له: إن ذلك النظام هو الذي أوصل إلى هذه النتيجة، وتم بيننا حديث ودي طويل حول ذلك.
ولا يخفى على المؤمنين سددهم الله تعالى وأعانهم في محنتهم أن الخلاف أمر طبيعي وقد عاش الأئمة المعصومون (عليهم السلام) مع شيعتهم متواصلين معهم مدة لا تقل عن ثلاثة قرون، ورأوا الخلاف بين شيعتهم عن حسن نية أو سوء نية، وشكوا من ذلك، كما شكى منه شيعتهم، وهم على علم بطول أمد الغيبة وتعقد الأمور على الشيعة فيها، فلو كان هناك نظام للمرجعية أصلح من المرجعية الفردية لما جهلوه، ولو عرفوه لما بخلوا به على شيعتهم في محنتهم، وكل ما فعلوه (صلوات الله عليهم) هو التأكيد على الإخلاص في العمل والخوف من الله تعالى والتحذير من حب الظهور والرئاسة ونحو ذلك مما يرجع لتهذيب النفوس وإصلاحها.
وفي الحقيقة أنه بعد غياب القيادة المعصومة وتعرض القيادة للخطأ المتعمد أو غير المتعمد، فالمرجعية الفردية، حيث تبتني على إيكال تشخيص من هو أهل للمرجعية لعامة الناس من دون أن يفرض عليهم فرضاً فهي تبتني في الوقت نفسه على أمرين مهمين:
الأول: رقابة عامة الناس على المرجع، فمن لا يعجبهم سلوكه ينكرون عليه ـ ولو في أنفسهم ـ ويعرضون عنه ويتجهون إلى غيره.
الثاني: فسح مجال التصدي لأهل الإخلاص والواقعية والاستقامة ممن يهتم بخدمة المبدأ. وحينئذٍ يبقى للحق ولأهله صوت ودعوة، وتقوم به على الناس الحجة. كما أنه يمنع من شدة الانحراف والبعد الكثير عن الحق، لأن وجود حق ظاهر ناطق يفضح الباطل. أما المنحرفون في سلوكهم فإنهم لو استطاعوا أن يجمعوا حولهم الناس ويقنعوهم ـ بطرقهم الملتوية أو بكفاءاتهم الشخصية ـ مدة من الزمن، إلا أن الحق بقوة حجته وبواقعية حَمَلته يعري الانحراف والزيف، فيتراجع إليه من يستيقظ ضميره وتقوم الحجة به على غيره، وهكذا يبقى الحق خالداً مستمراً في دعوته، إليه يرجع الغالي وبه يلحق التالي، وعنه يهلك المبطل.
أما المرجعية المؤسساتية فهي تسد الطريق على الغير، فلا يعترف به وإن كان محقاً في دعوته مخلصاً في عمله مستقيماً في سلوكه، فإذا انحرفت خفي على الناس انحرافها، لعدم وجود حق ظاهر، ليقارن بها ويفضحها. ولو ظهر انحرافها لبعض أهل المعرفة والتمييز لم يجدوا حقاً يلجؤون إليه ويستضيؤن بنوره، ولا يقبل منهم الإنكار، لأنه خروج على الشرعية المفروضة. وبمدة قليلة تضيع معالم الحق وتندرس آثاره، ويفرض الباطل نفسه على أرض الواقع ويتحرك كيف يشاء مستغلاً شرعيته المفروضة، وليس لله تعالى في مقابله دعوة ظاهرة ولا حجة ناطقة.
ولعل هذا هو السر في قِصَر الفترة بين نبي الله عيسى (عليه السلام) وبعثة نبينا (صلى الله عليه وآله) وفي طول أمد الغيبة، فإن معالم الدين الحق بعد عيسى (عليه السلام) ضاعت بسبب تشكيلة المرجعية الدينية المسيحية، حيث انحصرت بمؤسسات لا يعترف بغيرها، وبانحرافها عقيدياً وعملياً انحرفت المسيحية كلها، ولم يبق لله تعالى ناطق بالحق تقوم به الحجة على الناس، كما يشهد بذلك ما ورد في حديث إسلام سلمان الفارسي (رضي الله عنه)، فكان مقتضى حكمة الله تعالى ولطفه أن يجدد الحجة على الناس ببعثة خاتم الأنبياء (صلى الله عليه وآله).
أما في عصر الغيبة فالحجة باقية ببقاء دعوة التشيع المتكاملة المتناسقة، وببقاء المرجعية الفردية الحرة الحاملة لها والناطقة بها والداعية إليها، المسددة بعناية الله تعالى ورعاية إمام العصر أرواحنا فداه، والتي تستطيع بحقها وواقعيتها فضح الباطل والمبطلين والانحراف والمنحرفين والإنكار عليهم وبيان زيغهم وباطلهم {قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين}، {وما كان الله ليضل قوماً بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون}.
وحسب تقديرنا فإن الدعوة للمرجعية المؤسساتية دعوة غير عملية بعد فقدها للدليل الشرعي القاطع، ولا أثر لها إلا إتعاب المرجعية الفردية الحرة التي تمتلك وحدها الشرعية، واستغلال بعض السلبيات فيها وتضخيمها من أجل إغفال الناس عن واجبهم الشرعي وإشغالهم بنظرية قد تمتلك من جمال الطرح ما يغفلهم عن التبصر فيها والتعرف على مخاطرها، مستغلين حسن نية الكثير منهم وتأجج عواطفهم ورغبتهم في الإصلاح.
وكان الأولى بمن يدعو للمرجعية المؤسساتية الآن ـ من ذوي النية الحسنة ـ تجنباً لسلبيات المرجعية الفردية الحرة أن يدعو بَدَلَ ذلك للواقعية والإخلاص وقوة التدين في المرجع وفي الهيئة العاملة معه، مع الاهتمام بمراعاة الموازين الشرعية في الدعوة لتقليد المرجع، وفي الاستجابة لتلك الدعوة من قِبَل المؤمنين.
أولاً: لأهمية ذلك في أداء الوظيفة الشرعية والخروج عن المسؤولية أمام الله تعالى، على ما بسطنا الكلام فيه في مقدمة رسالتنا العملية، وفي رسالتنا التي وجهناها لطلاب العلم والمبلغين بما لا يسع المجال للتعرض له هنا.
وثانياً: لأن ذلك من أهم أسباب الفيض الإلهي في توفيق المرجعية وتسديدها، لأن الله تعالى مع عبده المؤمن ما دام العبد معه، وكما قال تعالى: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين}.
وثالثاً: لأن للواقعية والإخلاص أكبر الأثر في تخفيف سلبيات تعدد المرجعية. وهناك نكات مضيئة في تاريخ المرجعيات السابقة والمعاصرة نتيجة الإخلاص والواقعية تكفي عبرة في ذلك، فقد كان الانسجام بين المرجعيات على أشده في أوائل القرن الثالث عشر الهجري في عصر مرجعية الشيخ كاشف الغطاء وإخوانه، واشتهر عن الشيخ صاحب الجواهر أنه أرشد لتقليد الشيخ الأنصاري من بعده مع أنه لم يكن من جماعته ولا من أتباع مدرسته، وكذلك اهتمام السيد الشيرازي الكبير بالمرجع المعاصر له الشيخ محمد حسن آل ياسين، ودعم مراجع النجف الأشرف للسيد المذكور. وقد عاصرنا مرجعيتي سيدنا الأستاذ الجد السيد الحكيم وشيخنا المعظم الشيخ محمد رضا آل ياسين (قدس سرهما)، فكان التعاون والتنسيق والاهتمام المشترك بينهما مثالياً رائعاً. ولا زلنا نلمس إلى اليوم تأثير الإخلاص والواقعية في انسجام المرجعيات والتعاون بينها لتجنب السلبيات والمفارقات. ولا يسعنا إحصاء ذلك فقد طال بنا الحديث.
نعم نودّ أن نشير في ختام هذا الحديث إلى أهمية اعتماد المرجع الديني على ذوي الاختصاص والتقوى والاستعانة بهم واستشارتهم، وتقسيم الأعمال على اللجان المختصة، لأن المسؤولية أكبر وأعقد من أن يستقل بها شخص واحد ، خصوصاً في العصر الحديث وتعقيداته. وكذلك دعمه ورعايته للعاملين المستقيمين في المؤسسات والمراكز والمشاريع الإسلامية المتنوعة.
ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يسدد المخلصين في دعوتهم وعملهم وينفع بهم، إنه ولي المؤمنين، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
س12: عرف عنكم اهتمامكم بإلقاء محاضرات أخلاقية وتربوية في شهر رمضان المبارك وغيره من المواسم، فهل ترون ذلك ضرورة دائمة؟
ج: هذا أمر ضروري في كل عصر، وفي حق كل أحد مهما بلغ شأنه، ففي الحديث الشريف: إن القلوب ترين كما يرين الحديد وجلاؤها الموعظة. ويتضح ذلك بملاحظة القرآن الكريم وأحاديث النبي (صلى الله عليه وآله) وأهل البيت (عليه السلام) وما روي عن الأنبياء والأولياء، وعليه جرت سيرة السلف، حتى كانت تعقد مجالس للوعظ، ومنها مجلس في الصحن الشريف يتحدث فيه المرحوم الشيخ جعفر التستري (قدس سره) يحضره الناس بطبقاتهم بما فيهم بعض المراجع المشهورين في النجف الأشرف عدا المجالس الخاصة، والدروس الأخلاقية التي يقوم بها أساتذة ماهرون.
وحبذا لو يراعى ذلك ويهتم به في هذا العصر الذي طغت فيه المادة وقويت فيه حبائل الشيطان وظهرت فيه نغمة التحلل. وإذا لم يتسن عقد مجالس خاصة للوعظ والإرشاد والتربية الأخلاقية، فلا أقل من اهتمام الخطباء بذلك في المجالس الحسينية والمناسبات الدينية ونحوها، وتخصيص فترة منها لهذا الجانب على ضوء الكتاب المجيد وأحاديث النبي وأهل بيته (صلوات الله عليهم)، وما روي من تعاليمهم وسيرتهم وسيرة الصفوة من أوليائهم بعيداً عن الإغراق والاجتهادات التي لا تستند إلى ركن وثيق. وإذا لم يتيسر لأحد شيء من ذلك فعليه أن يهتم بالتدبر في القرآن الكريم وبالاطلاع على خطب النبي (صلى الله عليه وآله) وأهل البيت (عليهم السلام) وأدعيتهم التربوية وسيرتهم وأحاديثهم التي بها جلاء القلوب وصلاح النفوس، فإن كلامهم نور وأمرهم رشد ووصيتهم التقوى وفعلهم الخير وعادتهم الإحسان وسجيتهم الكرم. والحمد لله الذي وفقنا للتمسك بهم والاعتصام بحبل الله تعالى وحبلهم.
س13: يتسائل البعض انه لماذا يعتمد المرجع الديني على أبنائه والقريبين منه أو تلامذته أكثر من اعتماده على غيرهم؟
ج: هذه حالة غير مطردة، بل يختلف المراجع في ذلك نتيجة لاختلاف أوضاعهم وظروفهم، فبعض المراجع لم يعرف عنهم ذلك ولو لفقدهم الأقرباء والتلاميذ الذين يتيسر الاعتماد عليهم، وبعضهم عرف منهم الاعتماد على أقاربهم نسبياً وآخرون اعتمدوا على تلامذتهم. والمهم في المقام هو الأمانة والإخلاص والاهتمام بشؤون المرجع وحسن الإدارة، فإن فقدها الأقارب والتلاميذ لم ينبغ الاعتماد عليهم، ولذا كان من أهم المطاعن على عثمان الاعتماد على أقاربه وإيكال أمور المسلمين لهم.
وإن كانوا أهلاً للأمانة فما المانع من الاعتماد عليهم ولو في بعض الأمور ـ كل بحسب قدرته ـ وقد ورد عن أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) أنه عوتب على اعتماده على بعض أرحامه وتوليتهم فقال: آتوني خيراً منهم لأولِّيه. فإذا عرف المرجع الأمانة في تلامذته أو القريبين منه ووجدهم أهلاً لتحمل المسؤولية فما المحذور في اعتماده ـ خاصة بعد تلكؤ الآخرين من التضحية بأوقاتهم قبل بروز المرجع على الصعيد العام ـ باعتبارهم قد عاشوا معه وجرّبهم وعرف عنهم ما لم يعرف عن غيرهم، وهم باتجاهاته وآرائه ومفاهيمه التي يحملها ـ والتي على أساسها تحمّل مسؤولية التصدي للمرجعية ـ أعرف، وبالانفعال بها والجري عليها والتضحية من أجلها أحرى وأقرب، على أن لا يكون الاعتماد بدافع العاطفة فيقدمهم على من يستعد لتحمل المسؤولية ممن هو أوثق وأجدر منهم.
وقد جمعني في سفرتي لإيران في حياة سيدنا الأستاذ الجد السيد الحكيم (قدس سره) مجلس مع بعض الأشخاص، فاقترح عليَّ أن يجنّب السيد أولاده المساهمة في إدارة شؤون مرجعيته اقتناعاً منه بموقف نسبه لبعض المراجع، فقلت له: أترى أن السيد إذا كان قد ربى أولاده وغرس فيهم الإخلاص والأمانة وعرف أهليتهم فما المبرر لتركهم والاعتماد على غيرهم ممن هو أبعد عنه وأقل معرفة به؟!
وما زلت أتذكر تلك الليلة الليلاء من ليالي مرض السيد الجد (قدس سره) الذي قضى عليه، فقد بلغنا عبر الهاتف في النجف الأشرف – في أوائل شهر صفر قبل وفاته بشهرين تقريباً ـ أن سماحته قد تردت صحته في المستشفى، حيث عرضت له نوبة قلبية حادة، وكان بسببها معرضاً لقرب الرحيل المحتوم، وهرع إلى بغداد أكثر القريبين ولم يبق في النجف إلا المرحوم ولده الأكبر الخال آية الله السيد يوسف (قدس سره) وبعض شيوخ العائلة وبقيت معهم، ورجعنا بعد صلاة المغرب للمجلس العام في دار السيد، ونحن في أشد الوجوم والقلق، لأنا نتوقع الخبر الصاعق في كل لحظة، وبعد أن انتهى المجلس وخرج الناس خرجت مع المرحوم الخال مصاحباً له في طريقه إلى بيته، وفي الطريق جرى الحديث بيننا، وإذا به في مشكلة أهم مما يتوقعه من فقد السيد حيث قال ـ ما مضمونه ـ : الموت أمر لابد منه، إلا أن مشكلتي أن السيد قد أوصى إلي بما يتركه من أموال عامة لأشرف على صرفها، ويصعب عليّ تحمل الأمانة ـ لبعض الملاحظات ـ ، وحاولت التخفيف عنه فلم أفلح، حتى إذا وصلنا إلى بيته طلب إلي أن أدخل معه لإكمال الحديث فدخلت، وطال الحديث بيننا حتى قلت له: هذه الأموال لابد أن تصرف، وأنا أتعهد بأنك ستحصل إجازة بتولي صرفها من كل من يحتمل توقف صرفها شرعاً على إجازته من المراجع والمجتهدين الذين كانوا كثيرين في النجف، ولكنه أصرّ على الامتناع، وطلب إليّ بإلحاح أن أسافر في اليوم الثاني إلى بغداد لأبلغ السيد بامتناعه من قبول الوصية بهذا الوجه، وكان الطلب محرجاً لي، حيث يصعب عليّ مواجهة السيد الجد بذلك وهو في ذلك الوضع الصحي المتردي، مع محاذير أخرى كنت أخشى منها. لكني استسلمت على مضض مراعاة لوضعه المأساوي واستجابة لإصراره، غير أن الله تعالى كفاني ذلك، حيث تيسر له إبلاغ غيري بالطلب المذكور ممن هو في بغداد، وفعلاً بُلِّغ المرحوم السيد الجد بذلك لكنه (قدس سره) أصر على إلزامه به، لما يعرفه من أهليته وتورعه، فاستسلم له، وقام بذلك بعد أن احتاط بما أمكنه من وجوه الاحتياط.
وقد ذكرت هذه القصة للتاريخ والعبرة، فإنه إذا كانت الأمانة في الابن هكذا فما المبرر لترك الاعتماد عليه؟!
بل مثل ذلك مما يؤكد مبدئية المرجع وقوة تأثيره على أتباعه في غرس الأمانة والمبدئية فيهم، ويؤكد ثقة الناس به وبهم، ويزيد المرجعية بهاءً وقدسية ويرفعها في نفوس الناس، كما رأينا أثر ذلك في اندفاع الناس نحو المرحوم الخال السيد يوسف (قدس سره) وتعلقهم به مصرين على تقليده، وعلى إقناعه بقبول ذلك، إلا أنه أصر على الامتناع تورعاً ومحاولة منه للتخلص من تحمل الأمانة ما وجدَ إلى ذلك سبيلاً. وإن كان هو أهلاً لذلك بنظر كثير من أعلام النجف الأشرف في حينه، وعلى رأسهم المرحوم السيد الجد (قدس سره)، كما يناسب ذلك تعامله معه، وما بلغنا بطريق موثق من إرشاده له. لكن السيد يوسف (قدس سره) عقّب على ذلك بأن السيد (قدس سره) هو الذي زهّدني في المرجعية تجنباً لمشاكلها، فقد دخلت عليه يوماً فرأيته منفعلاً من بعض المشاكل وقال لي: إياك أن تورط نفسك بهذا الأمر.
ونسأله سبحانه أن يسدد الكل في عملهم ويجزيهم بنيتهم إنه أرحم الراحمين وولي المؤمنين.
س14: تطرح إشكالية على عمل الجهاز المرجعي بأنه خاضع لمستشاريه بالمرجع أكثر من خضوعه لشخص المرجع، فما هو نظركم؟
ج: هذا ظلم وتجاوز للحقيقة، إذ ليس هناك قاعدة عامة في ذلك، بل هو أمر يختلف باختلاف المراجع في قوة الشخصية وفي الحزم، وفي سهولة اتخاذ القرار، وفي الثبات على القرار، كما هو الحال في سائر المسؤولين، وليس هو مختصاً بمراجع الدين. نعم لا إشكال في أن للمحيطين بالمرجع في الجملة الأثر في القرار وتسيير عمل الجهاز المرجعي، ولو لأنه يستعان برأيهم كمستشارين، الذي هو من الإيجابيات في المرجع، أما السيطرة على القرار وعلى تسيير الأعمال فهي كما قلنا تابعة لشخصية المرجع. وقد رأينا من بعض المراجع (قدس سره) من الحزم والسيطرة على جهازه والواقعية وحسن التصرف ما يلفت النظر ويثير الإعجاب والإكبار.
وفيما يخص هذا السؤال والسؤال السابق فنحن لا ننكر السلبيات غير المتعمدة، بل والمتعمدة في بعض الحالات، إلا أن الأمل بالمؤمنين سددهم الله تعالى النظرة الواقعية للأمور والحذر من الحملة الشعواء على الحوزة والمرجعية وتضخيم السلبيات وافتعالها، فقد اطلعنا على بعض الافتراءات على أعاظم مراجعنا ـ الذين تجلهم الحوزة العلمية ـ لا يقوم بها من له أدنى مسكة من الكرامة، فضلاً عن الدين، وليس المراد بها إلا زعزعة الثقة بخط المرجعية العام الذي هو فخر هذه الطائفة ووسام الشرف في جبينها، وطريقها الموصل لها إلى الله تعالى، وبه تكامل شخصيتها وفاعليتها، فبعين الله تعالى ما لقيه ويلقاه علماؤنا الأبرار نتيجة ثباتهم على مبادئهم وصلابتهم في مواقفهم، واستقامتهم في مسيرتهم ورفضهم التعاون والتنسيق مع قوى الشر والطغيان والسير في فلكها.
ونسأله سبحانه أن يثبتهم على ذلك ويسدد خطاهم، ويشكر سعيهم وعظم أجرهم ويعز نصرهم. إنه ولي المؤمنين وناصر المظلومين. وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وليت شعري إذا تزعزعت الثقة بهذا الخط فما هو البديل الخالي عن السلبيات والمفارقات، وأين يتجه المؤمنون؟ وكيف يصلون إلى ربهم ويحفظون دينهم عن التحريف والتلاعب؟ وإذا لم تكن المرجعية ـ التي نشترط فيها العدالة بمرتبة عالية ـ أهلاً للثقة فماذا نفعل؟ هل نبقى بلا مرجعية، أو نتعامل مع مرجعية غير أمينة، كما تعامل غيرنا ووصلوا إلى ما وصلوا وانتهوا إلى حيث انتهوا ؟!
والأجدر بالمؤمنين ـ أعانهم الله تعالى في محنتهم وسددهم في مسيرتهم ـ أن ينظروا لأنفسهم ولدينهم وتكون دعوتهم إصلاحية هادفة بدعم المرجعية وتأييدها، بل تعظيمها وتقديسها، لكن مع التأكيد على الواقعية والإخلاص والتقوى وحسن السلوك في شخص المرجع وفي أعوانه وفي الداعين له المرشدين لأهليته، وتشجيع من يتحلى بذلك وتبجيله وعضده والتعاون معه والانضمام إلى خطه، والتحفظ ممن لم يعرف فيه ذلك، بل الإنكار الهادئ على من يخرج عنه، ليعرف كساد بضاعته، ولا يتعرض لهذه الأمانة إلا من هو أهل لها قادر على حملها، مع كمال التحفظ منهم والحذر من التهريج والدعايات الكاذبة ومن تدخل الأغراض الشخصية والمصالح الفردية والعواطف والمجاملات، فإن الأمانة عظيمة والمسؤولية كبيرة والرقيب هو الله تعالى الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
وقد ذكرنا في جواب السؤال الحادي عشر أن المرجعية تبتني على رقابة الناس على المرجع، فعليهم أن يؤدوا واجبهم من موقعهم ولا يتساهلوا في ذلك أو يقفوا منه موقف المتفرج اللامبالي. ولتكن المحنة التي نمرّ بها محفزة على أداء الواجب ورعاية الأمانة والقيام بالمسؤولية أزاء هذا المبدأ الشريف وأزاء خط المرجعية المقدس الذي هو من أهم سماته المضيئة ومميزاته المشرفة. والله سبحانه وتعالى ولي التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل.
س15: الإمام المهدي (عليه السلام) غائب عن وجدان كثير من شيعة أهل البيت (عليهم السلام) رغم عقيدتهم به، فما هي السبل التي ترونها كفيلة بشعورهم بحضوره (عليه السلام) ؟
ج: كل أمر حق غيبي يحتاج حضوره وجدانياً إلى تركيزه في النفس بالتفكر والتذكر المستمر وعدم إغفاله، وبذلك تتم فاعليته وتأثيره في سلوك من يعتقد به. ولذلك ورد الحث الكثير على التفكر، كما أطلنا الكلام فيه في رسالتنا الموجهة لرجال الحوزة والمبلغين. وإن من جملة الأمور الغيبية الحقة وجود الإمام المهدي عجل الله فرجه وأثره في سير نظام الكون، ولا سيما أمر شيعته ورعاية شؤونهم وتسديد مسيرتهم، كما يناسبه ما ورد من أن الانتفاع به في غيبته كالانتفاع بالشمس إذا جللها السحاب وأن الأرض لا تبقى بغير إمام، وأنه لو رفع الإمام عنها لساخت.
فعلى المؤمنين وفقهم الله تعالى الاهتمام بحضور ذلك في وجدانهم وتركزه في نفوسهم، بالتفكر والتذكر والارتباط المستمر به من خلال الأدعية والزيارات الكثيرة الواردة له عنه عجل الله فرجه وعن آبائه (صلوات الله عليهم) ومن خلال التأسي به في محنهم وكرباتهم، لأنه أطول الناس محنة وأشدهم كربة، واللجوء إليه في مهماتهم والاستجارة به في كرباتهم، والاستشفاع به إلى الله تعالى في دعواتهم، لأن الله تعالى يجري الأمور على يديه وهو أفضل شافع في هذا العصر إليه.
كما أن عليهم أن يرتبطوا به ويتذكروا موقعه من خلال الرجوع لعلمائهم الذين هم يمثلون وجهته ويقومون ببعض وظائفه، لأنهم ـ كما ورد في توقيعه الشريف ـ حجته على شيعته، وهو حجة الله تعالى. بل حتى من خلال التوجه والنظر للفساد المنتشر في العالم من الظلم والطغيان والانحلال وغير ذلك، حيث ينبغي أن يكون سبباً لتذكره والأسف لغيبته وانتظار ظهوره وتوقع فرجه الذي به يتم تطهير الأرض من جميع ذلك، لأنه (صلوات الله عليه) يملؤها قسطاً وعدلاً بعد ما ملئت ظلماً وجوراً.
وقد ورد عنهم (عليهم السلام) ردع الشيعة عن قبيح الأعمال، لأن ذلك يعرض على النبي (صلى الله عليه وآله) وعلى إمام العصر فيؤذيهما. ولو تجلت هذه القضية لهم بالتفكر والتدبر لأصلحت كثيراً من سيرتهم، حيث لا ريب في أنهم يحبونهما ولا يرتضون لأنفسهم إيذاءهما. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يثبتنا على ولايته وانتظار أمره، ويهب لنا لطفه (عليه السلام) وعطفه ورأفته ورحمته وتحننه ودعاءه وتفقده وشفاعته، ولا يحرمنا بركة ذلك في ديننا ودنيانا.
س16: سيدنا الكريم في مثل هذه الظروف الصعبة التي تمر بها أمتنا الإسلامية توجد هناك أزمة ثقة في بعض مجتمعاتنا - الإمامية- بين المجتمع ورجال الدين من علماء ومبلغين ساعد على وجودها ظروف كثيرة لا تخفى على المتابع، فيا حبذا لو تفضلتم علينا ببعض النصائح والتوجيهات التي تساعد على التخفيف من تلك الأزمة؟
ج: الأزمة المذكورة من أهم مشاكل هذه الطائفة الممتحنة وأعقدها. وهي بعد مؤشر خير لهذه الطائفة يناسب صمودها وخلودها، لأنها تكشف عن تحرر المجتمع فيها من التقليد الأعمى لرجال الدين والتبليغ، مما يجعل رجل الدين غير قادر على حرف المجتمع عن مسار هذه الطائفة المستقيم ونهجها القويم لو سولت له نفسه وغلبه هواه لضغوط خارجية تدعو للانحراف، كما حصل لكثير من الطوائف والمجتمعات. كما أن رجل الدين والتبليغ إذا كان مستهدفاً للنقد والتمحيص صار حذراً متيقضاً، وحاول تجنب المزالق وتحفز للتكامل والرقي.
وعلى كل حال يجب على جميع الأطراف الوقوف عند حدود الله تعالى والحذر من الخروج عنها في سورة التحرر والاندفاع، وتحري رضا الله تعالى وصدق النية معه. فيجب على رجل الدين والتبليغ الاهتمام بأداء وظيفته على أحسن الوجوه وأفضلها وتجنب السلبيات بالقدر المستطاع للنقد البناء والتجاوب معه. من دون أن يصل الأمر به إلى إرضاء الناس على حساب المبدأ والواجب مهما كان الثمن.
كما يجب على أفراد المجتمع التشجيع على الاستقامة وأداء الواجب ورفض الزيغ والانحراف مهما كان مصدره، والحذر من النقد الهادم غير المسؤول ولا المنصف، وتصلكم مع هذا الكتاب نسخة من الرسالة التي وجهناها أخيراً لرجال الحوزة والتبليغ والتي قد تعينهم على أداء وظيفتهم على الوجه الأمثل. ونسأل الله سبحانه وتعالى العون على هذه المشكلة وغيرها من المشاكل المحيطة بهذه الطائفة المتعبة، وتسديد الجميع لمعالجتها وتلافي أضرارها وهو حسبنا ونعم الوكيل.
نعم هناك أمر مهم له أعظم الأثر في هذه الأزمة لم نرَ التعرض له في تلك الرسالة صلاحاً، يحسن التعرض له هنا. وهو أمر المال الذي يتعرض رجال الدين والتبليغ لتحصيله، والذي لم يحسن البعض منهم التصرف فيه، حيث ينتظر منهم إنفاقه في ترويج الدين ورفع أعلامه والدعوة له أو في إغاثة ذوي الحاجة المضطرين من المؤمنين، بينما لم يلمس الناس منهم ذلك، بل بدا منهم كسبه لأنفسهم يتنعمون به ويتوسعون في إنفاقه حتى قد يتعدى بعضهم فيه لمصارف الترف والبطر حسب منظور الناس، مما أوجب انعكاس صورة سيئة لرجل الدين والتبليغ عند كثير من الناس، وضاع الصالح في هذا الخضم، حتى اعتقدوا أنهم لم يدخلوا في هذا المجال من أجل القيام بالوظيفة الشرعية وأداء الواجب في الدعوة إلى الله تعالى، بل من أجل تحصيل المال والكسب غير المشروع وسلبت الثقة منهم وشاع سوء الظن فيهم حتى قد يتفاقم الأمر، ونصل إلى ما لا تحمد عقباه فالواجب على رجال الدين والمبلغين الصحيحين المخلصين في عملهم والذين بهم ترتب الثمرة المطلوبة على جهودهم..
أولاً: أن يبعدوا عن مواقع التهمة ويتعففوا عن الناس، فلا يطلبوا المال ولا يتعرضوا لتحصيله، وإن عرض عليهم المال تنزهوا عن قبوله إن كان من سنخ الهدايا والمساعدات الشخصية إباءً وترفعاً، وإن كان من سنخ الحقوق الشرعية لم يقبلوه لأنفسهم، بل للمرجع الذي يقتنع به دافع المال أو يقتنعوا به أنفسهم فيما بينهم وبين الله تعالى إن أوكل دافع المال الأمر إليهم يؤكدون ذلك بتحصيل الوصل من المرجع المذكور وتسليمه لدافع المال، ليتضح له وصول المال للمرجع، ثم ينسقوا مع المرجع من أجل إنفاق المال في مصارفه المرضية لله تعالى بما في ذلك سد الحاجة الشخصية لرجل الدين والتبليغ الذي هو الواسطة بين المرجع والناس من أجل أن يستغني عن الناس ويترفع عن الطلب إليهم ويتعفف عما في أيديهم. وقد كان سيدنا الجد مرجع الطائفة السيد الحكيم (قدس سره) يؤكد على ذلك مع خاصة وكلائه وممثليه وأوثق الناس عنده، ليبعدهم عن مواقع التهمة، وكان لذلك أفضل النتائج في عهده.
ثانياً: أن لا يتوسعوا في كسب المال وإنفاقه لأنفسهم، ويبعدوا عن مظاهر الجمع والادخار، ومظاهر البذخ والترف، حتى لو كان المال من مكاسبهم الشخصية، فضلاً عما إذا كان من الحقوق الشرعية، ويحاولوا إنفاق ما زاد عن حاجتهم منه في المصارف الراجحة، كالخدمات الدينية بوجوهها المختلفة، وإغاثة المضطرين من المؤمنين وسد عوزهم وتفريج كربتهم وإغاثة لهفتهم، ففي ذلك قبل كل شيء رضا الله تعالى الذي هو من أهم أسباب التوفيق والبركة في العمل والتسديد في المسعى، ثم هو سبب لتأكيد ثقة الناس برجل الدين والتبليغ، حتى يطمئنوا إليه ويستمعوا له ويسترشدوا بإرشاداته ويقبلوا قوله ويتعاونوا معه لخدمة هذا المبدأ الشريف المتعب، الذي قام بحقيقته وواقعيته مع الحجة الواضحة والبراهين الساطعة، وبجهود المعنيين من معتنقيه وجهادهم وتضحياتهم وبثباتهم وصبرهم، على مر العصور وتعاقب الدهور في شدة المحن ومظلات الفتن. ونسأله سبحانه أن يجعلنا من العاملين في سبيله المرضيين عنده المقبولين له، إنه الرؤوف بالمؤمنين الرحيم وقد طال بنا المقام إلى ما لم نكن نحتسب في جواب سؤالكم أملاً في أن نؤدي بعض الواجب في النصح والتذكير لرجال الدين والمبلغين في أداء واجبهم {فإن الذكرى تنفع المؤمنين} وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
س17: بعض الناس يتصرف في الحقوق الشرعية بنفسه من دون مراجعة الحاكم الشرعي، محتجاً بأنه يصرفه فيما يرضي الله عز وجل والإمام المهدي (عليه السلام) فما هو رأيكم في ذلك؟
ج: من حقه أن يفعل ذلك إذا كان من يقلده ـ طبق الموازين الشرعية ـ يفتي بعدم وجوب مراجعة الحاكم الشرعي. أما في غير ذلك فهو خروج عما أمر به الله تعالى من الرجوع لأهل العلم، وللإمام صاحب الحق (عليه السلام) الذي ورد عنه أنه قال: وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله. والإنسان المؤمن إنما يدفع الحق من أجل أن تبرأ ذمته منه، ولا يطالب به بين يدي الله تعالى، ويأمن عقابه، وكيف يحصل على ذلك وهو يخرج به عن ميزانه الشرعي بمقتضى تقليده الذي فرضه حجة على نفسه يحاسب على ضوئه يوم يقف بين يدي الله تعالى؟!، ولماذا هذا التسامح في أداء فرائض الله تعالى والخروج عن حدوده؟ على أن في ذلك تشتيتاً للكيان الشيعي ولإمكانياته، وتسيباً في صرف الحق، حيث يتعرض للرغبات الفردية، والقناعات الشخصية التي يسهل سيطرة المتملقين عليها، وتتحكم فيها العواطف والمجاملات، حتى ينحرف به تدريجاً عن وجهه ويبعد عنه.
نعم إذا كان صاحب الحق ذا خبرة بمصارف الحق وقدرة على صرفه فيها أو له وجهة نظر في ذلك أمكنه التنسيق مع الحاكم الشرعي وتبادل وجهات النظر، لأن كلمته مسموعة عنده، ولا سيما بناء على فتوانا من أن الولاية على الحق مشتركة بينهما. وبذلك تتركز المرجعية الدينية، ويتماسك الكيان الشيعي، وتنحل كثير من الإشكالات، ونتجنب كثيراً من السلبيات والمفارقات المتوقعة {وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، واتقوا الله إن الله شديد العقاب}. ولنا حديث حول الموضوع في سؤال وجه إلينا ونشر في رسالتنا الموجهة لطلبة الحوزة والمبلغين يحسن الإطلاع عليه.
س18: ما هي عناصر القوة في مذهب أهل البيت (عليهم السلام) وفي مسيرة أتباعهم التي جعلتهم يصمدون أمام المحن العسيرة والمتنوعة عبر العصور المديدة؟
ج: عناصر القوة تكمن في أمور..
1 ـ قوة المذهب في نفسه، باعتباره هو المذهب الحق المتكامل الفكرة القوي الحجة والساطع البرهان ـ عند الجدل العلمي والحساب المنطقي المنصف ـ والخالي عن المفارقات والتناقضات والفجوات، ويمتلك الحل الأمثل لمسألة خلافة النبوة المقدسة، التي هي أساس الخلاف في الإسلام، وبها يقوم كيانه.
2 ـ تميز الأئمة (عليهم السلام) بمقام رفيع في نفوس المسلمين بسبب انتمائهم النسبي للنبي (صلى الله عليه وآله)، وامتلاكهم القدر الهائل
من الفضائل والكرامات المروية في حقهم عن النبي (صلى الله عليه وآله) وعن واقعهم المشرف، والمعلومة من حالهم من علمهم وقدسيتهم، وعظمة شخصيتهم، حيث فرضوا أنفسهم على الولي والعدو وصاروا وسام فخر لشيعتهم ومواليهم المنتسبين إليهم والمعتزين بهم.
أضف إلى ذلك حكمتهم في قيادة التشيع وتثقيف الشيعة وشدهم بهم ولائياً وعاطفياً، وتقديساً وتخصيصهم بعلومهم ومعارفهم في أحاديثهم وتعاليمهم وزياراتهم وأدعيتهم، وتربيتهم تربية متميزة.
3 ـ المحن والمآسي التي وقعت على أهل البيت (عليهم السلام)، حيث سببت..
أولاً: شدّ الناس إليهم، لأن الناس مع المظلوم.
وثانياً: حمل شيعتهم على التعرض للمحن والصبر عليها في سبيل الحق تأسياً بهم.
وثالثاً: خلق مناسبات ومواسم وأجواء دينية تشدّ الشيعة لأئمتهم وأوليائهم ولمبدئهم من زيارات ومجالس عزاء وشعارات ونحو ذلك. كما أنها من أقوى أسباب الدعاية للمذهب الشريف ودعوة الناس إليه، وحركة الشيعة المستمرة في هذا الاتجاه.
4 ـ استقلالية الحوزة العلمية والمرجعية الدينية اقتصادياً ومنهجياً، بحيث لا يمكن السيطرة عليها. وما استتبع ذلك من وجود علماء رفيعي المستوى في العلم والدين والثبات على المبدأ والحفاظ على سلامة تعاليم المذهب من التحريف والتشويه، ووجود جماعة كبيرة من المؤمنين يهتمون بالوصول للحقيقة من طريقهم، واستمرار التحرك في هذا الاتجاه، حيث صار ذلك سبباً لتميزهم بكيان قدسي حي، وزعامة روحية محترمة فاعلة.
5 ـ تتابع المدّ الإلهي بحدوث كرامات للأئمة (عليهم السلام) وللأولياء في الوقت المناسب بوجه غير منظم، وبنحو يشبه الصدمة الموجبة لإعادة الحيوية وتجديد التعلق بالمذهب وبرموزه وتجلى حقهم وحقيقتهم وارتباطهم بالله تعالى وعنايته بهم.
6 ـ فشل الأطراف الأخرى ذات الطروحات المختلفة ـ إسلامية كانت أو غيرها ـ في إرضاء الناس وجرّ مودتهم، ولجوؤهم بالآخرة للقهر والظلم. وانتفاع الشيعة ـ من حيث يريدون أو لا يريدون ـ بنقطة الضعف هذه في التنفير عن أصحاب تلك الطروحات، وإنكار جرائمهم، وبيان بطلان طروحاتهم وفشلها، وقد جرّ ذلك لهم مودة المظلومين وعداء الظالمين وصب نقمتهم عليهم وتنكيلهم بهم بعد أن فشلوا في مقاومتهم عقائدياً، وكان لذلك أعظم الأثر في قوة عقيدتهم ومبدئهم، وارتفاع معنوياتهم وظهور دعوتهم، وسماع صوتهم. حيث صارت المظلومية وعداء الظالمين والتضحية ضد الظلم أوسمة مشرفة لهم. ولعله إلى هذا يشير ما ورد عن أئمتنا (عليهم السلام) من أن الله تعالى أعان على عدونا بالحمق.
7 ـ وآخر هذه الأمور، ولعله أهمها: أن دعوة هذا المذهب الشريف هي كلمة الله تعالى الوحيدة في هذا العالم الذي تتلاطم فيه أمواج الفتن والضلال والكفر والنفاق والتفسخ والانحلال والظلم والقهر. فلابد من أن يكون مؤيداً من قبل الله جل شأنه محفوفاً بعنايته مرعياً برعايته، كي تتم به الحجة على الناس {ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة}. وهذه نعمة من الله تعالى على المؤمنين، فعليهم أن يؤدوا حقها ويقوموا بشكرها ويعرفوا كيف يرعونها ويحافظون عليها.
س19: تشن على شيعة أهل البيت (عليهم السلام) حملات دعائية مكثفة ومن أطراف متعددة، فكيف يواجهونها فكراً وسلوكاً؟
ج: هذه الحملة ـ على شراستها ـ أمر طبيعي متوقع بلحاظ موقف الشيعة المتميز في قول كلمة الحقيقة للحقيقة، وانحيازهم عن المسيرة العالمية التي تسيطر عليها قوى الشر المادية الفاعلة، من دون أن يركعوا لها أو ينسقوا معها، بل تصدوا لفضحها باستقامتهم في سلوكهم وبإنكارهم على الإجرام والانحراف، فلابد أن يوطنوا أنفسهم على مثل هذه الحملة ويتهيئوا لها، وقد مروا بأمثالها أو بأشد منها في تاريخهم المبدئي الطويل. والأمل بالله تعالى ـ وببركة إمام العصر عجل الله فرجه ـ أن يأخذ بناصرهم ويثبتهم حتى يخرجوا منها ظافرين منتصرين، وترتد عنهم خائبة خاسرة كما ارتدت الحملات السابقة، وقد قال تعالى: {فاصبر إن العاقبة للمتقين}.
وعلينا في مواجهة هذه الحملة ..
أولاً: أن نتجنب العنف بجميع مظاهره، فإنه نقطة ضعف تضر بصاحبها، بل تستغل ضده، وتضخم عليه، وقد تنجم عنه مضاعفات غير محمودة، بل قد يكون بنفسه تعدياً وخروجاً عن الميزان الشرعي. وعلينا أن نتحلى بالصبر والوداعة وهدوء الطرح وسجاحة الخلق، فإن ذلك من آداب أئمتنا (عليهم السلام) وشيعتهم. قال ابن أبي الحديد في ترجمة أمير المؤمنين (عليه السلام): (وأما سجاحة الأخلاق وبشر الوجه وطلاقة المحيى والتبسم فهو المضروب به المثل فيه حتى عابه بذلك أعداؤه... وقد بقي هذا الخلق متوارثاً متناقلاً في محبيه وأوليائه إلى الآن، كما بقي الجفاء والخشونة والوعورة في الجانب الآخر. ومن له أدنى معرفة بأخلاق الناس وعوائدهم يعرف ذلك).
وثانياً: الثقة بالنفس نتيجة شعورنا بأنا على حق، كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (لا يزيدني كثرة الناس عني قوة ولا تفرقهم عني وحشة). وكفى في رفع معنويتنا شعورنا بأنا مسلمون وقد قال الله تعالى: {ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين}. وبأنا الفرقة الناجية من المسلمين من بين ثلاث وسبعين فرقة، ـ كما جاء في الحديث النبوي ـ وقد انتسبنا لأهل البيت (عليهم السلام) الذين هم القمة في الشرف والدين والقدسية بإجماع المسلمين، أضف إلى ذلك ما ورد في الثناء على الشيعة ـ خصوصاً في عصر الغيبة ـ وأنهم أولياء الله حقاً وأن أهل السماء ينظرون إليهم كما تنظرون إلى الكوكب الدري في السماء، وقد قال الإمام الصادق (عليه السلام): (لقد قلت حتى استحييت من كثرة ما قلت: ليس بين أحدكم وبين أن يرى ما يقر عينه إلا أن تبلغ روحه ههنا) وأشار إلى حلقه... إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة.
كما أن الله جل وعلا أكد في كتابه المجيد على أن الشاكرين من عباده هم القلة القليلة، وكذلك الناجون منهم، حيث قال تعالى: {ثلة من الأولين وثلة من الآخرين} وبذلك استفاضت أحاديث النبي (صلى الله عليه وآله) وأهل البيت (عليهم السلام).
وأكد سبحانه أيضاً على أن المؤمنين معرضون للبلاء والزلزال قال تعالى: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب} وقد استفاضت الأحاديث بذلك أيضاً، خصوصاً في عصر الغيبة الذي هو عصر محنة الشيعة، فإذا ضاقت بهم الأمور فقد صدق وعد الله تعالى لهم، وذلك يزيدهم بصيرة في حقهم وإيماناً بصدق دعوتهم، كما قال عز من قائل: {ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيماناً وتسليماً}.
وثالثاً: استذكار تاريخنا المشرف في الصبر والثبات على المبدأ والإصرار على السير في طريقه في مراحله المختلفة، وما استتبع ذلك من نجاح وفلاح حتى فرض على الآخرين على أنه أمر واقع لابد من الاعتراف به والتعامل معه على ما سبق في جواب السؤال الثالث.
ورابعاً: الاهتمام بالدعوة والحوار وبيان وجهة النظر وتجديد عرض الأدلة بما يناسب العصر الحاضر، مع سعة الأفق والموضوعية الكاملة والحفاظ على الصدق والترفع عن الالتواء والمغالطات والمهاترات، فإن قليلاً من حق يغني عن كثير من باطل، كما ورد عن أئمتنا (عليهم السلام). ولا سيما مع أنا نملك بحمد الله من الأدلة والبراهين الشيء الكثير الكافي في حق المنصفين من ذوي التبصر والتعقل، وبعد ذلك {فلا يضركم من ضل إذا اهتديتم}.
وخامساً: الحفاظ على إقامة شعائرنا وإحياء مناسباتنا ومواسمنا وطرح مفاهيم أهل البيت (عليهم السلام) وإحياء أمرهم، فإن لذلك أعظم الأثر في تجمع الشيعة وتقاربهم وتماسكهم وتذكيرهم بمفاهيمهم وتجديد روح العزم والثبات فيهم وجرّ الآخرين لهم، فهي الدرع الواقي، والدعاية الناجحة، كما يشهد بذلك حث الأئمةb على ذلك وتأكيدهم عليه، وتاريخ الشيعة الطويل.
وسادساً: الاهتمام بوحدة الصف وجمع الكلمة وتخفيف حدة الخلاف وتقريب وجهات النظر والترفع عن التهاتر والتنابز والاتهامات الرخيصة من أجل فرض وجهة النظر على الغير، أو من أجل حب الظهور وإلفات نظر الآخرين أو غير ذلك.
وسابعاً: الحذر كل الحذر من الدعوات المنحرفة أو الانهزامية، فإن في ذلك القضاء على الكيان الشيعي المتكامل وتمييع مفاهيمه، بل هي دعوات مشبوهة قد يكون الغرض منها الالتفاف على مذهب أهل البيت (عليهم السلام) وإغفال أتباعه عن حقيقته، لينفلتوا منهم ويتخلوا عنه من حيث لا يشعرون، فيجب الوقوف ضدها وضد مدعيها بحزم وحكمة ـ إلى جانب العلماء الأعلام ـ، لأنها أخطر كثيراً من الدعوات المضادة الصريحة.
ولذا وقف أئمتنا (عليهم السلام) بشدة وصلابة في وجه الدعوات المنحرفة ومن دون هوادة. نعم لا ننصح باستعمال العنف في ذلك وغيره كما ذكرناه آنفاً.
وإنا لله وإنا إليه راجعون.
وثامناً: علينا تأكيد الارتباط بالله تعالى وشدّ أنفسنا به، لنكون مشمولين بعنايته مرعيين برعايته، فإنه خير الناصرين وولي المؤمنين، وهو حسبنا ونعم الوكيل {ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون}.
س20: الساحة الشيعية ـ كسائر الساحات ـ تحتوي على مختلف الآراء والاتجاهات، فما هي توجيهاتكم لشيعة أهل البيت (عليهم السلام) في كيفية تعايشهم فيما بينهم؟
ج: سبق منا التعرض لذلك في أحاديث متعددة، ونعود هنا فنقول:
أولاً: يجب أن يكون اتخاذ القرار والتوجه لخصوص بعض الاتجاهات دون بعض مبتنياً ـ بعد الالتجاء لله تعالى في التوفيق والتسديد ـ على التثبت والتروي وملاحظة رضى الله تعالى وصلاح الدين والمؤمنين وأداء الوظيفة الشرعية بعيداً عن الدوافع الخارجية والمصالح الفردية والرغبات الشخصية والتعصب أو التقليد الأعمى، فإن الأمر كله لله تعالى ونحن عبيده نواصينا بيده وأمرنا إليه. والحذر من تسويل الشيطان وتلبيسه، حيث قد يوهم الإنسان ـ من أجل أن يشقيه أو يلقح الفتنة بين المؤمنين ويشق كلمتهم ـ بأنه يطلب في وجهته رضا الله والمصلحة العامة، وقد يستطيع الدفاع عن وجهة نظره بمعسول الكلام، مع أنه لو رجع إلى قرارة نفسه لوجد نفسه مدفوعاً بدافع آخر، وذلك لا يخفى على الله تعالى.
وثانياً: يلزم استبعاد الشدة والعنف في فرض وجهة النظر على الغير واحترام وجهة نظر الآخرين، لا بمعنى تنازل الإنسان عن وجهة نظره وما يراه حقاً وصلاحاً من أجل وجهة نظرهم، بل التعامل معها بتعقل ورزانة وموضوعية وسعة صدر، ومحاولة تخفيف حدة الخلاف وتقليل نقاطه وتقريب وجهات النظر مهما أمكن، وفسح المجال للكل في أن يؤدي دوره في خدمة الطائفة وفق قناعاته.
وثالثاً: الحذر ثم الحذر من أن يجر اختلاف وجهة النظر لانتهاك حرمة المؤمن في بدنه أو عرضه بالافتراء والتشنيع والتشهير، فإن الشيطان قد يسول لذوي النفوس المريضة والأهداف المشبوهة خدمة أهدافهم بإسقاط اعتبار من يعارضها في المجتمع وهتكه، لئلا يقف في طريقهم، مع أن انتهاك حرمة المؤمن من أعظم المحرمات قال الله تعالى: {إن الذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناَ}. وقد أطلنا الكلام في ذلك في جواب بعض الأسئلة التي نشرت في رسالتنا الموجهة لطلبة الحوزة والمبلغين بما يغني عن الإعادة.
ورابعاً: اختلاف وجهات النظر لا يمنع من التعاون والتنسيق والاحترام المتبادل ما دام في حدود الاجتهاد المسموح به، وهو الذي لا يتعدى ثوابت المذهب الحق التي اقتضتها الأدلة القطعية وأقرتها رموز الطائفة.
أما إذا تعدى ذلك إلى زعزعة تلك الثوابت وانتهاكها والخروج عنها باسم الإصلاح أو التجديد أو التقريب أو الانفتاح على الآخرين أو غيرها، فذلك هو الانحراف المرفوض الذي يجب الإنكار عليه والوقوف ضده، ورفض التعاون معه، حفاظاً على كيان الطائفة المحقة وعلى شخصيتها من التمييع والتسيب، فإن في التعامل مع هؤلاء مع انتسابهم للطائفة وحشر أنفسهم في زمرتها تمريراً لمخططهم في شرعية الانحراف المذكور باسم الاجتهاد ووجهة النظر، وتضييعاً لمعالم الحق وحدوده وركائزه. ونعوذ بالله تعالى من مضلات الفتن، وهو المستعان.
س21: كيف تنظرون إلى التعاون والانفتاح على باقي المذاهب الإسلامية؟
ج: إنها خطوة إيجابية جيدة قد حث عليها أهل البيت (عليه السلام) ويفرضها الواقع القائم، فإن الأعداء كمايعادون خط أهل البيت (عليهم السلام) يعادون الإسلام بإطاره العام، وكما كان خط أهل البيت حقاً يجب الدفاع عنه كذلك الإسلام بإطاره العام حق يجب الدفاع عنه. وقد ضرب أئمتنا (عليه السلام) في سبيل ذلك المثل الأعلى في نكران الذات، فقد سكت أمير المؤمنين (عليه السلام) عن حقه خوفاً على كيان الإسلام من التشتت، ولم يأل جهداً من أجل خدمة هذا الكيان في النصيحة للحاكمين وتسديدهم والتعاون معهم، وانتشل الإمام الباقر (عليه السلام) السلطة من موقفها الحرج في قضية ضرب الدراهم والدنانير لصالح الإسلام، كما فعل الإمام العسكري (عليه السلام) ذلك أيضاً حينما استجار به المتوكل وهو في سجنه ليدفع عن الإسلام شبهة النصارى في الاستسقاء، وأجاز أئمتنا (عليه السلام) لشيعتهم الدفاع في الثغور عن بيضة الإسلام. وعلى ذلك جرى علماؤنا الأعلام في مواقفهم المشرفة على تعاقب العصور حتى دعموا العثمانيين الذين رأت الشيعة منهم الأمرين وحملوا السلاح معهم من أجل الدفاع عن هذا الكيان الشريف، الأمر الذي جرّ عليهم عداء المستعمر الغازي الذي ملك البلاد بعد ذلك وقرر مصيرها. وفي الأمس القريب انفتح سيدنا الأستاذ الجد السيد الحكيم طاب ثراه على بقية المذاهب في العراق حينما وقف في وجه المدّ الشيوعي الإلحادي. حتى أن هذه المواقف منهم ربما تحمل على الاسترسال وقلة العمق والدهاء. لكن هذا من تتمة الظلم للحقيقة الذي هو ضريبة الواقعية والمبدئية، وقد سبق أن قيل: معاوية أدهى من علي (عليه السلام).
وأنظر إلى العمق وبعد النظر في التضحية من أجل المبدئية وخدمة الإسلام في هذه الحادثة التي قد يحسن إثباتها خدمة للتاريخ وللحقيقة المظلومة، وهي ما حدثنا به الحجة آية الله الشيخ محمد طاهر آل الشيخ راضي (قدس سره) فقد ذكر أنه لما بدا من المرحوم الشيخ ميرزا محمد تقي الشيرازي (قدس سره) التهيؤ لثورة العشرين ضد الاستعمار البريطاني في العراق سافر عمه الشيخ عبد الحسن بن المرحوم الشيخ راضي من النجف الأشرف إلى كربلاء، فاجتمع بالشيخ وقال له: كيف تعتمد على الناس في الجهاد وإعلان الثورة ضد الإنكليز؟! أما رأيت الخيانات والتخاذل والعجز عن مقاومة الإنكليز في الجهاد؟! أو ما أشبه ذلك فقال طاب ثراه ما محصله: لا يخفى عليّ ذلك، ولكني أريد أن أوقع بين العراقيين والإنكليز الدم، ليبقى الإنكليز مبغوضاً عندهم لا يسلبهم دينهم. وأقدم على الثورة، ولم نجن من ثمرتها إلا ما أراد (قدس سره) من استحكام البغضاء بين المستعمر الكافر والناس، فأبغضهم وأتعبهم بل انتقم منهم، وأبغضوه ومن يتعامل معه على طول المدة، ولم ينسجموا معه ولا انسجم معهم.
وقد طال بنا الحديث، ونرجع إلى ما قلناه أولاً من أن التعاون مع بقية المذاهب الإسلامية من أجل خدمة الكيان الإسلامي أمر جيد جداً، بل ضروري بلحاظ الواقع القائم. غير أنه لابد من الحفاظ على عقائدنا وثوابتنا وعدم التنازل عن شيء منها في سبيل تسهيل التعاون بيننا وبينهم، إذ لا معنى للتنازل عن روح الإسلام وحقيقته من أجل الحفاظ على كيانه. ولذا لم يغفل أئمتنا (صلوات الله عليهم) التأكيد على حقهم ودعوتهم كلما وجدوا لذلك سبيلاً. على أن التعاون لخدمة الإسلام لا يتوقف على التنازل المذكور، إلا أن يتعنت الطرف المقابل، بأن لا يهتم بخدمة الإسلام من أجل تعصبه. ومثل هذا حري بالإعراض، لأنه أضر على الإسلام والمسلمين {وإن الله لهو الغني الحميد}.
س22: ما هي الصيغة الصحيحة لتعامل المسلمين فيما بينهم؟
ج: ينبغي لهم ..
أولاً: أن يعمقوا الشعور في أنفسهم بوجوب التلاحم بينهم من أجل الحفاظ على الكيان الإسلامي العام وتقويته، فإن هذا في نفسه واجب شرعي في حق الكل نتيجة انتمائهم للإسلام وإيمانهم بأنه الدين الإلهي الحق الذي لا يقبل الله تعالى من العباد غيره، وبأن الله تعالى قد أمر بنصره بالجهاد من أجله. كما أنه اللازم في المرحلة المعاصرة بلحاظ خطط الأعداء وإصرارهم على مقاومة الإسلام بإطاره العام، وإبعاده بتشريعاته ومفاهيمه عن واقع الحياة ومحاولة تجريد أبنائه منه، ومحاربة المسلمين ككل أينما كانوا وكيف كانوا، وإضعافهم وعرقلة مسيرتهم وشق كلمتهم وإلقاح الفتنة بينهم، وتجاهل حقوقهم والتغاضي عنها، والتصام عن سماع صوتهم... إلى غير ذلك.
أضف إلى ذلك أن الأعداء أنفسهم على اختلاف أديانهم ومذاهبهم إذا وقفوا أمام الإسلام تناسوا خلافاتهم واتحدوا ضده، فالاستعمار البريطاني خرج من الهند ووقف في كشمير لصالح الهند الكافرة ضد باكستان المسلمة، وخرج من فلسطين ليتحالف مع العالم على اختلاف شعوبه لصالح اليهود ـ الذين لم يكونوا قد برؤوا من دم المسيح (عليه السلام) بعد ـ ضد المسلمين، واليوم يصرّ الغرب الكاثوليكي والبروتستاني على دعم الصرب الأرثوذكسي ضدّ المسلمين في البوسنة وأمام أعينهم ما قام به الصرب من الجرائم الوحشية التي تقشعر لهولها الأبدان ويندى منها جبين الإنسانية... إلى غير ذلك من مواقفهم. كل ذلك عداء منهم للإسلام بكيانه العام وبغضاً منهم للمسلمين بغض النظر عن مذاهبهم ومواقعهم من الأرض.
وكفى بهذا محفزاً للمسلمين على اختلاف مذاهبهم للتلاحم والتكاتف، وأن يذللوا العقبات في سبيل ذلك، متناسين خلافاتهم التي لا يزيدهم التقاطع والتناحر من أجلها إلا ضعفاً ووهناً.
وثانياً: أن يتعايشوا فيما بينهم بموضوعية واحترام متبادل فهم بعد مسلمون لهم حرمة الدم والمال. وعليهم بعد ذلك مراعاة النقاط التالية:
1 ـ فهم واقع كل طرف على حقيقته، بأخذ معتقداته وأفكاره من مصادره وكتبه التي يعترف بها، لا من مصادر الآخرين وكتبهم، والتعرف على سلوكياته من مخالطته والتعايش معه، ونقد وتمحيص الصورة المشوهة التي رسمت له نتيجة التراكمات الكثيرة في العصور المتطاولة، بسبب التعصب والتباعد والتشويه المتعمد وغير المتعمد.
2 ـ اعتماد كل طرف في بيان وجهة نظره والاستدلال عليها على الطرق العلمية وبموضوعية كاملة، ومناقشة وجهة نظر الآخرين على هذا الأساس أيضاً، وتجنب التنابز والتهاتر والتهريج والتشنيع ونحو ذلك من المواقف الانفعالية التي لا تخدم القضية المطروحة فضلاً عن الكيان الإسلامي العام، واستمرار الحوار بين الأطراف على هذا الأساس.
3 ـ نشر أفكار كل طرف ـ في العقيدة والفقه والتربية والتاريخ وغيرها ـ في وسائل الإعلام التي يمتلكها كل فريق، ليطلع الكل على ما عند الكل.
4 ـ إعطاء الحرية لكل أحد فيما يختار من معتقدات وأفكار في الإطار الإسلامي العام، من دون أن يفرض عليه أفكار الآخرين أو يجبر على التنازل عن أفكاره ومعتقداته. نعم لا بأس بالحوار الموضوعي الهادئ حول ما هو الحق الحقيق بالفوز والنجاة والخروج عن المسؤولية مع الله تعالى.
5 ـ أن يتصدى دعاة التقريب من كل مذهب لمن يخرج عن هذه التعاليم من أبناء مذهبه وينكر عليهم سوء تصرفهم، حتى يشعروا أنهم في مواجهة داخلية ويتنبه أهل مذهبهم إلى خطأ سلوكهم، وكذب معلوماتهم، فيكسد سوقهم، ويخيب سعيهم.
س23: من خلال متابعتكم لأوضاع الساحة الإسلامية وغيرها ما هي توجيهاتكم للكتاب الإسلاميين والمحققين والمبلغين؟
ج: اللازم عليهم الاهتمام بالإنتاج النافع للناس في بيان حقيقة مخفية أو مشوهة، أو تأييد حق مهتضم أو إبطال باطل غالب، أو توجيه أخلاقي تربوي أو دعوة لجمع الكلمة أو غير ذلك مما فيه صلاح الإسلام والمسلمين، ليكونوا رساليين في عملهم ويؤدوا حق الموهبة والفرصة التي منحها الله تعالى لهم، ويقوموا بوظيفتهم في الخدمة من موقعهم. ولا يهتموا بالإنتاج ذي العناوين الرنانة والصور الملفتة إذا كان أجوف خالياً عن الفائدة، فضلاً عما إذا كان مضراً بالإسلام والمسلمين في تشويه الحقائق أو زرع الفتنة وتفريق الأمة، فإن في ذلك خيانة لأمانة البحث والعلم وتعدياً على المبادئ الحقة، فيكفروا النعمة ويستحقوا النقمة، كما قال عز من قائل: {ألم ترَ إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً وأحلوا قومهم دار البوار جهنم يصلونها وبئس القرار}.
س24: كيف تنظرون إلى الحوار الإسلامي مع باقي الأديان، خاصة الدين المسيحي؟
ج: مع تطور وسائل الاتصال حتى صار العالم متشابك المصالح كأهل المدينة الواحدة يفترض تفاهم الجميع وفتح الحوار بينهم من أجل صلاحهم والتعايش بينهم على الوجه الأفضل، وتذليل العقبات الناجمة عن اختلافهم دينياً أو قومياً أو فكرياً أو غير ذلك. ولا سيما الأديان السماوية التي تشترك في الحقيقة المقدسة العليا والتي يفترض فيها الدعوة للمثل والأخلاق، التي هي مهددة بالانهيار نتيجة طغيان الجانب المادي على الحضارة العالمية المعاصرة، ونتيجة نشاط القوى الشريرة المتحركة باتجاه التحلل من العقيدة بالغيب والتنكر للمثل والأخلاق، من أجل القضاء على إنسانية الإنسان، وتركيز الجوانب البهيمية فيه وتحفيز دواعي الجريمة.
ونخصّ بذلك الديانتين الأكثر انتشاراً في العالم، وهما الإسلام والمسيحية، حيث يكونان أشد حاجة للحوار والتنسيق، ولا سيما وأن هناك تداخلاً بين المسلمين والمسيحيين في كثير من بقاع الأرض، ووجود الأهداف المشتركة بينهما. وقد تجلت ـ أخيراً ـ أهمية الحوار في تنسيق الجانب الإسلامي مع الفاتيكان حيث أحبطت ـ في محاولة إنسانية ـ عدة محاولات مشبوهة لتمرير قرارات تمس المثل والأخلاق.
س25: باعتباركم أحد مراجع الدين، وعُرِف عنكم اهتمامكم ومتابعتكم لوضع الساحة الإسلامية، هل تنظرون إلى المستقبل المنظور بتفاؤل أو قلق؟
ج: لا ريب في أن المتاعب كثيرة والمشاكل معقدة، إلا أن التشيع قد مرّ بأزمات كثيرة في عصوره المختلفة وقد خرج منها بعناية الله تعالى ورعاية الأئمة المعصومين (صلوات الله عليهم) ظافراً منتصراً قد تبلورت مفاهيمه وتكامل كيانه وفرض نفسه على الآخرين، فاعترفوا به ككيان قائم يجب التعامل معه. فالتشيع بعد مقتل الحسين (عليه السلام) كان معرضاً للضياع والاضمحلال بنحو مأساوي، لأنه كان بمنظور الأعداء والمحايدين وكثير من المؤيدين حركة وسياسة قد انتهت بمقتله (عليه السلام) وقضي عليها، ولكن الخاصة القليلة بقيت متمسكة به كعقيدة ذات أصول برهانية، واستطاعت بثباتها أن تفرضه على الواقع الإسلامي، حتى إذا اتضحت معالمه تجددت الحملة عليه بوضع مأساوي بلغ القمة باستشهاد الإمام الكاظم (عليه السلام) والاستهانة بجثمانه الشريف باستهتار مليء بالحقد يستبطن الاعتراف بذلك الواقع العقيدي، حيث نودي عليه بنداءات فظيعة، منها: هذا إمام الرافضة، وقد قارن ذلك انشقاق الواقفة الخطير الذي زعزع أركان التشيع وهزه هزاً عنيفاً لولا ثبات ذوي البصائر، وإذا به ينتصر بعد فترة قصيرة ذلك الانتصار العظيم في بيعة الإمام الرضا (عليه السلام) ثم يفرض نفسه وتضطر السلطة للتعامل معه كحقيقة قائمة، وإن كانت مقاومة وبعنف في بعض الفترات.
ثم جاءت المحنة الكبرى بغيبة صاحب الأمر عجل الله فرجه وحيرة الشيعة بفقد راعيها، وما استتبع ذلك من انشقاقات ومآسٍ عقائدية، المفترض فيها أن تكون سبباً في ضياع معالمه ـ بل نسفه من أساسه ـ بعد فقد الإمام المعصوم المفترض الطاعة، المسموع الكلمة. لكنه خرج من تلك المحنة منتصراً بسبب تكامل مفاهيمه وتناسقها وقوة حجته ووضوحها، وجهاد علمائه الأبرار، وثبات المؤمنين الأخيار، وأثبت أنه من القوة بحيث يستطيع الوقوف على أرض الواقع بنفسه حتى مع فقد الإمام، كما قال أئمتنا (عليه السلام) إن الله تعالى لو لم يعلم أن في المؤمنين من يثبت إمامة الحجة (عليه السلام) في غيبته لما غيبه عنهم.
وتوالت الأحداث والمآسي والمتاعب والمصاعب، وهو لا يزيد إلا قوة وصلابة، ولا تزيد حجته إلا ظهوراً وكلمته إلا علواً، حتى انتهى به الأمر اليوم إلى أن يكون هو الناطق باسم الإسلام الحق في مواجهة الكفر والظلم والإنكار عليهما وتعريتهما.
ومن الطبيعي أن تتحالف عليه قوى الكفر والظلم اليوم لتحاول تمزيقه من الداخل بالخلافات والفتن، ومقاومته من الخارج في مواجهات مادية قتلاً وسجناً وإفقاراً وتشريداً، وإعلامية كذباً وتهريجاً وسخرية وتشويهاً. والأمل بالله جل شأنه وببركة إمام لعصر عجل الله فرجه أن ترتد هذه الهجمة خاسئة خاسرة ويخرج التشيع من هذه المحنة منتصراً كما خرج من قبل فقد {كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله لقوي عزيز}. ولابد لكلمة الله تعالى أن تبقى مسموعة لتقوم بها الحجة على الناس {ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيى عن بينة}.
غير أن هذا التفاؤل لا ينبغي أن يجرنا للتفريط في أداء الوظيفة، فإن الله تعالى لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، فعلينا . .
أولاً: أن نتوجه إلى الله تعالى بقلوب صافية ونيات خالصة، ونصلح أمرنا معه، ونحافظ على حدوده وتعاليمه ونوالي أولياءه ونعادي أعداءه، ونتوكل عليه ونحسن الظن به ولا يغيب عنا طرفة عين.
وثانياً: أن نجدّ في خدمة هذا المبدأ الشريف، وفي الدفاع عن عقائده وتعاليمه، ودعم أهل الاستقامة والصلاح والتضامن معهم، ورفض أهل الزيغ والانحراف وتجنبهم، والدعوة إلى هذا المبدأ بالحكمة والموعظة الحسنة، كما فعل علماؤنا السابقون رضي الله عنهم عند المحن وظهور الفتن. ومنه سبحانه نستمد العون والتوفيق. إنّه نعم المولى ونعم النصير.
ونسأله سبحانه أن يثبتنا وجميع المؤمنين بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ويكفينا شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، ويعيذنا من الشيطان الرجيم ومن مضلات الفتن، ويزيدنا إيماناً وتسليماً. إنه أرحم الراحمين وولي المؤمنين، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
س1: هل كان التقليد والرجوع للعلماء موجوداً لدى شيعة أهل البيت (عليهم السلام) في عصور حضور الأئمة أو عصر الغيبة الصغرى أو بدأ بعدها؟
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وآله الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.
ج: الرجوع للعلماء وسؤالهم عن الأحكام الشرعية العملية مما جرت عليه سيرة الشيعة وجميع المسلمين من الصدر الأول، وعرف في كل عصر جماعة ممن يتصدى للفتوى، وقد تضمنت النصوص تصدي الشيعة لذلك مثل أبان بن تغلب، الذي قال الشيخ الطوسي في حقه بعد أن مدحه وعظمه: (وقال له أبو جعفر الباقر (عليه السلام): اجلس في مسجد المدينة، وأفت الناس، فإني أحب أن يرى في شيعتي مثلك، فجلس) ومثل معاذ بن مسلم النحوي فقد روى في حديثه عن الإمام الصادق (عليه السلام): (قال: بلغني أنك تقعد في الجامع فتفتي الناس؟ قلت: نعم، وأردت أن أسألك عن ذلك قبل أن أخرج. إني أقعد في المسجد فيجيء الرجل فيسألني عن الشيء، فإذا عرفته بالخلاف لكم أخبرته بما يقولون، ويجيء الرجل أعرفه بحبكم أو بمودتكم فأخبره بما جاء عنكم، ويجيء الرجل لا أعرفه ولا أدري من هو، فأقول: جاء عن فلان كذا وجاء عن فلان كذا، فأدخل قولكم فيما بين ذلك. قال: فقال لي: اصنع كذا، فإني أصنع كذا).
لكن الفقه الشيعي لم يكن متميزاً بنفسه وبفقهائه في الصدر الأول بسبب الفتن والمآسي التي مرت على الشيعة، وربما كان الشيعة يستفتون العامة غفلة عن مخالفتهم لأهل البيت (عليهم السلام). وقد اهتم الإمام الباقر (عليه السلام) بهذه الجهة وبدأ بتثقيف الشيعة بفقههم. وفي حديث عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (لما حضرت أبي الوفاة قال: يا جعفر أوصيك بأصحابي خيراً. قلت: جعلت فداك والله لأدعنهم والرجل منهم يكون في المصر، فلا يسأل أحداً) وقام (صلوات الله عليه) بما وعد، وبدأ الشيعة يقصدون علماءهم ويرجعون إليهم، وتصدى جماعة منهم للفتيا، كما أرشد الأئمة (عليه السلام) إلى جماعة منهم، ففي صحيح شعيب العقرقوفي: (قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) : ربما احتجنا أن نسأل عن الشيء فمن نسأل؟ قال: عليك بالأسدي. يعني أبا بصير) وفي صحيح عبد الله بن أبي يعفور: (قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إنه ليس كل ساعة ألقاك، ولا يمكن القدوم، ويجيء الرجل من أصحابنا فيسألني وليس عندي كل ما يسألني عنه فقال: ما يمنعك عن محمد بن مسلم الثقفي، فإنه سمع من أبي وكان عنده وجيهاً)، كما ورد الإرجاع إلى جماعة آخرين، مثل الحارث بن المغيرة والمفضل بن عمر وزكريا بن آدم ويونس بن عبد الرحمن والعمري وابنه، في أحاديث كثيرة لا يسعنا استقصاؤها، وتكامل للشيعة فقههم واستغنوا عن غيرهم ففي معتبر محمد بن حكيم: (قلت لأبي الحسن موسى (عليه السلام): جعلت فداك فقّهنا في الدين وأغنانا الله بكم من الناس حتى أن الجماعة منا لتكون في المجلس ما يسأل رجل صاحبه [إلا] يحضره المسألة ويحضره جوابها فيما منّ علينا بكم…)، وفي كتاب الإمام الهادي (عليه السلام) لأحمد بن حاتم وأخيه: (فاصمدا في دينكما على كل مُسِنّ في حبنا وكل كثير القدم في أمرنا، فإنهما كافوكما إن شاء الله تعالى).
وبدأ فقهاء الشيعة يؤلفون الكتب في الأحكام الشرعية لعمل الناس التي هي أشبه بالرسائل العملية، يحضرنا منها كتاب يوم وليلة ليونس بن عبد الرحمن من أصحاب الرضا (عليه السلام)، الذي ورد عنهم (عليهم السلام) في نصوص كثيرة الثناء عليه وإقرار العمل به، وكذا كتاب يوم وليلة المعروف بكتاب التأديب لتلميذه أحمد بن عبد الله بن مهران المعروف بابن خانبة، ورسالة علي بن بابويه القمي والد الصدوق المتوفى في عصر الغيبة الصغرى. وما كتاب من لا يحضره الفقيه المؤلف في أوائل الغيبة الكبرى إلا رسالة عملية يرجع إليها من لا يتيسر له سؤال الفقيه، وهي تتضمن فتاوى الصدوق، ثم تتابعت الرسائل للعلماء طبقة بعد طبقة كالمقنعة للشيخ المفيد وجمل العلم والعمل للسيد المرتضى والنهاية في مجرد الفقه والفتوى للشيخ الطوسي قدس الله أسرارهم الزكية وغير ذلك مما لا يحصى كثرة.
س2: ما هي الشروط الأساسية في مرجع التقليد؟
ج: الأساس في ذلك الاجتهاد والعدالة. أما العدالة فنقصد منها المرتبة العالية بحيث تمنع الشخص عادةً من مخالفة التكليف الشرعي ومن الوقوع في المعصية وإن كانت صغيرة، بحيث لو صدرت منه ـ نادراً ـ لأسرع للتوبة والإنابة لله تعالى.
وأما الاجتهاد فهو عبارة عن القدرة على أخذ الحكم الشرعي والوظيفة العملية من الأدلة المعتبرة الكافية في الخروج عن المسؤولية أمام الله تعالى. والفاقد للقدرة المذكورة جاهل لا معنى للرجوع إليه وتقليده. هذان هما الشرطان الأساسيان. نعم مع العلم باختلاف المجتهدين ـ كما هو حاصل الآن ـ لابد من ترجيح الأعلم ، كما فصلنا ذلك في بحثنا الفقهي. ومن هنا تعدّ الأعلمية شرطاً ثالثاً.
س3: عرف عنكم رأيكم المتميز في عدالة مرجع التقليد، حيث تشترطون في المرجع أن يكون على مرتبة عالية من العدالة، وهي أرقى من العدالة المعتبرة في الشاهد وإمام الجماعة، وفي موضع آخر ذكرتم أنه إذا تساوى المجتهدان في العلم يقدّم للتقليد من هو أشد ورعاً... وهنا يطرح سؤال عن مدى ارتباط شدة الورع بالتقليد الذي هو اتباع العالم بالحكم الشرعي.
ج: رأينا في عدالة مرجع التقليد نابع من أن الأمانة كلما عظمت وجلّت احتاجت إلى قوة رادعة عن الخيانة بصورة أقوى وآكد. وبعد غياب العصمة عن مقام التبليغ بأحكام الله تعالى والقيام بالوظائف الدينية لا رادع عن التلاعب بالأحكام وضياعها والتفريط في الوظائف الدينية إلا قوة العدالة وشدة الخوف من الله تعالى. فالمرجع في التقليد يتعرض..
أولاً: للضغط النفسي عند اختيار الحكم واستنباطه من الأدلة، فإن أدلة الأحكام غير منضبطة، والنفس بطبعها تميل للفتوى بما يطابق الظنون والقناعات والعواطف، فقد يجنح الباحث للحكم وتلبس عليه نفسه، فيستوضح الأدلة عليه بسبب ذلك، وقد يؤتى حظاً من القدرة على الاستدلال واللحن بالحجة، فيبرز ما ليس دليلاً بصورة الدليل. ولا حاجز له عن التلاعب أو التسامح أو التغافل في ذلك إلا الخوف من الله تعالى وشدة الحذر من نكاله حين يلتفت إلى أن الخصم المحاسِب هو الله تعالى الذي لا تخفى عليه خافية، ولا يُخدع بالحجج الواهية، فإنه حينئذٍ يتجلى له أن ما يقيمه من الأدلة هل يصلح لأن يكون حجة له مع الله تعالى وعذراً بين يديه أو لا؟ فيحمله ذلك طبعاً على استفراغ الوسع واستكمال الجهد لمعرفة الأدلة الحقيقية والوقوف عندها واستنباط الحكم على أساسها.
وثانياً: للضغوط الأخرى الخارجة عن مقام الاستدلال، إذ كثيراً ما يكون الحكم الذي تقضي به الأدلة الشرعية غير ملائم لرغبات السلطان أو العامة أو غير مناسب للظرف القائم أو العواطف المتأججة، كما قد يتعرض لضغط الأنانية بلحاظ حب الظهور في الابتكار والتميز عن الآخرين أو في التجديد والعصرنة، أو في التسهيل من أجل استقطاب أكبر عدد ممكن من الناس، إلى غير ذلك مما يدعو إلى محاولة التخلص من قيود الأدلة الشرعية الحقيقية والالتفاف عليها والتشبث بالشُبه والمبررات للخروج عنها.
ونحن نرى أن كثيراً من ذوي العلوم العملية التي تكون نتائج الخطأ فيها ظاهرة ـ كالطب والهندسة ـ قد يخون أمانته تسامحاً أو تعمداً لبعض الدواعي المادية ـ ولو مثل الكسل والضجر ـ ويتحمل تبعات عمله وأقلها ظهور الخطأ عليه وفشله في مهمته عاجلاً أو آجلاً، فكيف بمثل علم الفقه الذي لا يظهر الخطأ والتفريط فيه لعامة الناس، وكيف يؤمن ذلك فيه لولا شدة التقوى والورع وقوة ملكة العدالة.
وثالثاً: أن مرجع التقليد بحكم مركزه معرض لكثير من المخاطر الدينية بسبب ابتلائه بالأموال وامتلاكه للجاه واحتكاكه بالناس، وذلك يجعله معرضاً للدواعي الغضبية والشهوية والنزغات الشيطانية، فإذا لم يتحصن بقوة الورع والتقوى كان معرضاً للسقوط والهلكة، ولتشويه صورة المرجعية والدين.
كل ذلك مما يؤكد حاجة مرجع التقليد إلى شدة التدين وكونه بمرتبة عالية من العدالة والورع وتقوى الله تعالى. وعلى ذلك جرى شيعة أهل البيت (عليهم السلام) بمرتكزاتهم وإجماعهم العملي على مرّ العصور. وهو من أقوى الأدلة في المقام مدعوماً ببعض النصوص المذكورة في محلها. وبذلك صار للمرجعية وجهها المشرق ونورها المتألق. ولذا نرى الشيعة يكنون لمراجعهم قدسية عالية لا وجه لها لولا أنهم يفترضون فيهم القرب من الله تعالى بورعهم وتقواهم.
ونسأله سبحانه وتعالى أن يثبت هذه الطائفة على هذا النهج اللاحب والطريق الواضح ويسددها في جميع أمورها، ويعصمها من الزيغ والانحراف ومن مضلات الفتن، إنه أرحم الراحمين وولي المؤمنين.
هذا كله بالإضافة إلى أصل اعتبار كون العدالة بمرتبة عالية، وأما ترجيح الأورع عند تساوي المجتهدين في العلم فهو يبتني على أن التخيير عند تساوي المجتهدين في العلم مخالف للأصل، والمتيقن جواز تقليد الأورع. وتفصيل الكلام في ذلك في كتابنا الفقهي الاستدلالي (مصباح المنهاج).
س4: يطرح البعض سؤالاً عن المبرر لتقليد الفقهاء واتباع اجتهاداتهم الفقهية مع أنها قد لا تصيب الحكم الشرعي الواقعي، فما هو نظركم حول الموضوع؟
ج: لا ريب في أن خطأ الفقهاء وضياع الحكم الشرعي الواقعي من مآسي الدين العظيمة التي يتحمل تبعتها الطغاة الذين غصبوا أهل البيت (عليه السلام) حقهم حيث صار ذلك سبباً لضياع الأحكام الشرعية. غير أنه بعد أن حصل ذلك فالرجوع للفقهاء بالشروط المقررة شرعاً هو الحل الشرعي الوحيد المبرئ للذمة والذي يخرجنا من مسؤولية التكليف مع الله تعالى، لأنه يستند إلى حجج شرعية كافية في المعذرية عند الخطأ وعدم إصابة الواقع. كما أنه الحل الأمثل الذي يجري الناس على نظيره في جميع أمورهم التي يحتاجونها والتي يتعرضون للخطأ فيها، كالطب والهندسة وغيرهما.
ولا بديل عن ذلك إلا أحد أمرين، أما تعطيل الشريعة بإهمال الأحكام وترك العمل عليها، أو أخذها من الطرق غير الشرعية، كالظنون والتخرصات التي منع الله سبحانه من العمل بها، واجتهاد من ليس أهلاً للتقليد، ومن الظاهر أن كلا الأمرين أشد محذوراً من الرجوع للفقهاء، بل لا يرضى بهما عاقل.
س5: هل يمكن توضيح أدلة وجوب تقليد الأعلم؟
ج: الإنسان بطبعه إذا احتاج العمل فيما يجهله يرجع للعالم به، وعلى ذلك جرت سيرة الناس في جميع أمور معاشهم ومعادهم، كالطب والهندسة وعلم الدين وغيرها. وعليه دلت الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة عن المعصومين (عليهم السلام) المتضمنة للرجوع للعلماء والفقهاء. ولا يتقيد بطبعه بالرجوع للأعلم، بل يكتفي بمن يتيسر له الوصول إليه.
أما إذا التفت لاختلاف العلماء وأهل الفن فيما وصلوا إليه وفيما هو مورد الحاجة له ـ كما هو الحال في عصورنا حيث ظهر اختلاف فتاوى العلماء في رسائلهم العملية ، وبسبب البعد عن منابع التشريع ومصادره وتعقد مقدمات الاجتهاد ـ ، فإنه لابد أن يتوقف ويفحص عن الحق من الأقوال، لرجوع اختلافهم إلى أن كل عالم يخطئ الآخر فيما وصل إليه، ومع تخطئة بعضهم لبعض فما المبرر للرجوع لهم والعمل بقول بعضهم دون بعض؟ ولذا ورد في كثير من الموارد رجوع الشيعة للأئمة (عليهم السلام) عند اختلاف العلماء، لأن قولهم (عليهم السلام) هو الفصل في تمييز المخطئ من المصيب ومعرفة الحق من الباطل. ففي حديث خيران الخادم: (كتبت إلى الرجل (عليه السلام) أسأله عن الثوب يصيبه الخمر ولحم الخنزير أيصلي فيه أم لا؟ فإن أصحابنا قد اختلفوا فيه، فقال بعضهم: صل فيه، فإن الله إنما حرم شربها، وقال بعضهم: لا تصل فيه. فكتب (عليه السلام) : لا تصل فيه، فإنه رجس...) وفي حديث سماعة عن أبي عبد الله (عليه السلام) : (سألته عن رجل اختلف عليه رجلان من أهل دينه في أمر كلاهما يرويه، أحدهما يأمر بأخذه والآخر ينهاه عنه، كيف يصنع. قال: يرجئه حتى يلقى من يخبره فهو في سعة حتى يلقاه) إلى غير ذلك.
نعم مع تعذر معرفة الحق، لعدم تيسر الرجوع لمن قوله الفصل ـ كما هو الحال في عصرنا هذا عصر الغيبة والمحنة ـ فالأعلمية من المرجحات العقلائية التي يعتمد عليها الناس في جميع أمورهم. وهل يمكن لعاقل أن يعتمد في أمور معاشه في الطب والهندسة والقوانين الوضعية وغيرها على قول غير الأعلم وترك قول الأعلم عند اختلافهما؟ فكيف بأمر الدين الذي به السعادة والنجاة من الهلكة الدائمة؟! وكيف يمكن التفريط به باتباع غير الأعلم عند الاختلاف، وبماذا يجيب الله تعالى إن سأله يوم يعرض عليه ويقف بين يديه؟ وهل تكون أوامر الله تعالى ونواهيه أهون من الأمور الطبية والهندسية والقوانين الوضعية ونحوها من أمور الدنيا الفانية، ليتسامح فيها. وكفى بهذا دليلاً للمنصف وحجة على المتعسف.
س6: بعض الناس يصور عدم وجوب تقليد الأعلم بأن الأحكام الفقهية ليست بتلك الدرجة من الأهمية، بحيث يفترض في الإنسان مراجعة الأعلم، مثل الحالات المرضية العادية، فإن الإنسان يراجع فيها أي طبيب كان، لا خصوص الأعلم، فما هو تعليقكم على ذلك؟
ج: لا ندري كيف يصدر هذا الكلام من مؤمن وحرمة الأحكام الشرعية من حرمة الله تعالى الذي شرعها، وسوف يحاسب عليها، وهو الذي يقول في حق أحب خلقه إليه وخاتم أنبيائه (صلى الله عليه وآله) : {ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من أحد عنه حاجزين} وفي صحيح أبي ولاد عن الإمام الصادق (عليه السلام) في التعقيب على قضاء لأبي حنيفة قال (عليه السلام) : (في مثل هذا القضاء وشبهه تحبس السماء ماءها وتمنع الأرض بركتها).
وأما الرجوع في الحالات المرضية العادية لغير الأعلم، فهو إنما يصح عند العقلاء في حالتين:
الأولى: أن لا يعلم بالخلاف بين الأعلم وغيره، فيرجع لغير الأعلم لتخيل سهولة معرفة الحالة، بحيث يعرفها الأعلم وغيره. وهو خارج عن محل الكلام لما سبق - في جواب السؤال الخامس - من أن وجوب الرجوع للأعلم في الأحكام الشرعية إنما هو بسبب العلم بالاختلاف بين العلماء في الأحكام التي يبتلي بها المكلف
الثانية: ما إذا تعذر العمل بقول الأعلم وتيسر العمل بقول غير الأعلم مع كونه مأمون العاقبة. كما إذا كان الدواء الذي وصفه الأعلم صعب التحصيل لا يتيسر للمريض استعماله، والدواء الذي وصفه غير الأعلم متيسراً ومأمون العاقبة، فإن المريض قد يستعمل الدواء الذي وصفه غير الأعلم برجاء الفائدة مع كونه مأمون الضرر. وهذا لا يجري في الأحكام الشرعية التي لا يجوز نسبتها لله تعالى والتعبد بها والعمل عليها إلا بحجة وافية بالعذر عند الحساب، وإلا كان العبد مستحقاً لنكال الله تعالى ومتعرضاً لعقابه.
ومن هنا نودَّ التنبيه إلى أمور..
الأول: أن الذي يبدو من كثير من هذه الأسئلة ـ ذات الطابع العلمي الاستدلالي ـ أن هناك حاجة للتعرض لهذه الأمور بسبب إشغال الساحة بالحديث فيها على الصعيد العام. وهي أمور قد أطال العلماء وأهل الاختصاص ـ بعد البحث والتمحيص ـ في الاستدلال عليها بدقة تدريساً وتحريراً في كتب كثيرة.
وحينئذٍ فالحديث فيها على الصعيد العام إن كان من غير أهل الاختصاص فعليهم أن يتنبهوا إلى أن هذه مسائل علمية دقيقة لا تعالج بهذه السهولة السطحية، بل هي شأن مسائل باقي العلوم ـ كالطب والهندسة ـ توكل للمختصين الذين يمتلكون ـ بفضل جهود مضنية لسنوات طويلة ـ العمق العلمي في علم الفقه وما يرتبط به من علوم أخرى، فهؤلاء هم القادرون على الإحاطة بأدلة الدعوى وبراهينها ومداخلاتها واستيعابها.
وإذا كانوا يطمئنون للأطباء والمهندسين وغيرهم من أهل العلوم والفنون في علمهم وفنهم ويكلون أرواحهم وأموالهم وشؤونهم إليهم، فلماذا لا يطمئنون لعلماء الدين في علمهم، أترى أولئك أوثق من هؤلاء في علمهم ودينهم وأبعد عن الخطأ والخيانة منهم؟ وهل يرضى المؤمن المنصف لنفسه بذلك؟!
وإن كان الحديث عنها ممن يعدّون أنفسهم من أهل الاختصاص فالظاهر أن الأدلة الشرعية في ذلك أوضح من أن تخفى عليهم.
على أن المفروض فيهم بحث هذه الأمور مع أهل الاختصاص الذين يحسنون الأخذ والرد فيها، وتمحيص الأدلة إثباتاً أو نفياً عليها، ولذا لا تطرح النظريات العملية في العلوم الأخرى إلا بعد أن يفرغ منها أهل الاختصاص بحثاً وتمحيصاً. ولا يحسن صدمة المجتمع الإيماني العام بها بنحو يوحي لهم بأنها حلول إصلاحية شرعية غفل عنها علماء الدين أو تغافلوا عنها، لجمودهم على الماضي أو لاستفادتهم منه مادياً إلى غير ذلك من الأقاويل، مما يؤدي إلى زعزعة الثقة بهم وحيرة الناس في أمرهم وإحداث البلبلة بين المؤمنين.
أما إذا كانت وجهة نظر هؤلاء أن هذه الحلول ليست حلولاً شرعية، ليطرحوها مع أهل الاختصاص ويبحثوا معهم في أدلتها الشرعية الكافية، بل هي حلول آنية تقتضيها طبيعة المرحلة التي نعيشها تجنباً لسلبيات الحلول الشرعية، فهم يحاولون إقناع عموم الناس بها، ليرتضوها بدلاً من الحلول الشرعية التي يقف علماء الدين عندها ولا يتجاوزونها، فليصرحوا بالحقيقة على وجهها إن كانوا مثاليين، ليعرف المؤمنون على ماذا يقدمون، ومع من يتعاملون، وماذا يراد بهم.
ولماذا هذا التشكيك في الأدلة الشرعية والتشبث بدعاواهم بتقريبات خطابية واهية بنحو يوهم أنها أدلة شرعية، وهي {كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً ووجد الله عنده فوفّاه حسابه والله سريع الحساب}.
الثاني: أن ثوابت التشيع وركائزه في العقائد والتاريخ والفقه لم تثبت إلا بعد البحث والتمحيص، ولم يتسالم علماء الشيعة عليها إلا بعد أن عرفوا رأي أئمتهم المعصومين (عليهم السلام) الذين عاشوا معهم ما يزيد على ثلاثة قرون تكفي في بلورة العقيدة واتضاح معالمها وثوابتها، ولم يفارقهم الأئمة (عليهم السلام) حتى عرفوا منهم ذلك وأقاموا الحجة الكافية عليها، وإلا فمن غير المعقول أن يفارق الأئمة (عليهم السلام) شيعتهم من دون أن يتموا الحجة في ذلك. ولا نريد بذلك أن نفرض عقائدنا على المؤمنين فرضاً على نحو التقليد الأعمى، بل كل ما نريده هو تثبتهم عند صدمتهم من بعض الناس بالتشكيك أو الإنكار ومحاولتهم الفحص عن حقيقة الحال، بالرجوع لأهل البحث والتحقيق، ولا يُستَغفَلوا بتوهم أن هؤلاء لم يتكلموا بما تكلموا به إلا بعد الفحص والتثبت، لحسن ظنهم بهم. فإن ذلك تفريط في الدين والعقيدة وضياع لهما بوجه لا يعذر فيه العبد أمام الله تعالى. ولا سيما مع ما ورد عنهم (عليهم السلام) من أن أمرهم في ذلك اليوم أبين من الشمس. وحيث يدل ذلك على أن شبهات التشكيك والإنكار واهية يظهر بطلانها للمتبصر، ولكنها الفتنة والخذلان اللذين وعد الله تعالى بهما في قوله: {أحسب الناس أن يتركوا أو يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين} وقوله عز من قائل: {ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب} إلى غير ذلك مما يجب أن يتهيأ معه المؤمن للامتحان ويعدّ عدته له، ولا يسترسل في أمره، فإن صرعة الاسترسال لا تستقال.
الثالث: الأمل بإخواننا المؤمنين وفقهم الله تعالى أن ينظروا إلى ما ذكرناه بعين التدبر والتبصر، وبحسابات العقل الذي منّ الله تعالى به على الإنسان ورفع به شأنه وأقام عليه به الحجة وبه يثيب ويعاقب، ويحذروا من النظرة العاطفية والانفعالية التي لا تستند إلى ركن وثيق، بل إلى الانخداع ببهرجة الأقوال وجمال الطرح والصورة، من دون تبصر في العواقب. وليحذروا أيضاً من التعصب والتقليد الأعمى إعجاباً بصاحب الدعوى، أو بسبب الانتماء لخطه والاقتناع به من دون نظر في التفاصيل. فإن ذلك قد يجرّ للمآسي والمهالك بنحو لا يمكن تداركه. وليعلموا أن المسؤولية عظمى والحساب عسير، وأن المحاسب هو الله تعالى الذي لا تخفى عليه خافية، وقد أتم الحجة وأكملها.
س7: كيف نستطيع تمييز الأعلم من بين المجتهدين؟
ج: العاجز عن الفحص بنفسه ليس له إلا الرجوع إلى أهل الخبرة، فإن الشيعة في عصور حضور الأئمة (عليه السلام) كانوا كثيراً ما يرجعون إليهم (عليه السلام) لتعيين من يرجعون إليه في أمر دينهم، كما أشرنا إلى ذلك - في جواب السؤال الخامس.
أما في عصر الغيبة وتعذر الرجوع لهم (عليهم السلام) فليس هناك شيء أقرب وأوصل من الرجوع لأهل الخبرة، وهم الذين بلغوا من العلم مرتبة تؤهلهم للتمييز بين المجتهدين بعد الإطلاع على آرائهم العلمية في الأصول والفقه، وعلى طريقة كل منهم في الاستدلال ومدى فهمه للأدلة، حيث قد يتضح لهم الأعلم حينئذٍ، فتجوز لهم الشهادة في ذلك، ويقبل قولهم.
س8: هل يجوز الاعتماد على الحدس في تعيين الأعلم؟
ج: لا يجوز للإنسان الاعتماد على حدسه لعمل نفسه بأن يقلد اعتماداً على الحدس، لأنه من أتباع الظن والعمل به الذي تظافرت الآيات والأحاديث بالمنع منه، وأنه لا يغني من الحق شيئاً. إلا أن يبلغ مرتبة القطع واليقين، فيجوز. كما لا يجوز له الاعتماد على حدسه في الشهادة للغير بأعلمية شخص ليقلده، إذ لابد في الشهادة من اليقين قال تعالى: {أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون} وفي الحديث عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: (هل ترى الشمس؟ على مثلها فاشهد أو دع) وعن الإمام الصادق (عليه السلام) : (قال: لا تشهدن بشهادة حتى تعرفها كما تعرف كفك). بل لا يجوز للغير الاعتماد على الشهادة الحدسية حتى لو كان الشاهد قاطعاً في حدسه متيقناً، بل يشترط في حجية الشهادة الحسّ.
س9: في مقدمة رسالتكم العملية أضفتم تمهيداً حول الاجتهاد والتقليد ما الذي دعاكم إلى ذلك؟
ج: كثيراً ما يختلط مقتضى التكليف الشرعي بالعادة والروتين، وتتحكم فيه العواطف والمصالح، فينحرف المكلف في تطبيق الحكم الشرعي غفلة وذهولاً عن حقيقة الحال، بل قد يتعمد بعض الناس ذلك ـ تبعاً للهوى ـ تسامحاً في أداء الوظيفة وتمرداً علها. ومن ثم يحتاج لمثل هذا الحديث تنبيهاً للغافل، وموعظة للمتمرد وهزاً للضمائر الشريفة، كما قال الله تعالى: {وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين}.
كما أن هذا الانحراف قد يكون سبباً في تشويه حقيقة التقليد والمرجعية، لأن كثيراً من الناس لا يتسنى له أخذ الفكرة من مصادرها الأصيلة، بل يأخذها من واقع تطبيقها العملي، فإذا خرج التطبيق عن الضوابط الحقيقية عكس صورة مشوهة للفكرة، ولا سيما وأن الاجتهاد يحمل مفهوماً آخر في الواقع القائم غير الشيعي. فأردنا بهذه المقدمة بيان حقيقة الاجتهاد والتقليد والمرجعية عند الشيعة بواقعها بواقعهما المشرق المشرف حسبما اقتضته الأدلة الشرعية، ومن عين صافية. وبذلك نكون قد قمنا بما علينا من بيان الحقيقة والدفاع عن المرجعية الصحيحة، التي قد تظلم نتيجة الفهم الخاطئ لها.
س10: قضية تعدد المراجع الدينيين هل تعتبرونها حالة طبيعية، أو لا؟ وما هي إرشاداتكم لمقلديكم بهذا الخصوص؟
ج: لا ريب في أنها من الحالات الطبيعية بعد أن كانت أهلية المرجع للتقليد وأعلميته من الأمور الحدسية القابلة للاختلاف، وبعد أن كان للمكلف الاختيار في تعيين المرجع عند تعذر الاحتياط ومعرفة الأعلم. وبعد غياب العصمة قد تكون في تعدد المراجع بعض الإيجابيات ـ أحياناً ـ ، لأن وحدة المرجع قد تعرضه للاندفاع في الجري على قناعاته من دون تروٍ وتثبت بنحو قد لا تحمد عواقبه. كما أنها قد تضفي عليه هالة من الجلالة والقدسية، تجعل من سيرته سنة ثابتة لا يمكن الخروج عنها، وتمنع من النظرة الموضوعية لها وإخضاعها للنقد والتعديل. بل قد يتعدى ذلك لآرائه الفقهية، بنحو يعيق عملية الاجتهاد ممن بعده.
نعم لا ريب في أن لتعدد المراجع سلبيات أيضاً لا يستهان بها، لكنها سلبيات لابد منها بسبب فقد المرجعية المعصومة نتيجة غيبة الإمام (عليه السلام) وينبغي أن تكون مثاراً للحسرة لغيبته ولانتظار الفرج بظهوره، وللنقمة على الظالمين الذي تسببوا في غيبته وحرموا الأمة من خيرات حضوره وتوليه لإدارة أمور المسلمين بنفسه. وعلى كل حال فهذه المرجعية بسلبياتها تبقى هي الحل الأفضل بعد أن تعذرت المثالية الكاملة بفقد المرجعية المعصومة.
أما وصيتنا لمقلدينا ـ وفقهم الله تعالى ـ فهي أن اختلاف التقليد لا ينبغي أن يكون منشأ للفتنة ولا سبباً للفرقة، ولا مثاراً للتنابز والتهاتر والشحناء والبغضاء، وعليهم احترام الآخرين ما داموا قد عملوا بموازينهم الشرعية التي قامت حجتهم عليها، والتلاحم والانسجام معهم والتعاون في سبيل الحق وخدمة المبدأ مع تبجيل العلماء العاملين المتقين وحفظ حقهم وتعظيم حرمتهم شكر الله سعيهم وأجزل أجرهم وسدد خطاهم ونفع بهم، وجعلنا ـ بتوفيقه ـ منهم.
س11: تطرح في بعض الأوساط فكرة المرجعية المؤسساتية، بأن تشكل لجنة من العلماء، وينحصر بها مهمة اختيار المرجع الديني، ما هو نظركم إلى هذه الفكرة؟
ج: نظرتنا إلى هذه الفكرة تشابه نظرتنا إلى فكرة تعيين الخليفة على المسلمين من قِبَل أهل الحلّ والعقد التي تبناها المخالفون لخط أهل البيت (عليهم السلام). بل تلك الفكرة فرضت نفسها بالقوة اعترافاً بالأمر الواقع واستسلاماً له، وقد تحكمت القوة في تفسيرها وبيان حدودها، حتى بقيت بلا تفسير ولا حدود، وصارت عبارة أخرى عن تعيين الخليفة بالقوة باسم أهل الحل والعقد، وحتى آل الأمر بالنتيجة إلى اضمحلالها حين استغنت القوة عن الخلافة، فألغتها واكتفت بالسلطة.
أما المرجعية فحيث كانت دينية من أجل الخروج عن عهدة التكاليف الشرعية وبراءة الذمة منها أمام الله تعالى وحصول العذر بين يديه يوم يعرضون عليه ويناقشهم يوم الحساب، فلابد من ابتنائها على الأدلة الشرعية الكافية التي تصلح حجة بين يدي الله تعالى يوم العرض الأكبر، والمرجعية الفردية ـ حيث يفترض حرية كل شخص في اختيار المرجع الذي يقلده ويقتنع بقيام الحجة الشرعية عليه ـ التي جرى عليها الشيعة هذه القرون الطويلة من عصور الأئمة إلى يومنا هذا قد ثبتت مشروعيتها بالأدلة والبراهين الكافية التي أجهد علماؤنا – رضي الله عنهم ورفع درجاتهم ـ أنفسهم في تشييدها على خلاف منهم في كثير من الخصوصيات، ولا يسع العامة إلا الاحتياط لأنفسهم ببذل الجهد لمعرفة من هو أهل للتقليد بالطرق الشرعية، كما يبذلون جهدهم لمعرفة سائر الموضوعات الشرعية، كعدالة إمام الجماعة الذي يصلّون خلفه، والشاهد الذي يقبلون قوله، وطهارة الماء الذي يتوضؤون به، وملكية الثياب التي يصلون فيها والأموال التي يتعاملون بها، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها.
أما المرجعية المؤسساتية فلا يمكن فاعليتها دينياً إلا بإقامة الدليل الشرعي ـ الكافي في العذر ـ عليها وعلى جميع أركانها ومقوماتها، مثل من له حق تشكيل اللجنة، وتحديد صلاحيتها، من حيثية نصب المرجع فقط أو الرقابة عليه أو عزله إذا فقد الأهلية، وتحديد عدد أعضائها، ومرتبتهم من العلم والتقوى، وكيف يعرف ذلك فيهم، وما هو الموقف عند اختلافهم... إلى غير ذلك. ثم إذا كان الغرض من المرجعية المذكورة رفع الاختلاف فلابد من كون تلك الأدلة قطعية إجماعية غير قابلة للتشكيك والخلاف. ولا يظن بأحد توهم إمكان ذلك بعد أن مضى على عصر بيان التشريع أكثر من ألف عام من حين غيبة الإمام عجل الله فرجه. وهل من المعقول أن يغيب الإمام (عليه السلام) عن شيعته غيبة يتوقع طول أمدها ـ كما يظهر من النصوص ـ من دون أن تتضح لهم معالم مرجعيتهم في أحكامهم الشرعية التي يبتلون بها كل يوم بانتظار مرجعية تقترح بعد أكثر من ألف عام لا يعلم من يقترحها، ولا كيف يقترحها؟!
هذا كله من الجانب الشرعي. أما بملاحظة السلبيات والإيجابيات، فنحن لا ننكر السلبيات للمرجعية الفردية، الناشئة من عدم الضابط للتصدي للمرجعية، ومن تعدد المرجعيات وتباين وجهات النظر وعدم استفادة المرجعيات اللاحقة غالباً من إمكانيات المرجعيات السابقة، وغير ذلك، إلا أن ذلك لا ينبغي أن يؤجج العاطفة نحو التغيير من دون موازنة بين البديلين ومقارنة بين إيجابياتهما وسلبياتهما والتدبر في الأصلح منهما والأجدى عملياً، فكم جرّ الاندفاع العاطفي إلى مآس وفجائع لا تدارك لها. وإن المرجعية الفردية ـ مع ما فيها من سلبيات ـ قد أثبتت جدارتها في قيادة التشيع وتكامل كيانه ورفع شأنه ووضوح حجته والحفاظ على واقعيته وعدم مساومته على مبادئه واستقلاله في دعوته من دون أن يسير في ركب القوى العالمية الفاعلة ويخضع لها أو يتجمد أمامها ويسكت عن فضحها.
والملفت للنظر أن الإسلام الذي أراد الله تعالى له الخلود والبقاء لتقوم به الحجة على الناس قد انشق بعد النبي (صلى الله عليه وآله) ذلك الانشقاق المعهود الخطير، فكانت الغلبة لمن استلم السلطة وصار هو الممثل للإسلام الناطق باسمه في دعوته وفتوحه وغنائمه ومكاسبه، وكان الإسلام الشيعي ـ الذي غرس رسول الله (صلى الله عليه وآله) بذرته المباركة في أول الدعوة وأقام قواعده وأكملها في أواخر حياته ـ محتضَراً يكاد يلفظ أنفاسه قد تمسكت به القلة المؤمنة المغلوبة، وهي لا تستطيع أن تنطق باسمه، لأنه غير معترف به على أرض الواقع، ثم استرد التشيع أنفاسه وبدأ مسيرته الهادئة بعناية الله تعالى وصبر الأئمة (عليه السلام) وحكمتهم وثبات شيعتهم والتضحيات الجسام التي حصلت من أجل ذلك، حتى فرض نفسه على أرض الواقع وبدأ الاعتراف به تدريجاً والتعامل معه على أساس هذا الاعتراف، إلى أن ظهر على الساحة العالمية الآن وإذا به الممثل الحق للإسلام، الناطق بدعوته، والذي تخشاه قوى الكفر العالمية وتجندت لمحاربته مستعينة ببعض الفرق الشاذة المنتسبة للإسلام، وبذوي النفوس المريضة والاتجاهات المنحرفة، وليس له من قائد بعد غياب القيادة المعصومة إلا المرجعية الفردية معتضدة بتسديد الله تعالى ورعاية إمام العصر (عليه السلام) الذي ينتفع به في غيبته كما ينتفع بالشمس إذا غيبها السحاب. ونستطيع أن نتعرف على أهمية هذه القيادة التي استمرت ما يقرب من أحد عشر قرناً إذا قارنّا التشيع حين استُلمت قيادته بالتشيع في هذا العصر، ولاحظنا صفاءه ونقاءه وما حصل عليه من مكاسب كبيرة على أرض الواقع في هذه المدة الطويلة. ويزيد ذلك وضوحاً بالمقارنة مع بقية طوائف المسلمين، وكيف كانت ثم أين انتهت في مسيرتها هذه المدة الطويلة.
ومن النكات المضيئة المثيرة للدهشة والإعجاب بهذه المرجعية أن التشيع الذي كان محروماً من السلطة قروناً طويلة قد قامت له في إيران قبل عدة قرون دولة قوية قد باركتها المرجعية وانسجمت معها مدة من الزمن، إلا أنها لم تنصهر بها ولم تندمج معها، كما اندمجت المؤسسات الدينية لبقية فرق المسلمين مع الدول التي قامت باسمها، بل بقيت المرجعية في دور الرقيب متمسكة بمبادئها وكيانها محاولة تعديل مسيرة الدولة ما وجدت لذلك سبيلاً، فإذا لم تستجب لها أنكرت عليها ورفضت مواقفها، ووقفت منها كما تقف من الدول الأخرى، وإن سبّب ذلك للمرجعية المتاعب والمصاعب وعرّضها للمآسي والفجائع. كل ذلك لأصالة هذه المرجعية وصلابتها، ولأن نظامها ـ غير المنضبط بضوابط محددة ـ لا يمكن السيطرة عليه ولا يتيسر تسييره في فلك الدولة أو غيرها.
وتتجلى ثمرة ذلك في مقارنة ظاهرة بين مصطفى كمال (أتاتورك) في تركيا ورضا بهلوي في إيران فقد جاءا في وقت واحد بعد اكتساح قوى الاستعمار الغربي الكافر للشرق الإسلامي، وهما يحملان مخططاً واحداً للقضاء على البقية الباقية للإسلام في المنطقة، وزاد مصطفى كمال على رضا بهلوي بإلغاء الخلافة التي لها قدسية خاصة عند المسلمين، وبإعلان علمانية الدولة، وبفصل الأتراك عن تراثهم الثقافي بتبديل الأبجدية العربية بالأبجدية اللاتينية. ونجح في مشاريعه وبقيت نتائجها إلى الآن، ومع ذلك فهو حتى الآن له شعبية في تركيا لا يستهان بها. أما رضا بهلوي فقد ارتد خاسئاً في مخططه وصار لعنة الشعب الإيراني في عهد الحكم البهلوي، فضلاً عما بعد زواله. على أن حكمه أطول مدة، وهو على الدين أخف وطأة. وهناك كثير من النكات المضيئة في مسيرة هذه المرجعية عبر القرون الطويلة والمنعطفات التاريخية الهامة يضيق المقام عن التعرض لها، ويستطيع الباحث المنصف التعرف عليها.
أما المرجعية المؤسساتية ـ بمعنى أن تقتصر الشرعية على اختيار هذه المؤسسة ـ فهي لم تمرّ حتى الآن بالتجربة على أرض الواقع الشيعي، ولا يمكن أن تمر بها بعد ما سبق من الحديث عن الجانب الشرعي، إلا أنها تبقى فكرة وأمنية تثار ـ بحسن نية أو بسوء نية ـ ضد المرجعية الفردية عند ملاحظة السلبيات التي سبقت الإشارة إليها، والتي قد تضخم من أجل تأجيج العواطف ضدها للقضاء عليها أو أتعابها في مسيرتها، مع الغفلة أو التغافل عن سلبيات المرجعية المؤسساتية وأهمها أن حصر حق القرار بمؤسسة خاصة يحمل المنحرفين للتسلل إلى تلك المؤسسة لأنهم وحدهم القادرون على سلوك الطرق الملتوية من الغش والرشوة والكذب والتهريج والتشنيع والتخويف وغير ذلك مما يترفع عنه ذوو المبادئ وأهل الاستقامة، فإذا تسللوا وسهل عليهم السيطرة على المؤسسة واستحصال قراراتها لصالحهم بطرقهم الملتوية التي أشرنا إليها ،كما حدث في الشورى التي كان حصيلتها خلافة عثمان واستيلاء بني أمية الشجرة الملعونة على مقدرات الإسلام والمسلمين، وحينئذٍ يستطيعون حرف مسيرتها والتخلي عن مبادئها، ولم يخشوا إنكار المنكرين بعد أن كان القرار لهم وحدهم، ولا شرعية لحديث غيرهم. ومن هنا يسهل على الأعداء التسلل للمؤسسة بأنفسهم أو بمن يتعاون معهم من المنحرفين ومرضى القلوب وضعاف النفوس وذوي الأطماع، ثم السيطرة عليها وتسييرها لصالحهم. وبذلك يفقد التشييع المرجعية المخلصة التي سارت به أكثر من ألف عام في طريق الله تعالى وقادته إلى موقعه الآن حيث صارت عبئاً على الظالمين ومثيرة لقلقهم.
ويكفينا عبرة ودليلاً على ذلك أن ننظر إلى المؤسسات الدينية والإنسانية والحكومية والدولية لنجدها قد انحرفت عن أهدافها النبيلة التي كان المفروض أنها قد أسست من أجلها بل تخلت عنها، لتكون من مؤسسات الشرور والفساد أو السائرة في ركاب ذوي الشرور والفساد أو المنسقة معهم. وأول مؤسسة في الإسلام مؤسسة الشورى التي كان أعضاؤها من (السابقين الأولين)، ثم مؤسسة التحكيم، ثم بقية المؤسسات الدينية المنتسبة لفرق الإسلام، ومؤسسة الفاتيكان وغيرها من مؤسسات الأديان الأخرى، ومؤسسة عصبة الأمم المنحلة وخليفتها مؤسسة هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن وما يتبعهما من مؤسسات، وكذا المؤسسات البرلمانية للدول كيف يتم التلاعب بها، بل حتى مثل مؤسسة جائزة نوبل من المسيطر عليها وإلى صالح من تصير؟! إلى غير ذلك مما لا يحصى.
ولا زلت أتذكر قضية طريفة وقعت في الثمانينات الهجرية بعد أن قامت المرجعية بدورها المشرِّف في مقاومة المدّ الشيوعي في العراق، وما استتبع ذلك من تأجج عواطف المتدينين نحوها وانشدادهم لها، وقد نغصتهم سلبيات تعدد المرجعية التي قد تعيق المرجعية العامة عن بعض مشاريعها أو تجعلها تتعثر في طريقها. وقد سافر بعض التجار المتدينين المتحمسين من ذوي الشهامة والخدمات الدينية – وممن أكن له شخصياً المودة والاحترام حتى الآن ـ إلى الدول الأوربية منتقلاً بينها ورجع، فجمعني معه مجلس كنت أرتاده كثيراً، فرأيته معجباً بالنظام البابوي في الفاتيكان، وقال متحسراً لوضع المرجعية الشيعية –وبحسن نية ـ ما مضمونه: يدخل الكرادلة مجمعاً لهم لا يخرجون منه إلا بتعيين البابا، ثم لا خلاف ولا نزاع. وقد منعني الجو الانفعالي والتأجج العاطفي من التعليق على حديثه، فسكت على مضض.
ولم تمر مدة طويلة ـ سنتان أو أكثر أو أقل ـ وإذا بالبابا يصدر قراره بتبرئة اليهود من دم المسيح وبحذف كل ما يسيء إلى اليهود من الكتاب المقدس والتعاليم الدينية، وكثر الحديث عن ذلك وعن دوافعه، وجمعني بذلك التاجر المؤمن نفس المجلس، ولعله بحضور أكثر الجماعة الذين سمعوا الحديث الأول، وإذا به منفعل من الموقف المذكور يوجه تهماً قاسية في الدوافع وراء قرار البابا، وهنا رأيت المناسب تذكيره بحديثه السابق، فقلت بتبسط معه ما مضمونه: يا حاج ليس لك الحق في ذلك، فأنت هنا وفي هذا المجلس بالذات وقبل مدة قريبة كنت معجباً بالنظام البابوي وقلت كذا وكذا ثم قلتُ له: إن ذلك النظام هو الذي أوصل إلى هذه النتيجة، وتم بيننا حديث ودي طويل حول ذلك.
ولا يخفى على المؤمنين سددهم الله تعالى وأعانهم في محنتهم أن الخلاف أمر طبيعي وقد عاش الأئمة المعصومون (عليهم السلام) مع شيعتهم متواصلين معهم مدة لا تقل عن ثلاثة قرون، ورأوا الخلاف بين شيعتهم عن حسن نية أو سوء نية، وشكوا من ذلك، كما شكى منه شيعتهم، وهم على علم بطول أمد الغيبة وتعقد الأمور على الشيعة فيها، فلو كان هناك نظام للمرجعية أصلح من المرجعية الفردية لما جهلوه، ولو عرفوه لما بخلوا به على شيعتهم في محنتهم، وكل ما فعلوه (صلوات الله عليهم) هو التأكيد على الإخلاص في العمل والخوف من الله تعالى والتحذير من حب الظهور والرئاسة ونحو ذلك مما يرجع لتهذيب النفوس وإصلاحها.
وفي الحقيقة أنه بعد غياب القيادة المعصومة وتعرض القيادة للخطأ المتعمد أو غير المتعمد، فالمرجعية الفردية، حيث تبتني على إيكال تشخيص من هو أهل للمرجعية لعامة الناس من دون أن يفرض عليهم فرضاً فهي تبتني في الوقت نفسه على أمرين مهمين:
الأول: رقابة عامة الناس على المرجع، فمن لا يعجبهم سلوكه ينكرون عليه ـ ولو في أنفسهم ـ ويعرضون عنه ويتجهون إلى غيره.
الثاني: فسح مجال التصدي لأهل الإخلاص والواقعية والاستقامة ممن يهتم بخدمة المبدأ. وحينئذٍ يبقى للحق ولأهله صوت ودعوة، وتقوم به على الناس الحجة. كما أنه يمنع من شدة الانحراف والبعد الكثير عن الحق، لأن وجود حق ظاهر ناطق يفضح الباطل. أما المنحرفون في سلوكهم فإنهم لو استطاعوا أن يجمعوا حولهم الناس ويقنعوهم ـ بطرقهم الملتوية أو بكفاءاتهم الشخصية ـ مدة من الزمن، إلا أن الحق بقوة حجته وبواقعية حَمَلته يعري الانحراف والزيف، فيتراجع إليه من يستيقظ ضميره وتقوم الحجة به على غيره، وهكذا يبقى الحق خالداً مستمراً في دعوته، إليه يرجع الغالي وبه يلحق التالي، وعنه يهلك المبطل.
أما المرجعية المؤسساتية فهي تسد الطريق على الغير، فلا يعترف به وإن كان محقاً في دعوته مخلصاً في عمله مستقيماً في سلوكه، فإذا انحرفت خفي على الناس انحرافها، لعدم وجود حق ظاهر، ليقارن بها ويفضحها. ولو ظهر انحرافها لبعض أهل المعرفة والتمييز لم يجدوا حقاً يلجؤون إليه ويستضيؤن بنوره، ولا يقبل منهم الإنكار، لأنه خروج على الشرعية المفروضة. وبمدة قليلة تضيع معالم الحق وتندرس آثاره، ويفرض الباطل نفسه على أرض الواقع ويتحرك كيف يشاء مستغلاً شرعيته المفروضة، وليس لله تعالى في مقابله دعوة ظاهرة ولا حجة ناطقة.
ولعل هذا هو السر في قِصَر الفترة بين نبي الله عيسى (عليه السلام) وبعثة نبينا (صلى الله عليه وآله) وفي طول أمد الغيبة، فإن معالم الدين الحق بعد عيسى (عليه السلام) ضاعت بسبب تشكيلة المرجعية الدينية المسيحية، حيث انحصرت بمؤسسات لا يعترف بغيرها، وبانحرافها عقيدياً وعملياً انحرفت المسيحية كلها، ولم يبق لله تعالى ناطق بالحق تقوم به الحجة على الناس، كما يشهد بذلك ما ورد في حديث إسلام سلمان الفارسي (رضي الله عنه)، فكان مقتضى حكمة الله تعالى ولطفه أن يجدد الحجة على الناس ببعثة خاتم الأنبياء (صلى الله عليه وآله).
أما في عصر الغيبة فالحجة باقية ببقاء دعوة التشيع المتكاملة المتناسقة، وببقاء المرجعية الفردية الحرة الحاملة لها والناطقة بها والداعية إليها، المسددة بعناية الله تعالى ورعاية إمام العصر أرواحنا فداه، والتي تستطيع بحقها وواقعيتها فضح الباطل والمبطلين والانحراف والمنحرفين والإنكار عليهم وبيان زيغهم وباطلهم {قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين}، {وما كان الله ليضل قوماً بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون}.
وحسب تقديرنا فإن الدعوة للمرجعية المؤسساتية دعوة غير عملية بعد فقدها للدليل الشرعي القاطع، ولا أثر لها إلا إتعاب المرجعية الفردية الحرة التي تمتلك وحدها الشرعية، واستغلال بعض السلبيات فيها وتضخيمها من أجل إغفال الناس عن واجبهم الشرعي وإشغالهم بنظرية قد تمتلك من جمال الطرح ما يغفلهم عن التبصر فيها والتعرف على مخاطرها، مستغلين حسن نية الكثير منهم وتأجج عواطفهم ورغبتهم في الإصلاح.
وكان الأولى بمن يدعو للمرجعية المؤسساتية الآن ـ من ذوي النية الحسنة ـ تجنباً لسلبيات المرجعية الفردية الحرة أن يدعو بَدَلَ ذلك للواقعية والإخلاص وقوة التدين في المرجع وفي الهيئة العاملة معه، مع الاهتمام بمراعاة الموازين الشرعية في الدعوة لتقليد المرجع، وفي الاستجابة لتلك الدعوة من قِبَل المؤمنين.
أولاً: لأهمية ذلك في أداء الوظيفة الشرعية والخروج عن المسؤولية أمام الله تعالى، على ما بسطنا الكلام فيه في مقدمة رسالتنا العملية، وفي رسالتنا التي وجهناها لطلاب العلم والمبلغين بما لا يسع المجال للتعرض له هنا.
وثانياً: لأن ذلك من أهم أسباب الفيض الإلهي في توفيق المرجعية وتسديدها، لأن الله تعالى مع عبده المؤمن ما دام العبد معه، وكما قال تعالى: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين}.
وثالثاً: لأن للواقعية والإخلاص أكبر الأثر في تخفيف سلبيات تعدد المرجعية. وهناك نكات مضيئة في تاريخ المرجعيات السابقة والمعاصرة نتيجة الإخلاص والواقعية تكفي عبرة في ذلك، فقد كان الانسجام بين المرجعيات على أشده في أوائل القرن الثالث عشر الهجري في عصر مرجعية الشيخ كاشف الغطاء وإخوانه، واشتهر عن الشيخ صاحب الجواهر أنه أرشد لتقليد الشيخ الأنصاري من بعده مع أنه لم يكن من جماعته ولا من أتباع مدرسته، وكذلك اهتمام السيد الشيرازي الكبير بالمرجع المعاصر له الشيخ محمد حسن آل ياسين، ودعم مراجع النجف الأشرف للسيد المذكور. وقد عاصرنا مرجعيتي سيدنا الأستاذ الجد السيد الحكيم وشيخنا المعظم الشيخ محمد رضا آل ياسين (قدس سرهما)، فكان التعاون والتنسيق والاهتمام المشترك بينهما مثالياً رائعاً. ولا زلنا نلمس إلى اليوم تأثير الإخلاص والواقعية في انسجام المرجعيات والتعاون بينها لتجنب السلبيات والمفارقات. ولا يسعنا إحصاء ذلك فقد طال بنا الحديث.
نعم نودّ أن نشير في ختام هذا الحديث إلى أهمية اعتماد المرجع الديني على ذوي الاختصاص والتقوى والاستعانة بهم واستشارتهم، وتقسيم الأعمال على اللجان المختصة، لأن المسؤولية أكبر وأعقد من أن يستقل بها شخص واحد ، خصوصاً في العصر الحديث وتعقيداته. وكذلك دعمه ورعايته للعاملين المستقيمين في المؤسسات والمراكز والمشاريع الإسلامية المتنوعة.
ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يسدد المخلصين في دعوتهم وعملهم وينفع بهم، إنه ولي المؤمنين، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
س12: عرف عنكم اهتمامكم بإلقاء محاضرات أخلاقية وتربوية في شهر رمضان المبارك وغيره من المواسم، فهل ترون ذلك ضرورة دائمة؟
ج: هذا أمر ضروري في كل عصر، وفي حق كل أحد مهما بلغ شأنه، ففي الحديث الشريف: إن القلوب ترين كما يرين الحديد وجلاؤها الموعظة. ويتضح ذلك بملاحظة القرآن الكريم وأحاديث النبي (صلى الله عليه وآله) وأهل البيت (عليه السلام) وما روي عن الأنبياء والأولياء، وعليه جرت سيرة السلف، حتى كانت تعقد مجالس للوعظ، ومنها مجلس في الصحن الشريف يتحدث فيه المرحوم الشيخ جعفر التستري (قدس سره) يحضره الناس بطبقاتهم بما فيهم بعض المراجع المشهورين في النجف الأشرف عدا المجالس الخاصة، والدروس الأخلاقية التي يقوم بها أساتذة ماهرون.
وحبذا لو يراعى ذلك ويهتم به في هذا العصر الذي طغت فيه المادة وقويت فيه حبائل الشيطان وظهرت فيه نغمة التحلل. وإذا لم يتسن عقد مجالس خاصة للوعظ والإرشاد والتربية الأخلاقية، فلا أقل من اهتمام الخطباء بذلك في المجالس الحسينية والمناسبات الدينية ونحوها، وتخصيص فترة منها لهذا الجانب على ضوء الكتاب المجيد وأحاديث النبي وأهل بيته (صلوات الله عليهم)، وما روي من تعاليمهم وسيرتهم وسيرة الصفوة من أوليائهم بعيداً عن الإغراق والاجتهادات التي لا تستند إلى ركن وثيق. وإذا لم يتيسر لأحد شيء من ذلك فعليه أن يهتم بالتدبر في القرآن الكريم وبالاطلاع على خطب النبي (صلى الله عليه وآله) وأهل البيت (عليهم السلام) وأدعيتهم التربوية وسيرتهم وأحاديثهم التي بها جلاء القلوب وصلاح النفوس، فإن كلامهم نور وأمرهم رشد ووصيتهم التقوى وفعلهم الخير وعادتهم الإحسان وسجيتهم الكرم. والحمد لله الذي وفقنا للتمسك بهم والاعتصام بحبل الله تعالى وحبلهم.
س13: يتسائل البعض انه لماذا يعتمد المرجع الديني على أبنائه والقريبين منه أو تلامذته أكثر من اعتماده على غيرهم؟
ج: هذه حالة غير مطردة، بل يختلف المراجع في ذلك نتيجة لاختلاف أوضاعهم وظروفهم، فبعض المراجع لم يعرف عنهم ذلك ولو لفقدهم الأقرباء والتلاميذ الذين يتيسر الاعتماد عليهم، وبعضهم عرف منهم الاعتماد على أقاربهم نسبياً وآخرون اعتمدوا على تلامذتهم. والمهم في المقام هو الأمانة والإخلاص والاهتمام بشؤون المرجع وحسن الإدارة، فإن فقدها الأقارب والتلاميذ لم ينبغ الاعتماد عليهم، ولذا كان من أهم المطاعن على عثمان الاعتماد على أقاربه وإيكال أمور المسلمين لهم.
وإن كانوا أهلاً للأمانة فما المانع من الاعتماد عليهم ولو في بعض الأمور ـ كل بحسب قدرته ـ وقد ورد عن أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) أنه عوتب على اعتماده على بعض أرحامه وتوليتهم فقال: آتوني خيراً منهم لأولِّيه. فإذا عرف المرجع الأمانة في تلامذته أو القريبين منه ووجدهم أهلاً لتحمل المسؤولية فما المحذور في اعتماده ـ خاصة بعد تلكؤ الآخرين من التضحية بأوقاتهم قبل بروز المرجع على الصعيد العام ـ باعتبارهم قد عاشوا معه وجرّبهم وعرف عنهم ما لم يعرف عن غيرهم، وهم باتجاهاته وآرائه ومفاهيمه التي يحملها ـ والتي على أساسها تحمّل مسؤولية التصدي للمرجعية ـ أعرف، وبالانفعال بها والجري عليها والتضحية من أجلها أحرى وأقرب، على أن لا يكون الاعتماد بدافع العاطفة فيقدمهم على من يستعد لتحمل المسؤولية ممن هو أوثق وأجدر منهم.
وقد جمعني في سفرتي لإيران في حياة سيدنا الأستاذ الجد السيد الحكيم (قدس سره) مجلس مع بعض الأشخاص، فاقترح عليَّ أن يجنّب السيد أولاده المساهمة في إدارة شؤون مرجعيته اقتناعاً منه بموقف نسبه لبعض المراجع، فقلت له: أترى أن السيد إذا كان قد ربى أولاده وغرس فيهم الإخلاص والأمانة وعرف أهليتهم فما المبرر لتركهم والاعتماد على غيرهم ممن هو أبعد عنه وأقل معرفة به؟!
وما زلت أتذكر تلك الليلة الليلاء من ليالي مرض السيد الجد (قدس سره) الذي قضى عليه، فقد بلغنا عبر الهاتف في النجف الأشرف – في أوائل شهر صفر قبل وفاته بشهرين تقريباً ـ أن سماحته قد تردت صحته في المستشفى، حيث عرضت له نوبة قلبية حادة، وكان بسببها معرضاً لقرب الرحيل المحتوم، وهرع إلى بغداد أكثر القريبين ولم يبق في النجف إلا المرحوم ولده الأكبر الخال آية الله السيد يوسف (قدس سره) وبعض شيوخ العائلة وبقيت معهم، ورجعنا بعد صلاة المغرب للمجلس العام في دار السيد، ونحن في أشد الوجوم والقلق، لأنا نتوقع الخبر الصاعق في كل لحظة، وبعد أن انتهى المجلس وخرج الناس خرجت مع المرحوم الخال مصاحباً له في طريقه إلى بيته، وفي الطريق جرى الحديث بيننا، وإذا به في مشكلة أهم مما يتوقعه من فقد السيد حيث قال ـ ما مضمونه ـ : الموت أمر لابد منه، إلا أن مشكلتي أن السيد قد أوصى إلي بما يتركه من أموال عامة لأشرف على صرفها، ويصعب عليّ تحمل الأمانة ـ لبعض الملاحظات ـ ، وحاولت التخفيف عنه فلم أفلح، حتى إذا وصلنا إلى بيته طلب إلي أن أدخل معه لإكمال الحديث فدخلت، وطال الحديث بيننا حتى قلت له: هذه الأموال لابد أن تصرف، وأنا أتعهد بأنك ستحصل إجازة بتولي صرفها من كل من يحتمل توقف صرفها شرعاً على إجازته من المراجع والمجتهدين الذين كانوا كثيرين في النجف، ولكنه أصرّ على الامتناع، وطلب إليّ بإلحاح أن أسافر في اليوم الثاني إلى بغداد لأبلغ السيد بامتناعه من قبول الوصية بهذا الوجه، وكان الطلب محرجاً لي، حيث يصعب عليّ مواجهة السيد الجد بذلك وهو في ذلك الوضع الصحي المتردي، مع محاذير أخرى كنت أخشى منها. لكني استسلمت على مضض مراعاة لوضعه المأساوي واستجابة لإصراره، غير أن الله تعالى كفاني ذلك، حيث تيسر له إبلاغ غيري بالطلب المذكور ممن هو في بغداد، وفعلاً بُلِّغ المرحوم السيد الجد بذلك لكنه (قدس سره) أصر على إلزامه به، لما يعرفه من أهليته وتورعه، فاستسلم له، وقام بذلك بعد أن احتاط بما أمكنه من وجوه الاحتياط.
وقد ذكرت هذه القصة للتاريخ والعبرة، فإنه إذا كانت الأمانة في الابن هكذا فما المبرر لترك الاعتماد عليه؟!
بل مثل ذلك مما يؤكد مبدئية المرجع وقوة تأثيره على أتباعه في غرس الأمانة والمبدئية فيهم، ويؤكد ثقة الناس به وبهم، ويزيد المرجعية بهاءً وقدسية ويرفعها في نفوس الناس، كما رأينا أثر ذلك في اندفاع الناس نحو المرحوم الخال السيد يوسف (قدس سره) وتعلقهم به مصرين على تقليده، وعلى إقناعه بقبول ذلك، إلا أنه أصر على الامتناع تورعاً ومحاولة منه للتخلص من تحمل الأمانة ما وجدَ إلى ذلك سبيلاً. وإن كان هو أهلاً لذلك بنظر كثير من أعلام النجف الأشرف في حينه، وعلى رأسهم المرحوم السيد الجد (قدس سره)، كما يناسب ذلك تعامله معه، وما بلغنا بطريق موثق من إرشاده له. لكن السيد يوسف (قدس سره) عقّب على ذلك بأن السيد (قدس سره) هو الذي زهّدني في المرجعية تجنباً لمشاكلها، فقد دخلت عليه يوماً فرأيته منفعلاً من بعض المشاكل وقال لي: إياك أن تورط نفسك بهذا الأمر.
ونسأله سبحانه أن يسدد الكل في عملهم ويجزيهم بنيتهم إنه أرحم الراحمين وولي المؤمنين.
س14: تطرح إشكالية على عمل الجهاز المرجعي بأنه خاضع لمستشاريه بالمرجع أكثر من خضوعه لشخص المرجع، فما هو نظركم؟
ج: هذا ظلم وتجاوز للحقيقة، إذ ليس هناك قاعدة عامة في ذلك، بل هو أمر يختلف باختلاف المراجع في قوة الشخصية وفي الحزم، وفي سهولة اتخاذ القرار، وفي الثبات على القرار، كما هو الحال في سائر المسؤولين، وليس هو مختصاً بمراجع الدين. نعم لا إشكال في أن للمحيطين بالمرجع في الجملة الأثر في القرار وتسيير عمل الجهاز المرجعي، ولو لأنه يستعان برأيهم كمستشارين، الذي هو من الإيجابيات في المرجع، أما السيطرة على القرار وعلى تسيير الأعمال فهي كما قلنا تابعة لشخصية المرجع. وقد رأينا من بعض المراجع (قدس سره) من الحزم والسيطرة على جهازه والواقعية وحسن التصرف ما يلفت النظر ويثير الإعجاب والإكبار.
وفيما يخص هذا السؤال والسؤال السابق فنحن لا ننكر السلبيات غير المتعمدة، بل والمتعمدة في بعض الحالات، إلا أن الأمل بالمؤمنين سددهم الله تعالى النظرة الواقعية للأمور والحذر من الحملة الشعواء على الحوزة والمرجعية وتضخيم السلبيات وافتعالها، فقد اطلعنا على بعض الافتراءات على أعاظم مراجعنا ـ الذين تجلهم الحوزة العلمية ـ لا يقوم بها من له أدنى مسكة من الكرامة، فضلاً عن الدين، وليس المراد بها إلا زعزعة الثقة بخط المرجعية العام الذي هو فخر هذه الطائفة ووسام الشرف في جبينها، وطريقها الموصل لها إلى الله تعالى، وبه تكامل شخصيتها وفاعليتها، فبعين الله تعالى ما لقيه ويلقاه علماؤنا الأبرار نتيجة ثباتهم على مبادئهم وصلابتهم في مواقفهم، واستقامتهم في مسيرتهم ورفضهم التعاون والتنسيق مع قوى الشر والطغيان والسير في فلكها.
ونسأله سبحانه أن يثبتهم على ذلك ويسدد خطاهم، ويشكر سعيهم وعظم أجرهم ويعز نصرهم. إنه ولي المؤمنين وناصر المظلومين. وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وليت شعري إذا تزعزعت الثقة بهذا الخط فما هو البديل الخالي عن السلبيات والمفارقات، وأين يتجه المؤمنون؟ وكيف يصلون إلى ربهم ويحفظون دينهم عن التحريف والتلاعب؟ وإذا لم تكن المرجعية ـ التي نشترط فيها العدالة بمرتبة عالية ـ أهلاً للثقة فماذا نفعل؟ هل نبقى بلا مرجعية، أو نتعامل مع مرجعية غير أمينة، كما تعامل غيرنا ووصلوا إلى ما وصلوا وانتهوا إلى حيث انتهوا ؟!
والأجدر بالمؤمنين ـ أعانهم الله تعالى في محنتهم وسددهم في مسيرتهم ـ أن ينظروا لأنفسهم ولدينهم وتكون دعوتهم إصلاحية هادفة بدعم المرجعية وتأييدها، بل تعظيمها وتقديسها، لكن مع التأكيد على الواقعية والإخلاص والتقوى وحسن السلوك في شخص المرجع وفي أعوانه وفي الداعين له المرشدين لأهليته، وتشجيع من يتحلى بذلك وتبجيله وعضده والتعاون معه والانضمام إلى خطه، والتحفظ ممن لم يعرف فيه ذلك، بل الإنكار الهادئ على من يخرج عنه، ليعرف كساد بضاعته، ولا يتعرض لهذه الأمانة إلا من هو أهل لها قادر على حملها، مع كمال التحفظ منهم والحذر من التهريج والدعايات الكاذبة ومن تدخل الأغراض الشخصية والمصالح الفردية والعواطف والمجاملات، فإن الأمانة عظيمة والمسؤولية كبيرة والرقيب هو الله تعالى الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
وقد ذكرنا في جواب السؤال الحادي عشر أن المرجعية تبتني على رقابة الناس على المرجع، فعليهم أن يؤدوا واجبهم من موقعهم ولا يتساهلوا في ذلك أو يقفوا منه موقف المتفرج اللامبالي. ولتكن المحنة التي نمرّ بها محفزة على أداء الواجب ورعاية الأمانة والقيام بالمسؤولية أزاء هذا المبدأ الشريف وأزاء خط المرجعية المقدس الذي هو من أهم سماته المضيئة ومميزاته المشرفة. والله سبحانه وتعالى ولي التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل.
س15: الإمام المهدي (عليه السلام) غائب عن وجدان كثير من شيعة أهل البيت (عليهم السلام) رغم عقيدتهم به، فما هي السبل التي ترونها كفيلة بشعورهم بحضوره (عليه السلام) ؟
ج: كل أمر حق غيبي يحتاج حضوره وجدانياً إلى تركيزه في النفس بالتفكر والتذكر المستمر وعدم إغفاله، وبذلك تتم فاعليته وتأثيره في سلوك من يعتقد به. ولذلك ورد الحث الكثير على التفكر، كما أطلنا الكلام فيه في رسالتنا الموجهة لرجال الحوزة والمبلغين. وإن من جملة الأمور الغيبية الحقة وجود الإمام المهدي عجل الله فرجه وأثره في سير نظام الكون، ولا سيما أمر شيعته ورعاية شؤونهم وتسديد مسيرتهم، كما يناسبه ما ورد من أن الانتفاع به في غيبته كالانتفاع بالشمس إذا جللها السحاب وأن الأرض لا تبقى بغير إمام، وأنه لو رفع الإمام عنها لساخت.
فعلى المؤمنين وفقهم الله تعالى الاهتمام بحضور ذلك في وجدانهم وتركزه في نفوسهم، بالتفكر والتذكر والارتباط المستمر به من خلال الأدعية والزيارات الكثيرة الواردة له عنه عجل الله فرجه وعن آبائه (صلوات الله عليهم) ومن خلال التأسي به في محنهم وكرباتهم، لأنه أطول الناس محنة وأشدهم كربة، واللجوء إليه في مهماتهم والاستجارة به في كرباتهم، والاستشفاع به إلى الله تعالى في دعواتهم، لأن الله تعالى يجري الأمور على يديه وهو أفضل شافع في هذا العصر إليه.
كما أن عليهم أن يرتبطوا به ويتذكروا موقعه من خلال الرجوع لعلمائهم الذين هم يمثلون وجهته ويقومون ببعض وظائفه، لأنهم ـ كما ورد في توقيعه الشريف ـ حجته على شيعته، وهو حجة الله تعالى. بل حتى من خلال التوجه والنظر للفساد المنتشر في العالم من الظلم والطغيان والانحلال وغير ذلك، حيث ينبغي أن يكون سبباً لتذكره والأسف لغيبته وانتظار ظهوره وتوقع فرجه الذي به يتم تطهير الأرض من جميع ذلك، لأنه (صلوات الله عليه) يملؤها قسطاً وعدلاً بعد ما ملئت ظلماً وجوراً.
وقد ورد عنهم (عليهم السلام) ردع الشيعة عن قبيح الأعمال، لأن ذلك يعرض على النبي (صلى الله عليه وآله) وعلى إمام العصر فيؤذيهما. ولو تجلت هذه القضية لهم بالتفكر والتدبر لأصلحت كثيراً من سيرتهم، حيث لا ريب في أنهم يحبونهما ولا يرتضون لأنفسهم إيذاءهما. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يثبتنا على ولايته وانتظار أمره، ويهب لنا لطفه (عليه السلام) وعطفه ورأفته ورحمته وتحننه ودعاءه وتفقده وشفاعته، ولا يحرمنا بركة ذلك في ديننا ودنيانا.
س16: سيدنا الكريم في مثل هذه الظروف الصعبة التي تمر بها أمتنا الإسلامية توجد هناك أزمة ثقة في بعض مجتمعاتنا - الإمامية- بين المجتمع ورجال الدين من علماء ومبلغين ساعد على وجودها ظروف كثيرة لا تخفى على المتابع، فيا حبذا لو تفضلتم علينا ببعض النصائح والتوجيهات التي تساعد على التخفيف من تلك الأزمة؟
ج: الأزمة المذكورة من أهم مشاكل هذه الطائفة الممتحنة وأعقدها. وهي بعد مؤشر خير لهذه الطائفة يناسب صمودها وخلودها، لأنها تكشف عن تحرر المجتمع فيها من التقليد الأعمى لرجال الدين والتبليغ، مما يجعل رجل الدين غير قادر على حرف المجتمع عن مسار هذه الطائفة المستقيم ونهجها القويم لو سولت له نفسه وغلبه هواه لضغوط خارجية تدعو للانحراف، كما حصل لكثير من الطوائف والمجتمعات. كما أن رجل الدين والتبليغ إذا كان مستهدفاً للنقد والتمحيص صار حذراً متيقضاً، وحاول تجنب المزالق وتحفز للتكامل والرقي.
وعلى كل حال يجب على جميع الأطراف الوقوف عند حدود الله تعالى والحذر من الخروج عنها في سورة التحرر والاندفاع، وتحري رضا الله تعالى وصدق النية معه. فيجب على رجل الدين والتبليغ الاهتمام بأداء وظيفته على أحسن الوجوه وأفضلها وتجنب السلبيات بالقدر المستطاع للنقد البناء والتجاوب معه. من دون أن يصل الأمر به إلى إرضاء الناس على حساب المبدأ والواجب مهما كان الثمن.
كما يجب على أفراد المجتمع التشجيع على الاستقامة وأداء الواجب ورفض الزيغ والانحراف مهما كان مصدره، والحذر من النقد الهادم غير المسؤول ولا المنصف، وتصلكم مع هذا الكتاب نسخة من الرسالة التي وجهناها أخيراً لرجال الحوزة والتبليغ والتي قد تعينهم على أداء وظيفتهم على الوجه الأمثل. ونسأل الله سبحانه وتعالى العون على هذه المشكلة وغيرها من المشاكل المحيطة بهذه الطائفة المتعبة، وتسديد الجميع لمعالجتها وتلافي أضرارها وهو حسبنا ونعم الوكيل.
نعم هناك أمر مهم له أعظم الأثر في هذه الأزمة لم نرَ التعرض له في تلك الرسالة صلاحاً، يحسن التعرض له هنا. وهو أمر المال الذي يتعرض رجال الدين والتبليغ لتحصيله، والذي لم يحسن البعض منهم التصرف فيه، حيث ينتظر منهم إنفاقه في ترويج الدين ورفع أعلامه والدعوة له أو في إغاثة ذوي الحاجة المضطرين من المؤمنين، بينما لم يلمس الناس منهم ذلك، بل بدا منهم كسبه لأنفسهم يتنعمون به ويتوسعون في إنفاقه حتى قد يتعدى بعضهم فيه لمصارف الترف والبطر حسب منظور الناس، مما أوجب انعكاس صورة سيئة لرجل الدين والتبليغ عند كثير من الناس، وضاع الصالح في هذا الخضم، حتى اعتقدوا أنهم لم يدخلوا في هذا المجال من أجل القيام بالوظيفة الشرعية وأداء الواجب في الدعوة إلى الله تعالى، بل من أجل تحصيل المال والكسب غير المشروع وسلبت الثقة منهم وشاع سوء الظن فيهم حتى قد يتفاقم الأمر، ونصل إلى ما لا تحمد عقباه فالواجب على رجال الدين والمبلغين الصحيحين المخلصين في عملهم والذين بهم ترتب الثمرة المطلوبة على جهودهم..
أولاً: أن يبعدوا عن مواقع التهمة ويتعففوا عن الناس، فلا يطلبوا المال ولا يتعرضوا لتحصيله، وإن عرض عليهم المال تنزهوا عن قبوله إن كان من سنخ الهدايا والمساعدات الشخصية إباءً وترفعاً، وإن كان من سنخ الحقوق الشرعية لم يقبلوه لأنفسهم، بل للمرجع الذي يقتنع به دافع المال أو يقتنعوا به أنفسهم فيما بينهم وبين الله تعالى إن أوكل دافع المال الأمر إليهم يؤكدون ذلك بتحصيل الوصل من المرجع المذكور وتسليمه لدافع المال، ليتضح له وصول المال للمرجع، ثم ينسقوا مع المرجع من أجل إنفاق المال في مصارفه المرضية لله تعالى بما في ذلك سد الحاجة الشخصية لرجل الدين والتبليغ الذي هو الواسطة بين المرجع والناس من أجل أن يستغني عن الناس ويترفع عن الطلب إليهم ويتعفف عما في أيديهم. وقد كان سيدنا الجد مرجع الطائفة السيد الحكيم (قدس سره) يؤكد على ذلك مع خاصة وكلائه وممثليه وأوثق الناس عنده، ليبعدهم عن مواقع التهمة، وكان لذلك أفضل النتائج في عهده.
ثانياً: أن لا يتوسعوا في كسب المال وإنفاقه لأنفسهم، ويبعدوا عن مظاهر الجمع والادخار، ومظاهر البذخ والترف، حتى لو كان المال من مكاسبهم الشخصية، فضلاً عما إذا كان من الحقوق الشرعية، ويحاولوا إنفاق ما زاد عن حاجتهم منه في المصارف الراجحة، كالخدمات الدينية بوجوهها المختلفة، وإغاثة المضطرين من المؤمنين وسد عوزهم وتفريج كربتهم وإغاثة لهفتهم، ففي ذلك قبل كل شيء رضا الله تعالى الذي هو من أهم أسباب التوفيق والبركة في العمل والتسديد في المسعى، ثم هو سبب لتأكيد ثقة الناس برجل الدين والتبليغ، حتى يطمئنوا إليه ويستمعوا له ويسترشدوا بإرشاداته ويقبلوا قوله ويتعاونوا معه لخدمة هذا المبدأ الشريف المتعب، الذي قام بحقيقته وواقعيته مع الحجة الواضحة والبراهين الساطعة، وبجهود المعنيين من معتنقيه وجهادهم وتضحياتهم وبثباتهم وصبرهم، على مر العصور وتعاقب الدهور في شدة المحن ومظلات الفتن. ونسأله سبحانه أن يجعلنا من العاملين في سبيله المرضيين عنده المقبولين له، إنه الرؤوف بالمؤمنين الرحيم وقد طال بنا المقام إلى ما لم نكن نحتسب في جواب سؤالكم أملاً في أن نؤدي بعض الواجب في النصح والتذكير لرجال الدين والمبلغين في أداء واجبهم {فإن الذكرى تنفع المؤمنين} وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
س17: بعض الناس يتصرف في الحقوق الشرعية بنفسه من دون مراجعة الحاكم الشرعي، محتجاً بأنه يصرفه فيما يرضي الله عز وجل والإمام المهدي (عليه السلام) فما هو رأيكم في ذلك؟
ج: من حقه أن يفعل ذلك إذا كان من يقلده ـ طبق الموازين الشرعية ـ يفتي بعدم وجوب مراجعة الحاكم الشرعي. أما في غير ذلك فهو خروج عما أمر به الله تعالى من الرجوع لأهل العلم، وللإمام صاحب الحق (عليه السلام) الذي ورد عنه أنه قال: وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله. والإنسان المؤمن إنما يدفع الحق من أجل أن تبرأ ذمته منه، ولا يطالب به بين يدي الله تعالى، ويأمن عقابه، وكيف يحصل على ذلك وهو يخرج به عن ميزانه الشرعي بمقتضى تقليده الذي فرضه حجة على نفسه يحاسب على ضوئه يوم يقف بين يدي الله تعالى؟!، ولماذا هذا التسامح في أداء فرائض الله تعالى والخروج عن حدوده؟ على أن في ذلك تشتيتاً للكيان الشيعي ولإمكانياته، وتسيباً في صرف الحق، حيث يتعرض للرغبات الفردية، والقناعات الشخصية التي يسهل سيطرة المتملقين عليها، وتتحكم فيها العواطف والمجاملات، حتى ينحرف به تدريجاً عن وجهه ويبعد عنه.
نعم إذا كان صاحب الحق ذا خبرة بمصارف الحق وقدرة على صرفه فيها أو له وجهة نظر في ذلك أمكنه التنسيق مع الحاكم الشرعي وتبادل وجهات النظر، لأن كلمته مسموعة عنده، ولا سيما بناء على فتوانا من أن الولاية على الحق مشتركة بينهما. وبذلك تتركز المرجعية الدينية، ويتماسك الكيان الشيعي، وتنحل كثير من الإشكالات، ونتجنب كثيراً من السلبيات والمفارقات المتوقعة {وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، واتقوا الله إن الله شديد العقاب}. ولنا حديث حول الموضوع في سؤال وجه إلينا ونشر في رسالتنا الموجهة لطلبة الحوزة والمبلغين يحسن الإطلاع عليه.
س18: ما هي عناصر القوة في مذهب أهل البيت (عليهم السلام) وفي مسيرة أتباعهم التي جعلتهم يصمدون أمام المحن العسيرة والمتنوعة عبر العصور المديدة؟
ج: عناصر القوة تكمن في أمور..
1 ـ قوة المذهب في نفسه، باعتباره هو المذهب الحق المتكامل الفكرة القوي الحجة والساطع البرهان ـ عند الجدل العلمي والحساب المنطقي المنصف ـ والخالي عن المفارقات والتناقضات والفجوات، ويمتلك الحل الأمثل لمسألة خلافة النبوة المقدسة، التي هي أساس الخلاف في الإسلام، وبها يقوم كيانه.
2 ـ تميز الأئمة (عليهم السلام) بمقام رفيع في نفوس المسلمين بسبب انتمائهم النسبي للنبي (صلى الله عليه وآله)، وامتلاكهم القدر الهائل
من الفضائل والكرامات المروية في حقهم عن النبي (صلى الله عليه وآله) وعن واقعهم المشرف، والمعلومة من حالهم من علمهم وقدسيتهم، وعظمة شخصيتهم، حيث فرضوا أنفسهم على الولي والعدو وصاروا وسام فخر لشيعتهم ومواليهم المنتسبين إليهم والمعتزين بهم.
أضف إلى ذلك حكمتهم في قيادة التشيع وتثقيف الشيعة وشدهم بهم ولائياً وعاطفياً، وتقديساً وتخصيصهم بعلومهم ومعارفهم في أحاديثهم وتعاليمهم وزياراتهم وأدعيتهم، وتربيتهم تربية متميزة.
3 ـ المحن والمآسي التي وقعت على أهل البيت (عليهم السلام)، حيث سببت..
أولاً: شدّ الناس إليهم، لأن الناس مع المظلوم.
وثانياً: حمل شيعتهم على التعرض للمحن والصبر عليها في سبيل الحق تأسياً بهم.
وثالثاً: خلق مناسبات ومواسم وأجواء دينية تشدّ الشيعة لأئمتهم وأوليائهم ولمبدئهم من زيارات ومجالس عزاء وشعارات ونحو ذلك. كما أنها من أقوى أسباب الدعاية للمذهب الشريف ودعوة الناس إليه، وحركة الشيعة المستمرة في هذا الاتجاه.
4 ـ استقلالية الحوزة العلمية والمرجعية الدينية اقتصادياً ومنهجياً، بحيث لا يمكن السيطرة عليها. وما استتبع ذلك من وجود علماء رفيعي المستوى في العلم والدين والثبات على المبدأ والحفاظ على سلامة تعاليم المذهب من التحريف والتشويه، ووجود جماعة كبيرة من المؤمنين يهتمون بالوصول للحقيقة من طريقهم، واستمرار التحرك في هذا الاتجاه، حيث صار ذلك سبباً لتميزهم بكيان قدسي حي، وزعامة روحية محترمة فاعلة.
5 ـ تتابع المدّ الإلهي بحدوث كرامات للأئمة (عليهم السلام) وللأولياء في الوقت المناسب بوجه غير منظم، وبنحو يشبه الصدمة الموجبة لإعادة الحيوية وتجديد التعلق بالمذهب وبرموزه وتجلى حقهم وحقيقتهم وارتباطهم بالله تعالى وعنايته بهم.
6 ـ فشل الأطراف الأخرى ذات الطروحات المختلفة ـ إسلامية كانت أو غيرها ـ في إرضاء الناس وجرّ مودتهم، ولجوؤهم بالآخرة للقهر والظلم. وانتفاع الشيعة ـ من حيث يريدون أو لا يريدون ـ بنقطة الضعف هذه في التنفير عن أصحاب تلك الطروحات، وإنكار جرائمهم، وبيان بطلان طروحاتهم وفشلها، وقد جرّ ذلك لهم مودة المظلومين وعداء الظالمين وصب نقمتهم عليهم وتنكيلهم بهم بعد أن فشلوا في مقاومتهم عقائدياً، وكان لذلك أعظم الأثر في قوة عقيدتهم ومبدئهم، وارتفاع معنوياتهم وظهور دعوتهم، وسماع صوتهم. حيث صارت المظلومية وعداء الظالمين والتضحية ضد الظلم أوسمة مشرفة لهم. ولعله إلى هذا يشير ما ورد عن أئمتنا (عليهم السلام) من أن الله تعالى أعان على عدونا بالحمق.
7 ـ وآخر هذه الأمور، ولعله أهمها: أن دعوة هذا المذهب الشريف هي كلمة الله تعالى الوحيدة في هذا العالم الذي تتلاطم فيه أمواج الفتن والضلال والكفر والنفاق والتفسخ والانحلال والظلم والقهر. فلابد من أن يكون مؤيداً من قبل الله جل شأنه محفوفاً بعنايته مرعياً برعايته، كي تتم به الحجة على الناس {ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة}. وهذه نعمة من الله تعالى على المؤمنين، فعليهم أن يؤدوا حقها ويقوموا بشكرها ويعرفوا كيف يرعونها ويحافظون عليها.
س19: تشن على شيعة أهل البيت (عليهم السلام) حملات دعائية مكثفة ومن أطراف متعددة، فكيف يواجهونها فكراً وسلوكاً؟
ج: هذه الحملة ـ على شراستها ـ أمر طبيعي متوقع بلحاظ موقف الشيعة المتميز في قول كلمة الحقيقة للحقيقة، وانحيازهم عن المسيرة العالمية التي تسيطر عليها قوى الشر المادية الفاعلة، من دون أن يركعوا لها أو ينسقوا معها، بل تصدوا لفضحها باستقامتهم في سلوكهم وبإنكارهم على الإجرام والانحراف، فلابد أن يوطنوا أنفسهم على مثل هذه الحملة ويتهيئوا لها، وقد مروا بأمثالها أو بأشد منها في تاريخهم المبدئي الطويل. والأمل بالله تعالى ـ وببركة إمام العصر عجل الله فرجه ـ أن يأخذ بناصرهم ويثبتهم حتى يخرجوا منها ظافرين منتصرين، وترتد عنهم خائبة خاسرة كما ارتدت الحملات السابقة، وقد قال تعالى: {فاصبر إن العاقبة للمتقين}.
وعلينا في مواجهة هذه الحملة ..
أولاً: أن نتجنب العنف بجميع مظاهره، فإنه نقطة ضعف تضر بصاحبها، بل تستغل ضده، وتضخم عليه، وقد تنجم عنه مضاعفات غير محمودة، بل قد يكون بنفسه تعدياً وخروجاً عن الميزان الشرعي. وعلينا أن نتحلى بالصبر والوداعة وهدوء الطرح وسجاحة الخلق، فإن ذلك من آداب أئمتنا (عليهم السلام) وشيعتهم. قال ابن أبي الحديد في ترجمة أمير المؤمنين (عليه السلام): (وأما سجاحة الأخلاق وبشر الوجه وطلاقة المحيى والتبسم فهو المضروب به المثل فيه حتى عابه بذلك أعداؤه... وقد بقي هذا الخلق متوارثاً متناقلاً في محبيه وأوليائه إلى الآن، كما بقي الجفاء والخشونة والوعورة في الجانب الآخر. ومن له أدنى معرفة بأخلاق الناس وعوائدهم يعرف ذلك).
وثانياً: الثقة بالنفس نتيجة شعورنا بأنا على حق، كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (لا يزيدني كثرة الناس عني قوة ولا تفرقهم عني وحشة). وكفى في رفع معنويتنا شعورنا بأنا مسلمون وقد قال الله تعالى: {ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين}. وبأنا الفرقة الناجية من المسلمين من بين ثلاث وسبعين فرقة، ـ كما جاء في الحديث النبوي ـ وقد انتسبنا لأهل البيت (عليهم السلام) الذين هم القمة في الشرف والدين والقدسية بإجماع المسلمين، أضف إلى ذلك ما ورد في الثناء على الشيعة ـ خصوصاً في عصر الغيبة ـ وأنهم أولياء الله حقاً وأن أهل السماء ينظرون إليهم كما تنظرون إلى الكوكب الدري في السماء، وقد قال الإمام الصادق (عليه السلام): (لقد قلت حتى استحييت من كثرة ما قلت: ليس بين أحدكم وبين أن يرى ما يقر عينه إلا أن تبلغ روحه ههنا) وأشار إلى حلقه... إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة.
كما أن الله جل وعلا أكد في كتابه المجيد على أن الشاكرين من عباده هم القلة القليلة، وكذلك الناجون منهم، حيث قال تعالى: {ثلة من الأولين وثلة من الآخرين} وبذلك استفاضت أحاديث النبي (صلى الله عليه وآله) وأهل البيت (عليهم السلام).
وأكد سبحانه أيضاً على أن المؤمنين معرضون للبلاء والزلزال قال تعالى: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب} وقد استفاضت الأحاديث بذلك أيضاً، خصوصاً في عصر الغيبة الذي هو عصر محنة الشيعة، فإذا ضاقت بهم الأمور فقد صدق وعد الله تعالى لهم، وذلك يزيدهم بصيرة في حقهم وإيماناً بصدق دعوتهم، كما قال عز من قائل: {ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيماناً وتسليماً}.
وثالثاً: استذكار تاريخنا المشرف في الصبر والثبات على المبدأ والإصرار على السير في طريقه في مراحله المختلفة، وما استتبع ذلك من نجاح وفلاح حتى فرض على الآخرين على أنه أمر واقع لابد من الاعتراف به والتعامل معه على ما سبق في جواب السؤال الثالث.
ورابعاً: الاهتمام بالدعوة والحوار وبيان وجهة النظر وتجديد عرض الأدلة بما يناسب العصر الحاضر، مع سعة الأفق والموضوعية الكاملة والحفاظ على الصدق والترفع عن الالتواء والمغالطات والمهاترات، فإن قليلاً من حق يغني عن كثير من باطل، كما ورد عن أئمتنا (عليهم السلام). ولا سيما مع أنا نملك بحمد الله من الأدلة والبراهين الشيء الكثير الكافي في حق المنصفين من ذوي التبصر والتعقل، وبعد ذلك {فلا يضركم من ضل إذا اهتديتم}.
وخامساً: الحفاظ على إقامة شعائرنا وإحياء مناسباتنا ومواسمنا وطرح مفاهيم أهل البيت (عليهم السلام) وإحياء أمرهم، فإن لذلك أعظم الأثر في تجمع الشيعة وتقاربهم وتماسكهم وتذكيرهم بمفاهيمهم وتجديد روح العزم والثبات فيهم وجرّ الآخرين لهم، فهي الدرع الواقي، والدعاية الناجحة، كما يشهد بذلك حث الأئمةb على ذلك وتأكيدهم عليه، وتاريخ الشيعة الطويل.
وسادساً: الاهتمام بوحدة الصف وجمع الكلمة وتخفيف حدة الخلاف وتقريب وجهات النظر والترفع عن التهاتر والتنابز والاتهامات الرخيصة من أجل فرض وجهة النظر على الغير، أو من أجل حب الظهور وإلفات نظر الآخرين أو غير ذلك.
وسابعاً: الحذر كل الحذر من الدعوات المنحرفة أو الانهزامية، فإن في ذلك القضاء على الكيان الشيعي المتكامل وتمييع مفاهيمه، بل هي دعوات مشبوهة قد يكون الغرض منها الالتفاف على مذهب أهل البيت (عليهم السلام) وإغفال أتباعه عن حقيقته، لينفلتوا منهم ويتخلوا عنه من حيث لا يشعرون، فيجب الوقوف ضدها وضد مدعيها بحزم وحكمة ـ إلى جانب العلماء الأعلام ـ، لأنها أخطر كثيراً من الدعوات المضادة الصريحة.
ولذا وقف أئمتنا (عليهم السلام) بشدة وصلابة في وجه الدعوات المنحرفة ومن دون هوادة. نعم لا ننصح باستعمال العنف في ذلك وغيره كما ذكرناه آنفاً.
وإنا لله وإنا إليه راجعون.
وثامناً: علينا تأكيد الارتباط بالله تعالى وشدّ أنفسنا به، لنكون مشمولين بعنايته مرعيين برعايته، فإنه خير الناصرين وولي المؤمنين، وهو حسبنا ونعم الوكيل {ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون}.
س20: الساحة الشيعية ـ كسائر الساحات ـ تحتوي على مختلف الآراء والاتجاهات، فما هي توجيهاتكم لشيعة أهل البيت (عليهم السلام) في كيفية تعايشهم فيما بينهم؟
ج: سبق منا التعرض لذلك في أحاديث متعددة، ونعود هنا فنقول:
أولاً: يجب أن يكون اتخاذ القرار والتوجه لخصوص بعض الاتجاهات دون بعض مبتنياً ـ بعد الالتجاء لله تعالى في التوفيق والتسديد ـ على التثبت والتروي وملاحظة رضى الله تعالى وصلاح الدين والمؤمنين وأداء الوظيفة الشرعية بعيداً عن الدوافع الخارجية والمصالح الفردية والرغبات الشخصية والتعصب أو التقليد الأعمى، فإن الأمر كله لله تعالى ونحن عبيده نواصينا بيده وأمرنا إليه. والحذر من تسويل الشيطان وتلبيسه، حيث قد يوهم الإنسان ـ من أجل أن يشقيه أو يلقح الفتنة بين المؤمنين ويشق كلمتهم ـ بأنه يطلب في وجهته رضا الله والمصلحة العامة، وقد يستطيع الدفاع عن وجهة نظره بمعسول الكلام، مع أنه لو رجع إلى قرارة نفسه لوجد نفسه مدفوعاً بدافع آخر، وذلك لا يخفى على الله تعالى.
وثانياً: يلزم استبعاد الشدة والعنف في فرض وجهة النظر على الغير واحترام وجهة نظر الآخرين، لا بمعنى تنازل الإنسان عن وجهة نظره وما يراه حقاً وصلاحاً من أجل وجهة نظرهم، بل التعامل معها بتعقل ورزانة وموضوعية وسعة صدر، ومحاولة تخفيف حدة الخلاف وتقليل نقاطه وتقريب وجهات النظر مهما أمكن، وفسح المجال للكل في أن يؤدي دوره في خدمة الطائفة وفق قناعاته.
وثالثاً: الحذر ثم الحذر من أن يجر اختلاف وجهة النظر لانتهاك حرمة المؤمن في بدنه أو عرضه بالافتراء والتشنيع والتشهير، فإن الشيطان قد يسول لذوي النفوس المريضة والأهداف المشبوهة خدمة أهدافهم بإسقاط اعتبار من يعارضها في المجتمع وهتكه، لئلا يقف في طريقهم، مع أن انتهاك حرمة المؤمن من أعظم المحرمات قال الله تعالى: {إن الذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناَ}. وقد أطلنا الكلام في ذلك في جواب بعض الأسئلة التي نشرت في رسالتنا الموجهة لطلبة الحوزة والمبلغين بما يغني عن الإعادة.
ورابعاً: اختلاف وجهات النظر لا يمنع من التعاون والتنسيق والاحترام المتبادل ما دام في حدود الاجتهاد المسموح به، وهو الذي لا يتعدى ثوابت المذهب الحق التي اقتضتها الأدلة القطعية وأقرتها رموز الطائفة.
أما إذا تعدى ذلك إلى زعزعة تلك الثوابت وانتهاكها والخروج عنها باسم الإصلاح أو التجديد أو التقريب أو الانفتاح على الآخرين أو غيرها، فذلك هو الانحراف المرفوض الذي يجب الإنكار عليه والوقوف ضده، ورفض التعاون معه، حفاظاً على كيان الطائفة المحقة وعلى شخصيتها من التمييع والتسيب، فإن في التعامل مع هؤلاء مع انتسابهم للطائفة وحشر أنفسهم في زمرتها تمريراً لمخططهم في شرعية الانحراف المذكور باسم الاجتهاد ووجهة النظر، وتضييعاً لمعالم الحق وحدوده وركائزه. ونعوذ بالله تعالى من مضلات الفتن، وهو المستعان.
س21: كيف تنظرون إلى التعاون والانفتاح على باقي المذاهب الإسلامية؟
ج: إنها خطوة إيجابية جيدة قد حث عليها أهل البيت (عليه السلام) ويفرضها الواقع القائم، فإن الأعداء كمايعادون خط أهل البيت (عليهم السلام) يعادون الإسلام بإطاره العام، وكما كان خط أهل البيت حقاً يجب الدفاع عنه كذلك الإسلام بإطاره العام حق يجب الدفاع عنه. وقد ضرب أئمتنا (عليه السلام) في سبيل ذلك المثل الأعلى في نكران الذات، فقد سكت أمير المؤمنين (عليه السلام) عن حقه خوفاً على كيان الإسلام من التشتت، ولم يأل جهداً من أجل خدمة هذا الكيان في النصيحة للحاكمين وتسديدهم والتعاون معهم، وانتشل الإمام الباقر (عليه السلام) السلطة من موقفها الحرج في قضية ضرب الدراهم والدنانير لصالح الإسلام، كما فعل الإمام العسكري (عليه السلام) ذلك أيضاً حينما استجار به المتوكل وهو في سجنه ليدفع عن الإسلام شبهة النصارى في الاستسقاء، وأجاز أئمتنا (عليه السلام) لشيعتهم الدفاع في الثغور عن بيضة الإسلام. وعلى ذلك جرى علماؤنا الأعلام في مواقفهم المشرفة على تعاقب العصور حتى دعموا العثمانيين الذين رأت الشيعة منهم الأمرين وحملوا السلاح معهم من أجل الدفاع عن هذا الكيان الشريف، الأمر الذي جرّ عليهم عداء المستعمر الغازي الذي ملك البلاد بعد ذلك وقرر مصيرها. وفي الأمس القريب انفتح سيدنا الأستاذ الجد السيد الحكيم طاب ثراه على بقية المذاهب في العراق حينما وقف في وجه المدّ الشيوعي الإلحادي. حتى أن هذه المواقف منهم ربما تحمل على الاسترسال وقلة العمق والدهاء. لكن هذا من تتمة الظلم للحقيقة الذي هو ضريبة الواقعية والمبدئية، وقد سبق أن قيل: معاوية أدهى من علي (عليه السلام).
وأنظر إلى العمق وبعد النظر في التضحية من أجل المبدئية وخدمة الإسلام في هذه الحادثة التي قد يحسن إثباتها خدمة للتاريخ وللحقيقة المظلومة، وهي ما حدثنا به الحجة آية الله الشيخ محمد طاهر آل الشيخ راضي (قدس سره) فقد ذكر أنه لما بدا من المرحوم الشيخ ميرزا محمد تقي الشيرازي (قدس سره) التهيؤ لثورة العشرين ضد الاستعمار البريطاني في العراق سافر عمه الشيخ عبد الحسن بن المرحوم الشيخ راضي من النجف الأشرف إلى كربلاء، فاجتمع بالشيخ وقال له: كيف تعتمد على الناس في الجهاد وإعلان الثورة ضد الإنكليز؟! أما رأيت الخيانات والتخاذل والعجز عن مقاومة الإنكليز في الجهاد؟! أو ما أشبه ذلك فقال طاب ثراه ما محصله: لا يخفى عليّ ذلك، ولكني أريد أن أوقع بين العراقيين والإنكليز الدم، ليبقى الإنكليز مبغوضاً عندهم لا يسلبهم دينهم. وأقدم على الثورة، ولم نجن من ثمرتها إلا ما أراد (قدس سره) من استحكام البغضاء بين المستعمر الكافر والناس، فأبغضهم وأتعبهم بل انتقم منهم، وأبغضوه ومن يتعامل معه على طول المدة، ولم ينسجموا معه ولا انسجم معهم.
وقد طال بنا الحديث، ونرجع إلى ما قلناه أولاً من أن التعاون مع بقية المذاهب الإسلامية من أجل خدمة الكيان الإسلامي أمر جيد جداً، بل ضروري بلحاظ الواقع القائم. غير أنه لابد من الحفاظ على عقائدنا وثوابتنا وعدم التنازل عن شيء منها في سبيل تسهيل التعاون بيننا وبينهم، إذ لا معنى للتنازل عن روح الإسلام وحقيقته من أجل الحفاظ على كيانه. ولذا لم يغفل أئمتنا (صلوات الله عليهم) التأكيد على حقهم ودعوتهم كلما وجدوا لذلك سبيلاً. على أن التعاون لخدمة الإسلام لا يتوقف على التنازل المذكور، إلا أن يتعنت الطرف المقابل، بأن لا يهتم بخدمة الإسلام من أجل تعصبه. ومثل هذا حري بالإعراض، لأنه أضر على الإسلام والمسلمين {وإن الله لهو الغني الحميد}.
س22: ما هي الصيغة الصحيحة لتعامل المسلمين فيما بينهم؟
ج: ينبغي لهم ..
أولاً: أن يعمقوا الشعور في أنفسهم بوجوب التلاحم بينهم من أجل الحفاظ على الكيان الإسلامي العام وتقويته، فإن هذا في نفسه واجب شرعي في حق الكل نتيجة انتمائهم للإسلام وإيمانهم بأنه الدين الإلهي الحق الذي لا يقبل الله تعالى من العباد غيره، وبأن الله تعالى قد أمر بنصره بالجهاد من أجله. كما أنه اللازم في المرحلة المعاصرة بلحاظ خطط الأعداء وإصرارهم على مقاومة الإسلام بإطاره العام، وإبعاده بتشريعاته ومفاهيمه عن واقع الحياة ومحاولة تجريد أبنائه منه، ومحاربة المسلمين ككل أينما كانوا وكيف كانوا، وإضعافهم وعرقلة مسيرتهم وشق كلمتهم وإلقاح الفتنة بينهم، وتجاهل حقوقهم والتغاضي عنها، والتصام عن سماع صوتهم... إلى غير ذلك.
أضف إلى ذلك أن الأعداء أنفسهم على اختلاف أديانهم ومذاهبهم إذا وقفوا أمام الإسلام تناسوا خلافاتهم واتحدوا ضده، فالاستعمار البريطاني خرج من الهند ووقف في كشمير لصالح الهند الكافرة ضد باكستان المسلمة، وخرج من فلسطين ليتحالف مع العالم على اختلاف شعوبه لصالح اليهود ـ الذين لم يكونوا قد برؤوا من دم المسيح (عليه السلام) بعد ـ ضد المسلمين، واليوم يصرّ الغرب الكاثوليكي والبروتستاني على دعم الصرب الأرثوذكسي ضدّ المسلمين في البوسنة وأمام أعينهم ما قام به الصرب من الجرائم الوحشية التي تقشعر لهولها الأبدان ويندى منها جبين الإنسانية... إلى غير ذلك من مواقفهم. كل ذلك عداء منهم للإسلام بكيانه العام وبغضاً منهم للمسلمين بغض النظر عن مذاهبهم ومواقعهم من الأرض.
وكفى بهذا محفزاً للمسلمين على اختلاف مذاهبهم للتلاحم والتكاتف، وأن يذللوا العقبات في سبيل ذلك، متناسين خلافاتهم التي لا يزيدهم التقاطع والتناحر من أجلها إلا ضعفاً ووهناً.
وثانياً: أن يتعايشوا فيما بينهم بموضوعية واحترام متبادل فهم بعد مسلمون لهم حرمة الدم والمال. وعليهم بعد ذلك مراعاة النقاط التالية:
1 ـ فهم واقع كل طرف على حقيقته، بأخذ معتقداته وأفكاره من مصادره وكتبه التي يعترف بها، لا من مصادر الآخرين وكتبهم، والتعرف على سلوكياته من مخالطته والتعايش معه، ونقد وتمحيص الصورة المشوهة التي رسمت له نتيجة التراكمات الكثيرة في العصور المتطاولة، بسبب التعصب والتباعد والتشويه المتعمد وغير المتعمد.
2 ـ اعتماد كل طرف في بيان وجهة نظره والاستدلال عليها على الطرق العلمية وبموضوعية كاملة، ومناقشة وجهة نظر الآخرين على هذا الأساس أيضاً، وتجنب التنابز والتهاتر والتهريج والتشنيع ونحو ذلك من المواقف الانفعالية التي لا تخدم القضية المطروحة فضلاً عن الكيان الإسلامي العام، واستمرار الحوار بين الأطراف على هذا الأساس.
3 ـ نشر أفكار كل طرف ـ في العقيدة والفقه والتربية والتاريخ وغيرها ـ في وسائل الإعلام التي يمتلكها كل فريق، ليطلع الكل على ما عند الكل.
4 ـ إعطاء الحرية لكل أحد فيما يختار من معتقدات وأفكار في الإطار الإسلامي العام، من دون أن يفرض عليه أفكار الآخرين أو يجبر على التنازل عن أفكاره ومعتقداته. نعم لا بأس بالحوار الموضوعي الهادئ حول ما هو الحق الحقيق بالفوز والنجاة والخروج عن المسؤولية مع الله تعالى.
5 ـ أن يتصدى دعاة التقريب من كل مذهب لمن يخرج عن هذه التعاليم من أبناء مذهبه وينكر عليهم سوء تصرفهم، حتى يشعروا أنهم في مواجهة داخلية ويتنبه أهل مذهبهم إلى خطأ سلوكهم، وكذب معلوماتهم، فيكسد سوقهم، ويخيب سعيهم.
س23: من خلال متابعتكم لأوضاع الساحة الإسلامية وغيرها ما هي توجيهاتكم للكتاب الإسلاميين والمحققين والمبلغين؟
ج: اللازم عليهم الاهتمام بالإنتاج النافع للناس في بيان حقيقة مخفية أو مشوهة، أو تأييد حق مهتضم أو إبطال باطل غالب، أو توجيه أخلاقي تربوي أو دعوة لجمع الكلمة أو غير ذلك مما فيه صلاح الإسلام والمسلمين، ليكونوا رساليين في عملهم ويؤدوا حق الموهبة والفرصة التي منحها الله تعالى لهم، ويقوموا بوظيفتهم في الخدمة من موقعهم. ولا يهتموا بالإنتاج ذي العناوين الرنانة والصور الملفتة إذا كان أجوف خالياً عن الفائدة، فضلاً عما إذا كان مضراً بالإسلام والمسلمين في تشويه الحقائق أو زرع الفتنة وتفريق الأمة، فإن في ذلك خيانة لأمانة البحث والعلم وتعدياً على المبادئ الحقة، فيكفروا النعمة ويستحقوا النقمة، كما قال عز من قائل: {ألم ترَ إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً وأحلوا قومهم دار البوار جهنم يصلونها وبئس القرار}.
س24: كيف تنظرون إلى الحوار الإسلامي مع باقي الأديان، خاصة الدين المسيحي؟
ج: مع تطور وسائل الاتصال حتى صار العالم متشابك المصالح كأهل المدينة الواحدة يفترض تفاهم الجميع وفتح الحوار بينهم من أجل صلاحهم والتعايش بينهم على الوجه الأفضل، وتذليل العقبات الناجمة عن اختلافهم دينياً أو قومياً أو فكرياً أو غير ذلك. ولا سيما الأديان السماوية التي تشترك في الحقيقة المقدسة العليا والتي يفترض فيها الدعوة للمثل والأخلاق، التي هي مهددة بالانهيار نتيجة طغيان الجانب المادي على الحضارة العالمية المعاصرة، ونتيجة نشاط القوى الشريرة المتحركة باتجاه التحلل من العقيدة بالغيب والتنكر للمثل والأخلاق، من أجل القضاء على إنسانية الإنسان، وتركيز الجوانب البهيمية فيه وتحفيز دواعي الجريمة.
ونخصّ بذلك الديانتين الأكثر انتشاراً في العالم، وهما الإسلام والمسيحية، حيث يكونان أشد حاجة للحوار والتنسيق، ولا سيما وأن هناك تداخلاً بين المسلمين والمسيحيين في كثير من بقاع الأرض، ووجود الأهداف المشتركة بينهما. وقد تجلت ـ أخيراً ـ أهمية الحوار في تنسيق الجانب الإسلامي مع الفاتيكان حيث أحبطت ـ في محاولة إنسانية ـ عدة محاولات مشبوهة لتمرير قرارات تمس المثل والأخلاق.
س25: باعتباركم أحد مراجع الدين، وعُرِف عنكم اهتمامكم ومتابعتكم لوضع الساحة الإسلامية، هل تنظرون إلى المستقبل المنظور بتفاؤل أو قلق؟
ج: لا ريب في أن المتاعب كثيرة والمشاكل معقدة، إلا أن التشيع قد مرّ بأزمات كثيرة في عصوره المختلفة وقد خرج منها بعناية الله تعالى ورعاية الأئمة المعصومين (صلوات الله عليهم) ظافراً منتصراً قد تبلورت مفاهيمه وتكامل كيانه وفرض نفسه على الآخرين، فاعترفوا به ككيان قائم يجب التعامل معه. فالتشيع بعد مقتل الحسين (عليه السلام) كان معرضاً للضياع والاضمحلال بنحو مأساوي، لأنه كان بمنظور الأعداء والمحايدين وكثير من المؤيدين حركة وسياسة قد انتهت بمقتله (عليه السلام) وقضي عليها، ولكن الخاصة القليلة بقيت متمسكة به كعقيدة ذات أصول برهانية، واستطاعت بثباتها أن تفرضه على الواقع الإسلامي، حتى إذا اتضحت معالمه تجددت الحملة عليه بوضع مأساوي بلغ القمة باستشهاد الإمام الكاظم (عليه السلام) والاستهانة بجثمانه الشريف باستهتار مليء بالحقد يستبطن الاعتراف بذلك الواقع العقيدي، حيث نودي عليه بنداءات فظيعة، منها: هذا إمام الرافضة، وقد قارن ذلك انشقاق الواقفة الخطير الذي زعزع أركان التشيع وهزه هزاً عنيفاً لولا ثبات ذوي البصائر، وإذا به ينتصر بعد فترة قصيرة ذلك الانتصار العظيم في بيعة الإمام الرضا (عليه السلام) ثم يفرض نفسه وتضطر السلطة للتعامل معه كحقيقة قائمة، وإن كانت مقاومة وبعنف في بعض الفترات.
ثم جاءت المحنة الكبرى بغيبة صاحب الأمر عجل الله فرجه وحيرة الشيعة بفقد راعيها، وما استتبع ذلك من انشقاقات ومآسٍ عقائدية، المفترض فيها أن تكون سبباً في ضياع معالمه ـ بل نسفه من أساسه ـ بعد فقد الإمام المعصوم المفترض الطاعة، المسموع الكلمة. لكنه خرج من تلك المحنة منتصراً بسبب تكامل مفاهيمه وتناسقها وقوة حجته ووضوحها، وجهاد علمائه الأبرار، وثبات المؤمنين الأخيار، وأثبت أنه من القوة بحيث يستطيع الوقوف على أرض الواقع بنفسه حتى مع فقد الإمام، كما قال أئمتنا (عليه السلام) إن الله تعالى لو لم يعلم أن في المؤمنين من يثبت إمامة الحجة (عليه السلام) في غيبته لما غيبه عنهم.
وتوالت الأحداث والمآسي والمتاعب والمصاعب، وهو لا يزيد إلا قوة وصلابة، ولا تزيد حجته إلا ظهوراً وكلمته إلا علواً، حتى انتهى به الأمر اليوم إلى أن يكون هو الناطق باسم الإسلام الحق في مواجهة الكفر والظلم والإنكار عليهما وتعريتهما.
ومن الطبيعي أن تتحالف عليه قوى الكفر والظلم اليوم لتحاول تمزيقه من الداخل بالخلافات والفتن، ومقاومته من الخارج في مواجهات مادية قتلاً وسجناً وإفقاراً وتشريداً، وإعلامية كذباً وتهريجاً وسخرية وتشويهاً. والأمل بالله جل شأنه وببركة إمام لعصر عجل الله فرجه أن ترتد هذه الهجمة خاسئة خاسرة ويخرج التشيع من هذه المحنة منتصراً كما خرج من قبل فقد {كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله لقوي عزيز}. ولابد لكلمة الله تعالى أن تبقى مسموعة لتقوم بها الحجة على الناس {ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيى عن بينة}.
غير أن هذا التفاؤل لا ينبغي أن يجرنا للتفريط في أداء الوظيفة، فإن الله تعالى لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، فعلينا . .
أولاً: أن نتوجه إلى الله تعالى بقلوب صافية ونيات خالصة، ونصلح أمرنا معه، ونحافظ على حدوده وتعاليمه ونوالي أولياءه ونعادي أعداءه، ونتوكل عليه ونحسن الظن به ولا يغيب عنا طرفة عين.
وثانياً: أن نجدّ في خدمة هذا المبدأ الشريف، وفي الدفاع عن عقائده وتعاليمه، ودعم أهل الاستقامة والصلاح والتضامن معهم، ورفض أهل الزيغ والانحراف وتجنبهم، والدعوة إلى هذا المبدأ بالحكمة والموعظة الحسنة، كما فعل علماؤنا السابقون رضي الله عنهم عند المحن وظهور الفتن. ومنه سبحانه نستمد العون والتوفيق. إنّه نعم المولى ونعم النصير.
ونسأله سبحانه أن يثبتنا وجميع المؤمنين بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ويكفينا شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، ويعيذنا من الشيطان الرجيم ومن مضلات الفتن، ويزيدنا إيماناً وتسليماً. إنه أرحم الراحمين وولي المؤمنين، وهو حسبنا ونعم الوكيل.